الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. المقالات

الكتاب الورقي بين الأصالة والتهميش

١٨ ربيع الآخر ١٤٤٧ هـ١٠ أكتوبر ٢٠٢٥
المقالاتالمنهج والدعوة السلفيةالصلاة والطهارةالفقه والأحكامالرقائق والآداب
مقال الأسبوع:
(الكتاب الورقي بين الأصالة والتهميش)

الحمد لله الذي علَّم بالقلم، علَّم الإنسان ما لم يعلم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمّدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فإنّ للكتاب الورقي مكانةً راسخةً في ميراث العلم، فهو الوعاء الذي حمل الوحي والسنة، وحفظ أقوال الأئمة ونفائس التحقيقات جيلاً بعد جيل، دون أن تَعبَث به أهواء المتعجِّلين أو تحريفات المتصدرين.

فالكتابُ الورقي ليس مجرد أوراقٍ وأحبار، بل هو تاريخُ الأمة العلمي، وسِجِلُّ صدقٍ ودقةٍ وتحقيقٍ، يشهد على سعة علم مؤلفه، وأمانة محقِّقه، وصبر طالبه.

أما في هذا العصر الذي كثر فيه الاعتمادُ على الكتب الإلكترونية والمواقع المتنوعة، فقد غلبت السرعةُ على التثبُّت، وحلَّت السطحيةُ محلَّ التحقيق، وصار كثيرٌ من طلاب العلم يكتفون بملفاتٍ منقولةٍ لا يُدرى مصدرها، ولا يُوثَق بمن نقلها أو حرَّرها، فاختلط الصحيحُ بالضعيف، والعلمُ بالظن، والحقُّ بالباطل.

ولئن كانت الكتبُ الورقيةُ تحتاج إلى نظرٍ وتمحيصٍ من جهة التحقيق وضبط النصوص وصحة الروايات، فكيف بما هو أضعفُ منها تحصيلاً وتوثيقًا، أعني تلك الملفات المتناثرة في زوايا الشبكة، التي ينسخها بعضهم عن بعض دون مراجعةٍ ولا عزوٍ ولا تدقيق!

ومن هنا، كان من الواجب على طالب العلم أن يحرص على اقتناء الكتب الورقية السلفية المحقَّقة، التي قامت على منهج أهل السنة والجماعة، واعتنت بالنصوص ضبطًا وتوثيقًا وتخريجًا، لتكون زاده في طلب العلم، ومأمنَه من الانحراف في الفهم أو النقل.

فالكتبُ المحقَّقة الصادرة عن دورٍ علميةٍ موثوقةٍ – ككتب الأئمة الكبار من أهل السنة والجماعة التي خدمها المحققون من أهل الاختصاص – هي العُمدةُ التي يُبنى عليها التفقهُ في الدين، والميزانُ الذي تُوزن به رواياتُ المحدثين وأحكامُ الفقهاء والأصوليين وغيرهم من علماء الملة والدين.

ولا ريب أن الوسائل الحديثة يمكن أن تكون خادمةً للعلم، لا بديلاً عنه؛ فالشبكةُ تُعين على الفهرسة والبحث والتواصل، لكنها لا تُغني عن صحبة الكتاب المحقَّق، ولا عن قراءة العالم الراسخ أو عليه، ولا عن مدارسة العلم بين طلابه، إذ الكتاب الورقي يربِّي في النفس السكينة، ويعلِّم طالب العلم التدرج والتأمل، ويؤنسه بأنفاس العلماء وكلماتهم النيرة التي خرجت من بين تمحيص أيديهم.

قال بعض السلف: «من كان شيخه كتابه، فخطؤه أكثر من صوابه»، فكيف بمن صار شيخه ملفًّا مجهولَ المصدر، أو موقعًا لا يضبط النقل ولا يلتفت إلى التحقيق؟!

فاحرص – رحمك الله – على اقتناء الكتب الورقية الأصيلة، واهجر الاعتماد على النسخ المشوشة – وإن كانت (PDF) [ إلا لضرورة وبعد سؤال متخصصين] – فإنها لا تثمر علمًا راسخًا، ولا تُنشئ ملكةً، واجعل لك خزانةً من كتب السلف الصالح، مصدَّرةً بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، ومن بعدهما كتب الأئمة المتقدمين وأهل العلم المعاصرين المحققين، تجد فيها بركةَ العلم وثباتَه، وصدقَ الأثر في قلبك وعملك.
ورحم الله زمانًا كانت متعةُ طالبِ العلمِ في اقتناءِ الكتاب، ولذَّتُه يومَ شرائه، فلا يذوقُ طعمَ النوم حتى يفرغَ من مطالعته، يطوي صفحاتِه بلهفةٍ، ويشُمُّ رائحةَ الورقِ بشغفٍ، ويعيشُ بين سطورِه فيجد حياةَ القلبِ والعقلِ معًا.
نسأل الله أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعل كتب علمائنا نورًا نهتدي به في زمانٍ غلب فيه اللهوُ على الجد، والمظاهرُ على الحقائق، والعجلةُ على التحقيق.
والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي الأثري عفا الله عنه الثغر السكندري حرسه الله صباح يوم الجمعة: ١٨ / ربيع الآخر / لسنة ١٤٤٧ هجرية

مواد ذات صلة