الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. الفتاوى

ناقشني أحد الإخوة في مسألة قراءة سورة الإخلاص 11 مرة وإهداء ثوابها للميت؛ وهذه المسألة منتشرة عندنا بكثرة في بلاد السودان بعد دفن الميت…

٥ ربيع الآخر ١٤٤٧ هـ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٥
الفتاوىالمنهج والدعوة السلفيةالحج والأضاحي والأعيادالفقه والأحكامالجنائزالسودانالنوازل والأحداثالرقائق والآداب
السؤال: مئة وستة وخمسون:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
شيخنا الفاضل حياك الله؛ عندي سؤال لو تكرمت:
ناقشني أحد الإخوة في مسألة قراءة سورة الإخلاص 11 مرة وإهداء ثوابها للميت؛ وهذه المسألة منتشرة عندنا بكثرة في بلاد السودان بعد دفن الميت يقولون كلٌ منَّا يقرأ الإخلاص 11 مرة؛ فلما بينت له أن هذا الأمر لم يرد في السنة ولم يدل عليه الكتاب، قاس الأمر أنه مثلما ممكن إهداء الحج أو العمرة للميت فما المانع من قراءة القرآن بنية إهداء الثواب للميت تماماً كالحج أو العمرة عن الميت، فقلت له هذا ورد وذاك لم يرد، وأنا أريد منكم شيخنا التفصيل والتوضيح وبالتحديد التفصيل في مسألة إهداء ثواب الحج والعمرة لأنني أعرف المسألة لكن ليست لدي الأحاديث لا أحفظها، بارك الله فيك شيخنا الحبيب.
الحمد لله:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حياك الله أخي الحبيب، وبارك فيك.
سؤالك مهم جدًا، والمسألة تحتاج تفصيل حتى يتضح الفرق بين العبادات التي ورد النص بجواز إهدائها للميت وبين ما لم يرد فيه نص.
أولًا: القاعدة الأصولية الفقهية تقول:
‌العبادات ‌مبناها على التوقيف والاتباع لا على الهوى والابتداع. ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كما في (مجموع الفتاوى) [1/80]: (‌‌فصل:
‌العبادات ‌مبناها على الشرع والاتباع لا على الهوى والابتداع فإن الإسلام مبني على أصلين: أحدهما: أن نعبد الله وحده لا شريك له. والثاني: أن نعبده بما شرعه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم لا نعبده بالأهواء والبدع قال الله تعالى: (‌ثُمَّ ‌جَعَلْنَاكَ ‌عَلَى ‌شَرِيعَةٍ ‌مِنَ ‌الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ‌إِنَّهُمْ ‌لَنْ ‌يُغْنُوا ‌عَنْكَ ‌مِنَ ‌اللَّهِ ‌شَيْئًا ) [الجاثية: 16] الآية. وقال تعالى: (أَمْ ‌لَهُمْ ‌شُرَكَاءُ ‌شَرَعُوا ‌لَهُمْ ‌مِنَ ‌الدِّينِ ‌مَا ‌لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ) [الشورى: 42]. فليس لأحد أن يعبد الله إلا بما شرعه رسوله صلى الله عليه وسلم من واجب ومستحب لا يعبده بالأمور المبتدعة كما ثبت في السنن من حديث العرباض بن سارية قال( الترمذي ): حديث حسن صحيح. وفي مسلم " أنه كان يقول في خطبته: (خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة) اهـ.
وعليه؛ فإذا ثبت الدليل الشرعي أن عبادة ما تصل إلى الميت جاز فعلها، وإذا لم يثبت لم يجز إحداثها.

ثانيًا: العبادات المنصوص على وصول ثوابها للميت:
ثبت في السنة جواز إهداء بعض الأعمال للميت، منها:
• الحج والعمرة: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ، جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: ‌إِنَّ ‌أُمِّي ‌نَذَرَتْ ‌أَنْ ‌تَحُجَّ، ‌فَلَمْ ‌تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: (نَعَمْ، حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَةً؟. اقْضُوا اللَّهَ، فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ). رواه البخاري في (صحيحه) [2/656 رقم: ١٧٥٤].
• الصيام الواجب: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنه. قَالَ: بَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. إِذْ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ. فَقَالَتْ: إِنِّي تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّي بِجَارِيَةٍ. وَإِنَّهَا مَاتَتْ. قَالَ. فَقَالَ: "وَجَبَ أَجْرُكِ. وَرَدَّهَا عَلَيْكِ الْمِيرَاثُ" قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّهُ كَانَ عَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ. أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ: "صُومِي عَنْهَا" قَالَتْ: إِنَّهَا لَمْ تَحُجَّ قَطُّ. ‌أَفَأَحُجُّ ‌عَنْهَا؟ قَالَ "حجي عنها ". رواه مسلم في (صحيحه) [2/805 رقم: ١١٤٩].
• الصدقة: عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ أُمِّي ‌افْتُلِتَتْ ‌نَفْسُهَا، وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: (نَعَمْ). متفق عليه.
فدلّ ذلك على مشروعية الحج والعمرة والصيام الواجب والصدقة عن الميت، وهذه نصوص صريحة.

ثالثًا: ما لم يرد فيه دليل مثل قراءة القرآن وإهداء ثوابها للميت:
اختلفوا في وصول ثواب القراءة للميت:

المشهور من مذهب الشافعية: لا يصل ثواب القراءة. وهو قول الشافعي ونص أكثر أصحابه.
قولٌ آخر عند الشافعية: يصل ثوابها، اختاره جماعة كابن الصلاح، والمحب الطبري، وغيرهما.
قول ثالث عند الشافعية: يصل ثوابها لكن بشروط، كأن تكون بحضرة الميت، أو ينوي القارئ ذلك، أو يدعو الله أن يجعل مثل ثوابها للميت بعد القراءة.
قال النووي رحمه الله: (شرح مسلم) [7/90]: (وَالْمَشْهُورُ فِي مَذْهَبِنَا أَنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ لَا يَصِلُهُ ثَوَابُهَا ‌وَقَالَ ‌جَمَاعَةٌ ‌مِنْ ‌أَصْحَابِنَا ‌يَصِلُهُ ‌ثَوَابُهَا وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ...) اهـ.
ومذهب الجمهور (الحنفية والحنابلة وكثير من المالكية):
يرون أن ثواب القراءة يصل إلى الميت، واستدلوا بالقياس على الدعاء والصدقة، وبالعمل الجاري عند عامة المسلمين.
دليل المانعين (كالشافعي وأكثر أصحابه):
1- قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:39] .
2- وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: « إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ ‌صَدَقَةٍ ‌جَارِيَةٍ، ‌أَوْ ‌عِلْمٍ ‌يُنْتَفَعُ ‌بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ ». رواه مسلم في (صحيحه) [5/73 رقم: ١٦٣١]. قالوا: هذا نصّ في أن العبد لا يملك من الثواب إلا ما عمله بنفسه.

جواب المجيزين عن الاستدلال بالآية والحديث:
قالوا: الآية تعني أن الإنسان لا يستحق إلا ما عمله، لكن قد يتبرع غيره له بثواب عمله، فيكون من باب الهبة والفضل، لا من باب الاستحقاق.
والحديث مقصود به أن عمل الميت نفسه ينقطع، لا أن انتفاعه بعمل غيره ممتنع.
قال ابن قدامة في (المغني) [3/521]: (وهذه ‌أحاديثُ ‌صِحَاحٌ، ‌وفيها ‌دَلالةٌ ‌على ‌انْتِفَاعِ ‌المَيِّتِ بِسَائِرِ القُرَبِ؛ لأنَّ الصَّوْمَ والحَجَّ والدُّعاءَ والاسْتِغْفارَ عِبادَاتٌ بَدَنِيَّةٌ، وقد أوْصَلَ اللَّه نَفْعَهَا إلى المَيِّتِ، فكذلِك ما سِواهَا) اهـ.
وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كما في (مجموع الفتاوى) [24/366] حيث قال: (فصل: وأما " القراءة والصدقة " وغيرهما من أعمال البر فلا نزاع بين علماء السنة والجماعة في وصول ثواب العبادات المالية كالصدقة والعتق كما يصل إليه أيضا الدعاء والاستغفار والصلاة عليه صلاة الجنازة والدعاء عند قبره. وتنازعوا في وصول الأعمال البدنية: كالصوم والصلاة والقراءة. والصواب أن الجميع يصل إليه... إلى أن قال: لكن الجواب المحقق في ذلك أن الله تعالى لم يقل: إن الإنسان لا ينتفع إلا بسعي نفسه وإنما قال: {ليس للإنسان إلا ما سعى} فهو لا يملك إلا سعيه ولا يستحق غير ذلك. وأما سعي غيره فهو له كما أن الإنسان لا يملك إلا مال نفسه ونفع نفسه، فمال غيره ونفع غيره هو كذلك للغير؛ لكن إذا تبرع له الغير بذلك جاز. وهكذا هذا إذا تبرع له الغير بسعيه نفعه الله بذلك كما ينفعه بدعائه له والصدقة عنه وهو ينتفع بكل ما يصل إليه من كل مسلم سواء كان من أقاربه أو غيرهم كما ينتفع بصلاة المصلين عليه ودعائهم له عند قبره) اهـ.
قلت: الراجح: قراءة القرآن وإهداء ثوابها للميت لم يثبت فيها حديث صحيح صريح عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة، وهو اختيار شيخنا الإمام ابن باز رحمه الله: كما في (نور على الدرب سؤال: حكم قراءة القرآن عن الميت والصدقة عنه) على موقعه قال: (أما القرآن - قراءة القرآن - فقد اختلف العلماء هل تصل الميت يعني: ثوابها إلى الميت على قولين لأهل العلم، والأرجح بالدليل أنها لا تصل لعدم الدليل؛ لأن الرسول ﷺ لم يفعلها لأموات المسلمين، كبناته اللاتي متن في حياته عليه الصلاة والسلام، ولم يفعلها الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، فالأولى بالمؤمن أن يترك ذلك ولا يقرأ للموتى ولا للأحياء ولا يصلي لهم أيضاً صلاة ذات الحق، وهكذا التطوع بالقراءة وهكذا التطوع بالصوم كل هذا لا دليل عليه، أما الصدقة فإنها تنفع الحي والميت بإجماع المسلمين) اهـ.
قلت: وعليه؛ فإحداث عادة مثل قراءة سورة الإخلاص 11 مرة، أو تحديد عدد، أو جعلها بعد الدفن جماعة؛ هذا من البدع المحدثة، لأنه لم يرد به نص. والله أعلم.
من ضمن (سلسلة الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص)

مواد ذات صلة