أُرِيدُ أَنْ أَسْتَوْضِحَ أَمْرًا – إِنْ شَاءَ اللهُ – وَهُوَ أَنَّنَا نَحْنُ السَّلَفِيِّينَ لَا نَلْتَزِمُ بِمَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ…
السؤال: مئة وتسعة وسبعون:
شَيْخَنا الفاضِل، حَفِظَكُمُ اللهُ وَبارَكَ فِي عِلْمِكُم.
أُرِيدُ أَنْ أَسْتَوْضِحَ أَمْرًا – إِنْ شَاءَ اللهُ – وَهُوَ أَنَّنَا نَحْنُ السَّلَفِيِّينَ لَا نَلْتَزِمُ بِمَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ التِزَامًا مُطْلَقًا، وَلَكِنْ نَدْرُسُ أُصُولَ الْفِقْهِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ: الْحَنَابِلَةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْمَالِكِيَّةِ، وَغَيْرِهِمْ، ثُمَّ نُقَارِنُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأَدِلَّةِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ – إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
وَلِأَنَّ الشَّيْخَ الألْبَانِيَّ وَالشَّيْخَ مُقْبِلًا الْوَادِعِيَّ – رَحِمَهُمَا اللهُ – قَدْ أَثْنَيَا عَلَى كِتَابٍ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ لِأَحَدِ الْعُلَمَاءِ الظَّاهِرِيِّينَ، فَهَلْ يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَتَّبِعَ تِلْكَ الأُصُولَ الَّتِي تُوَافِقُ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ، إِذَا وَجَدْنَاهَا أَقْرَبَ إِلَى الدَّلِيلِ وَأَقْوَى مِنْ أُصُولِ الْمَذَاهِبِ الأَرْبَعَةِ؟
فَإِذَا سَأَلَنِي أَحَدٌ: مَا مَذْهَبُكَ؟ فَهَلْ يَصِحُّ أَنْ أَقُولَ: «أَنَا ظَاهِرِيٌّ فِي الأُصُولِ»، بِمَعْنَى أَنَّنِي أَسْتَفِيدُ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ عِنْدَ الظَّاهِرِيَّةِ فِيمَا وَافَقَ الدَّلِيلَ مِنَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، دُونَ التِزَامٍ بِأَخْطَائِهِمْ أَوْ مَا خَالَفَ فِيهِ بَعْضُ عُلَمَائِهِمُ الصَّوَابَ؟
فَنَحْنُ لَا نَتَّبِعُ الأَخْطَاءَ وَلَا الشُّذُوذَاتِ، وَإِنَّمَا نَأْخُذُ بِمَا وَافَقَ الدَّلِيلَ، وَبِمَا أُثْنِيَ عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ الْفَقِيهَيْنِ الْجَلِيلَيْنِ: الشَّيْخِ مُقْبِلٍ وَالشَّيْخِ الألْبَانِيِّ – رَحِمَهُمَا اللهُ .
جَزَاكُمُ اللهُ خَيْرًا، وَنَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُبَارِكَ فِيكُمْ، وَأَنْ يَحْفَظَكُمْ عَلَى الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَأَنْ يَنْفَعَ بِكُمُ الإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ.
الحمد لله:
أحسنتَ أخي الحبيب، وسؤالك يدل على تحرٍّ للحق، وبصيرةٍ بمسالك طلبة العلم في فهم منهج السلف، فزادك الله علمًا وبصيرة.
وفيما يلي جواب موسَّع في هذه المسألة لأهميتها، مدعَّمٌ بكلام العلماء المحققين:
أولًا: التمذهب بأحد المذاهب الأربعة:
إنَّ التمذهب بأحد المذاهب الأربعة طريقٌ علميٌّ منضبطٌ لضبط الفقه وحفظ الدين، وهو من لطف الله بالأمة، فيُستفاد من أصولهم وقواعدهم، ويُرجع إليهم في التعليم والفتوى، دون تعصّبٍ أو التزامٍ حرفيٍّ، فالمعتبر هو اتباع الدليل، فمن بلغ رتبة الاجتهاد أخذ بالدليل مباشرة، ومن دون ذلك قلَّد من يثق بعلمه ودينه، وبذلك يجتمع الضبط الفقهي مع سلامة المنهج السلفي.
يقول الحافظ ابن رجب رحمه الله: (فاقتضت حكمة الله سبحانه أن ضبط الدين وحفظه : بأن نصب للناس أئمة مجتمعاً على علمهم ودرايتهم وبلوغهم الغاية المقصودة في مرتبة العلم بالأحكام والفتوى ، من أهل الرأي والحديث ، فصار الناس كلهم يعولون في الفتاوى عليهم ، ويرجعون في معرفة الأحكام إليهم ، وأقام الله من يضبط مذاهبهم ويحرر قواعدهم ، حتى ضبط مذهب كل إمام منهم وأصوله وقواعده وفصوله ، حتى ترد إلى ذلك الأحكام ويضبط الكلام في مسائل الحلال والحرام .
وكان ذلك من لطف الله بعباده المؤمنين ، ومن جملة عوائده الحسنة في حفظ هذا الدين .
ولولا ذلك لرأى الناس العجاب مِن كل أحمق متكلف معجبٍ برأيه جريء على الناس وثَّاب .
فيدعي هذا أنه إمام الأئمة ، ويدعي هذا أنه هادي الأمة ، وأنه هو الذي ينبغي الرجوع دون الناس إليه ، والتعويل دون الخلق عليه .
ولكن بحمد الله ومنته انسد هذا الباب الذي خطره عظيم وأمره جسيم ، وانحسرت هذه المفاسد العظيمة ، وكان ذلك من لطف الله تعالى لعباده ، وجميل عوائده وعواطفه الحميمة .
ومع هذا فلم يزل يظهر من يدعي بلوغ درجة الاجتهاد ، ويتكلم في العلم من غير تقليدٍ لأحد من هؤلاء الأئمة ولا انقياد .
فمنهم من يسوغ له ذلك لظهور صدقه فيما ادعاه ، ومنهم من رد عليه قوله وكذب في دعواه ، وأما سائر الناس ممن لم يصل إلى هذه الدرجة ، فلا يسعه إلا تقليد أولئك الأئمة ، والدخول فيما دخل فيه سائر الأمة " انتهى من (مجموع رسائله) [2/624]. ويقول أيضاً رحمه الله في [2/628] : (فإن قيل: فما تقولون في نهي الإمام أحمد وغيره من الأئمة عن تقليدهم وكتابة كلامهم ، وقول الإمام أحمد : لا تكتب كلامي ولا كلام فلان وفلان ، وتعلم كما تعلمنا . وهذا كثير موجود في كلامهم ؟
قيل : لا ريب أن الإمام أحمد رضي الله عنه كان ينهى عن آراء الفقهاء والاشتغال بها حفظاً وكتابة ، ويأمر بالاشتغال بالكتاب والسنة حفظاً وفهماً وكتابة ودراسة ، وبكتابة آثار الصحابة والتابعين دون كلام مَن بعدهم ، ومعرفة صحة ذلك من سقمه ، والمأخوذ منه والقول الشاذ المطرح منه ، ولا ريب أن هذا مما يتعين الاهتمام به والاشتغال بتعلمه أولاً قبل غيره .
فمن عرف ذلك وبلغ النهاية من معرفته - كما أشار إليه الإمام أحمد - فقد صار علمه قريباً من علم أحمد ، فهذا لا حجر عليه ولا يتوجه الكلام فيه ، إنما الكلام في منع من لم يبلغ هذه الغاية ، ولا ارتقى إلى هذه النهاية ، ولا فهم من هذا إلا النزر اليسير ، كما هو حال أهل هذا الزمان ، بل هو حال أكثر الناس منذ أزمان ، مع دعوى كثير منهم الوصول إلى الغايات والانتهاء إلى النهايات ، وأكثرهم لم يرتقوا عن درجة البدايات " انتهى .
وجاء في (فتاوى اللجنة الدائمة) [5/38] : " ما حكم التقيد بالمذاهب الأربعة ، واتباع أقوالهم على كل الأحوال والزمان ؟
الجواب : الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه. . وبعد: أولا: المذاهب الأربعة منسوبة إلى الأئمة الأربعة الإمام أبي حنيفة والإمام مالك والإمام الشافعي والإمام أحمد، فمذهب الحنفية منسوب إلى أبي حنيفة وهكذا بقية المذاهب.
ثانيا: هؤلاء الأئمة أخذوا الفقه من الكتاب والسنة وهم مجتهدون في ذلك، والمجتهد إما مصيب فله أجران أجر اجتهاده وأجر إصابته وإما مخطئ فيؤجر على اجتهاده ويعذر في خطئه.
ثالثا: القادر على الاستنباط من الكتاب والسنة يأخذ منهما كما أخذ من قبله ولا يسوغ له التقليد فيما يعتقد أن الحق بخلافه، بل يأخذ بما يعتقد أنه حق ويجوز له التقليد فيما عجز عنه واحتاج إليه.
رابعا: من لا قدرة له على الاستنباط يجوز له أن يقلد من تطمئن نفسه إلى تقليده وإذا حصل في نفسه عدم اطمئنان سأل حتى يحصل عنده اطمئنان.
خامسا: يتبين مما تقدم أنه لا تتبع أقوالهم على كل الأحوال والأزمان؛ لأنهم قد يخطئون بل يتبع الحق من أقوالهم الذي قام عليه الدليل) انتهى.
ثانيًا: طريقة علمائنا السلفيين المعاصرين في باب التمذهب:
الأصل عند أهل السنة السلفيين أن المذهب الحق هو ما وافق الكتاب والسنة، وأن الانتماء إلى مذهبٍ معين انتماءُ دراسةٍ واستفادةٍ لا تقليدٍ وانغلاق، فهم لا يتقيدون بأقوال الأئمة الأربعة التزامًا جامدًا، بل يجعلون الدليل إمامهم، والحقَّ مذهبهم، فما وافق الدليل أخذوه، وما خالفه تركوه، وإن قال به من قال.
ومع ذلك، فإنهم يجلُّون الأئمة الأربعة وسائر أئمة الإسلام، لأنهم أوتاد العلم وأركان الفقه، خدموا الشريعة خدمةً جليلة، استنبطوا الأحكام، وضبطوا القواعد، وبنوا الأصول على نصوص الوحيين، فكان علمهم عونًا على الفهم، لا حجابًا عن الدليل، ووسيلةً إلى الصواب، لا غايةً في ذاته.
ولهذا قرر أئمتنا المعاصرون - كالإمام ابن باز، والألباني، وابن عثيمين رحمهم الله - أن التمذهب المشروع هو الانتفاع بالمذاهب دون التعصب لها، فليس العيب في أن يدرس طالب العلم فقه مذهبٍ، وإنما العيب أن يقدِّم قول إمامه على نصٍّ صريحٍ من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
فكل من كان أقرب إلى النص وأدلة الشرع كان أقرب إلى الحق وأولى بالصواب، ومن جعل الرجال ميزان الحق ضل، ومن جعل الحق ميزان الرجال وُفِّق وسدَّد، فكانت الرايةُ السلفية خفَّاقةً بشعارها الأصيل: «الحق أحقُّ أن يُتَّبَع، والرجال يُعرَفون بالحق، ولا يُعرَف الحق بالرجال».
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كما في (الفتاوى الكبرى) [1/175] :
(ولا يجوز لأحد أن يرجح قولاً على قول بغير دليل، ولا يتعصب لقول على قول ولا لقائل على قائل بغير حجة، بل من كان مقلدا لزم حل التقليد، فلم يرجح ولم يزيف ولم يصوب ولم يخطئ، ومن كان عنده من العلم والبيان ما يقوله سمع ذلك منه، فقبل ما تبين أنه حق، ورد ما تبين أنه باطل، ووقف ما لم يتبين فيه أحد الأمرين، والله تعالى قد فاوت بين الناس في قوى الأذهان، كما فاوت بينهم في قوى الأبدان. وهذه المسألة ونحوها فيها من أغوار الفقه وحقائقه ما لا يعرفه إلا من عرف أقاويل العلماء ومآخذهم فأما من لم يعرف إلا قول عالم واحد وحجته دون قول العالم الآخر وحجته، فإنه من العوام المقلدين لا من العلماء الذين يرجحون ويزيفون، والله تعالى يهدينا وإخواننا لما يحبه ويرضاه، وبالله التوفيق، والله أعلم) انتهى .
فالسلفيون لا يزهدون في مذاهب الأئمة الأربعة، ولا يحتقرون جهودهم، بل يوقِّرونهم ويعرفون قدرهم، ويستفيدون من تراثهم، ولكنهم لا يلتزمون أقوالهم التزام المقلِّدين، بل يتَّبعون الدليل حيث كان.
ثالثًا: في حكم التمذهب المذموم:
التمذهب المذموم هو الالتزام الأعمى بمذهبٍ معينٍ دون نظرٍ في الدليل، أو تقديم قول الإمام على النصوص، أو التحزُّب والتعصُّب للمذهب وأهله بحيث يُوالَى ويُعادَى عليه، وهذا من البدع المحدثة التي أنكرها الأئمة.
قال الشيخ الألباني رحمه الله في (صفة صلاة النبي ﷺ) [ص: 44]: (فحسبي أنني معتقد أن ذلك هو الطريق الأقوم الذي أمر الله تعالى به المؤمنين وبينه نبينا محمد سيد المرسلين وهو الذي سلكه السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وفيهم الأئمة الأربعة - الذين ينتمي اليوم إلى مذاهبهم جمهور المسلمين - وكلهم متفق على وجوب التمسك بالسنة والرجوع إليها وترك كل قول يخالفها مهما كان القائل عظيما فإن شأنه صلى الله عليه وسلم أعظم وسبيله أقوم ولذلك فإني اقتديت بهداهم واقتفيت آثارهم وتبعت أوامرهم بالتمسك بالحديث وإن خالف أقوالهم ولقد كان لهذه الأوامر أكبر الأثر في نهجي هذا النهج المستقيم وإعراضي عن التقليد الأعمى فجزاهم الله تعالى عني خيرا.... ثم ذكر رحمه الله بعض أقوال أصحاب المذاهب بعبارات متنوعة كلها تؤدي إلى شيء واحد وهو وجوب الأخذ بالحديث وترك تقليد آراء الأئمة المخالفة لها ومن ذلك:
• قول الإمام أبي حنيفة رحمه الله: (إذا صح الحديث فهو مذهبي) . (ابن عابدين في " الحاشية " 1 / 63).
• والإمام مالك بن أنس رحمه الله فقال: (إنما أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه) . (ابن عبد البر في الجامع 2 / 32).
• والإمام الشافعي رحمه الله قال: (إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوا ما قلت) . (وفي رواية (فاتبعوها ولا تلتفتوا إلى قول أحد) . (النووي في المجموع 1 / 63) وقال: (إذا صح الحديث فهو مذهبي) . (النووي 1 / 63).
• والإمام أحمد بن حنبل رحمه الله قال: (لا تقلدني ولا تقلد مالكا ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري وخذ من حيث أخذوا) . (ابن القيم في إعلام الموقعين 2 / 302). انتهى.
وقال شيخ الإسلام ابن باز رحمه الله: (المذاهب الأربعة مذاهب علماء، أربعة علماء تفقهوا في الدين وعلموا من اتصل بهم، أبو حنيفة النعمان بن ثابت، ومالك بن أنس الأصبحي، ومحمد بن إدريس الشافعي، وأحمد بن محمد بن حنبل الشيباني هؤلاء علماء اشتهروا فصار لهم فقه وصار لهم علم واسع، ولهم أتباع وأصحاب فاشتهروا وسميت المذاهب الأربعة، ولا يلزم من أحد اتباع واحد معين لا، يلزم المسلمين اتباع الحق، اتباع الرسول ﷺ.
وهؤلاء العلماء الأربعة مثل بقية العلماء كإسحاق بن راهوية وسفيان الثوري والأوزاعي وسفيان بن عيينة وغيرهم من أئمة الهدى، على الجميع -جميع المسلمين- أن يكونوا مثلهم يعني يتبعون الحق ويسألون عن الحق وينظرون في الحق ويتعاونون مع علماء زمانهم في اتباع الحق، وهو اتباع ما دل عليه القرآن أو دلت عليه سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وليس يلزم زيدًا أو عمرًا أن يكون حنبلياً أو مالكيا أو شافعيا أو حنفيا أو ثوريا أو أوزاعياً لا، الواجب اتباع الحق أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [النساء:59]، وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7]) انتهى كما في موقعه (فتاوى الجامع الكبير حكم التزام المسلم بمذهب فقهي معين).
رابعاً: في شأن كتب الأصول عند الظاهرية:
الإمام ابن حزم الأندلسي رحمه الله كان من كبار العلماء، واسع الاطلاع، شديد التمسك بالسنة، إلا أنه خالف أهل السنة في مسائل الصفات ونفى القياس، وتأثر ببعض أقوال الفلاسفة والمعتزلة، فوقع في أخطاء أنكرها عليه الأئمة كابن تيمية والذهبي. ومع ذلك فله فضلٌ عظيم في خدمة العلم وتعظيم السنة، فلا يُخرج من أهلها، ولا يُتابَع في زلاته، ويُؤخذ من علمه ما وافق الدليل ويُترك ما خالفه.
وأما كتب الأصول عند الظاهرية، كـ الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم، وكتب داود الظاهري ومن سلك طريقته، فإن فيها تحقيقًا نافعًا، وحرصًا على الدليل، وقوةً في العرض والنقض، لكن فيها أيضًا أصولًا تخالف ما عليه جمهور أهل السنة، كإنكار القياس، وردِّ كثيرٍ من أنواع الإجماع، وتوسيع باب ظواهر النصوص دون النظر إلى المعاني.
لذلك قال العلماء: إن من قرأ كتبهم ينبغي أن يكون حذراً وذا بصرٍ وتمييزٍ.
قال الذهبي رحمه الله عن الإمام ابن حزم رحمه الله: (نشأ في تنعم ورفاهية، ورزق ذكاء مفرطا، وذهنا سيالا، وكتبا نفيسة كثيرة، وكان والده من كبراء أهل قرطبة؛ عمل الوزارة في الدولة العامرية، وكذلك وزر أبو محمد في شبيبته، وكان قد مهر أولا في الأدب والأخبار والشعر، وفي المنطق وأجزاء الفلسفة، فأثرت فيه تأثيرا ليته سلم من ذلك، ولقد وقفت له على تأليف يحض فيه على الاعتناء بالمنطق، ويقدمه على العلوم، فتألمت له، فإنه رأس في علوم الإسلام، متبحر في النقل، عديم النظير على يبس فيه، وفرط ظاهرية في الفروع لا الأصول.
قيل: إنه تفقه أولا للشافعي، ثم أداه اجتهاده إلى القول بنفي القياس كله جليه وخفيه، والأخذ بظاهر النص وعموم الكتاب والحديث، والقول بالبراءة الأصلية، واستصحاب الحال، وصنف في ذلك كتبا كثيرة، وناظر عليه، وبسط لسانه وقلمه، ولم يتأدب مع الأئمة في الخطاب، بل فجج العبارة، وسب وجدع، فكان جزاؤه من جنس فعله، بحيث إنه أعرض عن تصانيفه جماعة من الأئمة، وهجروها، ونفروا منها، وأحرقت في وقت، واعتنى بها آخرون من العلماء، وفتشوها انتقادا واستفادة، وأخذا ومؤاخذة، ورأوا فيها الدر الثمين ممزوجا في الرصف بالخرز المهين، فتارة يطربون، ومرة يعجبون، ومن تفرده يهزؤون.
وفي الجملة فالكمال عزيز، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ينهض بعلوم جمة، ويجيد النقل، ويحسن النظم والنثر.
وفيه دين وخير، ومقاصده جميلة، ومصنفاته مفيدة، وقد زهد في الرئاسة، ولزم منزله مكبا على العلم، فلا نغلو فيه، ولا نجفو عنه، وقد أثنى عليه قبلنا الكبار) انتهى من (سير أعلام النبلاء) [18/ 186 - 187].
وفي (فتاوى اللجنة الدائمة) [12/ 223] قالت: (من العلماء المبرزين في الأصول، والفروع، وفي علم الكتاب والسنة، إلا أنه خالف جمهور أهل العلم في مسائل كثيرة أخطأ فيها الصواب؛ لجموده على الظاهر، وعدم قوله بالقياس الجلي المستوفي للشروط المعتبرة، وخطأه في العقيدة بتأويل نصوص الأسماء والصفات أشد وأعظم) اهـ.
خامساً: في التعبير الصحيح عن المنهج:
قولك: «أنا ظاهريٌّ في الأصول» تعبير غير دقيق، إذ يوهم الانتساب إلى مذهبٍ مخصوصٍ له أصوله ومخالفاته المعروفة، كرده للقياس، ومخالفته لجمهور أهل العلم في مسائل أصولية كبيرة، وهذا لا يليق بمنهج السلف القائم على اتباع الدليل لا التعصب للأسماء أو المذاهب.
والأَولى والأدق أن يُقال: «أنا سلفيُّ المنهج، أستفيد من كتب الأصول عند الأئمة وبما فيهم الظاهرية، وأرجِّح ما وافق الدليل من القرآن والسنة.»
فهذا هو التعبير الذي يجمع بين سلامة الاعتقاد ووضوح المنهج، وهو طريق أئمة التحقيق من أهل السنة في القديم والحديث؛ كشيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، والإمام ابن عبد البر، وابن رجب، ومن بعدهم ابن باز، والألباني، وابن عثيمين رحمهم الله أجمعين، إذ كانوا سلفيين في الأصل، أصوليين في الفهم، ينقادون للدليل حيث كان، دون انغلاقٍ على مدرسةٍ أو اسمٍ أو مذهبٍ.
سادساً: خلاصة الحكم:
الناس في باب التمذهب على طرفين ووسط:
طرفٌ غالٍ يرفض التمذهب مطلقًا، فيزهد في تراث الأئمة ويجعل أقوالهم كأقوال العوام، وهذا جهلٌ وغلوٌّ، إذ لا يُعرف الحق إلا من خلال فهمهم ونقلهم.
وطرفٌ مقابل يتعصب لمذهبه تعصبًا أعمى، فيقدِّم قول إمامه على النصوص ويغلق باب النظر في الدليل، وهذا انحرافٌ عن منهج السلف.
والوسط المحمود هو من يسير على نور الأئمة، فيقتدي بعلمهم وفهمهم للنصوص، ويقدِّم الدليل متى تبيَّن له، ويعذر المخالف، ويجوِّز للعامي تقليد من يثق بدينه، دون تعصبٍ أو خصومة.
سابعاً: الضوابط الفقهية:
• التمذهب على وجه التعصب والجمود مذموم عند أهل العلم.
• الاستفادة من المذاهب الفقهية والأصولية جائزة بل مطلوبة إذا التُزِمت ضوابطها.
• لا يُنسب طالب العلم إلى مذهبٍ بعينه متعصبًا له إن خالف الدليل الصحيح، لكن له أن يدرس الفقه على مذهبٍ معين مع الترجيح بما قام عليه الدليل.
• ويجوز الانتفاع بأصول الظاهرية فيما وافق الدليل، دون الانتساب إليهم أو تبني انحرافاتهم. هذا والله أعلم والحمد لله رب العالمين.
من ضمن (سلسلة الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص)
شَيْخَنا الفاضِل، حَفِظَكُمُ اللهُ وَبارَكَ فِي عِلْمِكُم.
أُرِيدُ أَنْ أَسْتَوْضِحَ أَمْرًا – إِنْ شَاءَ اللهُ – وَهُوَ أَنَّنَا نَحْنُ السَّلَفِيِّينَ لَا نَلْتَزِمُ بِمَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ التِزَامًا مُطْلَقًا، وَلَكِنْ نَدْرُسُ أُصُولَ الْفِقْهِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ: الْحَنَابِلَةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْمَالِكِيَّةِ، وَغَيْرِهِمْ، ثُمَّ نُقَارِنُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأَدِلَّةِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ – إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
وَلِأَنَّ الشَّيْخَ الألْبَانِيَّ وَالشَّيْخَ مُقْبِلًا الْوَادِعِيَّ – رَحِمَهُمَا اللهُ – قَدْ أَثْنَيَا عَلَى كِتَابٍ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ لِأَحَدِ الْعُلَمَاءِ الظَّاهِرِيِّينَ، فَهَلْ يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَتَّبِعَ تِلْكَ الأُصُولَ الَّتِي تُوَافِقُ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ، إِذَا وَجَدْنَاهَا أَقْرَبَ إِلَى الدَّلِيلِ وَأَقْوَى مِنْ أُصُولِ الْمَذَاهِبِ الأَرْبَعَةِ؟
فَإِذَا سَأَلَنِي أَحَدٌ: مَا مَذْهَبُكَ؟ فَهَلْ يَصِحُّ أَنْ أَقُولَ: «أَنَا ظَاهِرِيٌّ فِي الأُصُولِ»، بِمَعْنَى أَنَّنِي أَسْتَفِيدُ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ عِنْدَ الظَّاهِرِيَّةِ فِيمَا وَافَقَ الدَّلِيلَ مِنَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، دُونَ التِزَامٍ بِأَخْطَائِهِمْ أَوْ مَا خَالَفَ فِيهِ بَعْضُ عُلَمَائِهِمُ الصَّوَابَ؟
فَنَحْنُ لَا نَتَّبِعُ الأَخْطَاءَ وَلَا الشُّذُوذَاتِ، وَإِنَّمَا نَأْخُذُ بِمَا وَافَقَ الدَّلِيلَ، وَبِمَا أُثْنِيَ عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ الْفَقِيهَيْنِ الْجَلِيلَيْنِ: الشَّيْخِ مُقْبِلٍ وَالشَّيْخِ الألْبَانِيِّ – رَحِمَهُمَا اللهُ .
جَزَاكُمُ اللهُ خَيْرًا، وَنَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُبَارِكَ فِيكُمْ، وَأَنْ يَحْفَظَكُمْ عَلَى الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَأَنْ يَنْفَعَ بِكُمُ الإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ.
الحمد لله:
أحسنتَ أخي الحبيب، وسؤالك يدل على تحرٍّ للحق، وبصيرةٍ بمسالك طلبة العلم في فهم منهج السلف، فزادك الله علمًا وبصيرة.
وفيما يلي جواب موسَّع في هذه المسألة لأهميتها، مدعَّمٌ بكلام العلماء المحققين:
أولًا: التمذهب بأحد المذاهب الأربعة:
إنَّ التمذهب بأحد المذاهب الأربعة طريقٌ علميٌّ منضبطٌ لضبط الفقه وحفظ الدين، وهو من لطف الله بالأمة، فيُستفاد من أصولهم وقواعدهم، ويُرجع إليهم في التعليم والفتوى، دون تعصّبٍ أو التزامٍ حرفيٍّ، فالمعتبر هو اتباع الدليل، فمن بلغ رتبة الاجتهاد أخذ بالدليل مباشرة، ومن دون ذلك قلَّد من يثق بعلمه ودينه، وبذلك يجتمع الضبط الفقهي مع سلامة المنهج السلفي.
يقول الحافظ ابن رجب رحمه الله: (فاقتضت حكمة الله سبحانه أن ضبط الدين وحفظه : بأن نصب للناس أئمة مجتمعاً على علمهم ودرايتهم وبلوغهم الغاية المقصودة في مرتبة العلم بالأحكام والفتوى ، من أهل الرأي والحديث ، فصار الناس كلهم يعولون في الفتاوى عليهم ، ويرجعون في معرفة الأحكام إليهم ، وأقام الله من يضبط مذاهبهم ويحرر قواعدهم ، حتى ضبط مذهب كل إمام منهم وأصوله وقواعده وفصوله ، حتى ترد إلى ذلك الأحكام ويضبط الكلام في مسائل الحلال والحرام .
وكان ذلك من لطف الله بعباده المؤمنين ، ومن جملة عوائده الحسنة في حفظ هذا الدين .
ولولا ذلك لرأى الناس العجاب مِن كل أحمق متكلف معجبٍ برأيه جريء على الناس وثَّاب .
فيدعي هذا أنه إمام الأئمة ، ويدعي هذا أنه هادي الأمة ، وأنه هو الذي ينبغي الرجوع دون الناس إليه ، والتعويل دون الخلق عليه .
ولكن بحمد الله ومنته انسد هذا الباب الذي خطره عظيم وأمره جسيم ، وانحسرت هذه المفاسد العظيمة ، وكان ذلك من لطف الله تعالى لعباده ، وجميل عوائده وعواطفه الحميمة .
ومع هذا فلم يزل يظهر من يدعي بلوغ درجة الاجتهاد ، ويتكلم في العلم من غير تقليدٍ لأحد من هؤلاء الأئمة ولا انقياد .
فمنهم من يسوغ له ذلك لظهور صدقه فيما ادعاه ، ومنهم من رد عليه قوله وكذب في دعواه ، وأما سائر الناس ممن لم يصل إلى هذه الدرجة ، فلا يسعه إلا تقليد أولئك الأئمة ، والدخول فيما دخل فيه سائر الأمة " انتهى من (مجموع رسائله) [2/624]. ويقول أيضاً رحمه الله في [2/628] : (فإن قيل: فما تقولون في نهي الإمام أحمد وغيره من الأئمة عن تقليدهم وكتابة كلامهم ، وقول الإمام أحمد : لا تكتب كلامي ولا كلام فلان وفلان ، وتعلم كما تعلمنا . وهذا كثير موجود في كلامهم ؟
قيل : لا ريب أن الإمام أحمد رضي الله عنه كان ينهى عن آراء الفقهاء والاشتغال بها حفظاً وكتابة ، ويأمر بالاشتغال بالكتاب والسنة حفظاً وفهماً وكتابة ودراسة ، وبكتابة آثار الصحابة والتابعين دون كلام مَن بعدهم ، ومعرفة صحة ذلك من سقمه ، والمأخوذ منه والقول الشاذ المطرح منه ، ولا ريب أن هذا مما يتعين الاهتمام به والاشتغال بتعلمه أولاً قبل غيره .
فمن عرف ذلك وبلغ النهاية من معرفته - كما أشار إليه الإمام أحمد - فقد صار علمه قريباً من علم أحمد ، فهذا لا حجر عليه ولا يتوجه الكلام فيه ، إنما الكلام في منع من لم يبلغ هذه الغاية ، ولا ارتقى إلى هذه النهاية ، ولا فهم من هذا إلا النزر اليسير ، كما هو حال أهل هذا الزمان ، بل هو حال أكثر الناس منذ أزمان ، مع دعوى كثير منهم الوصول إلى الغايات والانتهاء إلى النهايات ، وأكثرهم لم يرتقوا عن درجة البدايات " انتهى .
وجاء في (فتاوى اللجنة الدائمة) [5/38] : " ما حكم التقيد بالمذاهب الأربعة ، واتباع أقوالهم على كل الأحوال والزمان ؟
الجواب : الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه. . وبعد: أولا: المذاهب الأربعة منسوبة إلى الأئمة الأربعة الإمام أبي حنيفة والإمام مالك والإمام الشافعي والإمام أحمد، فمذهب الحنفية منسوب إلى أبي حنيفة وهكذا بقية المذاهب.
ثانيا: هؤلاء الأئمة أخذوا الفقه من الكتاب والسنة وهم مجتهدون في ذلك، والمجتهد إما مصيب فله أجران أجر اجتهاده وأجر إصابته وإما مخطئ فيؤجر على اجتهاده ويعذر في خطئه.
ثالثا: القادر على الاستنباط من الكتاب والسنة يأخذ منهما كما أخذ من قبله ولا يسوغ له التقليد فيما يعتقد أن الحق بخلافه، بل يأخذ بما يعتقد أنه حق ويجوز له التقليد فيما عجز عنه واحتاج إليه.
رابعا: من لا قدرة له على الاستنباط يجوز له أن يقلد من تطمئن نفسه إلى تقليده وإذا حصل في نفسه عدم اطمئنان سأل حتى يحصل عنده اطمئنان.
خامسا: يتبين مما تقدم أنه لا تتبع أقوالهم على كل الأحوال والأزمان؛ لأنهم قد يخطئون بل يتبع الحق من أقوالهم الذي قام عليه الدليل) انتهى.
ثانيًا: طريقة علمائنا السلفيين المعاصرين في باب التمذهب:
الأصل عند أهل السنة السلفيين أن المذهب الحق هو ما وافق الكتاب والسنة، وأن الانتماء إلى مذهبٍ معين انتماءُ دراسةٍ واستفادةٍ لا تقليدٍ وانغلاق، فهم لا يتقيدون بأقوال الأئمة الأربعة التزامًا جامدًا، بل يجعلون الدليل إمامهم، والحقَّ مذهبهم، فما وافق الدليل أخذوه، وما خالفه تركوه، وإن قال به من قال.
ومع ذلك، فإنهم يجلُّون الأئمة الأربعة وسائر أئمة الإسلام، لأنهم أوتاد العلم وأركان الفقه، خدموا الشريعة خدمةً جليلة، استنبطوا الأحكام، وضبطوا القواعد، وبنوا الأصول على نصوص الوحيين، فكان علمهم عونًا على الفهم، لا حجابًا عن الدليل، ووسيلةً إلى الصواب، لا غايةً في ذاته.
ولهذا قرر أئمتنا المعاصرون - كالإمام ابن باز، والألباني، وابن عثيمين رحمهم الله - أن التمذهب المشروع هو الانتفاع بالمذاهب دون التعصب لها، فليس العيب في أن يدرس طالب العلم فقه مذهبٍ، وإنما العيب أن يقدِّم قول إمامه على نصٍّ صريحٍ من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
فكل من كان أقرب إلى النص وأدلة الشرع كان أقرب إلى الحق وأولى بالصواب، ومن جعل الرجال ميزان الحق ضل، ومن جعل الحق ميزان الرجال وُفِّق وسدَّد، فكانت الرايةُ السلفية خفَّاقةً بشعارها الأصيل: «الحق أحقُّ أن يُتَّبَع، والرجال يُعرَفون بالحق، ولا يُعرَف الحق بالرجال».
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كما في (الفتاوى الكبرى) [1/175] :
(ولا يجوز لأحد أن يرجح قولاً على قول بغير دليل، ولا يتعصب لقول على قول ولا لقائل على قائل بغير حجة، بل من كان مقلدا لزم حل التقليد، فلم يرجح ولم يزيف ولم يصوب ولم يخطئ، ومن كان عنده من العلم والبيان ما يقوله سمع ذلك منه، فقبل ما تبين أنه حق، ورد ما تبين أنه باطل، ووقف ما لم يتبين فيه أحد الأمرين، والله تعالى قد فاوت بين الناس في قوى الأذهان، كما فاوت بينهم في قوى الأبدان. وهذه المسألة ونحوها فيها من أغوار الفقه وحقائقه ما لا يعرفه إلا من عرف أقاويل العلماء ومآخذهم فأما من لم يعرف إلا قول عالم واحد وحجته دون قول العالم الآخر وحجته، فإنه من العوام المقلدين لا من العلماء الذين يرجحون ويزيفون، والله تعالى يهدينا وإخواننا لما يحبه ويرضاه، وبالله التوفيق، والله أعلم) انتهى .
فالسلفيون لا يزهدون في مذاهب الأئمة الأربعة، ولا يحتقرون جهودهم، بل يوقِّرونهم ويعرفون قدرهم، ويستفيدون من تراثهم، ولكنهم لا يلتزمون أقوالهم التزام المقلِّدين، بل يتَّبعون الدليل حيث كان.
ثالثًا: في حكم التمذهب المذموم:
التمذهب المذموم هو الالتزام الأعمى بمذهبٍ معينٍ دون نظرٍ في الدليل، أو تقديم قول الإمام على النصوص، أو التحزُّب والتعصُّب للمذهب وأهله بحيث يُوالَى ويُعادَى عليه، وهذا من البدع المحدثة التي أنكرها الأئمة.
قال الشيخ الألباني رحمه الله في (صفة صلاة النبي ﷺ) [ص: 44]: (فحسبي أنني معتقد أن ذلك هو الطريق الأقوم الذي أمر الله تعالى به المؤمنين وبينه نبينا محمد سيد المرسلين وهو الذي سلكه السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وفيهم الأئمة الأربعة - الذين ينتمي اليوم إلى مذاهبهم جمهور المسلمين - وكلهم متفق على وجوب التمسك بالسنة والرجوع إليها وترك كل قول يخالفها مهما كان القائل عظيما فإن شأنه صلى الله عليه وسلم أعظم وسبيله أقوم ولذلك فإني اقتديت بهداهم واقتفيت آثارهم وتبعت أوامرهم بالتمسك بالحديث وإن خالف أقوالهم ولقد كان لهذه الأوامر أكبر الأثر في نهجي هذا النهج المستقيم وإعراضي عن التقليد الأعمى فجزاهم الله تعالى عني خيرا.... ثم ذكر رحمه الله بعض أقوال أصحاب المذاهب بعبارات متنوعة كلها تؤدي إلى شيء واحد وهو وجوب الأخذ بالحديث وترك تقليد آراء الأئمة المخالفة لها ومن ذلك:
• قول الإمام أبي حنيفة رحمه الله: (إذا صح الحديث فهو مذهبي) . (ابن عابدين في " الحاشية " 1 / 63).
• والإمام مالك بن أنس رحمه الله فقال: (إنما أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه) . (ابن عبد البر في الجامع 2 / 32).
• والإمام الشافعي رحمه الله قال: (إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوا ما قلت) . (وفي رواية (فاتبعوها ولا تلتفتوا إلى قول أحد) . (النووي في المجموع 1 / 63) وقال: (إذا صح الحديث فهو مذهبي) . (النووي 1 / 63).
• والإمام أحمد بن حنبل رحمه الله قال: (لا تقلدني ولا تقلد مالكا ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري وخذ من حيث أخذوا) . (ابن القيم في إعلام الموقعين 2 / 302). انتهى.
وقال شيخ الإسلام ابن باز رحمه الله: (المذاهب الأربعة مذاهب علماء، أربعة علماء تفقهوا في الدين وعلموا من اتصل بهم، أبو حنيفة النعمان بن ثابت، ومالك بن أنس الأصبحي، ومحمد بن إدريس الشافعي، وأحمد بن محمد بن حنبل الشيباني هؤلاء علماء اشتهروا فصار لهم فقه وصار لهم علم واسع، ولهم أتباع وأصحاب فاشتهروا وسميت المذاهب الأربعة، ولا يلزم من أحد اتباع واحد معين لا، يلزم المسلمين اتباع الحق، اتباع الرسول ﷺ.
وهؤلاء العلماء الأربعة مثل بقية العلماء كإسحاق بن راهوية وسفيان الثوري والأوزاعي وسفيان بن عيينة وغيرهم من أئمة الهدى، على الجميع -جميع المسلمين- أن يكونوا مثلهم يعني يتبعون الحق ويسألون عن الحق وينظرون في الحق ويتعاونون مع علماء زمانهم في اتباع الحق، وهو اتباع ما دل عليه القرآن أو دلت عليه سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وليس يلزم زيدًا أو عمرًا أن يكون حنبلياً أو مالكيا أو شافعيا أو حنفيا أو ثوريا أو أوزاعياً لا، الواجب اتباع الحق أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [النساء:59]، وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7]) انتهى كما في موقعه (فتاوى الجامع الكبير حكم التزام المسلم بمذهب فقهي معين).
رابعاً: في شأن كتب الأصول عند الظاهرية:
الإمام ابن حزم الأندلسي رحمه الله كان من كبار العلماء، واسع الاطلاع، شديد التمسك بالسنة، إلا أنه خالف أهل السنة في مسائل الصفات ونفى القياس، وتأثر ببعض أقوال الفلاسفة والمعتزلة، فوقع في أخطاء أنكرها عليه الأئمة كابن تيمية والذهبي. ومع ذلك فله فضلٌ عظيم في خدمة العلم وتعظيم السنة، فلا يُخرج من أهلها، ولا يُتابَع في زلاته، ويُؤخذ من علمه ما وافق الدليل ويُترك ما خالفه.
وأما كتب الأصول عند الظاهرية، كـ الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم، وكتب داود الظاهري ومن سلك طريقته، فإن فيها تحقيقًا نافعًا، وحرصًا على الدليل، وقوةً في العرض والنقض، لكن فيها أيضًا أصولًا تخالف ما عليه جمهور أهل السنة، كإنكار القياس، وردِّ كثيرٍ من أنواع الإجماع، وتوسيع باب ظواهر النصوص دون النظر إلى المعاني.
لذلك قال العلماء: إن من قرأ كتبهم ينبغي أن يكون حذراً وذا بصرٍ وتمييزٍ.
قال الذهبي رحمه الله عن الإمام ابن حزم رحمه الله: (نشأ في تنعم ورفاهية، ورزق ذكاء مفرطا، وذهنا سيالا، وكتبا نفيسة كثيرة، وكان والده من كبراء أهل قرطبة؛ عمل الوزارة في الدولة العامرية، وكذلك وزر أبو محمد في شبيبته، وكان قد مهر أولا في الأدب والأخبار والشعر، وفي المنطق وأجزاء الفلسفة، فأثرت فيه تأثيرا ليته سلم من ذلك، ولقد وقفت له على تأليف يحض فيه على الاعتناء بالمنطق، ويقدمه على العلوم، فتألمت له، فإنه رأس في علوم الإسلام، متبحر في النقل، عديم النظير على يبس فيه، وفرط ظاهرية في الفروع لا الأصول.
قيل: إنه تفقه أولا للشافعي، ثم أداه اجتهاده إلى القول بنفي القياس كله جليه وخفيه، والأخذ بظاهر النص وعموم الكتاب والحديث، والقول بالبراءة الأصلية، واستصحاب الحال، وصنف في ذلك كتبا كثيرة، وناظر عليه، وبسط لسانه وقلمه، ولم يتأدب مع الأئمة في الخطاب، بل فجج العبارة، وسب وجدع، فكان جزاؤه من جنس فعله، بحيث إنه أعرض عن تصانيفه جماعة من الأئمة، وهجروها، ونفروا منها، وأحرقت في وقت، واعتنى بها آخرون من العلماء، وفتشوها انتقادا واستفادة، وأخذا ومؤاخذة، ورأوا فيها الدر الثمين ممزوجا في الرصف بالخرز المهين، فتارة يطربون، ومرة يعجبون، ومن تفرده يهزؤون.
وفي الجملة فالكمال عزيز، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ينهض بعلوم جمة، ويجيد النقل، ويحسن النظم والنثر.
وفيه دين وخير، ومقاصده جميلة، ومصنفاته مفيدة، وقد زهد في الرئاسة، ولزم منزله مكبا على العلم، فلا نغلو فيه، ولا نجفو عنه، وقد أثنى عليه قبلنا الكبار) انتهى من (سير أعلام النبلاء) [18/ 186 - 187].
وفي (فتاوى اللجنة الدائمة) [12/ 223] قالت: (من العلماء المبرزين في الأصول، والفروع، وفي علم الكتاب والسنة، إلا أنه خالف جمهور أهل العلم في مسائل كثيرة أخطأ فيها الصواب؛ لجموده على الظاهر، وعدم قوله بالقياس الجلي المستوفي للشروط المعتبرة، وخطأه في العقيدة بتأويل نصوص الأسماء والصفات أشد وأعظم) اهـ.
خامساً: في التعبير الصحيح عن المنهج:
قولك: «أنا ظاهريٌّ في الأصول» تعبير غير دقيق، إذ يوهم الانتساب إلى مذهبٍ مخصوصٍ له أصوله ومخالفاته المعروفة، كرده للقياس، ومخالفته لجمهور أهل العلم في مسائل أصولية كبيرة، وهذا لا يليق بمنهج السلف القائم على اتباع الدليل لا التعصب للأسماء أو المذاهب.
والأَولى والأدق أن يُقال: «أنا سلفيُّ المنهج، أستفيد من كتب الأصول عند الأئمة وبما فيهم الظاهرية، وأرجِّح ما وافق الدليل من القرآن والسنة.»
فهذا هو التعبير الذي يجمع بين سلامة الاعتقاد ووضوح المنهج، وهو طريق أئمة التحقيق من أهل السنة في القديم والحديث؛ كشيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، والإمام ابن عبد البر، وابن رجب، ومن بعدهم ابن باز، والألباني، وابن عثيمين رحمهم الله أجمعين، إذ كانوا سلفيين في الأصل، أصوليين في الفهم، ينقادون للدليل حيث كان، دون انغلاقٍ على مدرسةٍ أو اسمٍ أو مذهبٍ.
سادساً: خلاصة الحكم:
الناس في باب التمذهب على طرفين ووسط:
طرفٌ غالٍ يرفض التمذهب مطلقًا، فيزهد في تراث الأئمة ويجعل أقوالهم كأقوال العوام، وهذا جهلٌ وغلوٌّ، إذ لا يُعرف الحق إلا من خلال فهمهم ونقلهم.
وطرفٌ مقابل يتعصب لمذهبه تعصبًا أعمى، فيقدِّم قول إمامه على النصوص ويغلق باب النظر في الدليل، وهذا انحرافٌ عن منهج السلف.
والوسط المحمود هو من يسير على نور الأئمة، فيقتدي بعلمهم وفهمهم للنصوص، ويقدِّم الدليل متى تبيَّن له، ويعذر المخالف، ويجوِّز للعامي تقليد من يثق بدينه، دون تعصبٍ أو خصومة.
سابعاً: الضوابط الفقهية:
• التمذهب على وجه التعصب والجمود مذموم عند أهل العلم.
• الاستفادة من المذاهب الفقهية والأصولية جائزة بل مطلوبة إذا التُزِمت ضوابطها.
• لا يُنسب طالب العلم إلى مذهبٍ بعينه متعصبًا له إن خالف الدليل الصحيح، لكن له أن يدرس الفقه على مذهبٍ معين مع الترجيح بما قام عليه الدليل.
• ويجوز الانتفاع بأصول الظاهرية فيما وافق الدليل، دون الانتساب إليهم أو تبني انحرافاتهم. هذا والله أعلم والحمد لله رب العالمين.
من ضمن (سلسلة الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص)