صار يقول بعض الناس "ارجعوا في هذه الفتنة إلى المحايدين غير المنحازين إلى طرف مثل مصطفى مبرم والمواسي والشيخ عبد الخالق ماضي." ما حكم هذا…
السؤال الثلاثمائة وستة:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته شيخنا. صار يقول بعض الناس "ارجعوا في هذه الفتنة إلى المحايدين غير المنحازين إلى طرف مثل مصطفى مبرم والمواسي والشيخ عبد الخالق ماضي." ما حكم هذا القول ثم ما هي القواعد التي يعرف به المرء من يرجع إليه في الفتن وإذا جاز التعيين في الفتن فكيف يكون ذلك؟ جزاك الله خيرا
الحمد لله:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حياكم الله وبارك فيكم.
هذه المسألة من المسائل التي ينبغي فيها تحرير الألفاظ، وضبط القواعد، وعدم جعل الأسماء والأشخاص ميزانًا لمعرفة الحق؛ فإن الفتن لا تعالج بالشعارات، ولا تُحسم بكثرة الأتباع، ولا بقول القائل: «هذا محايد وهذا غير محايد»، وإنما تعالج بالعلم والعدل والتثبت والرجوع إلى أصول أهل السنة.
فأولًا: قول بعض الناس: «ارجعوا في هذه الفتنة إلى المحايدين غير المنحازين إلى طرف» قولٌ مجمل، ولا يصح إطلاقه على هذا الوجه.
فإن أريد بالمحايد: من لم يتبين له الحق، أو لم يعرف حقيقة الواقعة، أو وقف موقفًا لا يدري فيه أين الصواب، فليس هذا هو المرجع الذي أمر الله بالرجوع إليه؛ لأن الله سبحانه لم يقل: ارجعوا إلى المحايدين، وإنما قال:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43].
وقال سبحانه:
﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83].
فالمرجع عند النوازل والفتن أهل العلم والبصيرة والاستنباط، لا مجرد من رفع شعار الحياد.
بل قد يكون الرجل محايدًا لأنه لم يعرف الحق، وقد يكون محايدًا لأنه لم يعرف تفاصيل القضية، وقد يكون محايدًا لأنه يخشى أن يتكلم، وقد يكون محايدًا لأنه يريد السلامة لنفسه، وقد يكون محايدًا لأنه يتردد بين الحق والباطل؛ وكل هذه الصور لا تجعل صاحبها مرجعًا في الفتنة.
وفي المقابل، قد يتبيّن للعالِم بعد النظر والتثبت أن الحق مع أحد الأطراف في مسألة معينة، فيصدع بما ظهر له من الحق، ويحكم على الخطأ بما يقتضيه الدليل؛ فهل يُقال حينئذ: لا يُرجع إليه لأنه لم يكن «محايدًا»؟
لا، فإن هذا من قلب الموازين؛ إذ المطلوب من العالم أن يكون مع الحق حيث كان، وأن يبيّن ما ظهر له بالدليل، لا أن يلزم موقفًا رماديًا لمجرد أن يُقال عنه: محايد.
فالواجب هو التجرد للحق، والعدل مع المخالف، والإنصاف في الحكم؛ فإن وافق العالم أحد الأطراف لم يكن ذلك في نفسه قدحًا فيه، وإنما العبرة: بما قاله، ولماذا قاله، وما الدليل الذي استند إليه، وهل التزم في ذلك بالعلم والعدل والإنصاف.
ولذلك لا يكون وصف العالم بأنه «غير محايد» طعنًا فيه، كما لا يكون وصف آخر بأنه «محايد» تزكيةً له؛ فالميزان في كلام العلماء هو الدليل، وفي مواقفهم العلم والعدل والتجرد للحق.
فالواجب على المسلم أن يكون منحازًا إلى الحق، لا إلى الأشخاص، ولا إلى الأحزاب، ولا إلى الجماعات.
قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: 135].
وقال سبحانه:
﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8].
فالمذموم هو التعصب والانحياز للباطل، أما الانحياز إلى الحق فليس عيبًا، بل هو الواجب.
ثانيًا: وأما دعوى أن مصطفى مبرم وعبد الرحمن المواسي وعبد الخالق ماضي من «المحايدين»
فهذه الدعوى لا بد فيها من التثبت والتحرير.
وقد ثبت لدينا من خلال المواقف والوقائع التي وقفنا عليها أن مصطفى مبرم وعبد الرحمن المواسي قد ظهر منهما الانحياز في هذه الفتنة إلى طرف من أطرافها، فلا يصح بعد ذلك أن يُقدَّما للناس على أنهما «محايدان» ويُطلب الرجوع إليهما من أجل كونهما محايدين؛ لأن مناط الاحتجاج قد انتفى.
وهنا ينبغي أن نكون دقيقين:
المقصود أنه لا يصح أن يُجعل مرجعًا في هذه النازلة بدعوى الحياد بعد ثبوت انحيازه فيها، ولا أن يُقدَّم بوصفه حكمًا مستقلًّا بين أطرافها. بل تُوزن أقواله ومواقفه في هذه القضية بميزان الكتاب والسنة وأصول أهل السنة، فيُقبل منها ما وافق الحق، ويُرد ما خالفه، ويُبيَّن الخطأ ويُحذَّر منه إذا ثبتت مخالفته واقتضت المصلحة الشرعية ذلك. وهذا هو العدل الذي عليه أهل السنة: لا إسقاطٌ مطلق، ولا تزكيةٌ مطلقة، ولا تمييعٌ للأخطاء والانحرافات الثابتة، وإنما إنصافٌ منضبط بالحق والدليل.
ثالثًا: ما القواعد التي يُعرف بها من يُرجع إليه في الفتن؟
هناك قواعد مهمة:
القاعدة الأولى: العلم.
فلا يُرجع في الفتن إلى كل من تكلم، ولا إلى كل صاحب قناة، ولا إلى كل مشهور، ولا إلى من كثرت أتباعه.
بل يُرجع إلى أهل العلم الراسخين.
قال تعالى:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل: 43].
القاعدة الثانية: معرفة الواقعة.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته شيخنا. صار يقول بعض الناس "ارجعوا في هذه الفتنة إلى المحايدين غير المنحازين إلى طرف مثل مصطفى مبرم والمواسي والشيخ عبد الخالق ماضي." ما حكم هذا القول ثم ما هي القواعد التي يعرف به المرء من يرجع إليه في الفتن وإذا جاز التعيين في الفتن فكيف يكون ذلك؟ جزاك الله خيرا
الحمد لله:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حياكم الله وبارك فيكم.
هذه المسألة من المسائل التي ينبغي فيها تحرير الألفاظ، وضبط القواعد، وعدم جعل الأسماء والأشخاص ميزانًا لمعرفة الحق؛ فإن الفتن لا تعالج بالشعارات، ولا تُحسم بكثرة الأتباع، ولا بقول القائل: «هذا محايد وهذا غير محايد»، وإنما تعالج بالعلم والعدل والتثبت والرجوع إلى أصول أهل السنة.
فأولًا: قول بعض الناس: «ارجعوا في هذه الفتنة إلى المحايدين غير المنحازين إلى طرف» قولٌ مجمل، ولا يصح إطلاقه على هذا الوجه.
فإن أريد بالمحايد: من لم يتبين له الحق، أو لم يعرف حقيقة الواقعة، أو وقف موقفًا لا يدري فيه أين الصواب، فليس هذا هو المرجع الذي أمر الله بالرجوع إليه؛ لأن الله سبحانه لم يقل: ارجعوا إلى المحايدين، وإنما قال:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43].
وقال سبحانه:
﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83].
فالمرجع عند النوازل والفتن أهل العلم والبصيرة والاستنباط، لا مجرد من رفع شعار الحياد.
بل قد يكون الرجل محايدًا لأنه لم يعرف الحق، وقد يكون محايدًا لأنه لم يعرف تفاصيل القضية، وقد يكون محايدًا لأنه يخشى أن يتكلم، وقد يكون محايدًا لأنه يريد السلامة لنفسه، وقد يكون محايدًا لأنه يتردد بين الحق والباطل؛ وكل هذه الصور لا تجعل صاحبها مرجعًا في الفتنة.
وفي المقابل، قد يتبيّن للعالِم بعد النظر والتثبت أن الحق مع أحد الأطراف في مسألة معينة، فيصدع بما ظهر له من الحق، ويحكم على الخطأ بما يقتضيه الدليل؛ فهل يُقال حينئذ: لا يُرجع إليه لأنه لم يكن «محايدًا»؟
لا، فإن هذا من قلب الموازين؛ إذ المطلوب من العالم أن يكون مع الحق حيث كان، وأن يبيّن ما ظهر له بالدليل، لا أن يلزم موقفًا رماديًا لمجرد أن يُقال عنه: محايد.
فالواجب هو التجرد للحق، والعدل مع المخالف، والإنصاف في الحكم؛ فإن وافق العالم أحد الأطراف لم يكن ذلك في نفسه قدحًا فيه، وإنما العبرة: بما قاله، ولماذا قاله، وما الدليل الذي استند إليه، وهل التزم في ذلك بالعلم والعدل والإنصاف.
ولذلك لا يكون وصف العالم بأنه «غير محايد» طعنًا فيه، كما لا يكون وصف آخر بأنه «محايد» تزكيةً له؛ فالميزان في كلام العلماء هو الدليل، وفي مواقفهم العلم والعدل والتجرد للحق.
فالواجب على المسلم أن يكون منحازًا إلى الحق، لا إلى الأشخاص، ولا إلى الأحزاب، ولا إلى الجماعات.
قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: 135].
وقال سبحانه:
﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8].
فالمذموم هو التعصب والانحياز للباطل، أما الانحياز إلى الحق فليس عيبًا، بل هو الواجب.
ثانيًا: وأما دعوى أن مصطفى مبرم وعبد الرحمن المواسي وعبد الخالق ماضي من «المحايدين»
فهذه الدعوى لا بد فيها من التثبت والتحرير.
وقد ثبت لدينا من خلال المواقف والوقائع التي وقفنا عليها أن مصطفى مبرم وعبد الرحمن المواسي قد ظهر منهما الانحياز في هذه الفتنة إلى طرف من أطرافها، فلا يصح بعد ذلك أن يُقدَّما للناس على أنهما «محايدان» ويُطلب الرجوع إليهما من أجل كونهما محايدين؛ لأن مناط الاحتجاج قد انتفى.
وهنا ينبغي أن نكون دقيقين:
المقصود أنه لا يصح أن يُجعل مرجعًا في هذه النازلة بدعوى الحياد بعد ثبوت انحيازه فيها، ولا أن يُقدَّم بوصفه حكمًا مستقلًّا بين أطرافها. بل تُوزن أقواله ومواقفه في هذه القضية بميزان الكتاب والسنة وأصول أهل السنة، فيُقبل منها ما وافق الحق، ويُرد ما خالفه، ويُبيَّن الخطأ ويُحذَّر منه إذا ثبتت مخالفته واقتضت المصلحة الشرعية ذلك. وهذا هو العدل الذي عليه أهل السنة: لا إسقاطٌ مطلق، ولا تزكيةٌ مطلقة، ولا تمييعٌ للأخطاء والانحرافات الثابتة، وإنما إنصافٌ منضبط بالحق والدليل.
ثالثًا: ما القواعد التي يُعرف بها من يُرجع إليه في الفتن؟
هناك قواعد مهمة:
القاعدة الأولى: العلم.
فلا يُرجع في الفتن إلى كل من تكلم، ولا إلى كل صاحب قناة، ولا إلى كل مشهور، ولا إلى من كثرت أتباعه.
بل يُرجع إلى أهل العلم الراسخين.
قال تعالى:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل: 43].
القاعدة الثانية: معرفة الواقعة.
فليس كل عالم صالحًا للإجابة عن كل فتنة؛ فقد يكون العالم من أهل العلم، لكنه لم يعرف تفاصيل القضية، ولم يسمع كلام الأطراف، ولم يطلع على الوثائق والوقائع.
ومن قواعد أهل العلم أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره.
ولهذا لا يجوز أن يُطلب من العالم أن يحكم على واقعة لم تتضح له.
القاعدة الثالثة: معرفة أصول أهل السنة ومنهجهم.
فالفتنة قد تكون في أصل عقدي أو منهجي أو في موقف من أهل السنة، فلا يكفي أن يكون المتكلم فقيهًا أو واعظًا، بل لا بد أن يكون عارفًا بأصول أهل السنة، وبقواعد الجرح والتعديل، وبضوابط الحكم على الأقوال والأفعال.
القاعدة الرابعة: العدل والإنصاف.
فمن عُرف بالتعصب، أو الانتصار للأشخاص، أو التسرع، أو نقل الأخبار بلا تثبت، أو الكيل بمكيالين، فلا يُجعل حكمًا في الفتنة.
قال تعالى:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8].
القاعدة الخامسة: التثبت.
فالفتن أكثر مواطن الكذب، والإشاعات، والاجتزاء، والتدليس، ونقل الكلام بلا سياق.
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6].
فلا يصح أن يبني المسلم موقفًا على مقطع مجهول، أو نقل عن مجهول، أو كلام منقول بالمعنى.
القاعدة السادسة: النظر في مجموع المواقف.
فلا يُحكم على رجل من كلمة واحدة معزولة عن سياقها، كما لا يُزكّى رجل بموقف واحد مع وجود مواقف أخرى تناقض دعوى تزكيته.
فالميزان هو المجموع المفسر للمنهج والموقف.
القاعدة السابعة: معرفة من يتكلم في الفتنة ومن يصمت عنها.
فالسكوت ليس دائمًا علامة إنصاف، والكلام ليس دائمًا علامة تعصب.
قد يسكت العالم لأنه لم تتضح له القضية، وقد يتكلم لأنه عرف الحق وتبين له.
فلا تجعل الصمت وحده تزكية أو جرحًا، ولا البيان وحده تزكية أو جرحًا.
رابعًا: هل يجوز التعيين في الفتن؟
نعم، يجوز التعيين عند الحاجة، وقد يجب أحيانًا، إذا كان المقصود بيان الحق والتحذير من الخطأ، وتوفرت شروط ذلك من العلم والتثبت والعدل.
فإذا ثبت أن فلانًا قال قولًا باطلًا، أو صدر منه موقف مخالف لأصل من أصول أهل السنة، أو ثبت عنه فعل معين، جاز أن يقال:
«قال فلان كذا، وهذا القول خطأ».
بل قد يجب البيان إذا ترتب على السكوت تغرير بالناس أو ترويج للباطل.
لكن يجب التفريق بين:
الحكم على القول أو الفعل، والحكم على الشخص.
فقد تقول: «هذا القول باطل.»
ولا يلزم من ذلك أن تحكم على قائله بكل أحكام أهل البدع أو أهل الأهواء.
وقد تقول: «فلان أخطأ في هذه المسألة.»
ولا يلزم أن يكون كل كلامه خطأ.
وقد يثبت على الرجل أصل من أصول الانحراف، وقد لا يثبت؛ ولكل حكم بابه ودليله.
ولهذا كان أهل السنة أشد الناس عدلًا في باب الجرح والتعديل، فلا يجرحون بالهوى، ولا يزكون بالهوى.
خامسًا: وإذا جاز التعيين، فكيف يكون؟
يكون التعيين بقدر الحاجة، وبالعدل، وبالدليل، وباللفظ المنضبط.
فلا تقل: «فلان مبتدع ضال»
لمجرد أنه أخطأ في مسألة يسع فيها الخلاف.
ولا تقل: «فلان من أهل السنة الثقات» لمجرد أنه وافقك في موقف.
بل تقول: «ثبت عن فلان كذا، وهذا القول خطأ، والدليل على خطئه كذا.»
أو: «ثبت من موقف فلان في هذه النازلة كذا وكذا، ولذلك لا يصح تقديمه في هذه القضية على أنه محايد.»
وهذا أضبط وأعدل.
وخلاصة الأمر: أن الفتن لا تُدار بالعواطف، ولا تُحسم بكثرة الأسماء وشهرتهم، ولا يكون معيار الرجوع فيها مجرد دعوى الحياد؛ وإنما المعتبر العلم والبصيرة، والتثبت في الأخبار، ومعرفة حقيقة الواقعة، والعدل في الحكم، وسلامة المنهج، والتجرد للحق. فمن كان من أهل ذلك رُجع إليه بقدر علمه وبصيرته، ومن تبيّن انحيازه أو خطؤه في نازلة لم يُجعل قوله فيها حجةً لمجرد منزلته أو دعوى حياده.
والواجب على طالب الحق أن يخرج من الفتنة متبعًا للدليل لا للأشخاص، ناصرًا للحق لا للرجال، عادلًا مع الموافق والمخالف؛ فلا يحملُه بغضُ شخص على رد الحق، ولا محبةُ آخر على قبول الباطل.
فهذه هي طريقة أهل السنة: ميزانٌ واحد لا يتبدل بتبدل الرجال، وعدلٌ لا تحكمه الخصومات، وحقٌّ لا يُعرف بالرجال، وإنما يُعرف الرجال بالحق. وبقدر ما يصدق العبد في طلب الحق، ويتجرد لله، ويتثبت فيما ينقل ويحكم، يكون أقرب إلى السلامة من فتنٍ طالما أضلّت الناس حين جعلوا الأشخاص موازين للحق، بدل أن يجعلوا الحق ميزانًا للأشخاص. والله تعالى أعلم.
من ضمن (سلسلة الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص )
ومن قواعد أهل العلم أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره.
ولهذا لا يجوز أن يُطلب من العالم أن يحكم على واقعة لم تتضح له.
القاعدة الثالثة: معرفة أصول أهل السنة ومنهجهم.
فالفتنة قد تكون في أصل عقدي أو منهجي أو في موقف من أهل السنة، فلا يكفي أن يكون المتكلم فقيهًا أو واعظًا، بل لا بد أن يكون عارفًا بأصول أهل السنة، وبقواعد الجرح والتعديل، وبضوابط الحكم على الأقوال والأفعال.
القاعدة الرابعة: العدل والإنصاف.
فمن عُرف بالتعصب، أو الانتصار للأشخاص، أو التسرع، أو نقل الأخبار بلا تثبت، أو الكيل بمكيالين، فلا يُجعل حكمًا في الفتنة.
قال تعالى:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8].
القاعدة الخامسة: التثبت.
فالفتن أكثر مواطن الكذب، والإشاعات، والاجتزاء، والتدليس، ونقل الكلام بلا سياق.
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6].
فلا يصح أن يبني المسلم موقفًا على مقطع مجهول، أو نقل عن مجهول، أو كلام منقول بالمعنى.
القاعدة السادسة: النظر في مجموع المواقف.
فلا يُحكم على رجل من كلمة واحدة معزولة عن سياقها، كما لا يُزكّى رجل بموقف واحد مع وجود مواقف أخرى تناقض دعوى تزكيته.
فالميزان هو المجموع المفسر للمنهج والموقف.
القاعدة السابعة: معرفة من يتكلم في الفتنة ومن يصمت عنها.
فالسكوت ليس دائمًا علامة إنصاف، والكلام ليس دائمًا علامة تعصب.
قد يسكت العالم لأنه لم تتضح له القضية، وقد يتكلم لأنه عرف الحق وتبين له.
فلا تجعل الصمت وحده تزكية أو جرحًا، ولا البيان وحده تزكية أو جرحًا.
رابعًا: هل يجوز التعيين في الفتن؟
نعم، يجوز التعيين عند الحاجة، وقد يجب أحيانًا، إذا كان المقصود بيان الحق والتحذير من الخطأ، وتوفرت شروط ذلك من العلم والتثبت والعدل.
فإذا ثبت أن فلانًا قال قولًا باطلًا، أو صدر منه موقف مخالف لأصل من أصول أهل السنة، أو ثبت عنه فعل معين، جاز أن يقال:
«قال فلان كذا، وهذا القول خطأ».
بل قد يجب البيان إذا ترتب على السكوت تغرير بالناس أو ترويج للباطل.
لكن يجب التفريق بين:
الحكم على القول أو الفعل، والحكم على الشخص.
فقد تقول: «هذا القول باطل.»
ولا يلزم من ذلك أن تحكم على قائله بكل أحكام أهل البدع أو أهل الأهواء.
وقد تقول: «فلان أخطأ في هذه المسألة.»
ولا يلزم أن يكون كل كلامه خطأ.
وقد يثبت على الرجل أصل من أصول الانحراف، وقد لا يثبت؛ ولكل حكم بابه ودليله.
ولهذا كان أهل السنة أشد الناس عدلًا في باب الجرح والتعديل، فلا يجرحون بالهوى، ولا يزكون بالهوى.
خامسًا: وإذا جاز التعيين، فكيف يكون؟
يكون التعيين بقدر الحاجة، وبالعدل، وبالدليل، وباللفظ المنضبط.
فلا تقل: «فلان مبتدع ضال»
لمجرد أنه أخطأ في مسألة يسع فيها الخلاف.
ولا تقل: «فلان من أهل السنة الثقات» لمجرد أنه وافقك في موقف.
بل تقول: «ثبت عن فلان كذا، وهذا القول خطأ، والدليل على خطئه كذا.»
أو: «ثبت من موقف فلان في هذه النازلة كذا وكذا، ولذلك لا يصح تقديمه في هذه القضية على أنه محايد.»
وهذا أضبط وأعدل.
وخلاصة الأمر: أن الفتن لا تُدار بالعواطف، ولا تُحسم بكثرة الأسماء وشهرتهم، ولا يكون معيار الرجوع فيها مجرد دعوى الحياد؛ وإنما المعتبر العلم والبصيرة، والتثبت في الأخبار، ومعرفة حقيقة الواقعة، والعدل في الحكم، وسلامة المنهج، والتجرد للحق. فمن كان من أهل ذلك رُجع إليه بقدر علمه وبصيرته، ومن تبيّن انحيازه أو خطؤه في نازلة لم يُجعل قوله فيها حجةً لمجرد منزلته أو دعوى حياده.
والواجب على طالب الحق أن يخرج من الفتنة متبعًا للدليل لا للأشخاص، ناصرًا للحق لا للرجال، عادلًا مع الموافق والمخالف؛ فلا يحملُه بغضُ شخص على رد الحق، ولا محبةُ آخر على قبول الباطل.
فهذه هي طريقة أهل السنة: ميزانٌ واحد لا يتبدل بتبدل الرجال، وعدلٌ لا تحكمه الخصومات، وحقٌّ لا يُعرف بالرجال، وإنما يُعرف الرجال بالحق. وبقدر ما يصدق العبد في طلب الحق، ويتجرد لله، ويتثبت فيما ينقل ويحكم، يكون أقرب إلى السلامة من فتنٍ طالما أضلّت الناس حين جعلوا الأشخاص موازين للحق، بدل أن يجعلوا الحق ميزانًا للأشخاص. والله تعالى أعلم.
من ضمن (سلسلة الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص )