العاشر من رمضان… يومُ صدقٍ وعِزٍّ وتمكين
مقال اليوم: (العاشر من رمضان… يومُ صدقٍ وعِزٍّ وتمكين)
الحمد لله رب العالمين، ناصرِ عباده المؤمنين، وقاصمِ الجبابرة المعتدين، أحمده سبحانه حمدًا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل العاقبة للمتقين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، القائل: «وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ»، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن النصر في ميزان الشريعة ليس صخبَ شعارات، ولا فورانَ عواطف، ولا اندفاعَ حماسات، بل هو سننٌ ربانية، وأقدارٌ إلهية، وأسبابٌ شرعية، واجتماعُ توحيدٍ خالصٍ، واتباعٍ صادق، مع إعدادٍ محكمٍ وعدَّةٍ كاملة.
قال تعالى:
{وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ} [الحج: 40]،
وقال سبحانه: {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ} [آل عمران: 126].
فالنصر من عند الله خلقًا وتقديرًا، ومن عند العبد إيمانًا وامتثالًا، ومن جمع بين الأمرين فقد سلك سبيل التمكين.
وقد قرَّر أهل السنة أن الأخذ بالأسباب من تمام التوكل، وأن تركها عجزٌ مذموم، وأن الاعتماد عليها شركٌ في القلب إن لم يُصاحبه افتقارٌ إلى الرب، فالجمع بين كمال التوكل وحسن الإعداد هو حقيقة العبودية، وهو سرُّ النصر في كل زمان.
العاشر من رمضان: بين الإيمان والإعداد:
في العاشر من رمضان سنة 1393هـ، الموافق السادس من أكتوبر 1973م، تجلَّت هذه المعاني واقعًا يُرى، لا حروفًا تُتلى. تحرَّكت الجموع الصائمة، وارتفعت الأكفُّ الضارعة قبل أن ترتفع الرايات الخافقة، وسارت الخطى على رمالٍ ملتهبة، وقلوبها معلَّقة بربِّ السماء.
ما كان عبورًا لمياهٍ فحسب، بل كان عبورًا من حالٍ إلى حال؛ من انكسارٍ إلى اعتزاز، ومن حزنٍ إلى أمل، ومن صمتٍ إلى تكبيرٍ دوَّى صداه في ضفتي القناة.
دُرست الخطط، وأُحكمت الساعات، وحُسبت الأنفاس، حتى إذا جاءت ساعة الصفر، ارتفعت صيحات «الله أكبر»، فكانت أبلغ من المدافع أثرًا، وأشدَّ من القذائف وقعًا، وانهدَّت أمامها تحصيناتٌ طالما قيل إنها لا تُقهر.
لم يكن المشهد مشهدَ سلاحٍ وحده، بل مشهدَ عقيدةٍ وعزيمة؛ صومٌ في النهار، وقيامٌ في الليل، وعرقٌ في الميدان، ودعاءٌ في الأسحار؛ امتزجت فيه حرارة الرمال بحرارة الإيمان، وزمجرة المدافع بخشوع السجود.
دروس عقدية ومنهجية
أولًا: النصر ثمرة الإيمان والعمل
قال تعالى:
{وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم: 47].
فالحقُّ الموعود مشروطٌ بوصف الإيمان، والإيمان قولٌ وعمل، اعتقادٌ وسلوك، طاعةٌ واستقامة. فإذا صحَّ الإيمان، وقويت الصلة بالله، كان النصر وعدًا لا يُخلف، وسنةً لا تتبدل.
ثانيًا: الإعداد فريضة لا خيار:
قال تعالى:
{وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ}.
والقوة اسمٌ جامعٌ لكل ما تُستطاع به المدافعة: قوةُ عقيدةٍ تصحح المقصد، وقوةُ علمٍ يحسن التدبير، وقوةُ سلاحٍ يردع المعتدي، وقوةُ صفٍّ يجتمع ولا يتفرق.
لم يكن العبور ارتجالًا، بل كان ثمرة سنواتٍ من الإعداد والصبر، حتى صار التخطيط عبادة، والإتقان قربة، والانضباط خلقًا عامًا.
ثالثًا: الاجتماع رحمة ونصر، والنزاع مهلكة وهزيمة:
قال تعالى:
{وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: 46].
فالريح هنا: القوة والهيبة والنفوذ. وما ذهبت ريحُ أمةٍ إلا حين تنازعت، ولا ارتفعت رايتها إلا حين اجتمعت. وكان من أسباب التوفيق في ذلك اليوم اجتماع الكلمة، ووحدة الصف، وصدق القيادة مع الجند.
في ميزان السلف
هذا الفهم لم يكن طارئًا، بل هو ميراث السلف الصالح. فقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بما مفاده:
«إنما نُنصر بطاعتنا لله، فإن عصيناه كانوا أقوى منا بعدتهم».
كلماتٌ قليلة، لكنها قانونُ عزٍّ دائم؛ فمتى علت الطاعة علت الأمة، ومتى تفشَّت المعصية ذهبت الهيبة، ولو كثرت العُدَّة.
فالسلاح بلا عقيدة جسدٌ بلا روح، والعقيدة بلا إعداد دعوى بلا برهان، وإنما الكمال في اجتماعهما.
بين الأمس واليوم:
إن استحضار العاشر من رمضان ليس تغنِّيًا بالماضي، بل تذكيرٌ بسننٍ لا تحابي أحدًا:
{وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران: 140].
فالهزيمة تربيةٌ وتمحيص، والنصر ابتلاءٌ وتمكين، والعاقل من قرأ التاريخ بعين العبرة لا بعين الغرور.
فإذا أردنا أن يتكرر العبور في صورته المشرقة، فطريقه بيِّن:
توحيدٌ صافٍ لا تشوبه شائبة،
اتباعٌ صادق لا تداخله بدعة،
إعدادٌ شامل لا يعرف التراخي،
واجتماعٌ على الحق لا يُفرِّقه هوى.
ولقد كان العاشر من رمضان يومًا من أيام الله، يومًا صدق فيه العزم فصدق الوعد، واجتمع فيه الإيمان والإعداد، فارتفع التكبير فوق القناة كما ترتفع الأرواح إذا امتلأت يقينًا بربها.
الحمد لله رب العالمين، ناصرِ عباده المؤمنين، وقاصمِ الجبابرة المعتدين، أحمده سبحانه حمدًا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل العاقبة للمتقين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، القائل: «وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ»، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن النصر في ميزان الشريعة ليس صخبَ شعارات، ولا فورانَ عواطف، ولا اندفاعَ حماسات، بل هو سننٌ ربانية، وأقدارٌ إلهية، وأسبابٌ شرعية، واجتماعُ توحيدٍ خالصٍ، واتباعٍ صادق، مع إعدادٍ محكمٍ وعدَّةٍ كاملة.
قال تعالى:
{وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ} [الحج: 40]،
وقال سبحانه: {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ} [آل عمران: 126].
فالنصر من عند الله خلقًا وتقديرًا، ومن عند العبد إيمانًا وامتثالًا، ومن جمع بين الأمرين فقد سلك سبيل التمكين.
وقد قرَّر أهل السنة أن الأخذ بالأسباب من تمام التوكل، وأن تركها عجزٌ مذموم، وأن الاعتماد عليها شركٌ في القلب إن لم يُصاحبه افتقارٌ إلى الرب، فالجمع بين كمال التوكل وحسن الإعداد هو حقيقة العبودية، وهو سرُّ النصر في كل زمان.
العاشر من رمضان: بين الإيمان والإعداد:
في العاشر من رمضان سنة 1393هـ، الموافق السادس من أكتوبر 1973م، تجلَّت هذه المعاني واقعًا يُرى، لا حروفًا تُتلى. تحرَّكت الجموع الصائمة، وارتفعت الأكفُّ الضارعة قبل أن ترتفع الرايات الخافقة، وسارت الخطى على رمالٍ ملتهبة، وقلوبها معلَّقة بربِّ السماء.
ما كان عبورًا لمياهٍ فحسب، بل كان عبورًا من حالٍ إلى حال؛ من انكسارٍ إلى اعتزاز، ومن حزنٍ إلى أمل، ومن صمتٍ إلى تكبيرٍ دوَّى صداه في ضفتي القناة.
دُرست الخطط، وأُحكمت الساعات، وحُسبت الأنفاس، حتى إذا جاءت ساعة الصفر، ارتفعت صيحات «الله أكبر»، فكانت أبلغ من المدافع أثرًا، وأشدَّ من القذائف وقعًا، وانهدَّت أمامها تحصيناتٌ طالما قيل إنها لا تُقهر.
لم يكن المشهد مشهدَ سلاحٍ وحده، بل مشهدَ عقيدةٍ وعزيمة؛ صومٌ في النهار، وقيامٌ في الليل، وعرقٌ في الميدان، ودعاءٌ في الأسحار؛ امتزجت فيه حرارة الرمال بحرارة الإيمان، وزمجرة المدافع بخشوع السجود.
دروس عقدية ومنهجية
أولًا: النصر ثمرة الإيمان والعمل
قال تعالى:
{وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم: 47].
فالحقُّ الموعود مشروطٌ بوصف الإيمان، والإيمان قولٌ وعمل، اعتقادٌ وسلوك، طاعةٌ واستقامة. فإذا صحَّ الإيمان، وقويت الصلة بالله، كان النصر وعدًا لا يُخلف، وسنةً لا تتبدل.
ثانيًا: الإعداد فريضة لا خيار:
قال تعالى:
{وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ}.
والقوة اسمٌ جامعٌ لكل ما تُستطاع به المدافعة: قوةُ عقيدةٍ تصحح المقصد، وقوةُ علمٍ يحسن التدبير، وقوةُ سلاحٍ يردع المعتدي، وقوةُ صفٍّ يجتمع ولا يتفرق.
لم يكن العبور ارتجالًا، بل كان ثمرة سنواتٍ من الإعداد والصبر، حتى صار التخطيط عبادة، والإتقان قربة، والانضباط خلقًا عامًا.
ثالثًا: الاجتماع رحمة ونصر، والنزاع مهلكة وهزيمة:
قال تعالى:
{وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: 46].
فالريح هنا: القوة والهيبة والنفوذ. وما ذهبت ريحُ أمةٍ إلا حين تنازعت، ولا ارتفعت رايتها إلا حين اجتمعت. وكان من أسباب التوفيق في ذلك اليوم اجتماع الكلمة، ووحدة الصف، وصدق القيادة مع الجند.
في ميزان السلف
هذا الفهم لم يكن طارئًا، بل هو ميراث السلف الصالح. فقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بما مفاده:
«إنما نُنصر بطاعتنا لله، فإن عصيناه كانوا أقوى منا بعدتهم».
كلماتٌ قليلة، لكنها قانونُ عزٍّ دائم؛ فمتى علت الطاعة علت الأمة، ومتى تفشَّت المعصية ذهبت الهيبة، ولو كثرت العُدَّة.
فالسلاح بلا عقيدة جسدٌ بلا روح، والعقيدة بلا إعداد دعوى بلا برهان، وإنما الكمال في اجتماعهما.
بين الأمس واليوم:
إن استحضار العاشر من رمضان ليس تغنِّيًا بالماضي، بل تذكيرٌ بسننٍ لا تحابي أحدًا:
{وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران: 140].
فالهزيمة تربيةٌ وتمحيص، والنصر ابتلاءٌ وتمكين، والعاقل من قرأ التاريخ بعين العبرة لا بعين الغرور.
فإذا أردنا أن يتكرر العبور في صورته المشرقة، فطريقه بيِّن:
توحيدٌ صافٍ لا تشوبه شائبة،
اتباعٌ صادق لا تداخله بدعة،
إعدادٌ شامل لا يعرف التراخي،
واجتماعٌ على الحق لا يُفرِّقه هوى.
ولقد كان العاشر من رمضان يومًا من أيام الله، يومًا صدق فيه العزم فصدق الوعد، واجتمع فيه الإيمان والإعداد، فارتفع التكبير فوق القناة كما ترتفع الأرواح إذا امتلأت يقينًا بربها.
كان شاهدَ عبورٍ حقيقيٍّ؛ عبورٍ من وهدة الانكسار إلى ذروة الاعتزاز، ومن صمت الجراح إلى صوت التكبير، ومن ليل المحنة إلى فجر العزة. فيه رفرفت الراية فاهتزَّ لها التاريخ، لا لأن القماش تحرَّك، ولكن لأن القلوب تحرَّكت قبله إيمانًا وثباتًا.
كان يومًا أثبت أن النصر لا يُستعار من موائد الأمم، ولا يُستجدى من عواصم الدنيا، بل يُستخرج من صبر الرجال، ويُستنبَت في تربة الصدق، ويُسقى بعرق المجاهدين ودموع الساجدين.
وكان برهانًا أن النصر لا يُمنح هبةً، بل يُنال طاعةً وتضحية، ولا يُكتب في عناوين الصحف، بل يُكتب في صحائف الأعمال عند رب العالمين.
فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والحمد لله الذي جعل في تاريخنا أيامًا تُجدِّد في النفوس معنى الثقة بوعده، وتوقظ في القلوب سننه التي لا تتبدل.
ونسأله سبحانه أن يردَّ الأمة إلى دينها ردًّا جميلًا، وأن يجمع كلمتها على الحق، وأن يرزقها صدق التوكل وحسن الإعداد، حتى تستحق وعده الحق:
{إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه
العاشر من رمضان عام ١٤٤٧ هجرية
بمدينة الإسكندرية عروس البحر المتوسط.
كان يومًا أثبت أن النصر لا يُستعار من موائد الأمم، ولا يُستجدى من عواصم الدنيا، بل يُستخرج من صبر الرجال، ويُستنبَت في تربة الصدق، ويُسقى بعرق المجاهدين ودموع الساجدين.
وكان برهانًا أن النصر لا يُمنح هبةً، بل يُنال طاعةً وتضحية، ولا يُكتب في عناوين الصحف، بل يُكتب في صحائف الأعمال عند رب العالمين.
فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والحمد لله الذي جعل في تاريخنا أيامًا تُجدِّد في النفوس معنى الثقة بوعده، وتوقظ في القلوب سننه التي لا تتبدل.
ونسأله سبحانه أن يردَّ الأمة إلى دينها ردًّا جميلًا، وأن يجمع كلمتها على الحق، وأن يرزقها صدق التوكل وحسن الإعداد، حتى تستحق وعده الحق:
{إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه
العاشر من رمضان عام ١٤٤٧ هجرية
بمدينة الإسكندرية عروس البحر المتوسط.