المولد النبوي بين التعظيم المشروع والابتداع الممنوع
مقال الأسبوع:
(المولد النبوي بين التعظيم المشروع والابتداع الممنوع)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فإنَّ محبةَ النبي ﷺ أصلٌ عظيمٌ من أصول الإيمان، لا يستقيم إيمان عبدٍ حتى يكون رسول الله ﷺ أحبَّ إليه من نفسه ووالده وولده والناس أجمعين، ولكنَّ المحبة الصادقة ليست كلماتٍ تُقال، ولا مواسمَ تُقام، وإنما حقيقتها اتباعٌ وامتثال، وتعظيمٌ واقتداء.
ومن هنا يأتي السؤال: هل كان الاحتفال بالمولد النبوي من هدي النبي ﷺ؟ وهل فعله أصحابه الكرام؟ وهل عُرف في القرون المفضلة؟
والجواب: لم يثبت عن النبي ﷺ أنه احتفل بمولده، ولا عن أحد من أصحابه رضي الله عنهم، ولا عن التابعين ولا أتباعهم بإحسان أنهم خصصوا يوم مولده باحتفال أو عبادة أو اجتماع.
ولو كان ذلك خيرًا وقربةً إلى الله، لكان أصحاب رسول الله ﷺ أسبق الناس إليه؛ فإنهم كانوا أشدَّ الأمة محبةً له، وأعظمها تعظيمًا لسنته، وأحرصها على الخير.
قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21].
وقال سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: 100].
فإذا كان النبي ﷺ هو الأسوة، وكان أصحابه هم خير من اقتدى به، ثم لم يعرف عنهم هذا الاحتفال، فكيف يُجعل بعد ذلك من شعائر الدين؟
وقد يقول قائل: نحن لا نقصد بالمولد إلا محبة النبي ﷺ وقراءة سيرته والصلاة عليه وإطعام الطعام.
فنقول: حسن القصد لا يجعل العمل المحدث سنةً.
فالدين لا يُبنى على مجرد النيات، وإنما لا بد أن يكون العمل خالصًا لله، موافقًا لسنة رسول الله ﷺ.
قال ﷺ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ».
وقال ﷺ: «وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ».
فالمعيار ليس: هل قصد صاحبه الخير؟ وإنما: هل شرعه رسول الله ﷺ؟ وهل فعله أصحابه؟
ولهذا قال الإمام مالك رحمه الله بمعنى كلامه المشهور: من ابتدع في الإسلام بدعةً يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا ﷺ خان الرسالة؛ لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: 3] فما لم يكن يومئذ دينا، فلا يكون اليوم دينا. كما في (الاعتصام) للشاطبي [1/65].
فالدين قد كَمُل، والنعمة قد تَمَّت، وما لم يكن يومئذٍ دينًا، فليس اليوم بدين؛ إذ لو كان خيرًا لسبقونا إليه، ولو كان قربةً لعرفها أصحاب رسول الله ﷺ.
لو كان المولد خيرًا لسبقونا إليه:
وهذه من أقوى الحجج في الباب:
من أحب النبي ﷺ حقًّا، فليبحث عن سنته، لا عن موسمٍ لم يعرفه النبي ﷺ.
أصحابه رضي الله عنهم أحبوه حبًّا لا يساويه حب، وبذلوا دونه الأموال والأنفس، وكانوا يتتبعون أقواله وأفعاله وأحواله، ومع ذلك لم يجعلوا يوم مولده عيدًا، ولم يجتمعوا فيه على عبادة مخصوصة، ولم يأمروا الناس بذلك.
فهل كان أولئك أقلَّ محبةً منا؟
حاشا وكلا.
وإنما كان الفرق أن محبتهم كانت اتباعًا، لا ابتداعًا.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [آل عمران: 31]. فجعل الله علامة المحبة الاتباع.
متى ظهر الاحتفال بالمولد؟
والاحتفال بالمولد النبوي لم يكن معروفًا في عهد النبي ﷺ ولا في عهد الصحابة والتابعين وأئمة القرون المفضلة، وإنما ظهر في عصور متأخرة، ثم شاع وانتشر، حتى ظنه بعض الناس من شعائر الإسلام.
وهذا وحده كافٍ في تنبيه طالب السُّنَّة إلى خطورة المسألة؛ لأن العبادات مبناها على التوقيف، فلا يُعبد الله إلا بما شرعه، وليس كل ما استحسنه الناس أو اعتادوه أو اجتمعوا عليه يصبح سُّنَّة؛ قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «اتَّبِعُوا وَلَا تَبْتَدِعُوا، فَقَدْ كُفِيتُمْ».
أما صيام يوم الاثنين:
وقد يستدل بعض الناس بأن النبي ﷺ كان يصوم يوم الاثنين، وقال لما سُئل عن صيامه: «ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ».
وهذا الحديث لا يدل على مشروعية إقامة احتفال سنوي بالمولد؛ بل غاية ما فيه أن النبي ﷺ صام يوم الاثنين شكرًا لله على نعمة إيجاده وإرساله، وكان صيام الاثنين عبادةً متكررةً مشروعة، لا احتفالًا سنويًّا بميلاده؛ فشتان بين اتباع سنة ثابتة وبين إحداث هيئة لم يفعلها رسول الله ﷺ.
وليس الكلام في بدعية الاحتفال بالمولد انتقاصًا من قدر النبي ﷺ، ولا جفاءً في حقه، ولا تقليلًا من محبته وتعظيمه، حاشا وكلا؛ فإن رسول الله ﷺ أعظم الخلق قدرًا، وأرفعهم ذكرًا، وأوجبهم محبةً وتعظيمًا، ولكن التعظيم الحق هو الذي وافق الشرع، لا الذي وافق الأهواء. فكم من أمرٍ ظنَّه صاحبه تعظيمًا، وهو في ميزان السُّنَّة تعدٍّ وتجاوز، وكم من طريقٍ سلكه صاحبه يريد القربة، فأبعده عن حقيقة القربة.
(المولد النبوي بين التعظيم المشروع والابتداع الممنوع)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فإنَّ محبةَ النبي ﷺ أصلٌ عظيمٌ من أصول الإيمان، لا يستقيم إيمان عبدٍ حتى يكون رسول الله ﷺ أحبَّ إليه من نفسه ووالده وولده والناس أجمعين، ولكنَّ المحبة الصادقة ليست كلماتٍ تُقال، ولا مواسمَ تُقام، وإنما حقيقتها اتباعٌ وامتثال، وتعظيمٌ واقتداء.
ومن هنا يأتي السؤال: هل كان الاحتفال بالمولد النبوي من هدي النبي ﷺ؟ وهل فعله أصحابه الكرام؟ وهل عُرف في القرون المفضلة؟
والجواب: لم يثبت عن النبي ﷺ أنه احتفل بمولده، ولا عن أحد من أصحابه رضي الله عنهم، ولا عن التابعين ولا أتباعهم بإحسان أنهم خصصوا يوم مولده باحتفال أو عبادة أو اجتماع.
ولو كان ذلك خيرًا وقربةً إلى الله، لكان أصحاب رسول الله ﷺ أسبق الناس إليه؛ فإنهم كانوا أشدَّ الأمة محبةً له، وأعظمها تعظيمًا لسنته، وأحرصها على الخير.
قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21].
وقال سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: 100].
فإذا كان النبي ﷺ هو الأسوة، وكان أصحابه هم خير من اقتدى به، ثم لم يعرف عنهم هذا الاحتفال، فكيف يُجعل بعد ذلك من شعائر الدين؟
وقد يقول قائل: نحن لا نقصد بالمولد إلا محبة النبي ﷺ وقراءة سيرته والصلاة عليه وإطعام الطعام.
فنقول: حسن القصد لا يجعل العمل المحدث سنةً.
فالدين لا يُبنى على مجرد النيات، وإنما لا بد أن يكون العمل خالصًا لله، موافقًا لسنة رسول الله ﷺ.
قال ﷺ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ».
وقال ﷺ: «وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ».
فالمعيار ليس: هل قصد صاحبه الخير؟ وإنما: هل شرعه رسول الله ﷺ؟ وهل فعله أصحابه؟
ولهذا قال الإمام مالك رحمه الله بمعنى كلامه المشهور: من ابتدع في الإسلام بدعةً يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا ﷺ خان الرسالة؛ لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: 3] فما لم يكن يومئذ دينا، فلا يكون اليوم دينا. كما في (الاعتصام) للشاطبي [1/65].
فالدين قد كَمُل، والنعمة قد تَمَّت، وما لم يكن يومئذٍ دينًا، فليس اليوم بدين؛ إذ لو كان خيرًا لسبقونا إليه، ولو كان قربةً لعرفها أصحاب رسول الله ﷺ.
لو كان المولد خيرًا لسبقونا إليه:
وهذه من أقوى الحجج في الباب:
من أحب النبي ﷺ حقًّا، فليبحث عن سنته، لا عن موسمٍ لم يعرفه النبي ﷺ.
أصحابه رضي الله عنهم أحبوه حبًّا لا يساويه حب، وبذلوا دونه الأموال والأنفس، وكانوا يتتبعون أقواله وأفعاله وأحواله، ومع ذلك لم يجعلوا يوم مولده عيدًا، ولم يجتمعوا فيه على عبادة مخصوصة، ولم يأمروا الناس بذلك.
فهل كان أولئك أقلَّ محبةً منا؟
حاشا وكلا.
وإنما كان الفرق أن محبتهم كانت اتباعًا، لا ابتداعًا.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [آل عمران: 31]. فجعل الله علامة المحبة الاتباع.
متى ظهر الاحتفال بالمولد؟
والاحتفال بالمولد النبوي لم يكن معروفًا في عهد النبي ﷺ ولا في عهد الصحابة والتابعين وأئمة القرون المفضلة، وإنما ظهر في عصور متأخرة، ثم شاع وانتشر، حتى ظنه بعض الناس من شعائر الإسلام.
وهذا وحده كافٍ في تنبيه طالب السُّنَّة إلى خطورة المسألة؛ لأن العبادات مبناها على التوقيف، فلا يُعبد الله إلا بما شرعه، وليس كل ما استحسنه الناس أو اعتادوه أو اجتمعوا عليه يصبح سُّنَّة؛ قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «اتَّبِعُوا وَلَا تَبْتَدِعُوا، فَقَدْ كُفِيتُمْ».
أما صيام يوم الاثنين:
وقد يستدل بعض الناس بأن النبي ﷺ كان يصوم يوم الاثنين، وقال لما سُئل عن صيامه: «ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ».
وهذا الحديث لا يدل على مشروعية إقامة احتفال سنوي بالمولد؛ بل غاية ما فيه أن النبي ﷺ صام يوم الاثنين شكرًا لله على نعمة إيجاده وإرساله، وكان صيام الاثنين عبادةً متكررةً مشروعة، لا احتفالًا سنويًّا بميلاده؛ فشتان بين اتباع سنة ثابتة وبين إحداث هيئة لم يفعلها رسول الله ﷺ.
وليس الكلام في بدعية الاحتفال بالمولد انتقاصًا من قدر النبي ﷺ، ولا جفاءً في حقه، ولا تقليلًا من محبته وتعظيمه، حاشا وكلا؛ فإن رسول الله ﷺ أعظم الخلق قدرًا، وأرفعهم ذكرًا، وأوجبهم محبةً وتعظيمًا، ولكن التعظيم الحق هو الذي وافق الشرع، لا الذي وافق الأهواء. فكم من أمرٍ ظنَّه صاحبه تعظيمًا، وهو في ميزان السُّنَّة تعدٍّ وتجاوز، وكم من طريقٍ سلكه صاحبه يريد القربة، فأبعده عن حقيقة القربة.
إننا نعظِّم النبي ﷺ كما أمرنا أن نعظمه، ونحبه كما أمرنا أن نحبه، وننصر سنته كما أمرنا أن ننصرها؛ فلا نرفعُه فوق منزلته التي أنزله الله إياها، ولا ننقص من حقه شيئًا، ولا نبتدع في دينه ما لم يأذن به الله.
فالتعظيم المشروع توقيرٌ بلا غلو، ومحبةٌ بلا ابتداع، واتباعٌ بلا انتقاء؛ والابتداع الممنوع محبةٌ زُعمت، لكنها خالفت السُّنَّة، وتعظيمٌ أُريد به الخير، لكنه لم يوافق هدي خير البشر ﷺ.
ولو كان الاحتفال بمولده خيرًا محضًا وقربةً مشروعة، لكان أسبق الناس إليه رسول الله ﷺ، ثم أصحابه الكرام، ثم التابعون وأئمة الهدى؛ إذ هم أعظم الأمة محبةً له، وأشدها حرصًا على الخير، وأعرفها بمواضع القربات.
فليست العبرة بكثرة من يفعل، ولا بطول ما يُقال، ولا بحسن ما تراه النفوس؛ وإنما العبرة: أقاله رسول الله ﷺ؟ أفعله؟ أقرَّه؟ فعله أصحابه؟
فإن ثبت، فحيَّهَلًا بالسُّنَّة، وإن لم يثبت، فليس من الوفاء للنبي ﷺ أن نُدخل في دينه ما ليس منه.
وهنا يظهر الفرق بين أهل السُّنَّة وأهل الأهواء: أهل السُّنَّة يحبون النبي ﷺ، ولكنهم يحبونه في حدود السُّنَّة؛ ويعظمونه، ولكنهم لا يتجاوزون به حدود الشرع؛ ويتقربون إلى الله بما شرع، لا بما استحسنت العقول.
فالمحبة التي لا يقودها الاتباع قد تكون دعوى، والتعظيم الذي لا يضبطه الشرع قد ينقلب غلوًّا، وأصدق الناس حبًّا للنبي ﷺ أكثرهم اتباعًا له، وأشدهم تمسكًا بسنته، وأبعدهم عن محدثات الأمور.
فيا طالب الحق: لا تجعل حسن القصد ستارًا لمخالفة السُّنَّة، ولا تجعل عاطفة المحبة حجابًا عن نور الدليل؛ فإن أصدق المحبة ما وافق السُّنَّة، وأصدق التعظيم ما كان على منهاج النبوة.
المحبة الحقيقية:
إن أردت أن تحتفل بالنبي ﷺ، فاحتفل به كل يوم بالعمل بسنته.
أكثر من الصلاة والسلام عليه ﷺ.
تعلَّم سيرته.
اقرأ شمائله.
انصر سنته.
أحيِ هديه في بيتك.
علِّم أبناءك أخلاقه.
اقتدِ بعبادته.
اتبع سنته في عقيدتك وعبادتك ومعاملتك.
فهذا هو المولد الحقيقي الذي لا ينقضي بانقضاء ليلة، ولا ينتهي بانتهاء شهر، بل يعيش مع المسلم ما عاش.
تعصي الإله وأنتَ تُظهِرُ حُبَّهُ … هذا لَعَمري في القياسِ بديعُ
لو كان حُبُّكَ صادقاً لأَطَعْتَهُ … إِنَّ المُحِبَّ لمن يُحبُّ مُطِيعُ
وليس من تعظيم النبي ﷺ أن نضيف إلى شريعته ما لم يشرعه، وإنما تعظيمه أن نقف عند حدوده، ونصدق خبره، ونطيع أمره، ونجتنب نهيه، ولا نعبد الله إلا بما جاء به.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7].
فيا مَن يزعم محبةَ رسول الله ﷺ: المحبة ليست دعوى تُرفع، ولا رايةً تُنصب، ولا موسمًا يُقام؛ وإنما المحبة طاعةٌ واتباع، واقتداءٌ وانقياد.
فمن أحبَّ النبيَّ ﷺ صدقًا، فليُرِ اللهَ صدقَ محبته في اتباعه، وليجعل سنته إمامَه، وهديه منهاجَه، وأمرَه ونهيَه ميزانَه.
فلا تجعل محبتَه جسرًا تعبر عليه إلى البدعة، ولا تجعل تعظيمَه حجةً لمخالفة سنته؛ فوالله ما عُظِّم رسول الله ﷺ بمخالفة أمره، ولا أُكرم بإحداث ما لم يأذن به، ولا نُصر بإحياء ما أماته هديه. وإنما يُعظَّم باتباعه، ويُحب باتباع سنته، ويُنتصر له بإحياء هديه، والذب عن شريعته.
فإن كنت محبًّا له، فكن متبعًا له؛ وإن كنت معظمًا له، فكن واقفًا عند حدِّه؛ وإن كنت مشتاقًا إلى لقائه، فلا تلقه وأنت ممن بدَّل وغيَّر.
فالسُّنَّة ليست أمرًا زائدًا على الدين، بل هي الدين الذي جاء به سيد المرسلين؛ والبدعة ليست زيادةً حسنةً في الشرع، بل استدراكٌ على الشريعة، وإحداثٌ في الدين، وفتحٌ لبابٍ لو فُتح لم يبقَ للدين حدٌّ ولا للشرع سدٌّ.
فالخير كل الخير فيما شرعه رسول الله ﷺ، والهدى كل الهدى فيما جاء به، والنجاة كل النجاة في لزوم سُنَّته؛ والشر كل الشر في مخالفتها، والضلال كل الضلال في الإعراض عنها، والبدعة بريد الغلو، ومفتاح الضلال، ومفرق طريق السُّنَّة.
فيا عبد الله: الزم غرز النبي ﷺ، ولا تبتغِ عنه بدلًا؛ وتمسك بسنته، ولا تستبدل بها محدثات المتأخرين؛ فإن طريق محمد ﷺ واضح، وسنته محفوظة، وحجته قائمة، ومنهج أصحابه بين أيدينا.
اللهم ارزقنا محبة نبيك ﷺ التي تورث الاتباع، لا المحبة التي تورث الابتداع؛ وارزقنا تعظيمه التعظيم الذي يحبه، والصلاة والسلام عليه التي توافق سنته؛ وأحيِنا على سنته، وأمتنا عليها، واحشرنا في زمرته، وتحت لوائه، واسقنا من حوضه شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا.
اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد، الذي بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، فصلوات الله وسلامه عليه ما تعاقب الليل والنهار، وما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون، وعلى آله وصحبه أجمعين.
والحمد لله الذي أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة، وجعل في سُنَّة نبيه ﷺ غنيةً عن كل محدث، وفي هديه كفايةً عن كل مبتدع. والحمد لله رب العالمين.
وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه
الإسكندرية – الأحد/ 3 ربيع الأول 1448 هـ.
فالتعظيم المشروع توقيرٌ بلا غلو، ومحبةٌ بلا ابتداع، واتباعٌ بلا انتقاء؛ والابتداع الممنوع محبةٌ زُعمت، لكنها خالفت السُّنَّة، وتعظيمٌ أُريد به الخير، لكنه لم يوافق هدي خير البشر ﷺ.
ولو كان الاحتفال بمولده خيرًا محضًا وقربةً مشروعة، لكان أسبق الناس إليه رسول الله ﷺ، ثم أصحابه الكرام، ثم التابعون وأئمة الهدى؛ إذ هم أعظم الأمة محبةً له، وأشدها حرصًا على الخير، وأعرفها بمواضع القربات.
فليست العبرة بكثرة من يفعل، ولا بطول ما يُقال، ولا بحسن ما تراه النفوس؛ وإنما العبرة: أقاله رسول الله ﷺ؟ أفعله؟ أقرَّه؟ فعله أصحابه؟
فإن ثبت، فحيَّهَلًا بالسُّنَّة، وإن لم يثبت، فليس من الوفاء للنبي ﷺ أن نُدخل في دينه ما ليس منه.
وهنا يظهر الفرق بين أهل السُّنَّة وأهل الأهواء: أهل السُّنَّة يحبون النبي ﷺ، ولكنهم يحبونه في حدود السُّنَّة؛ ويعظمونه، ولكنهم لا يتجاوزون به حدود الشرع؛ ويتقربون إلى الله بما شرع، لا بما استحسنت العقول.
فالمحبة التي لا يقودها الاتباع قد تكون دعوى، والتعظيم الذي لا يضبطه الشرع قد ينقلب غلوًّا، وأصدق الناس حبًّا للنبي ﷺ أكثرهم اتباعًا له، وأشدهم تمسكًا بسنته، وأبعدهم عن محدثات الأمور.
فيا طالب الحق: لا تجعل حسن القصد ستارًا لمخالفة السُّنَّة، ولا تجعل عاطفة المحبة حجابًا عن نور الدليل؛ فإن أصدق المحبة ما وافق السُّنَّة، وأصدق التعظيم ما كان على منهاج النبوة.
المحبة الحقيقية:
إن أردت أن تحتفل بالنبي ﷺ، فاحتفل به كل يوم بالعمل بسنته.
أكثر من الصلاة والسلام عليه ﷺ.
تعلَّم سيرته.
اقرأ شمائله.
انصر سنته.
أحيِ هديه في بيتك.
علِّم أبناءك أخلاقه.
اقتدِ بعبادته.
اتبع سنته في عقيدتك وعبادتك ومعاملتك.
فهذا هو المولد الحقيقي الذي لا ينقضي بانقضاء ليلة، ولا ينتهي بانتهاء شهر، بل يعيش مع المسلم ما عاش.
تعصي الإله وأنتَ تُظهِرُ حُبَّهُ … هذا لَعَمري في القياسِ بديعُ
لو كان حُبُّكَ صادقاً لأَطَعْتَهُ … إِنَّ المُحِبَّ لمن يُحبُّ مُطِيعُ
وليس من تعظيم النبي ﷺ أن نضيف إلى شريعته ما لم يشرعه، وإنما تعظيمه أن نقف عند حدوده، ونصدق خبره، ونطيع أمره، ونجتنب نهيه، ولا نعبد الله إلا بما جاء به.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7].
فيا مَن يزعم محبةَ رسول الله ﷺ: المحبة ليست دعوى تُرفع، ولا رايةً تُنصب، ولا موسمًا يُقام؛ وإنما المحبة طاعةٌ واتباع، واقتداءٌ وانقياد.
فمن أحبَّ النبيَّ ﷺ صدقًا، فليُرِ اللهَ صدقَ محبته في اتباعه، وليجعل سنته إمامَه، وهديه منهاجَه، وأمرَه ونهيَه ميزانَه.
فلا تجعل محبتَه جسرًا تعبر عليه إلى البدعة، ولا تجعل تعظيمَه حجةً لمخالفة سنته؛ فوالله ما عُظِّم رسول الله ﷺ بمخالفة أمره، ولا أُكرم بإحداث ما لم يأذن به، ولا نُصر بإحياء ما أماته هديه. وإنما يُعظَّم باتباعه، ويُحب باتباع سنته، ويُنتصر له بإحياء هديه، والذب عن شريعته.
فإن كنت محبًّا له، فكن متبعًا له؛ وإن كنت معظمًا له، فكن واقفًا عند حدِّه؛ وإن كنت مشتاقًا إلى لقائه، فلا تلقه وأنت ممن بدَّل وغيَّر.
فالسُّنَّة ليست أمرًا زائدًا على الدين، بل هي الدين الذي جاء به سيد المرسلين؛ والبدعة ليست زيادةً حسنةً في الشرع، بل استدراكٌ على الشريعة، وإحداثٌ في الدين، وفتحٌ لبابٍ لو فُتح لم يبقَ للدين حدٌّ ولا للشرع سدٌّ.
فالخير كل الخير فيما شرعه رسول الله ﷺ، والهدى كل الهدى فيما جاء به، والنجاة كل النجاة في لزوم سُنَّته؛ والشر كل الشر في مخالفتها، والضلال كل الضلال في الإعراض عنها، والبدعة بريد الغلو، ومفتاح الضلال، ومفرق طريق السُّنَّة.
فيا عبد الله: الزم غرز النبي ﷺ، ولا تبتغِ عنه بدلًا؛ وتمسك بسنته، ولا تستبدل بها محدثات المتأخرين؛ فإن طريق محمد ﷺ واضح، وسنته محفوظة، وحجته قائمة، ومنهج أصحابه بين أيدينا.
اللهم ارزقنا محبة نبيك ﷺ التي تورث الاتباع، لا المحبة التي تورث الابتداع؛ وارزقنا تعظيمه التعظيم الذي يحبه، والصلاة والسلام عليه التي توافق سنته؛ وأحيِنا على سنته، وأمتنا عليها، واحشرنا في زمرته، وتحت لوائه، واسقنا من حوضه شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا.
اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد، الذي بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، فصلوات الله وسلامه عليه ما تعاقب الليل والنهار، وما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون، وعلى آله وصحبه أجمعين.
والحمد لله الذي أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة، وجعل في سُنَّة نبيه ﷺ غنيةً عن كل محدث، وفي هديه كفايةً عن كل مبتدع. والحمد لله رب العالمين.
وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه
الإسكندرية – الأحد/ 3 ربيع الأول 1448 هـ.
