الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. المقالات

غلوُّ المديح.. وانحرافُ المفهوم عن حقيقة التعظيم

٢٠ جمادى الأولى ١٤٤٧ هـ١١ نوفمبر ٢٠٢٥
المقالاتالعقيدة والتوحيدالصلاة والطهارةالفقه والأحكامالرقائق والآداب
مقال الأسبوع: (غلوُّ المديح.. وانحرافُ المفهوم عن حقيقة التعظيم)

الحمد لله الذي رفع راية التوحيد خفَّاقة، وأطفأ بنوره نار الشرك والضلال، وأكرم هذه الأمة بخاتم الأنبياء، المبعوث رحمةً للعالمين، الداعي إلى عبادة الله وحده لا شريك له، والصلاة والسلام على من قال لأمته: «‌لَا ‌تُطْرُونِي ‌كَمَا ‌أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ فَقُولُوا: عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ» رواه البخاري.

لقد بلغنا ما عُزم عليه من إقامة مجالس لقراءة «البُردة الشريفة!!» للبوصيري في المساجد الكبرى في مصرنا الحبيبة، بزعم أنها تُنعش القلوب بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم وتبث القيم الروحية في النفوس!!.
ولئن كان المقصد في ظاهره حسنًا، فإن النية الصالحة لا تُصلح العمل الفاسد، فكم من سبيلٍ إلى الغلو سلكه أصحابه وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا.

إن البُردة – على ما فيها من جزالة اللفظ ورقة المعنى – قد اشتملت على أبياتٍ لا يرضاها من شمَّ رائحة التوحيد، إذ جعلت من النبي صلى الله عليه وسلم ملاذًا عند الكروب، ومصدرًا للجود والعطاء، ومطلعًا على علم الغيب واللوح والقلم!
تالله ما هكذا يُمدَح النبي صلى الله عليه وسلم، ولا بهذا يُعظَّم من جاء ليُخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.
كيف يُتلى في بيوت الله قولُ البوصيري:
يا أكرمَ الخلقِ ما لي من ألوذُ به ... ... ... سواكَ عندَ حلولِ الحادثِ العَممِ
أيُقال هذا لمن كان إذا حزبه أمرٌ قام إلى الصلاة ودعا ربَّه؟ أيُستغاث بالمخلوق في ما لا يقدر عليه إلا الخالق؟
ومن أقبح ما جاء في قصيدة البُردة قول البوصيري:
فإنَّ من جودِكَ الدنيا وضَرَّتَها ... ... ... ومن علومِكَ علمَ اللوحِ والقلمِ
فقد جعل ما جرى بالقلم السابق في اللوح المحفوظ جزءًا من علوم النبي صلى الله عليه وسلم، وكأن لبعض علوم الغيب عند الله تعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا مخالف للكتاب والسُّنَّة.
فالله تعالى يقول صريحًا: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:59]، ومقتضى هذا الكلام واضح: مفاتح الغيب وعلم ما في السماوات والأرض لله وحده، وليس للنبي صلى الله عليه وسلم في شيء منها نصيب.
فلا يجوز أن يقال إن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم ذلك، أو أن مفاتح الغيب عند الله تشمل النبي صلى الله عليه وسلم، لأن الله تعالى صرح فقال: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:65]، وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الحقيقة بقوله: « إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، ‌وَإِنَّكُمْ ‌تَخْتَصِمُونَ ‌إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، وَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مما أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ» رواه البخاري.
وقد جاء في القرآن الكريم أيضًا: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ [الأعراف:188] ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ [النساء:77] فالآيات والأحاديث كثيرة، وهذه المسألة واضحة بالضرورة من دين الرسل كلهم: أن الدنيا والآخرة لله وحده، وأن علم الغيب لا يعلمه إلا الله، وأنه لا يجوز نسبته للنبي صلى الله عليه وسلم بأي شكل.
لقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته عن مثل هذا الغلو، وحذَّرهم من أن يرفعوه فوق منزلته، فالغلوُّ أولُ طريق الشرك، وبابٌ إذا فُتح لم يُغلق شَرُّه إلا إذا شاء الله رب العالمين.

إنَّ المساجد إنما شُيِّدت لذكر الله كما شرع كتلاوة كتابه وتعليم سنن رسوله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي الذي بال في المسجد: «إِنَّ هَذَا الْمَسْجِدَ لَا يُبَالُ فِيهِ، وَإِنَّمَا ‌بُنِيَ ‌لِذِكْرِ ‌اللَّهِ ‌وَلِلصَّلَاةِ» رواه ابن ماجة وغيره وهو صحيح، فلم تُبنَ لتُردَّد فيها الأناشيد والأوزان والأحان التي تُخالطها عبارات تخلُّ بجلال التوحيد وتفتح أبواب الشرك على مصاريعها.
إن في الأمة عطشًا إلى العلم الراسخ، وحاجةً إلى من يُعيدها إلى هدي الوحيين، فكيف يُسدُّ هذا العطش بقصائدَ أُنشئت على غير نورٍ من الكتاب والسُّنَّة؟

لسنا نُنكر الشعر، ولا نُبغض مدح النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم – معاذ الله -، فقد كان من الشعر لسان للدعوة وسلاح للإيمان، وقد أذن النبي صلى الله عليه وسلم لحسَّان بن ثابت أن ينافح عنه بشعره، وقال له كما في الصحيح: «اهجهم وروحُ القدس معك».
وكان شعر حسانٍ رضي الله عنه مدحًا في حدود التوحيد، وتعظيمًا بلا غلو، وثناءً لا يجاوز الحق، إذ قال:
وأحسنُ منكَ لم ترَ قطُّ عيني ... ... ... وأجملُ منكَ لم تلدِ النساءُ
خُلِقتَ مبرَّأً من كلِّ عيبٍ ... ... ... كأنَّكَ قد خُلِقتَ كما تشاءُ

وقال أيضًا مفتخرًا بدفاعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
هجوتَ محمَّدًا فأجبتُ عنهُ ... ... ... وعند الله في ذاك الجزاءُ
فإنَّ أبي ووالدَه وعِرضي ... ... ... لعِرضِ محمَّدٍ منكم فِداءُ
ذلك شعرُ إيمانٍ وتعظيمٍ مشروع، يُظهر كمالَ النبي صلى الله عليه وسلم البشري، ولا يرفعه إلى مرتبة الألوهية، فمدحُ حسانٍ رضي الله عنه كان توحيدًا، لا غلوًّا؛ واتباعًا، لا ابتداعًا.
أما ما نسمعه اليوم من مدائحٍ تُنسب إلى الدين وهي تخلط بين الخالق والمخلوق، وتُضفي على النبي صلى الله عليه وسلم صفاتٍ لا تليق إلا بالله، فذلك مديحٌ شركيٌّ خان المقصود، وغلا حتى أفسد المحبة التي أرادها.
فالمحبة الصادقة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لا تُترجَم بالأوزان العاطفية ولا بالألفاظ المتجاوزة، بل بالاتباع الصافي والاقتداء الكامل، فمن أحبَّه حقًّا أطاعه، ومن عظَّمه صدقًا لم يرفعه فوق منزلته التي رفعه الله إليها، قال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ ‌فَاتَّبِعُونِي ‌يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [آل عمران: 13].
إن من أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجهه الحق لم يرضَ بهذا الغلو، ولم يَثنِ عليه بما لا يكون إلا الله، ولم يجعل محبته ذريعةً إلى ما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه.

إن خطر الغلو لا يُرى في لحظته، لكنه ينمو خفيًّا في القلوب حتى يطغى على نور التوحيد، ثم يُصبح الشعر عقيدة، والمديح عبادة، والقصيدة ذكرًا يُقدَّم على الذكر الحكيم! وهنا يكون الخطر الأعظم، لأن من تهاون في حماية جناب التوحيد فقد فتح على الأمة بابًا لو ولجته لرجعت القهقرى إلى الجاهلية الأولى.

قال شيخ الإسلام ابن باز رحمه الله: (فالله سبحانه وتعالى هو الحق، وله دعوة الحق، وعبادته هي الحق دون كل ما سواه سبحانه وتعالى، ‌فلا ‌يستغاث ‌إلا به، ولا ينذر إلا له، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يطلب الشفاء إلا منه، ولا يطاف إلا ببيته العتيق، إلى غير هذا من أنواع العبادة، وهو الحق ودينه الحق سبحانه وتعالى، ومن أتقن هذه الأنواع الثلاثة: أعني أنواع التوحيد، وحفظها واستقام على معناها، علم أن الله هو الواحد حقا، وأنه هو المستحق للعبادة دون جميع خلقه، ومن ضيع واحدا منها أضاع الجميع فهي متلازمة، لا إسلام إلا بها جميعا، ومن أنكر صفات الله وأسماءه، فلا دين له، ومن زعم أن مع الله مصرفا للكون يدبر الأمور، فهو كافر مشرك في الربوبية بإجماع أهل العلم) انتهى من (مجموع فتاوى ومقالات متنوعة) [1/39].

إنني أقولها نصحًا للأمة وغيرةً على صفاء الدين: إن إقامة مجالسٍ لقراءة «البُردة» في بيوت الله ليست من تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم في شيء، بل هي غفلةٌ عن حقيقة التعظيم ومفارقةٌ لجادَّة الاتباع؛ إذ التعظيم الحق لا يكون بالألحان والأوزان، وإنما بإحياء السنن وإجلال الشريعة.
فما أبعدَ من يظن أن ترديد مثل هذه القصائد في المساجد تعبيرٌ عن الحبِّ! إنها - في حقيقتها - صرفٌ للقلوب عن نور السُّنَّة إلى زخرف اللفظ، وعن رياض العلم إلى ألحان المديح، وعن ذكر الله المشروع إلى ترانيم تُذكِّر وتشجع على مواسم وطرق الصوفية.

وما أحوج الأمة اليوم، وقد اختلطت عند بعضهم المفاهيم، أن تُجدِّد معنى المحبة الصادقة: محبةٌ تثمر الاتباع لا الابتداع، وتفتح البصيرة إلى الكتاب والسُّنَّة لا تُغشيها بتمويهات كاذبة بدعوى المحبة والتعظيم للنبي صلى الله عليه وسلم، وتغذِّي القلب باليقين لا بالعاطفة المتكلفة الخاطئة.
هذا... وإن كان مقصد القوم من وراء هذه الأعمال والادعاءات هو مقارعة للتيار السلفي المتشدد بزعمهم، فإنهم بذلك قد سلكوا طريقًا آخرَ في الغلو، ليس أقل خطرًا من الغلو الأول - تنزلاً-، فقد أفضى بهم إلى تطرفٍ صوفيٍّ غالي، يخلط بين المحبة المشروعة للنبي صلى الله عليه وسلم وبين الصفات التي لا تليق إلا بالله عز وجل، ويحوِّل العبادة والتقدير إلى مبالغة فارغة تُخرج القلب عن منهج السُّنَّة وتصدُّ عن الحق الواضح. فليس الغرض من مجابهة غلو أن يُقابل بغلو مضاد، ولا أن تُعالج البدعة بالبدعة، بل أن يُحتكم إلى الكتاب والسُّنَّة، ويُقام ميزان الله بين الحق والباطل، ويُرسى الوسط الذي أمر الله به، حتى تبقى الأمة على طريقها المستقيم، بعيدًا عن التطرف في أي اتجاه.
اللهم إنا نشهد أننا نحب نبيك صلى الله عليه وسلم، محبةً تدفعنا إلى طاعته واتباع هداه، لا إلى الغلو فيه ولا إلى صرف شيءٍ من حقك له، فاجعلنا من الموحِّدين حقًا، واحفظ على الأمة دينها من زخارف القول وزيف المحبة، ومن كل ما يبعدها عن الحق المستقيم. وإليك نلجأ وبك نستعين، ولا حول ولا قوة لنا إلا بك، والله أعلم والحمد لله على نعمة الإسلام والسُّنَّة، وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على نبينا وحبيبنا عبدك ورسولك محمد وآله وصحبه أجمعين.
وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي – عفا الله عنه –
الثغر السكندري – حرسه الله -
الثلاثاء: 20 / جمادى الأولى / 1447 هـ.
غلوُّ المديح.. وانحرافُ المفهوم عن حقيقة التعظيم

مواد ذات صلة