الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. الفتاوى

سؤال متعلق بالديون فاقدة القيمة، كيف يتم حسابها بالحاضر؟

٨ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ٢٥ أبريل ٢٠٢٦
الفتاوىالمعاملاتالفقه والأحكامالسودانالنوازل والأحداث
السؤال: مئتان وستون:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سؤال متعلق بالديون فاقدة القيمة، كيف يتم حسابها بالحاضر؟
مثال لذلك: في وقت سابق قبل الحرب ما تشتعل عندنا في السودان وزعنا بضاعة في ذاك الوقت قيمة (دستتها) ٣٢ ألف وتبقت ديون من ذاك الوقت على بعض الزبائن ونفس هذه البضاعة الآن وزعناها بحساب ١٨٠ ألف، ولاشك أن تلك الديون قد فقدت قيمتها٠
السؤال هل تؤخذ بقيمتها السابقة مع العلم أنها بقيت بلا قيمه أم إنها تحسب بقيمتها كبضاعة بسعرها الحاضر أم إنها تقيم بالذهب؟

الحمد لله:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
سؤالك مهم، وهو مما يُبتلى به الناس في أزمنة التضخم الشديد واضطراب العملات، وقد تكلم فيه أهل العلم المعاصرون.

الجواب المختصر:

الأصل أن الدَّين يُقضى بمثله لا بقيمته، أي تُطالبهم بالمبلغ نفسه (٣٢ ألف) لا بسعره الحالي، لكن إذا حصل تضخم شديد أذهب قيمة المال (كما في حالكم)، فهناك قول قوي عند بعض أهل العلم أنه يُراعى العدل، فتُحسب القيمة بما يحفظ حق الدائن، كربطها بالذهب أو بما يقارب قوتها الشرائية وقت الدَّين.

الجواب المفصَّل:

أولًا: التأصيل الشرعي للمسألة:

الأصل المقرَّر عند أهل العلم أن الديون النقدية تُقضى بأمثالها لا بقيمتها؛ لأن النقود من الأموال المِثلية التي يُراعى فيها المِثل دون القيمة.
ويدل على ذلك عموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]، فإن مقتضى الوفاء بالعقد أداء ما ثبت في الذمة على وجهه المتفق عليه.
كما يُستأنس بما رُوي عن النبي ﷺ: « ‌عَلَى ‌الْيَدِ ‌مَا ‌أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ » رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه وغيرهم، وضعفه الألباني في (الإرواء) [5/350 رقم: ١٥١٧]، وهو وإن كان في سنده مقال، إلا أن معناه صحيح عند أهل العلم، إذ يدل على وجوب ردّ الحق إلى صاحبه بمثله إن كان مثليًا، أو بقيمته عند التعذر.
وعليه: فالأصل أن يُطالب المدين بردِّ نفس القدر الثابت في ذمته، وهو في الصورة المذكورة (٣٢ ألفًا)، دون نظرٍ إلى تغيُّر القيمة.

ثانيًا: عند تغير قيمة العملة تغيرًا فاحشًا:

إذا حصل تضخم شديد (كما في حال السودان) بحيث فقدت العملة معظم قيمتها، فهنا وقع الخلاف:
القول الأول (وهو قول جمهور المعاصرين):
يبقى الدين على عدده (٣٢ ألف)، ولا يُزاد، لأن الزيادة تُخشى أن تكون من الربا.

القول الثاني (قول معتبر عند طائفة من أهل العلم):
إذا كان التغير فاحشًا يوقع ظلمًا بيّنًا، فإنه يُرجع إلى القيمة، لا العدد، تحقيقًا للعدل ومنعًا للضرر.
ويستدلون بـ:
1- قوله تعالى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾.
2- وقاعدة: الضرر يزال.
3- وأن المقصود من النقد هو القيمة لا الذات.

ثالثًا: كيفية التقدير عند القول بالقيمة:
إذا أخذت بالقول الثاني (وهو الأقرب في حال التضخم الشديد جدًا):
فلا تُحسب بسعر البضاعة الحالي (١٨٠ ألف)، لأن هذا فيه ربح جديد لم يكن في العقد.
وإنما تُقوَّم بأحد أمرين:
1 - ربطها بالذهب وقت الدين (وهو أدق) = فتنظر كم كان يساوي (٣٢ ألف) من الذهب وقت البيع ثم تُطالب اليوم بقيمته الحالية.
2- أو ربطها بالقوة الشرائية (السلع الأساسية).

رابعًا: تنزيل الحكم على الواقعة:

لا يجوز شرعًا احتساب الدَّين على أساس السعر الحالي للبضاعة (١٨٠ ألفًا)، لأن ذلك يُعدُّ إنشاءَ ثمنٍ جديدٍ لم يجرِ عليه العقد، وفيه إلحاق زيادة لم تكن ثابتة في الذمة ابتداءً.

والأقرب في هذه الصورة أحدُ أمرين:
الأمر الأول: إمَّا مطالبة المدين بمقدار الدَّين نفسه (٣٢ ألفًا)، عملًا بالأصل في قضاء الديون بالمِثل.
والأمر الثاني: وإمّا تقديرُ الدَّين - عند حصول تغيُّرٍ فاحشٍ في قيمة العملة يُفضي إلى ضررٍ بيّن - تقديرُ الدَّين بما يعادل قيمته وقت ثبوته، كربطه بالذهب أو بالقوة الشرائية، على قولٍ معتبرٍ عند جمعٍ من أهل العلم المعاصرين.

والأحوطُ والأبرأ للذمَّة: أن يكون ذلك عن تراضٍ بين الدائن والمدين، خروجًا من الخلاف، لكون المسألة اجتهادية. والله أعلم.

من ضمن(سلسلة الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص )

مواد ذات صلة