الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. المقالات

مسائل وأحكام رمضانية (4)

٥ رمضان ١٤٤٧ هـ٢٢ فبراير ٢٠٢٦
المقالاتالعقيدة والتوحيدالمنهج والدعوة السلفيةالصلاة والطهارةالفقه والأحكامالصيام ورمضانالرقائق والآداب
مسائل وأحكام رمضانية (4):

٣٦- الأعمال من الإيمان:
في قوله ﷺ: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا…» و«من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا…» (متفق عليه) دليل على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان؛ لأن القيام والصيام جُعلا من آثار الإيمان.
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:143] أي صلاتكم.
فهذا أصلٌ من أصول أهل السنة: أن الإيمان قول وعمل واعتقاد، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.

٣٧- أثر الإخلاص والاحتساب في قبول العمل:
علّق النبي ﷺ المغفرة على قوله: «إيمانًا واحتسابًا»، فدل على أن الإخلاص شرط في ترتيب الثواب.
قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:5].
وقال ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات» (متفق عليه).
فصلاح النية سبب لمغفرة الذنوب ورفعة الدرجات.

٣٨- مشروعية المسابقة والتنافس في الخيرات:
رمضان موسم تنافس في الطاعات.
قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران:133]،
وقال: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة:148].
وتنوع شعب الإيمان كما في حديث: «الإيمان بضع وسبعون شعبة» (رواه مسلم) يفتح لكل عبد بابًا يناسب حاله.

٣٩- تفاوت الناس في الأجر بحسب قوة الإيمان
الإيمان يزيد وينقص، قال تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:4].
فقيامٌ بإيمان حاضر واحتساب صادق ليس كقيامٍ بغفلةٍ أو عادة، وتعليق الأجر بالإيمان تنبيه إلى أهمية أعمال القلوب.

٤٠- اجتماع شعب الإيمان في الصيام:
ففي الصيام:
أ- تصديق القلب بفرضه.
ب- احتساب القلب وإخلاصه.
ج- عمل الجوارح بالإمساك.
ولذلك كان ركنًا من أركان الإسلام، كما في قوله ﷺ: «بني الإسلام على خمس… وصوم رمضان» (متفق عليه).

٤١- تقديم الفرائض على النوافل:
قال ﷺ للأعرابي: «وصيام رمضان» قال: هل علي غيره؟ قال: «لا إلا أن تطوع» (متفق عليه).
وفي الحديث القدسي: «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه» (رواه البخاري).
فالفرض مقدّم، والنفل مع تضييع الأصل لا قيمة له.

٤٢- شفقة النبي ﷺ بأمته في قيام رمضان:
لما صلى بالناس ليالي ثم ترك، قال: «إني خشيت أن تُفرض عليكم» (متفق عليه).
وهذا تحقيق لقوله تعالى: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:128].
فاستحضار ذلك يزيد محبته والاقتداء بسنته.
٤٣- فضل قيام الليل في رمضان:
قال تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا﴾ [المزمل:6].
وقال ﷺ: «من قام مع الإمام حتى ينصرف كُتب له قيام ليلة» (رواه الترمذي وصححه الألباني).
فالتراويح جماعة تيسير وفضل عظيم.

٤٤- مضاعفة الحسنات واغتنام الموسم:
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ [البقرة:261].
وقال ﷺ: «عمرة في رمضان تعدل حجة» (متفق عليه)،
و«من فطر صائمًا كان له مثل أجره» (رواه الترمذي وصححه).
فالموفق من اغتنم الفرصة قبل فواتها.

٤٥- رمضان مدرسة التغيير والإصلاح:
قال ﷺ: «إذا جاء رمضان فُتحت أبواب الجنة، وغُلقت أبواب النار، وصُفدت الشياطين» (متفق عليه).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد:11].
فالمقصود أن يتغير العبد إيمانًا وسلوكًا، ويخرج من رمضان بقلبٍ أصلح وحالٍ أقوم.

٤٦- حكم صيام من لا يصلي إلا في رمضان:
أجاب شيخ الإسلام عبد العزيز بن باز رحمه الله:
كل من حُكِمَ بكفره بطلت أعماله، قال تعالى: وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:88] وقال تعالى: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [المائدة:5].
وذهب جمع من أهل العلم إلى أنه لا يكفر كفرا أكبر إذا كان مقرا بالوجوب، ولكنه يكون كافرًا كفرًا أصغر، ويكون عمله هذا أقبح وأشنع من عمل الزاني والسارق ونحو ذلك، ومع هذا يصح صيامه وحجه عندهم إذا أداها على وجه شرعي، ولكن تكون جريمته عدم المحافظة على الصلاة، وهو على خطر عظيم من وقوعه في الشرك الأكبر عند جمع من أهل العلم، وحكى بعضهم قول الأكثرين أنه لا يكفر الكفر الأكبر إن تركها تكاسلا وتهاونا، وإنما يكون بذلك قد أتى كفرا أصغر وجريمة عظيمة ومنكرًا شنيعًا أعظم من الزنا والسرقة والعقوق وأعظم من شرب الخمر، نسأل الله السلامة، ولكن الصواب والصحيح من قولي العلماء أنه يكفر كفرا أكبر -نسأل الله العافية- لما تقدم من الأدلة الشرعية، فمن صام وهو لم يصل فلا صيام له ولا حج له[مجموع الفتاوى: ٩/ ٢٨٠].

٤٧- حكم الاعتماد على الأذان في الإمساك والإفطار:

الأصل أن الصائم يُعلِّق إمساكه وإفطاره بدخول الوقت يقينًا؛ لقوله تعالى:
﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة:187].
وثبت عن النبي ﷺ أنه قال:
«إذا أقبل الليل من ها هنا، وأدبر النهار من ها هنا، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم» (متفق عليه).
وعليه:
عند الإفطار (المغرب):
لا يُعجَل بالإفطار لمجرد سماع الأذان حتى يُطمأن إلى أن المؤذن أذَّن على الوقت؛ لأن بعض المؤذنين قد يُقدِّم الأذان أو يعتمد ساعةً غير منضبطة.
فإن عُرف المؤذن بالثقة وضبط الوقت جاز الاعتماد على أذانه والإفطار به.
وعند الإمساك (الفجر):
يُحتاط بالإمساك من أول الأذان، بل يُستحب الفراغ من السحور قبل الأذان احتياطًا؛ لئلا يقع الأكل في وقت الشبهة.
وقد قال ﷺ: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (رواه الترمذي وصححه).

فالميزان هو دخول الوقت يقينًا؛ فإن وُجد مؤذنٌ ثقةٌ ضابطٌ للوقت جاز الاعتماد عليه، وإلا فالأحوط التثبت، خاصةً في الإفطار، مع المبادرة بالسحور والانتهاء منه قبل الأذان احتياطًا للدين.

٤٨- حقيقة صيام الجوارح في رمضان:
الصيام المشروع ليس إمساكًا عن الطعام والشراب فحسب، بل هو إمساكٌ عامٌّ عن كل ما حرم الله ظاهرًا وباطنًا؛ فكما تمسك البطن والفرج عن المفطرات الحسية، تمسك الجوارح عن المفطرات المعنوية من المعاصي والآثام.
قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كما كتب على الذين من قبلكم لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:183]
فبيّن أن مقصود الصيام تحقيق التقوى، وهي فعل المأمور وترك المحظور.
وقال ﷺ: «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» (رواه البخاري).
وقال ﷺ: «الصيام جُنَّة» (متفق عليه)، أي وقاية من المعاصي والنار.
وفقه المسألة:
صيام اللسان: بترك الكذب والغيبة والنميمة والسب.
صيام العين: بغضِّ البصر عن الحرام، قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:30].
صيام الأذن: بعدم استماع المحرمات.
صيام اليد: بترك البطش والاعتداء وأخذ ما لا يحل.
صيام الرجل: بعدم السعي إلى مواطن المعصية.
فإن وقع في شيء من ذلك لم يبطل صومه من حيث الحكم الفقهي إذا اجتنب المفطرات الحسية، لكنه ينقص أجره، وقد يُحرم ثواب الصيام الكامل.
قال ﷺ:
«رُبَّ صائمٍ ليس له من صيامه إلا الجوع» (رواه ابن ماجه وصححه الألباني).

فصيام الجوارح هو كمال الصيام ولبُّه، وهو الذي يحقق التقوى. فمن صام عن المفطرات وأطلق جوارحه في المعاصي فقد أتى بصورة الصيام دون حقيقته، وأما من صامت جوارحه مع بطنه فقد حقق المعنى الذي من أجله شُرع الصيام.

٤٩- حكم من رأى صائمًا يأكل أو يشرب ناسيًا:
من رأى صائمًا يأكل أو يشرب في نهار رمضان ناسيًا وجب عليه أن يُنَبِّهه؛ لأن الأكل والشرب في نهار الصيام محرَّم في الأصل، ولا يجوز إقراره على ذلك، ولأنه داخل في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
أولًا: حكم صوم الناسي
ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه».
فدل الحديث على:
أن الناسي لا إثم عليه.
وأن صومه صحيح، ولا قضاء عليه.
وأن ما وقع منه معفوٌّ عنه؛ لحديث: «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (رواه ابن ماجه وصححه الألباني).
ثانيًا: وجوب تنبيهه:
مع كونه معذورًا بالنسيان، إلا أن استمرار الأكل أو الشرب بعد تذكيره لا يجوز؛ لأنه يصير متعمدًا.
وقد قال تعالى:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:2].
وقال ﷺ: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده…» (رواه مسلم).
فالأكل في نهار رمضان منكرٌ في ذاته، فيجب تنبيه الصائم؛ إعانةً له على إتمام صومه، وحفظًا لعبادته.

٥٠- من أرهقه جوعٌ مفرط أو عطشٌ شديد:
الأصل وجوب إتمام الصيام؛ لقوله تعالى:
﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:187].
لكن إذا بلغ الجوع أو العطش حدًّا يخاف معه الهلاك أو تلف عضوٍ أو ذهاب حاسةٍ بغلبة الظن – لا بمجرد الوهم أو التعب المعتاد – فإنه يجوز له الفطر للضرورة، ثم يقضي ذلك اليوم؛ لأن حفظ النفس مقصد شرعي عظيم.
قال تعالى:
﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء:29].
وقال سبحانه:
﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:195].
وثبت عنه ﷺ أنه قال:
«إن الله يحب أن تُؤتى رخصه كما يكره أن تُؤتى معصيته» (رواه أحمد وصححه الألباني).

فإن وُجد خطرٌ محقق أو غالب على الظن جاز الفطر دفعًا للضرر، ويقضي بعد زوال العذر؛ لأنه في معنى المريض المذكور في قوله تعالى:
﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:184].
أما مجرد المشقة المحتملة، أو التعب المعتاد، أو خوف المرض المتوهَّم فلا يبيح الفطر؛ لأن الصيام شُرع مع المشقة المعتادة، وهي داخلة في التكليف.
نسأل الله أن يفقهنا في دينه، وأن يجعل صيامنا وقيامنا إيمانًا واحتسابًا، وأن يرزقنا القبول والثبات.

يتبع ... إن شاء الله.

وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه
مكة المكرمة بجوار الكعبة
السبت: ٤ رمضان ١٤٤٧ هجرية

مواد ذات صلة