الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. المقالات

يا باغيَ الخيرِ أقبل: وقفاتٌ مع عشرِ ذي الحجة

٣ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ٢٠ مايو ٢٠٢٦
المقالاتالصلاة والطهارةالفقه والأحكامالصيام ورمضانالحج والأضاحي والأعياد
يا باغيَ الخيرِ أقبل: وقفاتٌ مع عشرِ ذي الحجة

الحلقة الأولى:

الحمدُ للهِ الذي جعلَ لعبادِه مواسمَ للخيرات، تُضاعفُ فيها الحسنات، وتُرفعُ فيها الدرجات، وتُقالُ فيها العثرات، أحمدُه سبحانه على جزيلِ فضله، وعظيمِ مِنَّته، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعلَ لعبادِه من الأزمنةِ ما تتنزَّلُ فيه الرحمات، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، خيرُ من صلَّى وصامَ وذكرَ ربَّه وقام، صلى الله عليه وعلى آله وصحبِه البررةِ الكرام، ومن سارَ على نهجِهم واقتفى آثارَهم إلى يومِ الدين.

أما بعد:
فإنَّ من أعظمِ نعمِ الله على عباده أن بلَّغهم مواسمَ الطاعات، وفتحَ لهم أبوابَ القُربات، وإنَّ من أجلِّ تلك المواسم وأعظمِها شأنًا: عشرُ ذي الحِجَّة، تلك الأيامُ المباركات التي أقسمَ اللهُ بها في كتابه فقال: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾، قال غيرُ واحدٍ من السلف: هي عشرُ ذي الحِجَّة.
وما أقسمَ اللهُ بشيءٍ إلا لعِظَمِ شأنِه، وجلالةِ قدرِه، فكيفَ بأيامٍ شهدَ لها رسولُ الله ﷺ بأنَّها أفضلُ أيامِ الدنيا؟!
فعن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما أنَّ النبيَّ ﷺ قال: « مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ يَعْنِي: أَيَّامَ الْعَشْرِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ قَالَ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، قَالَ: إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ» رواه البخاري.

فيا الله!
أيُّ فضلٍ بعد هذا الفضل؟!
وأيُّ موسمٍ بعد هذا الموسم؟!

إنها أيامٌ تجتمعُ فيها أمهاتُ العبادات التي لا تكادُ تجتمعُ في غيرِها: صلاةٌ، وصيامٌ، وصدقةٌ، وذكرٌ، وحجٌّ، وتكبيرٌ، وقراءةُ قرآن، وبِرٌّ وإحسان.

فالسعيدُ - واللهِ - من عرفَ قدرَ هذه الأيام، وشمَّرَ فيها عن ساعدِ الجدِّ والاجتهاد، ولم يكنْ من الغافلين اللاهين الذين تمرُّ عليهم المواسمُ فلا يزدادون إلا بعدًا وحرمانًا.

وإنَّ مما ينبغي على المسلمِ عامَّةً، وعلى طالبِ العلمِ خاصَّةً، في هذه العشر المباركة:

أولًا: تحقيقُ التوبةِ الصادقة:
قال الله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: 31]. فأولُ ما ينبغي أن تُستقبلَ به مواسمُ الطاعات: توبةٌ صادقةٌ نصوح، تُغسلُ بها أدرانُ الذنوب، وتُطهَّرُ بها القلوبُ من أوساخِ المعاصي والعيوب؛ فإنَّ القلبَ إذا تكدَّرتْ مرآته بالذنوبِ عَمِيَ عن نورِ الطاعة، وثقلَ عن السيرِ إلى الله، وصار يسمعُ المواعظَ فلا ينتفع، ويرى مواسمَ الخيراتِ فلا يتحرك.

فكم من عبدٍ دخلَ عليه الموسمُ وقلبُه مريضٌ بالشهواتِ والشبهات، مُثقَلٌ بأوزارِ الغفلات، فلا هو الذي أقبلَ على ربِّه بصدق، ولا هو الذي فارقَ أسبابَ الهلاك والردى!
وكم من محرومٍ حالَ بينه وبينَ لذَّةِ الطاعاتِ ذنبٌ استخفَّ به، ونظرَ إليه بعينِ الصِّغر، وهو عند الله عظيم!
ذنبٌ أورثَ قسوةً في القلب، وظلمةً في الصدر، ووهنًا في العزيمة، حتى صار العبدُ يُساقُ إلى الطاعةِ سوقًا، ويجدُ في العبادةِ ثقلاً، وفي الذكرِ مللاً، وفي القرآنِ جفاءً.
قال بعضُ السلف: (إنِّي لأعصي اللهَ فأرى أثرَ ذلك في دابَّتي وامرأتي)، فكيفَ بمن باتَ يُبارزُ اللهَ بالمعاصي صباحَ مساء، ثم يطمعُ أن يجدَ حلاوةَ الإيمانِ ولذَّةَ القربِ والقيام؟!

وما نزلَ بلاءٌ على القلوبِ أعظمُ من بلاءِ الذنب؛ فإنَّ الذنوبَ إذا تكاثرتْ رانَتْ على القلب، كما قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ ۜ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: 14].

فبادِرْ - رحمك الله - إلى التوبةِ قبلَ أن يُحالَ بينك وبينَ قلبِك، وجدِّدْ إنابتَك إلى ربِّك، وأكثرْ من الاستغفارِ والانكسار، فإنَّ اللهَ يحبُّ التوابين، ويفرحُ بتوبةِ عبده، وما طابتِ القلوبُ ولا أشرقتِ الأرواحُ ولا لذَّتِ الطاعاتُ إلا بصدقِ الرجوعِ إلى الله جلَّ وعلا.

ثانيًا: الإكثارُ من الذكرِ والتكبير:
فإنَّ هذه الأيامَ أيامُ ذكرٍ وتعظيمٍ لله جلَّ وعلا، قال تعالى: ﴿ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: 28]، قال ابنُ عباسٍ رضي الله عنهما: هي أيامُ العشر.
وكان السلفُ يُظهرون التكبيرَ في الأسواقِ والمساجدِ والبيوت، إحياءً لشعيرةِ التعظيم، لا خجلًا من السُّنَّة، ولا خوفًا من استهزاءِ الغافلين.

فأحيوا- رحمكم الله - هذه الشعيرةَ المباركة: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

وأكثِروا من التهليلِ والتحميدِ والتسبيحِ والاستغفار، فإنَّ الذكرَ حياةُ القلوب، وغذاءُ الأرواح، وطمأنينةُ النفوس.

ثالثًا: المحافظةُ على الصلاةِ وإصلاحُها:
فلا خيرَ في عبدٍ يُكبِّرُ بلسانِه وهو مُضيِّعٌ للصلاة، متهاونٌ بالجماعات، يؤخِّرُ الفرائض، ثم يطلبُ القُربَ من الله بالنوافل!
إنَّ أولَ ما يُعتنى به في هذه المواسم: تصحيحُ الفرائض، وإقامةُ الصلاةِ بخشوعها وآدابها وسننها.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾. فأقبِلوا على المساجدِ بقلبٍ حاضر، وعينٍ دامعة، ونفسٍ منكسرة، فما فازَ الفائزون إلا بصدقِ الإقبالِ على الله.

رابعًا: صيامُ هذه الأيام، وخصوصًا يومُ عرفة:
فالصيامُ من أجلِّ القُربات، وقد كان النبيُّ ﷺ يصومُ تسعَ ذي الحجة، وأعظمُها يومُ عرفة، ذاك اليومُ العظيمُ الذي قال فيه النبيُّ ﷺ: « «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ» رواه مسلم.
فيا لها من تجارة!
يومٌ واحدٌ يكونُ سببًا لمغفرةِ ذنوبِ سنتين!
لكنَّ الشأنَ كلَّه في الصدقِ والإخلاص، لا في صورةِ العملِ الخاليةِ من حضورِ القلب.

خامسًا: الإكثارُ من تلاوةِ القرآن:
فالقرآنُ ربيعُ القلوب، ونورُ الصدور، وما أحرانا في هذه المواسم أن نُقبِلَ على كلامِ ربِّنا تلاوةً وتدبرًا وعملاً.

وما أقبحَ أن تمرَّ مواسمُ الخيرِ على العبدِ وهو مشغولٌ باللهوِ واللغوِ وتتبعِ الأخبارِ والخصوماتِ العقيمة!
فاجعلْ لنفسِك وردًا ثابتًا، وأكثرْ من التدبر، فإنَّ القرآنَ لا يُثمرُ بكثرةِ الهذرمة، وإنما بحضورِ القلب.

سادسًا: الصدقةُ والإحسانُ إلى الخلق:
ففي هذه الأيامِ الفاضلةِ تتأكدُ الصدقاتُ، وتعظُمُ أجورُ النفقات، ويشتدُّ النداءُ إلى البذلِ والإحسان، وتفريجِ الكُربات، وإغاثةِ الملهوفين، والإحسانِ إلى الفقراء والمساكين، وصلةِ الأرحام، وقضاءِ حوائجِ المسلمين.

فما أكرمَ عبدًا بسطَ يدَهُ بالعطاءِ إلا بسطَ اللهُ له من رحماتِه، وما واسى فقيرًا إلا واساه اللهُ يومَ الفاقةِ الكبرى، يومَ لا ينفعُ مالٌ ولا بنون إلا من أتى اللهَ بقلبٍ سليم.

قال ﷺ: «أحَبُّ النَّاسِ إِلَى الله أنْفَعُهُمْ، وأحَبُّ الأعْمَالِ إِلَى الله عز وجل سُرُورٌ تُدْخِلُهُ على مُسْلِمٍ، أوْ تَكْشِفُ عنهُ كُرْبَةً، أوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْناً، أوْ تَطْرُدُ عنهُ جُوعاً…» الحديث. رواه ابنُ أبي الدنيا في قضاء الحوائج من حديث ابن عمر، وحسنه الألباني رحمه الله في صحيح الجامع [رقم: 176].

فيا لها من عبادةٍ يغفلُ عنها كثيرٌ من الناس!
أن تمسحَ دمعةَ محزون، أو تُشبعَ بطنَ جائع، أو تُدخلَ السرورَ على قلبِ مسلمٍ أثقلتْهُ الهمومُ والديون.
وكم من دعوةِ مسكينٍ رفعتْ صاحبَها درجات!
وكم من صدقةٍ خفيةٍ كانت سببًا للنجاةِ يومَ القيامة!
وكم من معروفٍ يسيرٍ باركه الله حتى صار عنده جبالًا من الحسنات!

فلا تحتقرنَّ درهمًا تُنفقه، ولا لقمةً تُطعمها، ولا كلمةَ مواساةٍ تُحيي بها قلبًا منكسرًا؛ فإنَّ اللهَ لا يضيعُ مثقالَ ذرةٍ من خير.

وكان السلفُ رحمهم الله يرونَ أنَّ مواساةَ الخلقِ من أعظمِ أبوابِ القُربات، وكانوا يتلمَّسونَ حاجاتِ الناسِ كما يتلمَّسُ الظمآنُ الماءَ البارد، رجاءَ ما عند الله من الثواب.
قال تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ [المزمل: 20].

وقال سبحانه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 261].
فطوبى لعبدٍ اغتنمَ مواسمَ الخير، فجعلَ منها ميدانًا للبذلِ والإحسان، لا ميدانًا للشحِّ والغفلة، فإنَّ الكريمَ عند الله من أحسنَ إلى عبادِه، ورحمَ ضعفَهم، وسعى في نفعِهم ابتغاءَ وجهِ ربِّه جلَّ وعلا.
فكم من دعوةِ مسكينٍ رفعتْ صاحبَها درجات!
وكم من صدقةٍ خفيةٍ كانت سببًا للنجاةِ يومَ القيامة!

سابعًا: ما ينبغي لطالبِ العلمِ خاصَّةً:
وطالبُ العلمِ أولى الناسِ بتعظيمِ هذه المواسمِ المباركة؛ لأنَّه يعرفُ النصوصَ الواردةَ فيها، ويعلمُ ما أعدَّه اللهُ فيها للعاملين من عظيمِ الأجور، وجزيلِ المثوبات، فكيفَ يليقُ بمن عرفَ فضلَها أن يكونَ من أبردِ الناسِ همَّةً، وأضعفِهم اغتنامًا، وأشدِّهم غفلةً عنها؟!
وكيفَ يهنأُ قلبُ طالبِ علمٍ تمرُّ عليه مواسمُ الطاعاتِ وهو غارقٌ في فضولِ الخصومات، أو أسيرُ هاتفٍ لا ينفكُّ عنه يقلِّبُه في القيلِ والقال، والجدلِ والمراء، وسفاسفِ الأخبار؟!
إنَّ طالبَ العلمِ إذا فترَ في مواسمِ الخيرِ كان فتورُه أقبحَ؛ لأنَّ الحجةَ عليه آكد، والمعرفةَ عنده أتم.
ولهذا كان السلفُ أشدَّ الناسِ اجتهادًا عند مواسمِ الطاعات، لأنَّ العلمَ عندهم لم يكن محفوظاتٍ تُروى وفقط، بل حياةً تُعاش، وخشيةً تملأُ القلوب.
فينبغي لطالبِ العلمِ أن:
1- يُجدِّدَ نيتَه في طلبِ العلم، ويستحضرَ أنَّه يتعبَّدُ لله لا يطلبُ رفعةً ولا سمعةً ولا تصدُّرًا؛ فإنَّ العلمَ عبادةُ القلوب، وفسادُ النيةِ فيه من أخطرِ الآفات.

2- ويُقبِلَ على كتابِ الله حفظًا وتلاوةً وتدبرًا؛ فإنَّ القرآنَ ربيعُ القلوب، ونورُ البصائر، وما قسا قلبُ عبدٍ إلا بقدرِ بُعدِه عن كلامِ ربِّه جلَّ وعلا.

3- ويُكثرَ من مراجعةِ العلمِ النافع، لا سيما الأصولَ العظيمةَ التي تُصلحُ الاعتقادَ والمنهجَ والعبادة؛ فإنَّ العلمَ إن لم يُتعاهدْ تفلَّتَ، وإن لم يُثمرْ عملاً كان وبالًا على صاحبِه.
4- ويجمعَ بين العلمِ والعمل؛ فإنَّ العلمَ بلا عملٍ كشجرةٍ بلا ثمر، بل قد يكونُ حجةً على صاحبِه يومَ القيامة. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ۝ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2-3].

5- ويحرصَ على نشرِ السنَّةِ بين الناس، وتذكيرِهم بفضلِ هذه الأيام، والدلالةِ على أبوابِ الخير؛ فإنَّ الدالَّ على الخيرِ كفاعلِه، وإنَّ من أعظمِ الغبنِ أن يعرفَ العبدُ أبوابَ الفضل ثم يبخلَ بإرشادِ الناسِ إليها.

6- ويحذرَ أشدَّ الحذرِ من تضييعِ هذه المواسمِ في الجدلِ العقيم، والخصوماتِ المذمومة، وآفاتِ وسائلِ التواصل، وملاحقةِ المهاترات؛ فإنَّ القلبَ إذا تشتتَ في سفاسفِ الأمور حُرمَ لذةَ الطاعة، وقستْ عليه العبادة.

فمن الخذلانِ العظيم أن تمرَّ مواسمُ الطاعاتِ وقلبُ العبدِ مشغولٌ بالقيلِ والقال، وبالمفضول عن الفاضل، يعدُّ تعليقاتِ الناسِ أكثرَ مما يعدُّ تسبيحاتِه، ويتفقَّدُ هاتفَه أكثرَ مما يتفقَّدُ قلبَه!

وقد قال بعضُ السلف: «إذا أرادَ اللهُ بعبدٍ خيرًا فتحَ له بابَ العمل، وأغلقَ عنه بابَ الجدل».

فيا طالبَ العلم، هذه مواسمُ النفحات، وأيامُ التجارةِ الرابحة، فلا تجعلْ نصيبَك منها كثرةَ الكلام، وفضولَ الجدل، وتقلُّبَ البصرِ في شاشاتِ الهواتف؛ فإنَّ الأعمارَ أقصرُ من الآمال، واللياليَ تمضي مسرعةً كأنها طيفٌ عابر.

فاعمُرْ هذه الأيامَ بطاعةِ الله، واملأْ صحيفتَك بما يثقلُ الميزان؛ فكم من رجلٍ ملأ الدنيا ضجيجًا وكلامًا، ثم قَدِمَ على ربِّه مفلسًا من العمل!
وكم من عبدٍ خفيٍّ لا يُشارُ إليه، عمرَ أوقاتَه بالقرآنِ والذكرِ والعبادة، فرفعَ اللهُ ذكرَه في الملأ الأعلى.

فالعبرةُ ـ يا رعاك الله ـ ليست بكثرةِ ما يُقال، وإنما ببركةِ ما يُعمل، وليس الشأنُ أن تُعرفَ بين الناس، وإنما الشأنُ أن تكونَ معروفًا عند الله.
ويا أهلَ الإسلام… هذه الأيامُ سريعةُ الانقضاء، وما هي إلا أنفاسٌ معدودة، ثم تُطوى الصحائف، ويُختمُ العمل، والسعيدُ من خرجَ منها بقلبٍ أصلح، ونفسٍ أزكى، وعملٍ أقربَ إلى القبول.

فاجتهدوا فيها اجتهادَ مودِّع، وأروا اللهَ من أنفسِكم خيرًا، وأكثروا من الدعاءِ والانكسار، فلعلَّ دعوةً صادقةً في جوفِ ليلٍ تكونُ سببَ النجاةِ يومَ يقومُ الناسُ لربِّ العالمين.

نسألُ اللهَ الكريمَ ربَّ العرشِ العظيم أن يُبلِّغنا عشرَ ذي الحجة أعواماً عديدة وأزمنة مديدة، وأن يُعيننا فيها على ذكرِه وشكرِه وحسنِ عبادتِه، وأن يجعلَنا فيها من المقبولين الفائزين، لا من المحرومين المخذولين، وصلَّى اللهُ وسلَّم وباركَ على نبيِّنا محمد، وعلى آله وصحبِه أجمعين.

وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه
الثغر السكندري حرسه الله
قبيل غروب شمس أول أيام العشر من ذي الحجة 1447 هـ

مواد ذات صلة