الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. الفتاوى

أحد الإخوة توفيت جدته وهي نصرانية ولكنها عند الاحتضار نطقت الشهادة وتوفيت، ولكن مع الأسف أهله رفضوا أن يسلموها من أجل تغسيلها وتكفينها…

٨ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ٢٥ أبريل ٢٠٢٦
الفتاوىالمنهج والدعوة السلفيةالصلاة والطهارةالفقه والأحكامالأسرة والمرأةالرقائق والآداب
السؤال: مئتان وتسعة وخمسون:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أحد الإخوة توفيت جدته وهي نصرانية ولكنها عند الاحتضار نطقت الشهادة وتوفيت، ولكن مع الأسف أهله رفضوا أن يسلموها من أجل تغسيلها وتكفينها والصلاة عليها ، فقاموا بدفنها في مقبرة النصارى وعلى طريقتهم، والسؤال كيف تتم الصلاة عليها ؟
هل نذهب ونقف عند قبرها ونصلي عليها داخل مقبرة النصارى، أم نصلي عليها في المسجد صلاة الغائب ؟ مع العلم أننا نستطيع الدخول إلى المقبرة.

الحمد لله:
الجواب المختصر
:

الأصل عند أهل السنة أن من نطق بالشهادتين حال الاحتضار لا يُحكم له بالإسلام إذا كان ذلك عند بلوغ الروح الحلقوم (الغرغرة)، لأن التوبة حينئذٍ غير مقبولة.
وعليه: فالأحوط في مثل هذه الصورة أن يُعامل في أحكام الدنيا معاملة الكافر، فلا يُصلَّى عليه ولا يُدفن في مقابر المسلمين، وأما أمره عند الله فمفوض إليه.

الجواب المفصَّل:

هذه المسألة مبناها على التفريق بين زمن قبول التوبة وحال المعاينة والغرغرة:

أولًا: حدُّ قبول التوبة:
دلَّ الكتاب والسنة على أن التوبة تُقبل ما لم يبلغ العبد حال المعاينة، قال تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ [النساء: 18]، وقال ﷺ: « إنَّ اللهَ يَقْبلُ تَوْبةَ العَبْدِ ‌ما ‌لم ‌يُغَرغِرْ » رواه أحمد والترمذي وغيرهما وحسنه الألباني في (صحيح الجامع) [1/386 رقم: ١٩٠٠].

ثانيًا: معنى الغرغرة وأثرها:
الغرغرة: بلوغ الروح الحلقوم، وهي حال المعاينة التي لا تُتصور بعدها حياة مستقرة، فإذا بلغها العبد لم تنفعه التوبة؛ لأنها صارت توبة اضطرار لا اختيار.

ثالثًا: تطبيق ذلك على النازلة:
إذا قيل: إنها نطقت بالشهادة عند الاحتضار، فإن هذا يُحتمل أمرين:
أن تكون قبل الغرغرة: فهذه تنفعها ويُحكم لها بالإسلام.
أو عند الغرغرة: فهذه لا تنفعها في الحكم الظاهر.

ولما كان هذا الحدُّ (الغرغرة) فيه خفاء وعدم انضباط عند عامة الناس، فإن أهل العلم قرروا أن:
من عُرف بالكفر ولم يُعلم يقينًا أنه قالها قبل الغرغرة، فالأصل بقاؤه على حكمه الظاهر.
وعليه:
لا يُجزم بإسلامها في أحكام الدنيا، ولا يُصلَّى عليها، ولا تُدفن في مقابر المسلمين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وَكُلُّ مَنْ تَابَ قَبْلَ الْمَوْتِ فَقَدْ تَابَ مِنْ قَرِيبٍ. وَأَمَّا مَنْ تَابَ عِنْدَ مُعَايَنَةِ الْمَوْتِ فَهَذَا كَفِرْعَوْنَ الَّذِي قَالَ: أَنَا اللَّهُ {حَتَّى إذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ} قَالَ اللَّهُ: {آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} وَهَذَا اسْتِفْهَامُ إنْكَارٍ بَيَّنَ بِهِ أَنَّ هَذِهِ التَّوْبَةَ لَيْسَتْ هِيَ التَّوْبَةُ الْمَقْبُولَةُ الْمَأْمُورُ بِهَا؛ فَإِنَّ اسْتِفْهَامَ الْإِنْكَارِ: إمَّا بِمَعْنَى النَّفْيِ إذَا قَابَلَ الْإِخْبَارَ وَإِمَّا بِمَعْنَى الذَّمِّ وَالنَّهْيِ إذَا قَابَلَ الْإِنْشَاءَ وَهَذَا مِنْ هَذَا. وَمِثْلُهُ قَوْله تَعَالَى {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} {فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ} {فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا} الْآيَةَ. بَيَّنَ أَنَّ التَّوْبَةَ بَعْدَ رُؤْيَةِ الْبَأْسِ لَا تَنْفَعُ وَأَنَّ هَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ؛ كَفِرْعَوْنَ وَغَيْرِهِ وَفِي الْحَدِيثِ: " {أَنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ} " وَرُوِيَ: " {مَا لَمْ يُعَايِنْ} ) انتهى من (مجموع الفتاوى 18/190).

خامسًا: التفريق بين حكم الدنيا والآخرة:
في الدنيا: يُبنى الحكم على الظاهر الغالب، وهو بقاؤها على الكفر.
في الآخرة: أمرها إلى الله، لاحتمال أنها قالتها قبل الغرغرة بزمن يسير خفي علينا.
=================
أما إذا تحقق أنها قالت الشهادتين، ثم مكثت بعدها زمنًا يُتصور فيه بقاء الحياة المستقرة – ولو كان يسيرًا – ثم دخلت في حال الغرغرة بعد ذلك، فإن إسلامها صحيح مقبول ظاهرًا.
وعلى تفصيل كما يلي:


أولًا: حكمها بعد نطق الشهادتين:

من نطق بالشهادتين قبل موته حُكم له بالإسلام، لقوله ﷺ:
«أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله…» متفق عليه،
والقاعدة تقول: الحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر.

ثانيًا: أثر ذلك في أحكام الدنيا:
فإن ثبت أنها نطقت بالشهادة قبل الاحتضار بزمن يُتصور فيه بقاء الحياة المستقرة – ولو كان يسيرًا – فهي مسلمة، تُغسَّل وتُكفَّن ويُصلَّى عليها وتُدفن في مقابر المسلمين، وما وقع من دفنها في مقبرة النصارى فهو خطأ.

ثالثًا: التفريق بين هذه الصورة وسابقتها:

في الصورة السابقة: وُجد الاحتمال القوي أن النطق كان عند الغرغرة، فبقي الحكم على الأصل.
أما هنا: فقد تحقق سبق النطق على الغرغرة ولو بزمن يسير، فزال الإشكال، وثبت الحكم بالإسلام.
رابعًا: الصلاة عليها بعد الدفن:
إذا دُفنت ولم يُصلَّ عليها، شُرعت الصلاة على القبر؛ لثبوت ذلك عن النبي ﷺ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ « أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ ‌تَقُمُّ ‌الْمَسْجِدَ، أَوْ شَابًّا فَفَقَدَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَسَأَلَ عَنْهَا، أَوْ عَنْهُ، فَقَالُوا: مَاتَ قَالَ: أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي، قَالَ: فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا، أَوْ أَمْرَهُ فَقَالَ: دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ فَدَلُّوهُ فَصَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا، وَإِنَّ اللهَ عز وجل يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ » متفق عليه واللفظ لمسلم.
وعليه:
يُستحب أن تُصلَّى عليها عند قبرها؛ فيقف المصلون عند القبر ويُصلُّون صلاة الجنازة.
لا حرج في ذلك ولو كان القبر في مقبرة النصارى، لأن المقصود أداء حق الميت، مع اجتناب ما لا يليق من التعلُّق بقبورهم أو التشبُّه بهم.

خامساً: هل تُصلَّى صلاة الغائب؟

إن تيسَّر الذهاب إلى القبر والصلاة عليها هناك، فهو الأولى.
وإن تعذَّر الوصول، أو وُجد مانع معتبر، فيُشرع أن تُصلَّى عليها صلاة الغائب.
ويُستحب السعي – إن أمكن دون مفسدة – إلى نقلها إلى مقابر المسلمين، فإن لم يمكن سقط الطلب.
ويُدعى لها بالمغفرة والرحمة، فهي تُعامل معاملة المسلمين، والله أعلم.

من ضمن(سلسلة الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص )

مواد ذات صلة