الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. الردود

عندنا واحد أخونا حلف بالطلاق أنوا ما يلعب كورة في لحظة زعل ولعب هل الطلاق واقع أم لا؟

١٨ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ٣١ أغسطس ٢٠٢٦
الردودالفتاوىالرد على عرفات المحمديالأسرة والمرأةالفقه والأحكام
السؤال: الثلاثمائة وستة:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يا شيخ بلال عساك طيب
أرسل لي أخ هذه الرسالة وطلب مني أن أسأل له عن الحكم
عندنا واحد أخونا حلف بالطلاق أنوا ما يلعب كورة في لحظة زعل ولعب هل الطلاق واقع أم لا؟

الحمد لله:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حياك الله وبارك فيك.
هذه المسألة من أيمان الطلاق، ولا يصح الجزم بوقوع الطلاق بمجرد العبارة المذكورة؛ لأن الحكم يختلف باختلاف نية الحالف وقصده حال التلفظ.

فإذا قال: «عليَّ الطلاق ما ألعب كرة»، ثم لعب، فله حالان:

إن كان قصده إيقاع الطلاق فعلًا، أي أراد أن تكون زوجته طالقة إذا لعب الكرة، ثم لعب، فهذه مسألة طلاق معلَّق، ويترتب عليها حكم الطلاق عند تحقق المعلَّق عليه.

أما إن كان قصده مجرد المنع والزجر والتأكيد على نفسه ألا يلعب، ولم يكن يريد فراق زوجته، وإنما حمله الغضب على أن يحلف بالطلاق، فهذه في حكم يمين الطلاق، وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنها لا يقع بها الطلاق، وإنما تلزمه كفارة يمين عند الحنث.

لكن لا بد من معرفة اللفظ كاملًا، ونيته وقت الحلف، وهل سبق منه طلاق أو تعليق آخر، وهل قال العبارة وهو في حال غضب شديد أزال إدراكه أم كان يعقل ما يقول؛ لأن هذه التفاصيل قد تغيِّر الحكم.

لذلك أنصحه ألا يُفْتَى له بوقوع الطلاق أو عدم وقوعه بمجرد هذه الرسالة، بل يُسأل الرجل مباشرة عن قصده وحاله، والأحوط في مثل هذه المسائل أن تُعرض على مفتٍ موثوق يسمع منه الواقعة كاملة؛ لأن الأمر متعلق بعقد النكاح. والله أعلم

من ضمن (سلسلة الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص)
السؤال: الثلاثمائة وسبعة وثمانية:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
شيخنا الفاضل كيف حالك؟ عندي سؤالان:
س1/ما حكم بيع الزرع قبل نضجه مثال (بيع زرع الذرة إذا أخرج سمبله ولم يستوي) فهل يجوز البيع في هذه الحالة؟

س٢ /ما هو الضابط في البيوع التي فيها غرر؟

الحمد لله:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حياكم الله وبارك فيكم.

إجابة السؤال الأول: حكم بيع الزرع قبل نضجه:
إذا كان المقصود بيع (زرع الذرة وهو قائم في الأرض بعد أن أخرج سُنبله، لكنه لم يكتمل نضجه)، فالحكم فيه يحتاج إلى التفصيل:

- إن كان بيع الزرع قبل أن يبدو صلاحه، بحيث لا يُؤمَن عليه من العاهة والتلف، فلا يجوز بيعه؛ لثبوت النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها، ولما فيه من الغرر.

أما إذا بدا صلاح الزرع، وظهرت علامات سلامته واستوائه، بحيث صار مأمون العاقبة في الجملة، جاز بيعه، بشرط أن يكون معلومًا، وأن تنتفي عنه الجهالة والغرر المؤثر.

وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، وقال ﷺ: «أرأيت إذا منع الله الثمرة، بم يأخذ أحدكم مال أخيه؟» متفق عليه.

والمراد ببدو الصلاح يختلف باختلاف نوع الثمر والزرع؛ فالضابط هو ظهور العلامة التي تدل على صلاحه وانتفاء الخوف المعتاد من تلفه.

وعليه: فمجرد كون الذرة قد أخرجت السنبلة لا يكفي وحده للحكم بجواز البيع، بل يُنظر: هل ظهرت عليها أمارات النضج والسلامة التي يُعد بها الزرع صالحًا للبيع، أم لا يزال معرضًا للخطر والآفة؟ فإن كان الثاني فلا يجوز بيعها قبل بدو صلاحها.

إجابة السؤال الثاني: ما الضابط في البيوع التي فيها غرر؟
الغرر هو: بيع ما تجهل عاقبته أو يخفى حصوله أو يعسر تسليمه، بحيث يكون أحد العوضين أو وصفه أو مقداره مجهولًا جهالة مؤثرة.
قال النووي رحمه الله في (شرح مسلم) [10/156] : (وأما النهي عن بيع الغرر فهو أصل عظيم من أصول كتاب البيوع ولهذا قدمه مسلم ويدخل فيه مسائل كثيرة غير منحصرة كبيع الآبق والمعدوم والمجهول وما لا يقدر على تسليمه وما لم يتم ملك البائع عليه وبيع السمك في الماء الكثير واللبن في الضرع وبيع الحمل في البطن وبيع بعض الصبرة مبهما وبيع ثوب من أثواب وشاة من شياه ونظائر ذلك وكل هذا بيعه باطل لأنه غرر من غير حاجة) اهـ.

وليس كل غرر يمنع البيع؛ فإن الغرر اليسير الذي لا يمكن التحرز منه أو جرت العادة بالتسامح فيه مغتفر، وإنما المحرم هو الغرر الكثير المؤثر.

ومن أمثلة الغرر المؤثر:
- بيع شيء لا يقدر البائع على تسليمه.
- بيع المجهول الذي لا تنضبط صفته أو مقداره.
- بيع الشيء قبل ظهور سلامته إذا كان يخشى تلفه.
- بيع ما لم يملك الإنسان أو لم يقدر على قبضه وتسليمه.

والأصل في ذلك قول النبي ﷺ: «نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر» رواه مسلم.

فالضابط الجامع:
إذا كان الجهل أو عدم القدرة على التسليم مؤثرًا في العقد، بحيث يفضي إلى المنازعة أو أكل المال بالباطل أو يجعل العاقبة مجهولة على وجه معتبر، فهذا من الغرر الممنوع. أما الغرر اليسير الذي لا ينفك عنه البيع عادة، ولا يترتب عليه نزاع معتبر، فهذا مغتفر.
قال النووي رحمه الله في (شرح مسلم) [10/156] : (وقد يحتمل بعض الغرر بيعا إذا دعت إليه حاجة كالجهل بأساس الدار وكما إذا باع الشاة الحامل والتي في ضرعها لبن فإنه يصح للبيع لأن الأساس تابع للظاهر من الدار ولأن الحاجة تدعو إليه فإنه لا يمكن رؤيته وكذا القول في حمل الشاة ولبنها وكذلك أجمع المسلمون على جواز أشياء فيها غرر حقير منها أنهم أجمعوا على صحة بيع الجبة المحشوة وإن لم ير حشوها ولو بيع حشوها بانفراده لم يجز وأجمعوا على جواز إجارة الدار والدابة والثوب ونحو ذلك شهرا مع أن الشهر قد يكون ثلاثين يوما وقد يكون تسعة وعشرين وأجمعوا على جواز دخول الحمام بالأجرة مع اختلاف الناس في استعمالهم الماء وفي قدر مكثهم وأجمعوا على جواز الشرب من السقاء بالعوض مع جهالة قدر المشروب واختلاف عادة الشاربين وعكس هذا وأجمعوا على بطلان بيع الأجنة في البطون والطير في الهواء قال العلماء مدار البطلان بسبب الغرر والصحة مع وجوده على ما ذكرناه وهو أنه إن دعت حاجة إلى ارتكاب الغرر ولا يمكن الاحتراز عنه إلا بمشقة وكان الغرر حقيرا جاز البيع وإلا فلا... ) اهـ

وبناءً عليه: بيع الذرة وهي لم يبدُ صلاحها داخل في الغرر المنهي عنه؛ لأن العاقبة لم تتبين بعد، وقد تصيبها الآفة قبل نضجها، أما بعد بدو صلاحها وانتفاء الخطر المعتاد، فيجوز بيعها مع مراعاة بقية شروط البيع. والله أعلم.

من ضمن (سلسلة الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص)
السؤال: الثلاثمائة وتسعة:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
عساك طيب شيخنا الفاضل.
أحسن الله إليكم.
ما المقصود باغتسال المرأة إذا مست الطيب وخرجت من منزلها ؟ هل تغتسل غسلا كغسل الجنابة ام أنها تغسل تلك الثياب التي مسها الطيب ؟ وجزاك الله خيراً.

الحمد لله:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حياكم الله وبارك فيكم.

فقد جاءت الشريعة المطهرة بالنهي عن خروج المرأة متطيبة إذا كانت ستمر بالرجال الأجانب، لما في فوحان الطيب منها من الفتنة وتحريك دواعي الشهوة، وقد وردت في ذلك أحاديث كثيرة، منها قول النبي ﷺ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ اسْتَعْطَرَتْ، فَمَرَّتْ عَلَى قَوْمٍ لِيَجِدُوا مِنْ رِيحِهَا، فَهِيَ زَانِيَةٌ» رواه أبو داود والترمذي والنسائي وصححه الألباني رحمه الله.

وعن زينب الثقفية رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: «إِذَا خَرَجَتْ إِحْدَاكُنَّ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلَا تَقْرَبَنَّ طِيبًا» رواه النسائي، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَصَابَتْ بَخُورًا، فَلَا تَشْهَدْ مَعَنَا الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ» رواه مسلم.

وجاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن امرأة مرت به تفوح منها رائحة الطيب، فقال لها: «يَا أَمَةَ الْجَبَّارِ، الْمَسْجِدَ تُرِيدِينَ؟» قالت: نعم، قال: «وَلَهُ تَطَيَّبْتِ؟»** قالت: نعم، فقال: «فَارْجِعِي فَاغْتَسِلِي، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: مَا مِنِ امْرَأَةٍ تَخْرُجُ إِلَى الْمَسْجِدِ تَعْصِفُ رِيحُهَا، فَيَقْبَلُ اللهُ مِنْهَا صَلَاةً حَتَّى تَرْجِعَ إِلَى بَيْتِهَا فَتَغْتَسِلَ» رواه أبو داود وابن ماجه وصححه الألباني رحمه الله.

ومن هنا جاء السؤال: ما المراد بقوله ﷺ: «فَتَغْتَسِلَ»؟ وهل المراد غسل الجنابة، أم مجرد إزالة الطيب؟

والجواب: ليس المراد بهذا الغسل غسلَ الجنابة، وإنما المراد إزالة الطيب وأثره ورائحته؛ لأن المقصود من الأمر بالاغتسال هنا إزالة ما علِق بالمرأة من الطيب الذي خرجت به، حتى تزول الرائحة التي قد يشمها الرجال الأجانب. فإذا كان الطيب في بدنها غسلت موضعه حتى تزول رائحته، وإن كان في ثوبها غسلته أو نزعت الثوب الذي أصابه الطيب ولبست غيره.

وعليه، فلا يلزم المرأة أن تغتسل غسلًا كاملًا كغسل الجنابة لمجرد خروجها متطيبة، وإنما يلزمها إزالة الطيب وأثره قبل الخروج.

وقد بيَّن أهل العلم أن النهي عن تطيب المرأة عند خروجها إنما هو لما في ذلك من تحريك دواعي الشهوة والفتنة؛ قال ابن دقيق العيد رحمه الله في معنى هذا النهي: إن فيه تحريم التطيب لمن تريد الخروج إلى المسجد لما فيه من تحريك داعية شهوة الرجال. كما في (فيض القدير) للمناوي [3/137].

وإذا كان هذا النهي قد جاء في حق من أرادت الخروج إلى المسجد، فخروجها متطيبة إلى الأسواق والطرقات والأماكن التي يمر بها الرجال الأجانب أولى بالمنع؛ لأن العلة موجودة، وهي فوحان الطيب وشم الرجال لرائحته.

فعلى المسلمة أن تتقي الله تعالى، وأن تقف عند حدود الشرع، وأن تعلم أن طاعة الله ورسوله ﷺ مقدمة على العادات والأذواق والرغبات، وأن الطيب الذي تتزين به المرأة في بيتها ولزوجها وأهلها نعمة وزينة، أما أن تخرج به بحيث يشم الرجال الأجانب رائحته، فذلك مما جاءت السنة بالنهي عنه والتحذير منه. والله أعلم.

من ضمن (سلسلة الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص)
السؤال: الثلاثمائة وعشرة:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
عساك طيب شيخنا الفاضل.
أحسن الله إليك شيخنا.
يقول السائل:
كنت قد نذرت منذ أكثر من عشرين سنة إن شفاني الله لأكونن من الصالحين وفعلا شفاني الله وكفرت عن نذري كفارة يمين ولا أدري في ذلك الوقت هل كفرت عن نذري مخافة أن لا أوفي به أو لسبب آخر فهل تبرأ ذمتي بالكفارة وأنا أعلم أن الصلاح مطلوب مني كما قال تعالى:" ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون" فالصلاح أمر واجب وهذا لا نقاش فيه وهل إذا صدر مني تقصير في وقت من الأوقات فهل قد أعاقب بتعقيب النفاق كما قال تعالى:" فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما اخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون". مع العلم أنني في وقت النذر كنت أظن أن حد الصلاح أن يصل العبد إلى درجة لا يعص فيها الله أبدا هكذا كان تصوري للصلاح آنذاك.
أفيدونا مأجورين بارك الله فيكم.

الحمد لله:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حياكم الله وبارك فيكم.

أولًا: ينبغي أن يُعلم أن النذر منهيٌّ عنه ابتداءً، فقد قال النبي ﷺ: «إِنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ» متفق عليه. لكن إذا نذر الإنسان طاعةً وجب عليه الوفاء بها، لقوله ﷺ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ» رواه البخاري.

وبالنسبة إلى قول السائل: «إن شفاني الله لأكونن من الصالحين»، فهذا يحتاج إلى النظر في مقصوده من لفظ الصلاح عند النذر.

فإن كان مراده بالصلاح الاستقامة على طاعة الله وترك ما حرم الله، والقيام بما أوجب الله، بحسب استطاعته، فهذا أمر مطلوب منه أصلًا، وليس شيئًا زائدًا على الواجبات الشرعية؛ قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].

أما إذا كان مراده بالنذر ـ كما ذكر ـ أن يكون لا يعصي الله أبدًا، فهذا أمر لا يقدر عليه البشر، وليس الصلاح الشرعي متوقفًا على العصمة من الذنوب؛ فالإنسان الصالح قد تقع منه المعصية، لكنه إذا زلَّ تاب وأناب، ولم يُصرَّ على الذنب.

وقد قال النبي ﷺ: «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ» رواه الترمذي وابن ماجه وحسنه الألباني في (صحيح الجامع) [2/831 رقم: ٤٥١٢].

وأما الكفارة التي أخرجها، فإن كان قد أخرجها على أنها كفارة لنذره، وكان نذره من النوع الذي تلزمه فيه الكفارة عند العجز أو عدم الوفاء، فله حكمه بحسب نوع النذر وقصده. لكن لا يصح أن نجزم بمجرد هذه العبارة بأن الكفارة قد أبرأت ذمته؛ لأن النذر هنا يحتاج إلى معرفة صيغة النذر وقصده، وهل أراد التزام عمل معين أو مجرد الإخبار عن نفسه بأنه سيكون صالحًا.

والأهم من ذلك أن قوله: «كنت أظن أن الصلاح أن يصل العبد إلى درجة لا يعصي الله فيها أبدًا» لا يجعله مؤاخذًا على ما لم يكن في مقدوره؛ فالعبرة في الأيمان والنذور بالمعاني المقصودة شرعًا وبما يمكن للعبد الوفاء به، وليس المطلوب من المسلم أن يبلغ منزلة العصمة؛ فالعصمة للأنبياء فيما عصمهم الله منه، وأما سائر الناس فيخطئون ويتوبون.

وأما خوفه من أن يدخل في الوعيد المذكور في قوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: ٧٧]،

فليس كل من أخلف نذرًا أو وقع في تقصير يدخل في النفاق الذي توعد الله به في هذه الآية؛ فالآية في قوم مخصوصين وصفهم الله بما وصفهم به من الكذب والخلف، ثم ترتب على ذلك النفاق في قلوبهم.

أما المسلم الذي عاهد الله على الطاعة ثم ضعف أو عصى أو قصّر، ثم ندم وتاب واستغفر الله، فلا يقال بمجرد ذلك إنه صار منافقًا أو عوقب بنفاق في قلبه إلى يوم يلقاه. لكن يجب عليه أن يحذر من الاستخفاف بالعهود والنذور، وتعمد الكذب والخلف، والإصرار على المعصية.

والذي أنصح به السائل: ألا يجعل هذا النذر القديم سببًا لليأس والوسوسة، بل ليجعل شفاءه نعمةً تستوجب الشكر، وليجتهد فيما استطاع من الصلاح والاستقامة، وكلما زلَّ تاب، وكلما قصَّر استغفر، وليعلم أن الصلاح ليس ألا يخطئ الإنسان أبدًا، وإنما من أعظم الصلاح أن يكون العبد كلما أخطأ رجع إلى ربه.

وأما الكفارة التي أخرجها قبل أكثر من عشرين سنة، فإن أراد السائل أن نتحقق هل أجزأته فعلًا عن النذر أم لا، فلابد من معرفة اللفظ الذي نذر به حرفيًا قدر الإمكان، وما الذي كان يقصده حين قاله، وما نوع الكفارة التي أخرجها وكيف أخرجها؛ فهذه التفاصيل مؤثرة في الحكم. والله أعلم.

ثم رد السائل على الخاص فقال:
مجرد الاخبار عن نفسه أنه سيكون صالحا هذا هو مقصوده من النذر
أما لفظ النذر فقد قال في نذره لئن شفيتني يا ربي لأكونن من الصالحين ولم يلتزم عملا معينا وإنما قصد مطلق الصلاح
قلت:
نعم، بهذا التفصيل الذي ذكره السائل يتضح وجه المسألة أكثر؛ فإنه لم ينذر عبادةً معينة، ولا التزم عملًا مخصوصًا يمكن ضبطه والقول بوجوب الوفاء به، وإنما قال: « لئن شفيتني يا ربي لأكونن من الصالحين »، وكان مقصوده أن يكون مستقيمًا على طاعة الله، وكان تصوره للصلاح في ذلك الوقت أن يبلغ العبد درجةً لا يعصي الله معها أبدًا.

وعليه، فينبغي التفريق بين مقصوده من الكلام، وبين حقيقة النذر وأحكامه.

فإن كان مراده مجرد الإخبار عن نفسه، والوعد بأنه إذا شفاه الله تعالى سيستقيم ويكون من الصالحين، فهذا ليس نذرًا شرعيًّا ملزمًا، وإنما هو وعد وعزم على الخير، والاستقامة على طاعة الله واجبة عليه بأصل الشرع، سواء تلفظ بهذا الكلام أم لم يتلفظ به.

وأما إن كان قد قصد بقوله إنشاء النذر وإلزام نفسه لله تعالى، فالمشكلة أن المنذور به هنا هو «مطلق الصلاح»، وهو معنى عام مجمل، لا عبادة معينة يمكن تحديدها وضبط الوفاء بها؛ فلم يقل: لله عليَّ أن أصلي كذا، أو أصوم كذا، أو أتصدق بكذا، وإنما ألزم نفسه بأن يكون من الصالحين.

ثم إن الصلاح لا يعني العصمة من الذنوب، فليس من شرط العبد الصالح ألا يقع في معصية قط؛ فإن بني آدم خطاؤون، وإنما شأن الصالحين أنهم إذا زلوا تابوا، وإذا أذنبوا استغفروا، وإذا قصروا بادروا إلى الإصلاح، ولم يصروا على الذنب.

قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥].

فالتصور الذي كان عند السائل قديمًا من أن الصلاح هو ألا يعصي العبد الله أبدًا تصور غير صحيح، ولا ينبغي أن يبني عليه حكمًا بعد هذه السنين الطويلة.

وأما الكفارة التي أخرجها، فإن كان قد أخرجها آنذاك احتياطًا، أو ظنًّا منه أن هذا النذر تلزمه فيه كفارة يمين، فلا ينبغي بعد مضي أكثر من عشرين سنة أن يفتح على نفسه باب الوسوسة والشك، ولا أن يُطالب بكفارة أخرى لمجرد الاحتمال؛ لا سيما وأنه لا يتذكر الآن سبب إخراجه لها على وجه التحديد.

والأقرب ـ والله أعلم ـ أنه لا يلزمه الآن شيء بسبب هذا النذر؛ فإن كان قصده مجرد الوعد بالاستقامة والصلاح، فلا نذر لازم أصلًا، وإن كان قصد إنشاء النذر، فقد نذر معنى عامًا مجملًا لا عبادة معينة، والصلاح في نفسه مطلوب منه بأصل الشرع.

فعلى السائل أن يحسن الظن بربه، وأن لا يسترسل مع الوساوس بعد هذه السنين، وأن يجعل شفاءه نعمةً يشكر الله عليها، وذلك بالاستقامة على طاعته، والقيام بما أوجب، واجتناب ما حرّم، والتوبة كلما وقع في زلل.

فـالصلاح ليس أن لا يخطئ الإنسان أبدًا، وإنما من أعظم الصلاح أن يكون العبد إذا أخطأ رجع، وإذا أذنب تاب، وإذا قصر استغفر، وإذا فتر عاود السير إلى الله تعالى، والله أعلم.

من ضمن (سلسلة الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص)
السؤال: الثلاثمائة وإحدى عشرة:
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
كيف حالكم يا شيخ بلال؟
عندي اقتراح جزاكم الله خيرا
لو تكثف حضرتك الدورات العلمية وتشرحون فيها المتون العلمية في أيام علي طريقه التعليقة السريعة والحاشية لمهمات وغوامض المتن.

الحمد لله:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حياكم الله وبارك فيكم.

بداية؛ جزاكم الله خيرًا على هذا الاقتراح الطيب، وأحب أن أحيطكم علمًا بأننا ولله الحمد منذ شهرين ونصف تقريبًا – وبقي نصف شهر - نقيم دورة علمية موجهة للشباب الجامعي، ويشارك فيها عدد من المشايخ الفضلاء، ولكل شيخ منهم (اثنتا عشرة محاضرة) في موضوعات علمية وتربوية ومنهجية متنوعة.

وقد بذل المشايخ فيها جهدًا كبيرًا، حتى إن بعض المحاضرات ـ والله ـ بلغت من قوة الطرح، وحسن السبك، وعمق التأصيل، والتحرير المنهجي، وجودة العرض ما يجعل بعضها صالحًا لأن يُجمع ويُحرر في كتاب مستقل ينتفع به طلاب العلم والشباب.

وهذا من فضل الله ومنِّه، ثم من فضل المشايخ الذين بذلوا أوقاتهم وجهودهم في خدمة هذه الفئة من الشباب.

وأما اقتراحكم المتعلق بتكثيف الدورات العلمية وشرح المتون بطريقة التعليقات السريعة على مهمات المتن وغوامضه، فهو اقتراح طيب، ونرجو ـ بإذن الله ـ أن يكون من المشاريع العلمية التي يمكن العناية بها مستقبلًا.

وإن شاء الله تكون الدورة المقبلة بعنوان: «الحواشي على مهمات المتون وغوامضها».
ويمكن أن تكون الطريقة على هذا النحو إن شاء الله:

* قراءة المتن وضبط ألفاظه.
* شرح عباراته شرحًا مختصرًا محررًا.
* التعليق على المهمات والفوائد.
* بيان الغوامض والمشكلات التي قد تشكل على الطالب.
* ذكر الأدلة والمسائل الخلافية المهمة باختصار.
* التنبيه على الأخطاء الشائعة في فهم عبارات المتن.
* ختم كل مجلس بخلاصة مركزة لأهم ما ينبغي للطالب ضبطه وحفظه.

وهذا الأسلوب نافع جدًا، خصوصًا للطلاب الذين سبق لهم دراسة المتن ويريدون مراجعة مركزة وتحريرًا لمسائله ودقائقه، فالجمع بين سرعة العرض، ودقة التحرير، وقوة التعليق هو الأنسب؛ فلا تكون الدورة مجرد قراءة سريعة للمتن، ولا شرحًا مطولًا يكرر ما يمكن للطالب تحصيله من الشروح، وإنما تكون عنايةً بـ المواضع الدقيقة، والفوائد النفيسة، والإشكالات التي يحتاج الطالب إلى حلها.
وفي الأخير، أقول لك: أَبْشِرْ أَبْشِرْ! وجزاك الله خيرًا على هذا الاقتراح الطيب، وعلى ما أبديته من حرصٍ واهتمامٍ بنشر العلم وخدمة طلابه، ونشكر لك حسن ظنك، وننصحك بمواصلة هذه الاقتراحات والأفكار النافعة؛ فربما كان من بينها ما يفتح الله به بابًا من أبواب الخير والنفع، ونسأل الله أن يوفقنا وإياك لكل ما يحب ويرضى. والله تعالى أعلم.

من ضمن سلسلة (الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص)
الحلقة الرابعة من: مسلك عرفات المحمدي المتهور في الدعوة إلى الله والتي بعنوان:

ثَعْلَبٌ فِي الْمِصْيَدَةِ... وَمَذْهَبُ التَّشْتِيتِ فِي الْفِتَنِ

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه وبعد:

من طرائف ما يُحكى عن الثعلب أنه إذا وقع في مصيدةٍ، وأدرك أن الصياد قد أحكم عليه الخناق، ولم يعد أمامه سبيلٌ إلى الإفلات منها، لم يكن همه دائمًا أن يتخلص من المصيدة نفسها، بل قد يلجأ إلى حيلةٍ أخرى: أن يُشتِّت الصياد عنه، ويصرف نظره عن موضعه.

فيبدأ بالحركة في جهاتٍ متعددة، ويضطرب في مكانه، ويثير ما حوله، ويُحدث جلبةً وضجيجًا، حتى تخرج من جحورها بعض الخنافس، أو تفزع العقارب فتنتشر هنا وهناك، فيلتفت الصياد مرةً إلى هذه، ومرةً إلى تلك، ويجد نفسه أمام أكثر من أمرٍ يستدعي النظر والانتباه.

وهنا يكون الثعلب قد أصاب شيئًا من غرضه؛ إذ لم يعد هو وحده مركز المشهد وموضع المطاردة، بل أصبحت عينا الصياد موزعتين، وذهنه مشغولًا بأكثر من جهة، وجهده متفرقًا بين عدة أمور.

فالثعلب لا يريد بالضرورة أن يقتل العقرب، ولا أن يصطاد الخنفساء، ولا أن يتخلص من كل ما أثاره حوله؛ وإنما يريد شيئًا واحدًا: ألا يبقى هو القضية الوحيدة التي ينظر إليها الصياد.

وكلما نجح في فتح جبهةٍ جديدة، أو إثارة حركةٍ في جهةٍ أخرى، ازداد تشتيت الصياد، وقلَّ تركيزه على المصيدة التي علق فيها الثعلب.
وهذا المثل، من حيث المعنى العام، يصلح أن يكون مدخلًا لفهم بعض أساليب الثعلب المكار عرفات المحمدي!! في إدارة الفتن وإثارة التشويش بين الناس؛ فإن من أعظم ما يقوم به من وسائل الإفلات من المحاسبة: أن يُكثر القضايا، ويفتح الملفات المتعددة، ويُخلط الأوراق، حتى تضيع القضية الأصلية في زحام القضايا الطارئة.

وَهُنَا يَظْهَرُ مَسْلَكُ التَّشْتِيتِ:

الذي يحسنه هذا الماكر الخبيث من نقل المعركة من قضية إلى قضية، ومن شخص إلى شخص، ومن خطأ إلى خطأ، حتى يصبح المتابع أمام سيلٍ من الأسماء والمواقف والردود، وينسى أصل القضية التي بدأ منها الكلام.
وهذا هو الذي ينبغي التنبه إليه عند النظر في مواقفه في هذه النازلة؛ إذ لا ينبغي لطالب العلم والباحث أن ينظر إلى كل حادثة منفردة، ولا أن ينشغل بكل جزئية على حدة، بل ينبغي أن يرفع بصره عن تفاصيل المشهد ليسأل سؤالًا أكبر وأخطر:

هَلْ كَثْرَةُ الْمَلَفَّاتِ الْمَفْتُوحَةِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ تُؤَدِّي إِلَى تَشْتِيتِ الْأَنْظَارِ عَنْ أَصْلِ الْإِشْكَالِ؟

فإذا كان أصلُ البحث متعلقًا بقضايا عظيمة، أُريق بسبب بعضها الدماء، وكادت أن تُقسَّم بسببها البلاد، وتزلزلت من أجلها الرجال، واشتد بسببها النزاع؛ ثم يُصرُّ - مع ذلك - على فتح ملفات جانبية لا صلة لها بأصل النازلة، ولا أثر لها في حل عقدتها، حتى يبلغ الأمر أن تُفتح قضية مثلاً: هل الأرض كروية أم مسطحة؟! ثم يُصرُّ على إدخال أشخاص آخرين، واستحضار قضايا متفرقة، ونبش مسائل بعيدة عن محل النزاع؛ حتى يصبح الناس بين عشرات الردود، ومئات المقاطع، وسيلٍ من التعليقات والنقولات، في تشتتٍ رهيب، وتبعثرٍ للجهود، وتفتيتٍ لعزائم القائمين على رد الباطل وكشفه.
إنَّ من أخطر ما يُؤخذ على ذاك الثعلب المكار - عرفات المحمدي - فيما يظهر جلياً - من طريقة تعامله مع هذه النازلة أن يُغرق طلاب العلم، ولا سيما الذين لم تتضح لهم الصورة كاملة، في كثرة التفاصيل، حتى يضيع منهم أصل المسألة، وأن يفتح أمامهم جبهاتٍ متعددة، فتتوزع قواهم، وتتشتت جهودهم، وأن يفتح في كل يوم بابًا جديدًا، حتى يعجز المتابع عن إغلاق الباب الأول قبل أن يُفاجأ ببابٍ ثانٍ وثالث.

فتتحول القضية من تحقيقٍ في أصل الإشكال إلى مطاردةٍ متواصلة للفروع والجزئيات، ومن جمع الأدلة وترتيبها إلى متابعةٍ لا تنتهي للردود والتعقيبات والمقاطع والمواقف؛ حتى يُستنزف الوقت، وتُبعثر الجهود، ويضيع على كثير من طلاب العلم مركز القضية ولبُّها.

وهذه هي عين الحيلة التي يشبهها حال الثعلب الواقع في المصيدة: لا يستطيع أن يفك قيده، فيكثر الحركة حوله، ويثير ما استطاع من الضجيج، ويبعث الحركة في كل جانب، لعل الصياد ينصرف عنه، أو يتوزع نظره، أو تتفرق قوته؛ فلا يبقى الثعلب وحده في دائرة المطاردة.

ولكنَّ المشايخَ الفضلاءَ وطلابَ العلمِ النبهاءَ ليسوا غافلين عن هذه الحيل، ولا مستسلمين لهذا التشتيت؛ بل هم على يقظةٍ تامةٍ من غبار الخطوات المرتبكة، متفطنون لما يُثار حول القضايا من ضجيج، فلا تحيد أبصارهم عن القضايا العظام التي أُثيرت، ولا ينصرفون عن أصل النازلة التي اضطرب بها الصف السلفي، وكادت أن تُحدث فيه من الشرخ والبلاء ما لا يخفى على من له أدنى بصيرة.
فمهما كثرت الملفات، وتعددت الجبهات، وتتابعت القضايا الجانبية، فإن أهل العلم لا يتركون أصل القضية لينشغلوا بما أُثير حولها من غبار، ولا يسمحون بأن تُستنزف جهودهم في مطاردة الخنافس والعقارب الصفراء، بينما يبقى الثعلب بعيدًا عن دائرة النظر.
إنهم له بالمرصاد، لا يتركون أصل القضية حتى يُفصل فيها بالحق، ولا يسمحون بأن تُدفن القضايا العظام تحت ركام الجزئيات والتفاصيل.

فإما أن يتوب إلى الله توبةً صادقة، ويعلن رجوعه عن أخطائه، ويُبيِّن للناس ما وقع فيه، ويُصلح ما أفسده، ويجبر ما أمكن جبره من آثار ذلك؛ وإما أن تنكشف الحيلة، وتسقط الأقنعة، ويظهر الأمر على حقيقته، فيكون قد وقع في المصيدة التي ظن أنه يفر منها، وأُمسك به من حيث أراد أن يفلت، وتُسجَّل هذه المواقف في صفحات التاريخ شاهدًا عليه، لا يملك محوها بكثرة مكره وضجيجه، ولا يسترها بفتح المزيد من الملفات، حتى يذهب بعيداً إلى مزبلة التاريخ.

فقد ينجح التشتيت في إرباك الغافلين، لكنه لا يضلل المتفطنين؛ وقد يثير الغبار في أعين من لا يتبصر، لكنه لا يحجب الطريق عن أهل البصيرة؛ والثعلب مهما أكثر من الحركة حول المصيدة، فإن المصيدة لا تزال في مكانها، والصياد لا يزال ينتظر، والفرصة الأخيرة قبل إغلاق الباب هي: توبةٌ صادقة، وبيانٌ صريح، وإصلاحٌ لما أفسد.

ولهذا كان من فقه طالب العلم في زمن الفتن أن يعرف أين يضع قدمه، وماذا يقدم، وماذا يؤخر، ومتى يجيب، ومتى يمسك؛ حتى لا تتحول كثرة ما يُثار إلى شبكةٍ أخرى يقع فيها من أراد كشف الحقيقة، فإذا به - من حيث لا يشعر - يطارد الخنافس والعقارب الصفراء فضلا عن السوداء، وقد نسي الثعلب الذي كان يبحث عنه من أول الأمر!

وهذه هي ثمرة التشتيت.
أن يخرج الناس من السؤال الأول بعشرات الأسئلة، ومن القضية الواحدة بعشر قضايا، ومن البحث عن الحق إلى البحث عن الغلبة؛ وهنا ينبغي لطالب العلم أن يكون أذكى من أن يُستدرج إلى هذه الدوامة.

وَمِنْ هُنَا أَقُولُ: التَّشْتِيتُ لَا يُغَيِّرُ الْحَقِيقَةَ:

لا ينبغي لطالب السُّنَّة أن يكون أسيرًا للضجيج الذي يُثار حول هذه النازلة، ولا أن يُستدرج إلى مطاردة كل قضية جانبية تُفتح أمامه، بل عليه أن يثبت عند (القضايا الأصلية العظام)، وأن يطالب صاحبها بالجواب عنها واحدةً واحدة، بالدليل والبرهان، لا بالتشتيت، ولا بفتح الملفات الجانبية، ولا بإغراق الساحة بعشرات الردود والمقاطع والتعليقات.

وعليه؛ فليكن السؤال واضحًا، وليكن الجواب أوضح:

يا عرفات المحمدي: هذه القضايا الخطيرة نُسبت إليك، فما جوابك عنها؟

١ ـ الخروج على ولي الأمر والسلطان الشرعي، وما نُسب إليك في شأن عبد ربه منصور هادي ورشاد العليمي؛ فما حقيقة موقفك؟ وما مستندك فيه؟

٢ ـ وما حقيقة ما نُسب إليك من التواصي بعدم ذكر هاني بريك للإمام ربيع ـ رحمه الله ـ بقصد استصدار فتوى منه بالقتال؟ وهل وقع ذلك منك؟ وما جوابك عن تفاصيل هذه الدعوى ونقولها؟

٣ ـ وما حقيقة اجتماعك مع قيادات المجلس الانتقالي الجنوبي في الرياض، وما نُسب إليك من مباركة مواقفه، والدعوة إلى ما جرى في حضرموت والمهرة من توترات، وما ترتب على ذلك من إراقة الدماء، وما نُسب إليك من الدعوة إلى انفصال الجنوب وتقسيم اليمن؟ وما موقفك من وصايا الإمام ربيع ـ رحمه الله ـ في شأن وحدة اليمن ودرء الفتن وسفك الدماء؟

٤ ـ وما حقيقة ما نُسب إليك من الطعن في بعض السلفيين وتبديعهم، ومن ذلك موقفك من الدكتور أبي عياض أمجد رفيق ـ حفظه الله ـ؟ وما حجتك في ذلك؟ وما أدلتك التي اعتمدت عليها؟

٥ ـ وما حقيقة تزكيتك لهشام البيلي، مع ما نُسب إليه من طعون في أئمة وعلماء معروفين، ومنهم الإمام الألباني والعلامة حسن بن عبد الوهاب البنا والعلامة علي الوصيفي ـ رحمهم الله جميعًا ـ؟ وما موقفك من تلك الطعون أصلًا؟ وما جوابك عن هذا الملف؟

٦ ـ وما حقيقة ما نُسب إليك من وقائع ثبت فيها كذبك و تناقضك، وما يُثار حول طريقتك في معالجة الخصومات من المراوغة والتنقل بين الملفات؟ وما جوابك عن كل واقعة بعينها؟

هذه هي القضايا التي ينبغي أن تكون في مقدمة النظر والمناقشة، لا أن تُدفن تحت مسائل جانبية، ولا أن تُغطى بإثارة عشرات الملفات الأخرى.

فإن كانت هذه الدعاوى باطلة، فلتُبطلها بالدليل، ولتبيِّن للناس مواضع الكذب والافتراء، وليطالب من نسبها إليك بالرجوع عنها، وإن كان في بعضها حق، فلتبيِّن موقفك، ولتدافع عنه بالحجة.

وإن كنت قد أخطأت، فباب التوبة مفتوح، والرجوع إلى الحق فضيلة، والاعتراف بالخطأ خير من المكابرة، والإصلاح خير من الاستمرار في الخطأ.
أما أن تَترك أصل النازلة، وتَشغل الناس كل يوم بملف جديد، وتفتح لهم في كل مرة بابا من التشتيت والتشغيب؛ فهذا ليس بيانا للحق، ولا معالجة للخلل، بل هو مكر في إدارة الفتنة، وخبث في صرف الأنظار، وتضليل لمن لم تتبين له حقيقة النازلة.
فمن عجز عن مواجهة أصل القضية، فتشعيبها لا يبرئه، ومن لم يجد جوابا عن الأصل، ففتح ملف جديد لا يغلق الملف القديم؛ وإنما هو غبار يثار حول المصيدة، لعلّه يعمي الأبصار عن الثعلب الذي وقع فيها.
ولهذا نقول لطلاب السُّنَّة: لا تطاردوا كل ما يتحرك حول المصيدة؛ انظروا أولًا إلى الثعلب الذي وقع فيها، وطالبوه بالجواب عن القضايا التي أوقعته فيها.
فإن جاء بالبيان والحجة، فليُسمع منه.
وإن جاء بالاعتذار والتوبة والإصلاح، فذلك خير له وللصف السلفي.
أما أن يظل يثير الغبار، ويفتح الأبواب، ويبعثر الأوراق، ويشتت الأنظار؛ فذلك لن يغير أصل القضية، ولن يمنع أهل العلم من العودة إلى شكشكته بـ«القضايا العظام» التي بسببها وقع في المصيدة وأراد بمكره إرباك الصف السلفي، وسفكت بسببه الدماء، وكادت الفتنة أن تعصف بالبلاد والعباد، ولكن الله سلَّم.

فمهما حاول صرف الأنظار، ومهما أكثر من فتح الملفات، فإن القضايا العظام لا تسقط بالتقادم، ولا تدفن تحت ركام التشتيت، ولا تطمسها كثرة الضجيج، وسيظل أهل العلم يطالبونه بالجواب عنها واحدة بعد أخرى، حتى يتبين الحق من الباطل، ويظهر الصادق من المراوغ. والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه
الإسكندرية الأحد 10 ربيع الأول 1448 هـ.

مواد ذات صلة