الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. المقالات

التمييز العقدي وحراسة الهوية

٥ رجب ١٤٤٧ هـ٢٥ ديسمبر ٢٠٢٥
المقالاتالعقيدة والتوحيدالصيام ورمضانالفقه والأحكامالحج والأضاحي والأعياد
مقال الأسبوع: (التمييز العقدي وحراسة الهوية)

الحمدُ للهِ الذي أكملَ لنا الدين، وأتمَّ علينا النعمة، ورضي لنا الإسلامَ مِلَّةً وشريعة، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، المبعوثُ بالتوحيد، الداعي إلى الاتباع، المُحذِّر من الابتداع، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين.

أما بعد:
فإنَّ من الظواهر الدخيلة التي تسللت إلى مجتمعات المسلمين في هذا الزمان: ظاهرةَ الاحتفال بما يُسمَّى أعياد الميلاد، ورأسِ السنة الميلادية، حتى غدت عند كثير من الناس أمرًا مألوفًا، تُزيَّن له البيوت، وتُقام له الحفلات، وتُتبادَل فيه التهاني والهدايا؛ مع أنَّها ليست من دين الإسلام في شيء، ولا عرفها السلف، ولا أقرَّها الشرع، بل هي وافدةٌ من ثقافاتٍ غير إسلامية، ذات جذورٍ وثنيةٍ ونصرانية، لا تمتُّ إلى هدي النبوة بصلة.

أولًا: العيد في الإسلام عبادةٌ توقيفية:
الأعياد في الإسلام ليست عاداتٍ اجتماعيةً مُجرَّدة، بل هي شعائر تعبُّدية، والعبادات مبناها على التوقيف، فلا يُشرع منها إلا ما شرعه الله ورسوله ﷺ.
قال أنسٌ رضي الله عنه: «قَدِمَ رسولُ الله ﷺ المدينةَ ولهم يومانِ يلعبون فيهما، فقال: إنَّ الله قد أبدلكم بهما خيرًا منهما: يومَ الفطر ويومَ الأضحى» (رواه أبو داود وصححه الألباني)، فهذا الحديث أصلٌ عظيم: في حصر الأعياد في عيدين لا ثالث لهما، وفي إبطال ما سواهما من أعيادٍ مُحدَثة.
ولو كان في أعياد الميلاد خيرٌ أو قُربة، لسبقنا إليها رسولُ الله ﷺ وصحابته، وهم أحرصُ الناس على الخير، وأسبقهم إلى البر.

ثانيًا: أعياد الميلاد من أعياد الكفار:
الاحتفال بيوم الميلاد عادةٌ معروفةٌ عند الأمم غير الإسلامية، وقد نهينا عن التشبه بهم في شعائرهم وأعيادهم، قال ﷺ: «مَن تشبَّه بقومٍ فهو منهم» (رواه أبو داود وصححه الألباني).
فالتشبه بالكفار في أعيادهم محرَّم، سواء سُمِّي ذلك عيدًا دينيًا أو اجتماعيًا؛ إذ العبرة بالحقيقة لا بالتسمية.

ثالثًا: لم يفعله النبي ﷺ ولا السلف:
لم يُنقل عن النبي ﷺ أنه احتفل بمولده، مع قيام المقتضي وانتفاء المانع، ولم يفعله الخلفاء الراشدون، ولا الصحابة أجمعون، ولا التابعون، ولا أئمة المذاهب الأربعة، ومن أظهر الأصول التي يُبنى عليها تحريم الاحتفال بأعياد الميلاد: أصلُ سدِّ باب الابتداع في الدين، فإن العيد – كما قرره أهل العلم – شعيرةٌ تعبدية لا تُؤخذ بالعادات ولا تُستحسن بالآراء، وإنما تُتلقّى بالتوقيف عن الله ورسوله ﷺ.
ولهذا جاء عن إمام دار الهجرة مالك بن أنس رحمه الله قوله الجامع الذي يُعدّ ميزانًا في هذا الباب:
«مَن ابتدع في الإسلام بدعةً يراها حسنةً؛ فقد زعم أن محمدًا ﷺ خان الرسالة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ…﴾، فما لم يكن يومئذٍ دينًا فلا يكون اليوم دينًا».

فأعيادُ الميلاد – مهما لُفِّفت باسم العادة أو المجاملة الاجتماعية – لم تكن يومئذٍ دينًا، ولم يعرفها النبي ﷺ ولا صحابته ولا القرون المفضلة، ومع قيام المقتضي للفعل وانتفاء المانع، فتركُهم لها دليلٌ قاطعٌ على عدم مشروعيتها.

وكلام الإمام مالك رحمه الله لا يُراد به تكفيرُ الأعيان، وإنما تقريرُ قاعدةٍ عظيمة: أن الابتداع في الدين استدراكٌ على الشريعة، وزيادةٌ فيما أكمله الله، وأن لازم هذا المسلك فاسدٌ لا يقول به مسلمٌ يوقن بكمال الرسالة وتمام البلاغ.

وعلى هذا، فإن تخصيص يوم الميلاد بالاحتفال المتكرر كل عام، وما يصاحبه من مظاهر الفرح الخاص، والتهاني، والهدايا، هو إحداثُ عيدٍ لم يأذن به الله، وقد قال الإمام مالك رحمه الله أيضًا: «ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها»؛ فكما لم يعرف السلف هذه الأعياد، ولم يتقربوا بها إلى الله، فلا تكون اليوم قربةً ولا طاعة، بل هي من البدع المحدثة التي تُطمس بها معالم الاتباع، وتُفتح بها أبواب التشبه بغير المسلمين.
رابعًا: دعوى أنه عادة لا عبادة:
ويحتج بعضهم بأن هذه الاحتفالات مجرد عادات!
والجواب: أنَّ العيد بطبيعته عبادةٌ وشعيرة، يظهر فيها الفرح الخاص، والتكرار الزمني، والاجتماع، والتهاني، والهدايا؛ وكلها خصائص الأعياد.
ولو فُتح هذا الباب، لانفتح معه باب الابتداع، وذابت الفوارق بين أهل الإسلام وغيرهم.

خامسًا: دلالة الكتاب والسنة والإجماع:
دلَّ القرآن والسنة، وعمل السلف، وإجماع أهل العلم، على تحريم مشاركة الكفار في أعيادهم، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: 72]، وقد فسر غير واحدٍ من السلف الزور بأعياد المشركين.
وعن أنسٍ رضي الله عنه قال: (قدمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المدينةَ ولهم يومانِ يلعبونَ فيهما، فقالَ: ما هذانِ اليومانِ؟ قالوا: كُنَّا نلعبُ فيهما في الجاهليةِ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: إنَّ الله قد أبدلَكم بهما خيراً منهما: يومَ الأضحى، ويومَ الفطر) رواه أبو داود وصححه الألباني، واليومانِ هُمَا: (النيروز، والمهرجان)، وَهُمَا من أعيادِ المجوس.
والاحتفال بيوم الميلاد معروفٌ في الأمم غير الإسلامية، وله جذور وثنية ونصرانية، وقد قال النبي ﷺ: «مَن تشبَّه بقومٍ فهو منهم» (رواه أبو داود وصححه الألباني).
وقد اتفقت كلمة أهل العلم على تحريم المشاركة في هذه الأعياد المُحدَثة، ولم يُعرف في ذلك خلافٌ معتبر، بل هو مذهب الأئمة الأربعة: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، كما نصَّ على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، حيث قرَّر أن مشاركة الكفار في أعيادهم من أعظم أبواب التشبه بهم، وهو مما جاءت الشريعة بسدِّه والتحذير منه. كما في (اقتضاء الصراط المستقيم) [٢/ ٤٢٥].
ولذلك قال ابن القيم رحمه الله: "وكما أنه لا يجوز لهم إظهاره -أي: عيدهم- فلا يجوز للمسلمين ممالأتهم عليه ولا مساعدتهم ولا الحضور معهم باتفاق أهل العلم الذين هم أهله".
وقال أيضا: "وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به؛ فحرام بالاتفاق، مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم، فيقول: عيد مبارك عليك، أو تهنأ بهذا العيد ونحوه، فهذا إن سلم قائله من الكفر، فهو من المحرمات، وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب، بل ذلك أعظم إثماً عند الله، وأشد مقتاً من التهنئة بشرب الخمر، وقتل النفس، وارتكاب الفرج الحرام ونحوه.
وكثير ممن لا قدر للدين عنده يقع في ذلك، ولا يدري قبح ما فعل، فمن هنأ عبداً بمعصية أو بدعة أو كفر فقد تعرض لمقت الله وسخطه...". (أحكام أهل الذمة) [ ١/ ١٦١].
سادسًا: البديل الشرعي:
الإسلام لا يمنع الفرح، ولا البر، ولا الإهداء، لكنه يمنع تخصيص يومٍ معيَّن يتكرر كل عام على وجه العيد.
قال تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: 11]. فيفرح المسلم بنعمة الله عليه في كل وقت، ويشكر ربه، ويهدي دون ابتداع شعيرةٍ لم يأذن بها الله.
إنَّ حفظَ هوية المسلم، وصيانةَ دينه، والوقوفَ عند حدود الشرع، من أعظم القُرَب، وإنَّ التشبه بالكفار في أعيادهم بابٌ من أبواب الذوبان العقدي والانحراف المنهجي.
قال شيخنا الإمام ابن عثيمين رحمه الله:
"وكذلك يحرم على المسلمين التشبه بالكفار بإقامة الحفلات بهذه المناسبة، أو تبادل الهدايا أو توزيع الحلوى، أو أطباق الطعام، أو تعطيل الأعمال ونحو ذلك، لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من تشبه بقوم فهو منهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه: (اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم):" مشابهتهم في بعض أعيادهم توجب سرور قلوبهم بما هم عليه من الباطل، وربما أطمعهم ذلك في انتهاز الفرص واستذلال الضعفاء" انتهى كلامه رحمه الله.
ومن فعل شيئا من ذلك فهو آثم سواء فعله مجاملة، أو توددا، أو حياء، أو لغير ذلك من الأسباب؛ لأنه من المداهنة في دين الله، ومن أسباب تقوية نفوس الكفار وفخرهم بدينهم " انتهى من "فتاوى ابن عثيمين" [3/ 44].
وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عمن يفعل من المسلمين: مثل طعام النصارى في النيروز. ويفعل سائر المواسم مثل الغطاس، والميلاد، وخميس العدس، وسبت النور. ومن يبيعهم شيئا يستعينون به على أعيادهم أيجوز للمسلمين أن يفعلوا شيئا من ذلك؟ أم لا؟
فأجاب:
الحمد لله لا يحل للمسلمين أن يتشبهوا بهم في شيء، مما يختص بأعيادهم، لا من طعام، ولا لباس ولا اغتسال، ولا إيقاد نيران، ولا تبطيل عادة من معيشة أو عبادة، وغير ذلك. ولا يحل فعل وليمة، ولا الإهداء، ولا البيع بما يستعان به على ذلك لأجل ذلك. ولا تمكين الصبيان ونحوهم من اللعب الذي في الأعياد ولا إظهار زينة. وبالجملة ليس لهم أن يخصوا أعيادهم بشيء من شعائرهم، بل يكون يوم عيدهم عند المسلمين كسائر الأيام، لا يخصه المسلمون بشيء من خصائصهم...، وأما تخصيصه بما تقدم ذكره: فلا نزاع فيه بين العلماء. بل قد ذهب طائفة من العلماء إلى كفر من يفعل هذه الأمور، لما فيها من تعظيم شعائر الكفر، وقال طائفة منهم: من ذبح نطيحة يوم عيدهم فكأنما ذبح خنزيرا.
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: من تأسى ببلاد الأعاجم، وصنع نيروزهم، ومهرجانهم، وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك: حشر معهم يوم القيامة.
وفي سنن أبي داود: عن ثابت بن الضحاك قال: نذر رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينحر إبلا ببوانة، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني نذرت أن أنحر إبلا ببوانة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هل كان فيها من وثن يعبد من دون الله من أوثان الجاهلية؟ قال: لا، قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قال: لا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم.
فلم يأذن النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الرجل أن يوفي بنذره، مع أن الأصل في الوفاء أن يكون واجبا، حتى أخبره أنه لم يكن بها عيد من أعياد الكفار، وقال: لا وفاء لنذر في معصية الله.
فإذا كان الذبح بمكان كان فيه عيدهم معصية، فكيف بمشاركتهم في نفس العيد؟ بل قد شرط عليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب والصحابة وسائر أئمة المسلمين أن لا يظهروا أعيادهم في دار المسلمين، وإنما يعملونها سرا في مساكنهم، فكيف إذا أظهرها المسلمون أنفسهم؟ حتى قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: " لا تتعلموا رطانة الأعاجم، ولا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم، فإن السخط ينزل عليهم".
وإذا كان الداخل لفرجة أو غيرها منهيا عن ذلك؛ لأن السخط ينزل عليهم، فكيف بمن يفعل ما يسخط الله به عليهم، مما هي من شعائر دينهم؟!
وقد قال غير واحد من السلف في قوله تعالى: والذين لا يشهدون الزور. قالوا أعياد الكفار، فإذا كان هذا في شهودها من غير فعل، فكيف بالأفعال التي هي من خصائصها.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، في المسند والسنن، أنه قال: من تشبه بقوم فهو منهم وفي لفظ: ليس منا من تشبه بغيرنا وهو حديث جيد؛ فإذا كان هذا في التشبه بهم، وإن كان من العادات، فكيف التشبه بهم فيما هو أبلغ من ذلك؟..." انتهى من "الفتاوى الكبرى" (2/ 487)، وكذلك في "مجموع الفتاوى" (25/ 329).
وسئل شيخ الإسلام ابن باز رحمه الله: أن بعضاً من المسلمين يشاركون المسيحيين في عيد الميلاد أو الكرسمس كما يسمونه؟
فأجاب:
لا يجوز للمسلم ولا للمسلمة مشاركة النصارى أو اليهود أو غيرهم من الكفرة في أعيادهم بل يجب ترك ذلك؛ لأن (من تشبه بقوم فهو منهم) والرسول ﷺ حذرنا من مشابهتهم والتخلق بأخلاقهم.
فعلى المؤمن وعلى المؤمنة الحذر من ذلك وألا يساعد في إقامة هذه الأعياد بأي شيء؛ لأنها أعياد مخالفة لشرع الله، ويقيمها أعداء الله فلا يجوز الاشتراك فيها ولا التعاون مع أهلها ولا مساعدتهم بأي شيء، لا بالشاي ولا بالقهوة ولا بأي شيء من الأمور كالأواني ونحوها.
وأيضاً يقول الله سبحانه: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2] فالمشاركة مع الكفرة في أعيادهم نوع من التعاون على الإثم والعدوان، فالواجب على كل مسلم وعلى كل مسلمة ترك ذلك، ولا ينبغي للعاقل أن يغتر بالناس في أفعالهم، الواجب أن ينظر في الشرع الإسلامي وما جاء به، وأن يمتثل أمر الله ورسوله عليه الصلاة والسلام وأن لا ينظر إلى أمور الناس فإن أكثر الخلق لا يبالي بما شرع الله، كما قال الله  في كتابه العظيم: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ[الأنعام:116] قال سبحانه: وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف:103] فالعوائد المخالفة للشرع لا يجوز الأخذ بها وإن فعلها الناس.
والمؤمن يزن أفعاله وأقواله ويزن أفعال الناس وأقوال الناس بالكتاب والسنة، بكتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، فما وافقهما أو أحدهما فهو المقبول وإن تركه الناس، وما خالفهما أو أحدهما فهو المردود وإن فعله الناس، رزق الله الجميع التوفيق والهداية. انتهى من برنامج (نور على الدرب) حكم المشاركة في أعياد النصارى وغيرهم من الكفرة [على موقعه الرسمي على الشبكة ]
وفي الختام:
فقد شدَّد أهلُ العلم قديمًا وحديثًا في التحذير من مشاركة غير المسلمين في أعيادهم؛ لما في ذلك من مشابهةٍ لهم في شعائرهم، وموافقةٍ على ما يختصون به من خصائص مللهم، وعدُّوا ذلك من المسائل التي يجب على المسلم أن يكون فيها على بصيرةٍ وحذر.
فنُقل عن أبي حفص النسفي الحنفي رحمه الله قوله: «مَن أهدى فيه بيضةً إلى مشركٍ تعظيمًا لليوم؛ فقد كفر بالله تعالى»، وهو كلامٌ خرج مخرج التغليظ والتنفير، وبيان خطورة تعظيم أعيادهم، لا على جهة التسرُّع في تنزيل الأحكام على الأعيان.

وقال الإمام مالك بن أنس رحمه الله: «يُكره الركوب معهم في السفن التي يركبونها لأجل أعيادهم؛ لنزول السخطة واللعنة عليهم»، وذلك سدًّا لذريعة المشاركة، وحمايةً للمسلم من مواطن الاشتباه والتشبه.

وقد دلَّت الآيات، والأحاديث، وأقوال السلف، وأفعالهم دلالةً بيِّنة على منع مشاركة غير المسلمين في أعيادهم، أو تهنئتهم بها، أو إظهار الرضا والفرح لأجلها، أو الإعانة عليها؛ لأن الأعياد من خصائص الأديان، ومشاركتهم فيها مناقضةٌ لما قرره الشرع من التميّز والاعتزاز بالدين.
وأما ما يُنقل من بعض الأقوال المعاصرة بجواز شيءٍ من ذلك، فهي أقوال مرجوحة لا تنهض أمام ما عليه جماهير أهل العلم، ولا تستند إلى أصلٍ راسخٍ في عمل السلف، وإنما هي اجتهاداتٌ لم يكتب لها التوفيق، ولا يجوز جعلها معارضةً للأدلة الواضحة والقواعد المستقرة.

ومع وضوح الحُجّة، وقيام الدليل، فإن المسلم مأمورٌ بلزوم ما دلَّ عليه الكتاب والسنة، وفهم السلف الصالح، قال تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾.
وقد يؤسف المسلم حين يرى في بعض البلدان مظاهر احتفاءٍ واسعة بأعياد غير المسلمين، تُصرف فيها أموالٌ طائلة، مع أن الأولى توجيه الجهود والنفقات إلى ما يرضي الله، ويخدم دينه وأمته، والله المستعان.
وفي الأخير ... نحمد الله الذي هدانا للإسلام، وشرَّفنا بالانتساب إلى السُّنَّة، وأقامنا على صراطه المستقيم، نحمده سبحانه على نعمة الهداية، ونسأله مزيدَ الفضل والتوفيق، والثباتَ على الحق حتى نلقاه، وأن يُحبِّب إلينا الإيمان، ويُزيِّنه في قلوبنا، ويُبغِّض إلينا الكفرَ والفسوقَ والعصيان، وأن يجعلنا من عباده الراشدين، المتبعين غير المبتدعين، المتمسّكين بالوحيين، السائرين على منهج السلف الصالح، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه
الإسكندرية ، من الديار المصرية حفظها الله من كل مكروه وسوء وسائر بلاد المسلمين.
ليلة الجمعة: 6 / رجب الفرد /1447هـ.

مواد ذات صلة