الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. الردود

بَيْنَ الْبَيَانِ وَالْإِنْصَافِ: نَصِيحَةٌ لِمَنْ نَرْجُو رُجُوعَهُ إِلَى الْحَقِّ

١٨ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ٣١ أغسطس ٢٠٢٦
الردودالمقالاتالرد على عرفات المحمديالرد على عبد الله البخاريالمنهج والدعوة السلفيةالفرق والأحزاب
(بَيْنَ الْبَيَانِ وَالْإِنْصَافِ: نَصِيحَةٌ لِمَنْ نَرْجُو رُجُوعَهُ إِلَى الْحَقِّ )

اَلْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَقَدْ لَامَنِي بَعْضُ الْإِخْوَةِ عَلَى بَيَانِ حَالِ الشَّيْخَيْنِ (الدُّكْتُورِ عَبْدِ الْإِلَهِ لَحْمَامِي وَالشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَوَاسِي عَفَا اللهُ عَنْهُمَا)، وَالْقَوْلِ بِأَنَّ مَوَاقِفَهُمَا الْمُتَكَرِّرَةَ قَدْ دَلَّتْ عَلَى مَيْلِهِمَا إِلَى الْحِزْبِ الْعَرَفَاتِيِّ، وَقَالُوا: إِنَّهُمَا مَا زَالَا عَلَى جَادَّةِ السَّلَفِيَّةِ، وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي التَّكَلُّمُ فِيهِمَا.

وَالْجَوَابُ: أَنَّنِي لَمْ أَبْنِ كَلَامِي عَلَى مُجَرَّدِ الظُّنُونِ، وَلَا عَلَى الْهَوَى، وَلَا عَلَى مُجَرَّدِ مُشَارَكَةٍ عَابِرَةٍ فِي دَوْرَةٍ أَوْ مَجْلِسٍ، بَلْ بَعْدَ التَّثَبُّتِ وَالنَّظَرِ فِي جُمْلَةٍ مِنَ الْمَوَاقِفِ وَالْقَرَائِنِ وَالْأَدِلَّةِ.

وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ السَّلَفِيَّةَ لَيْسَتْ دَعْوَى تُرَدَّدُ بِاللِّسَانِ، وَلَا لَقَبًا يُتَزَيَّنُ بِهِ، وَإِنَّمَا هِيَ اتِّبَاعٌ لِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ عَلَى فَهْمِ السَّلَفِ، وَمِنْ لَوَازِمِهَا الْوُضُوحُ فِي الْحَقِّ، وَالتَّمْيِيزُ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَأَهْلِ الْبِدَعِ وَالأَهْوَاءِ وَالمُخَالِفِينَ، وَالْحَذَرُ مِنْ مَوَاطِنِ التَّلْبِيسِ، وَمَعْرِفَةُ مَنْ يُؤْخَذُ عَنْهُ الْعِلْمُ، وَمَنْ يُحَذَّرُ مِنْهُ.
فَلَيْسَ مِنَ الْمَنْهَجِ السَّلَفِيِّ أَنْ نَجْمَعَ الْمُخْتَلِفِينَ فِي الْمَنْهَجِ فِي صَفٍّ وَاحِدٍ، ثُمَّ نَقُولَ: «كُلٌّ لَهُ اجْتِهَادُهُ»، أَوْ: «نَسْتَفِيدُ مِنْهُ فِيمَا أَصَابَ فِيهِ»، أَوْ: «هُوَ يَتَعَامَلُ مَعَ الْجَمِيعِ»، ثُمَّ نُسْكِتَ عَنْ الْمَوَاقِفِ الَّتِي تَكْشِفُ الْمَسَارَ وَتُبَيِّنُ الْمَيْلَ.
وَلِمَزِيدِ الْإِيضَاحِ وَالْبَيَانِ لِمَا وَرَدَ فِي إِجَابَتِي عَنِ السُّؤَالِ الْمُوَجَّهِ إِلَيَّ بِشَأْنِ حَالِ الشَّيْخَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، أَقُولُ:

أَوَّلًا: يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ مَسَارَ الدُّكْتُورِ عبدِ الله الْبُخَارِيِّ فِي هَذِهِ الْفِتْنَةِ قَدِ الْتَقَى بِمَسَارِ عَرَفَاتٍ الْمُحَمَّدِيِّ وَمَشَايِخِ عَدَنَ، وَهَذَا لَيْسَ مِنْ بَابِ الظُّنُونِ الْمُجَرَّدَةِ، بَلْ تُؤَيِّدُهُ مَوَاقِفُ وَنُقُولٌ عَنْ ثِقَاتٍ. وَمِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ الِاعْتِبَارُ بِالْأَخْدَانِ وَالْأَقْرَانِ، وَفِي الْأَثَرِ الْمَشْهُورِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: «اعْتَبِرُوا النَّاسَ بِأَخْدَانِهِمْ فَإِنَّ الْمَرْءَ لَا يُخَادِنُ إِلَّا مَنْ يُعْجِبُهُ ».
فقَدْ عُرِفَ عَنْهُ تَأْيِيدُ عَرَفَاتٍ وَمَشَايِخِ عَدَنَ، وَنُقِلَ عَنْهُ ـ نَقْلَ الثِّقَاتِ ـ قَوْلُهُ: «أَنَا الَّذِي أَفْتَيْتُهُمْ بِالْقِتَالِ»، وَهُوَ قَوْلٌ خَطِيرٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يُمَرَّ عَلَيْهِ مُرُورَ الْكِرَامِ. وَكَانَ ومَازَالَ شَدِيدَ الْمُنَاصَرَةِ لَهُمْ، لَا يَقْبَلُ فِيهِمْ مَغْمَزًا وإِنْ كَانَ جَلِيَّاً، حَتَّى لمَّا احْتُكِمَ إِلَيْهِ فِي الْخِلَافِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ فَضِيلَةِ الشَّيْخِ عَلِيِّ الْحُذَيْفِيِّ - حَفِظَهُ اللهُ وَرَعَاهُ -، كَانَ الُمَرادُ فَقَط إِسْكَاتَ الشَّيْخِ عَلِيٍّ، وَلَمِّ الشَّمْلِ عَلَى طَرِيِقَةِ الحِزْبِيين وِفْقَ (قَاعِدَةِ التَّعَاونِ) المَشْهُورَةِ حَتَى نَقَلَ ثِقَةٌ عَنْهُ بَعْدَ الْجَلْسَةِ وَصْفَهُ كلامَ الشَّيخِ عَلّيٍّ الحُذَيفيِّ - حَفِظَهُ اللهُ وَرَعَاهُ -، بِأَنَّهُ يُشْبِهُ كَلَامَ الصِّبْيَانِ.
وَسُبْحَانَ اللهِ ... لَمَّا وَقَعَتِ الْمُوَاجَهَةُ، وَضُرِبَتْ قُوَّاتُ الِانْتِقَالِيِّ وَمَنْ يُسَانِدُهُ مِنْ قِبَلِ الْقُوَّاتِ السُّعُودِيَّةِ، خَرَجَ مِنْ الدُّكْتُورِ البُخَارِيِّ – هَدَاهُ اللهُ - صَوْتٌ مُضْطَرِبٌ يَفِيضُ خَوْفًا وَفَزَعًا فيِ صَوْتِيَّةٍ يَقُولُ فِيهَا بِنَفْسِ قَولِ مَنْ قَالَ فِيهِ: إِنَّ كَلَامَهُ يُشْبِهُ كَلَامَ الصِّبْيَانِ – فَسُبْحَانَ مَنْ نَصَرَ الشَّيخَ عَلِيَّاً عَلَى لِسَانِ قَاضِيهِ الجَائِرِ - ، وَأَرَادَ فِيهَا أَنْ يُظْهِرَ مَوْقِفَهُ مِنْ وُلَاةِ الْأَمْرِ. وَلَا نُنَازِعُهُ فِي أَنَّ طَاعَةَ وُلَاةِ الْأَمْرِ أَصْلٌ، وَلَا فِي أَنَّ الْمُؤْمِنَ قَدْ يَخَافُ وَيَفْزَعُ مِنَ أنْ يُظَنَّ بِهِ السُّوء!!!!!!!؛ وَلَكِنَّ الكَارِثَةَ فِي دَوَامِ الْعِنَايَةِ بِعَرَفَاتٍ، وَالتَّوَاصُلِ مَعَهُ، وَالتَّزَاوُرِ وَالِالْتِقَاءِ، وَالْمُنَاصَرَةِ وَالدِّفَاعِ، فَهَذِهِ مَوَاقِفُ لَا يَسْتَطِيعُ السَّلَفِيُّ أَنْ يَتَجَاهَلَ دَلَالَتَهَا.
ثَانِيَاً: إِذَا قِيلَ: إِنَّ الدُّكْتُورَ لَحْمَامِي يَحَذِّرُ مِنْ عَرَفَاتٍ فِي الْمَجَالِسِ الْخَاصَّةِ، ثُمَّ نَرَاهُ فِي الْعَلَنِ يُظْهِرُ الْمُوَالَاةَ وَالتَّعْظِيمَ لِمَنْ هُوَ عَلَى هَذَا الْمَسَارِ، وَيَدَافِعُ عَنْهُ، وَيَنْكُرُ عَلَى مَنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ، فَبِأَيِّ مِيزَانٍ نُفَسِّرُ هَذَا؟ وَكَيْفَ نَجْمَعُ بَيْنَ تَحْذِيرٍ سِرِّيٍّ ـ إِنْ ثَبَتَ ـ وَمُوَالَاةٍ عَلَنِيَّةٍ مُتَكَرِّرَةٍ؟
إِنَّ الْمَنْهَجَ السَّلَفِيَّ لَا يَقْبَلُ هَذَا الِالْتِبَاسَ؛ فَإِذَا تَنَاقَضَتِ الدَّعْوَى الْخَاصَّةُ مَعَ الْمَوْقِفِ الْعَلَنِيِّ الْمُتَكَرِّرِ، فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانٍ يُزِيلُ التَّنَاقُضَ. وَأَمَّا أَنْ نَجْعَلَ الْمَوْقِفَ الْعَلَنِيَّ شَيْئًا، وَالتَّحْذيرَ الْمَزْعُومَ فِي الْخَاصَّةِ شَيْئًا آخَرَ، ثُمَّ نُطَالِبَ النَّاسَ بِأَنْ لَا يَسْأَلُوا وَلَا يَسْتَنْكِرُوا، فَهَذَا لَيْسَ مِنَ الْوُضُوحِ فِي شَيْءٍ.
فَالْمَرْءُ يُعْرَفُ بِمَسَارِهِ، وَيُعْرَفُ مَسَارُهُ بِمَنْ يُوَالِي وَيُدَافِعُ وَيُجَالِسُ وَيَنْصُرُ؛ فَكَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ نُحَاكِمَ النَّاسَ بِالدَّعَاوَى، فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ نَتْرُكَ الْمَوَاقِفَ الْمُتَرَاكِمَةَ وَالْقَرَائِنَ الظَّاهِرَةَ. فَإِنْ ثَبَتَتِ الْمُوَالَاةُ فَلَا تُغَطَّى، وَإِنْ ثَبَتَ التَّنَاقُضُ فَلَا يُزَيَّنُ؛ وَبِهَذَا يَجْتَمِعُ وُضُوحُ السُّنَّةِ مَعَ عَدْلِ السُّنَّةِ.
وَإِنْ كَانَ قَدْ تَبَيَّنَ لَهُ خَطَأُ عَرَفَاتٍ وَمَسْلَكُهُ، فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ ذَلِكَ بَيَانًا يَرْفَعُ الْإِلْبَاسَ، وَيَفْصِلُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ؛ أَمَّا أَنْ يَسْتَمِرَّ فِي الْمُشَارَكَةِ مَعَ الْمُتَعَصِّبِينَ لَهُ، وَيُدَافِعَ عَمَّنْ يَنْتَسِبُ إِلَى مَسَارِهِ، ثُمَّ يُقَالَ: «إِنَّهُ يَحْذَرُ مِنْهُ فِي الْخَاصَّةِ»، فَهَذَا لَا يَرْفَعُ الْإِشْكَالَ، بَلْ يَزِيدُهُ إِشْكَالًا.

وَلَا نَقُولُ إِنَّ كُلَّ مَنْ لَمْ يَنْشُرْ تَحْذِيرًا عَلَى «تُوَيْتَر» أَوْ «فَيْسْبُوك» أَوْ غَيْرِهِمَا مِنَ المِنّصَّاتِ يَكُونُ مُوَافِقًا لِعَرَفَاتَ، وَلَكِنَّنَا نَقُولُ: إِذَا كَانَ الرَّجُلُ يَعْلَمُ مَا عَلَيْهِ الْقَوْمُ، وَيُحَذِّرُ مِنْهُمْ فِي الْخَاصَّةِ، ثُمَّ يَسْتَمِرُّ فِي التَّعَاوُنِ الْعَلَنِيِّ مَعَهُمْ، فَهَذَا تَنَاقُضٌ يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانٍ، وَلَا يَكْفِي فِيهِ مُجَرَّدُ دَعْوَى الْحَذَرِ فِي الْمَجَالِسِ الْخَاصَّةِ.
فالدُّكْتُورُ عَبْدُ الْإِلَهِ لَحْمَامِي، قَدْ تَكَرَّرَتْ مُشَارَكَتُهُ مَعَ الْمُتَعَصِّبِينَ لِعَرَفَاتَ الْمُحَمَّدِيِّ فِي الْمَغْرِبِ، مَعَ ظُهُورِ انْحِيَازِهِمْ إِلَيْهِ وَالتَّعَصُّبِ لَهُ، وَلَيْسَ هَذَا أَمْرًا لَا دَلَالَةَ لَهُ.

وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا مَوْقِفُهُ مِنَ الشَّيْخِ فَوَّازٍ الْمَدْخَلِيِّ -حَفِظَهُ اللَّهُ- حِينَ أَنْكَرَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ فِي أتباعِ الدُّكْتورِ البُخَاريِّ «صُوفِيَّةِ الْبُخَارِيِّ»، فَكَانَ لَهُ فِي ذَلِكَ مَوْقِفٌ وَاعْتِرَاضٌ وردٌ مَنْشُورٍ، فِي حِينِ أَنَّنَا لَمْ نَرَ لَهُ مَوْقِفًا وَاضِحًا فِي الرَّدِّ عَلَى عَرَفَاتَ الْمُحَمَّدِيِّ وَمَا تَوَاتَرَ عَنْهُ منْ أَكَاذِيبَ وَافْتِرَاءَاتٍ، مَعَ وُضُوحِ مَا قُدِّمَ مِنْ أَدِلَّةٍ وَبَرَاهِينٍ عَلَى ذَلِكَ.
وَهُنَا يَحِقُّ لَنَا أَنْ نَسْأَلَ: أَيْنَ الْإِنْكَارُ حِينَ يَكُونُ الْخَطَأُ مِنَ الْجِهَةِ الَّتِي يُظْهِرُ لَهَا الْمَيْلُ وَالتَّعَاوُنُ؟ وَأَيْنَ هَذِهِ الْغَيْرَةُ عَلَى الْحَقِّ حِينَ يَتَعَلَّقُ الْأَمْرُ بِعَرَفَاتَ وَأَتْبَاعِهِ؟ أَلَيْسَ الْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمِيزَانُ وَاحِدًا، فلماذا يَشْتَدُّ عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ وَيَلِينُ مَعَ مَنْ يُخَالِفُهُمْ؟

ثَالِثَاً: وَأَمَّا الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمَوَاسِي – عفا الله عنه - فَلَهُ دُرُوسٌ تُنْشَرُ فِي مَوْقِعِ «مِيرَاثِ الْأَنْبِيَاءِ»، وَيَنْشُر وَيَدُلُّ النَّاسَ عَلَى الدَّوْرَاتِ الَّتِي تُبَثُّ فِيهِ، مَعَ مَا هُوَ مَعْرُوفٌ عنْ مَوْقِفِ الْقَائِمِينَ عَلَيْهِ وَمَنْ يُحَاضِرُ فِيهِ وَمَيْلِهِمْ إِلَى عَرَفَاتَ الْمُحَمَّدِيِّ المكَّار.

وَلَيْسَ مُجَرَّدُ وُجُودِ دَرْسٍ فِي مَوْقِعٍ وَحْدَهُ دَلِيلًا عَلَى الْمُنَاصَرَةِ، وَلَكِنَّ الْكَلَامَ فِي مَجْمُوعِ الْمَوَاقِفِ وَالِاسْتِمْرَارِ وَالتَّعَاوُنِ، وَفِي مَا إِذَا صَاحَبَ ذَلِكَ بَيَانٌ وَاضِحٌ يُبَرِّئُ صَاحِبَهُ مِنْ مَسْلَكِ الْقَائِمِينَ عَلَى الْمَوْقِعِ أَوْ لَا.
وَإِلَى الْآنِ، فِيمَا بَلَغَنَا وَوَقَفْنَا عَلَيْهِ، لَمْ نَرَ مِنْهُ بَيَانًا صَرِيحًا يَحْذَرُ فِيهِ مِنْ مَسْلَكِ عَرَفَاتَ الْمُحَمَّدِيِّ، أَوْ يُبَيِّنُ لِلسَّلَفِيِّينَ مَا ظَهَرَ مِنْ مُخَالَفَاتِهِ، بَلْ ظَهَرَ فِي بَعْضِ كَلَامِهِ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ اللَّمْزُ وَالتَّعْرِيضُ بِمَنْ يَتَكَلَّمُ فِي الدُّكْتُورِ الْبُخَارِيِّ، مَعَ أَنَّ مَنْ تَكَلَّمَ فِي ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ كَلَامُهُ مُجَرَّدَ سَبٍّ أَوْ شَتْمٍ، بَلْ قَدَّمَ مِنَ الْأَدِلَّةِ وَالْبَرَاهِينِ وَالْوَقَائِعِ مَا يَطْلُبُ مِنَ الْمُخَالِفِ أَنْ يُجِيبَ عَنْهُ بِالْعِلْمِ وَالْعَدْلِ، لَا بِاللَّمْزِ وَالتَّعْرِيضِ.

وَلْيَكُنْ هَذَا مَحْفُوظًا فِي ذِهْنِ الْقَارِئِ اللَّبِيبِ، فَقَدْ سَبَقَ أَنْ بَيَّنَّا مَوَاقِفَ الدُّكْتُورِ الْبُخَارِيِّ وَمَا ظَهَرَ مِنْ تَقَاطُعِ مَسَارِهِ مَعَ مَسَارِ عَرَفَاتَ الْمُحَمَّدِيِّ، فَإِذَا كَانَ الْمَسَارُ وَاحِدًا، وَالْمَوْقِفُ مُتَقَارِبًا، وَالْمُنَاصَرَةُ ظَاهِرَةً، فَعَلَى أَيِّ أَسَاسٍ نُقِيمُ الْفَاصِلَ الْمَصْطَنَعَ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ؟ وَأَيْنَ هُوَ التَّمْيِيزُ الْمَنْهَجِيُّ الَّذِي يُرَادُ مِنَّا أَنْ نَقْبَلَهُ؟

فَلَا يَكْفِي أَنْ نَقُولَ: «نُحَذِّرُ مِنْ عَرَفَاتٍ»، ثُمَّ نُدَافِعَ عَمَّنْ ظَهَرَ اتِّفَاقُ مَسَارِهِ مَعَ مَسَارِهِ، فَهَذَا يَفْتَقِرُ إِلَى تَفْسِيرٍ وَبَيَانٍ؛ إِذِ الْعِبْرَةُ بِالْمَوَاقِفِ وَالْمَسَارَاتِ، لَا بِمُجَرَّدِ الْأَلْفَاظِ وَالدَّعَاوَى. وَالْحَقُّ أَنَّ الْمَنْهَجَ السَّلَفِيَّ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمِيزَانُ وَاحِدًا، وَالْحُكْمُ وَاحِدًا، وَالْعَدْلُ وَاحِدًا؛ فَلَا نُشَدِّدُ عَلَى شَخْصٍ لِمَوْقِفٍ، ثُمَّ نُسَامِحُ فِي الْمَوْقِفِ نَفْسِهِ إِذَا صَدَرَ مِمَّنْ نَرْتَضِيهِ.
فَإِنْ كَانَ عِنْدَ أَحَدٍ دَلِيلٌ عَلَى خِلَافِ مَا ذَكَرْنَا، فَلْيَأْتِ بِهِ، وَلْنَسْمَعْهُ بِصَدْرٍ رَحِبٍ؛ فَنَحْنُ لَا نَرْفُضُ الْحَقَّ إِذَا ظَهَرَ، وَلَا نَتَعَصَّبُ لِقَوْلٍ قُلْنَاهُ، وَإِنَّمَا نَطْلُبُ الْعَدْلَ وَالتَّثَبُّتَ.

وَأَمَّا أَنْ يُقَالَ لَنَا: «هُمَا مَعَنَا عَلَى جَادَّةِ السَّلَفِيَّةِ»، ثُمَّ لَا يُجَابَ عَنْ هَذِهِ الْمَوَاقِفِ وَالْقَرَائِنِ، فَهَذَا لَيْسَ جَوَابًا عِلْمِيًّا، بَلْ هُوَ دَعْوَى تَحْتَاجُ إِلَى بَيِّنَةٍ.

وَعَلَيْهِ، وَبِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ، فَلَا أَرَى مَوْجِبًا لِلَّوْمِ عَلَى مَنْ حَذَّرَ مِنْ هَذَا الْمَسْلَكِ وَبَيَّنَ مَا يَرَاهُ مِنْ مَوَاطِنِ الْإِلْبَاسِ وَالْغُمُوضِ؛ فَالْحَذَرُ مِنَ الْمَسَالِكِ الْمُلْتَبِسَةِ مِنْ بَابِ النَّصِيحَةِ وَالْبَيَانِ، مَتَى الْتَزَمَ صَاحِبُهُ الْعِلْمَ وَالْعَدْلَ وَالتَّثَبُّتَ، وَبَعُدَ عَنِ التَّشَنُّجِ وَالِافْتِرَاءِ وَالتَّعَدِّي.
وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِنَّنَا لَا نَتَكَلَّمُ فِي أَحَدٍ تَشَهِّيًا، وَلَا نَفْرَحُ بِزَلَّةِ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، بَلْ نَرْجُو لِلدُّكْتُورِ عَبْدِ الْإِلَهِ لَحْمَامِي وَالشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَوَاسِي أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُمَا الْحَقُّ فِيمَا أُشْكِلَ عَلَيْهِمَا، وَأَنْ يَرْجِعَا إِلَى مَا ظَهَرَ مِنَ الحَقِّ بِالدَّلِيلِ وَالْبُرْهَانِ، وَأَنْ يَدَعَا مَا فِي مَوَاقِفِهِمَا مِمَّا يُلْبِسُ عَلَى النَّاسِ أَمْرَ الْمَنْهَجِ وَيُشَوِّشُ عَلَيْهِمْ سَبِيلَ الْحَقِّ؛ فَالْحَقُّ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنَ الرِّجَالِ، وَرُجُوعُ الرَّجُلِ إِلَى الْحَقِّ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ بَقَائِهِ عَلَى الْخَطَأِ – يَعْلَمُ اللهُ -.
وَلَا نَتَمَنَّى لَهُمَا وَلِجَمِيعِ إِخْوَانِنَا إِلَّا الْخَيْرَ، وَلَا نُرِيدُ إِلَّا أَنْ يَكُونَا مَعَ الْحَقِّ حَيْثُ كَانَ، وَأَنْ يَكُونَ لَهُمَا مِنَ الشَّجَاعَةِ وَالْإِنْصَافِ مَا يَحْمِلُهُمَا عَلَى الرُّجُوعِ إِلَيْهِ إِذَا تَبَيَّنَ؛ فَالرُّجُوعُ إِلَى الْحَقِّ فَضِيلَةٌ، وَالْإِصْرَارُ عَلَى الْخَطَإِ لَيْسَ مِنْ سِمَاتِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَنَسْأَلُ اللَّهَ لَهُمَا وَلَنَا الْهُدَى وَالسَّدَادَ، وَأَنْ يَرُدَّنَا جَمِيعًا إِلَى الْحَقِّ رَدًّا جَمِيلًا، وَأَنْ يَجْمَعَنَا عَلَى السُّنَّةِ وَالْحَقِّ، بِرَحْمَتِهِ وَفَضْلِهِ.
وَمَا أَجْمَلَ أَنْ يَكُونَ الرُّجُوعُ إِلَى الْحَقِّ سَهْلًا عَلَى النُّفُوسِ، فَلَا يَحْمِلُهَا الْكِبْرُ وَلَا الِانْتِصَارُ لِلنَّفْسِ عَلَى الْإِصْرَارِ؛ فَالْفَضْلُ كُلُّ الْفَضْلِ فِي اتِّبَاعِ الْحَقِّ حَيْثُ ظَهَرَ، وَالْكَرَامَةُ كُلُّ الْكَرَامَةِ فِي الرُّجُوعِ إِلَيْهِ إِذَا تَبَيَّنَ.
وَنَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَهُمَا الْهُدَى وَالسَّدَادَ، وَأَنْ يَرُدَّنَا جَمِيعًا إِلَى الْحَقِّ رَدًّا جَمِيلًا، وَأَنْ يَجْمَعَ أَهْلَ السُّنَّةِ عَلَى الْحَقِّ وَالْهُدَى، إِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ مِنْ وَرَاءِ القَصْدِ وَهُوَ الْمُسْتَعَانُ.

وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه
الإسكندرية: الاثنين 4 ربيع الأول 1448 هـ.

مواد ذات صلة