حديثكم عنَّا قد يُنقذنا" … نداءٌ من السودان إلى علماء الأمة
مقال الأسبوع:
(حديثكم عنَّا قد يُنقذنا" … نداءٌ من السودان إلى علماء الأمة)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
فقد خرجت من أفواه إخوتنا في السودان كلماتٌ تحرق القلوب قبل أن تطرق الآذان، كلماتٌ من قلب المأساة، قال أحدهم وهو يئن تحت ركام الحرب:
«تحدَّثوا عن السودان المنسي يا عالم»، «حديثك عني قد يُنقذني، أنا أخوك أنا سوداني». نعم؛ حديثك عنهم قد يُنقذهم، فلا تصمتوا، هؤلاء إخوتنا...
أما آنَ لأهل العلم الذين طالما نطقوا بالحق أن تُسمِعَ الأمةَ من جديد، وقد اشتدَّت الحاجةُ إلى الكلمة الصادقة والموقف الأمين؟
لقد أضحت مأساة السودان جرحًا نازفًا في جسد الأمة، جرحًا تئن له القلوب، وتدمع له العيون، وقد اختلطت فيه دماء الأبرياء بنداءات المظلومين، وتكاثرت فيه أبواق التضليل، بينما خفتت أصوات الحقِّ والبيان عند الكثير إلا من رحم الله.
يا علماؤنا الأجلَّاء، ومشايخنا الكرام، حفظكم الله ورفع قدركم، أنتم ورثة الأنبياء، ومنارات الهدى في زمن الفتن.
نتوجَّه إليكم بقلوبٍ يعتصرها الألم على ما يجري في السودان، نلتمس منكم كلمةَ حقٍّ تُحيي الأمل، وتُثبِّت القلوب، وتفضح الباطل.
فكم من كلمةٍ صادقةٍ أحيَت أمةً، وكم من سكوتٍ أطال ليلَ المظلومين.
كونوا – رعاكم الله – صوتًا للسودان المكلوم، وعونًا لإخوانكم، ولو بكلمةٍ تُقوِّي عزيمةَ المتألم، وتفضح إجرامَ البغاة المعتدين، وتدعو لاجتماع الكلمة تحت الراية الشرعية، ومساندة الولي الشرعي والجيش الوطني في وجه الخوارج المعتدين.
ألا ينبغي أن يعلم ونُذكِّر به من تذكَّر = إنَّ الصمتَ من القادرِ في زمنِ الفتنة خذلانٌ واضح، والكلمة في هذا الزمن أقوى من كثيرٍ من الأسلحة، قد تُنصر بها المظلوم وتقرَعُ بها وجه الظالم؟ ، وقد نصَّ عليه أهل العلم؛ قال ابن بطال رحمه الله: (وأما نصر المظلوم ففرض على من يقدر عليه ويطاع أمره) انتهى من (شرحه على صحيح البخاري) [3/ 238]، وقال القسطلاني رحمه الله: (ونصر المظلوم - مسلمًا كان أو ذميًّا - واجب على الكفاية ويتعين على السلطان وقد يكون بالقول أو بالفعل ويكفُّه عن الظلم) انتهى من ( إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري) [4/ 256].
فكيف إذا كانت هذه الكلمةُ تُنقذ أمةً مظلومةً، وتُثبِّتُ قلوبًا مؤمنة، وتفضحُ باطلَ خوارجٍ معتدين؟
إنَّ بيان العلماء أمانة، وصوتهم حياة، ومواقفهم تُنير الطريق حين تلتبس المسالك. والكلمة من فمِ العالم إذا خرجت بصدقٍ وإخلاصٍ، كانت كالسيف في وجه الباطل، وكالبلسم على جراح المؤمنين.
ورحم الله الإمام ابن القيم رحمة واسعة إذ يقول: (وَأَيُّ دِينٍ وَأَيُّ خَيْرٍ فِيمَنْ يَرَى مَحَارِمَ اللَّهِ تُنْتَهَكُ وَحُدُودَهُ تُضَاعُ وَدِينَهُ يُتْرَكُ وَسُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُرْغَبُ عَنْهَا وَهُوَ بَارِدُ الْقَلْبِ سَاكِتُ اللِّسَانِ؟ شَيْطَانٌ أَخْرَسُ، كَمَا أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ بِالْبَاطِلِ شَيْطَانٌ نَاطِقٌ، وَهَلْ بَلِيَّةُ الدِّينِ إلَّا مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ إذَا سَلَّمْت لَهُمْ مَآكِلَهُمْ وَرِيَاسَاتِهِمْ فَلَا مُبَالَاةَ بِمَا جَرَى عَلَى الدِّينِ؟ ، وَخِيَارُهُمْ الْمُتَحَزِّنُ الْمُتَلَمِّظُ، وَلَوْ نُوزِعَ فِي بَعْضِ مَا فِيهِ غَضَاضَةٌ عَلَيْهِ فِي جَاهِهِ أَوْ مَالِهِ بَذَلَ وَتَبَذَّلَ وَجَدَّ وَاجْتَهَدَ، وَاسْتَعْمَلَ مَرَاتِبَ الْإِنْكَارِ الثَّلَاثَةِ بِحَسَبِ وُسْعِهِ. وَهَؤُلَاءِ - مَعَ سُقُوطِهِمْ مِنْ عَيْنِ اللَّهِ وَمَقْتِ اللَّهِ لَهُمْ - قَدْ بُلُوا فِي الدُّنْيَا بِأَعْظَمَ بَلِيَّةٍ تَكُونُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ، وَهُوَ مَوْتُ الْقُلُوبِ؛ فَإِنَّهُ الْقَلْبُ كُلَّمَا كَانَتْ حَيَاتُهُ أَتَمَّ كَانَ غَضَبُهُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ أَقْوَى، وَانْتِصَارُهُ لِلدِّينِ أَكْمَلُ) انتهى من (إعلام الموقعين عن رب العالمين) [2/121].
«حديثكم عنَّا قد يُنقذنا، نحن إخوتكم في السودان»...
كلمةٌ خرجت من قلبٍ مثخنٍ بالجراح، فهزَّت القلوب الحيَّة، وأيقظت فينا معنى الأخوة الذي كاد أن يذبل.
كلمةٌ لا تحمل حروفًا فحسب، بل تحمل صوتَ أمةٍ تستغيث، وتذكِّر من نسي، وتستنهض من سكت.
نعم، واللهِ - إنها كلمةٌ تُوجِع القلب وتَهزُّ الوجدان… فيها أنينُ المظلوم، وصبرُ المكلوم، ورجاءُ الأخ في أخيه، تختصر كلَّ ما كُتب وما لم يُكتب.
اللهم اشهد أنَّ أهل السودان مظلومون من خوارج بغاة غاشمين، فكن لهم ناصرًا ومعينًا، وثبِّت قلوبهم، واجمع كلمتهم على الحق، وألهم علماء الأمة ودعاتها القيام بواجب البيان والنصرة، لتكون كلمتهم صدقًا في وجه الظلم، ورحمةً في قلب البلاء، والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على نبينا وحبيبنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي -عفا الله عنه-
الأحد: 11 / جمادى الأولى / 1447 هـ.
(حديثكم عنَّا قد يُنقذنا" … نداءٌ من السودان إلى علماء الأمة)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
فقد خرجت من أفواه إخوتنا في السودان كلماتٌ تحرق القلوب قبل أن تطرق الآذان، كلماتٌ من قلب المأساة، قال أحدهم وهو يئن تحت ركام الحرب:
«تحدَّثوا عن السودان المنسي يا عالم»، «حديثك عني قد يُنقذني، أنا أخوك أنا سوداني». نعم؛ حديثك عنهم قد يُنقذهم، فلا تصمتوا، هؤلاء إخوتنا...
أما آنَ لأهل العلم الذين طالما نطقوا بالحق أن تُسمِعَ الأمةَ من جديد، وقد اشتدَّت الحاجةُ إلى الكلمة الصادقة والموقف الأمين؟
لقد أضحت مأساة السودان جرحًا نازفًا في جسد الأمة، جرحًا تئن له القلوب، وتدمع له العيون، وقد اختلطت فيه دماء الأبرياء بنداءات المظلومين، وتكاثرت فيه أبواق التضليل، بينما خفتت أصوات الحقِّ والبيان عند الكثير إلا من رحم الله.
يا علماؤنا الأجلَّاء، ومشايخنا الكرام، حفظكم الله ورفع قدركم، أنتم ورثة الأنبياء، ومنارات الهدى في زمن الفتن.
نتوجَّه إليكم بقلوبٍ يعتصرها الألم على ما يجري في السودان، نلتمس منكم كلمةَ حقٍّ تُحيي الأمل، وتُثبِّت القلوب، وتفضح الباطل.
فكم من كلمةٍ صادقةٍ أحيَت أمةً، وكم من سكوتٍ أطال ليلَ المظلومين.
كونوا – رعاكم الله – صوتًا للسودان المكلوم، وعونًا لإخوانكم، ولو بكلمةٍ تُقوِّي عزيمةَ المتألم، وتفضح إجرامَ البغاة المعتدين، وتدعو لاجتماع الكلمة تحت الراية الشرعية، ومساندة الولي الشرعي والجيش الوطني في وجه الخوارج المعتدين.
ألا ينبغي أن يعلم ونُذكِّر به من تذكَّر = إنَّ الصمتَ من القادرِ في زمنِ الفتنة خذلانٌ واضح، والكلمة في هذا الزمن أقوى من كثيرٍ من الأسلحة، قد تُنصر بها المظلوم وتقرَعُ بها وجه الظالم؟ ، وقد نصَّ عليه أهل العلم؛ قال ابن بطال رحمه الله: (وأما نصر المظلوم ففرض على من يقدر عليه ويطاع أمره) انتهى من (شرحه على صحيح البخاري) [3/ 238]، وقال القسطلاني رحمه الله: (ونصر المظلوم - مسلمًا كان أو ذميًّا - واجب على الكفاية ويتعين على السلطان وقد يكون بالقول أو بالفعل ويكفُّه عن الظلم) انتهى من ( إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري) [4/ 256].
فكيف إذا كانت هذه الكلمةُ تُنقذ أمةً مظلومةً، وتُثبِّتُ قلوبًا مؤمنة، وتفضحُ باطلَ خوارجٍ معتدين؟
إنَّ بيان العلماء أمانة، وصوتهم حياة، ومواقفهم تُنير الطريق حين تلتبس المسالك. والكلمة من فمِ العالم إذا خرجت بصدقٍ وإخلاصٍ، كانت كالسيف في وجه الباطل، وكالبلسم على جراح المؤمنين.
ورحم الله الإمام ابن القيم رحمة واسعة إذ يقول: (وَأَيُّ دِينٍ وَأَيُّ خَيْرٍ فِيمَنْ يَرَى مَحَارِمَ اللَّهِ تُنْتَهَكُ وَحُدُودَهُ تُضَاعُ وَدِينَهُ يُتْرَكُ وَسُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُرْغَبُ عَنْهَا وَهُوَ بَارِدُ الْقَلْبِ سَاكِتُ اللِّسَانِ؟ شَيْطَانٌ أَخْرَسُ، كَمَا أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ بِالْبَاطِلِ شَيْطَانٌ نَاطِقٌ، وَهَلْ بَلِيَّةُ الدِّينِ إلَّا مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ إذَا سَلَّمْت لَهُمْ مَآكِلَهُمْ وَرِيَاسَاتِهِمْ فَلَا مُبَالَاةَ بِمَا جَرَى عَلَى الدِّينِ؟ ، وَخِيَارُهُمْ الْمُتَحَزِّنُ الْمُتَلَمِّظُ، وَلَوْ نُوزِعَ فِي بَعْضِ مَا فِيهِ غَضَاضَةٌ عَلَيْهِ فِي جَاهِهِ أَوْ مَالِهِ بَذَلَ وَتَبَذَّلَ وَجَدَّ وَاجْتَهَدَ، وَاسْتَعْمَلَ مَرَاتِبَ الْإِنْكَارِ الثَّلَاثَةِ بِحَسَبِ وُسْعِهِ. وَهَؤُلَاءِ - مَعَ سُقُوطِهِمْ مِنْ عَيْنِ اللَّهِ وَمَقْتِ اللَّهِ لَهُمْ - قَدْ بُلُوا فِي الدُّنْيَا بِأَعْظَمَ بَلِيَّةٍ تَكُونُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ، وَهُوَ مَوْتُ الْقُلُوبِ؛ فَإِنَّهُ الْقَلْبُ كُلَّمَا كَانَتْ حَيَاتُهُ أَتَمَّ كَانَ غَضَبُهُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ أَقْوَى، وَانْتِصَارُهُ لِلدِّينِ أَكْمَلُ) انتهى من (إعلام الموقعين عن رب العالمين) [2/121].
«حديثكم عنَّا قد يُنقذنا، نحن إخوتكم في السودان»...
كلمةٌ خرجت من قلبٍ مثخنٍ بالجراح، فهزَّت القلوب الحيَّة، وأيقظت فينا معنى الأخوة الذي كاد أن يذبل.
كلمةٌ لا تحمل حروفًا فحسب، بل تحمل صوتَ أمةٍ تستغيث، وتذكِّر من نسي، وتستنهض من سكت.
نعم، واللهِ - إنها كلمةٌ تُوجِع القلب وتَهزُّ الوجدان… فيها أنينُ المظلوم، وصبرُ المكلوم، ورجاءُ الأخ في أخيه، تختصر كلَّ ما كُتب وما لم يُكتب.
اللهم اشهد أنَّ أهل السودان مظلومون من خوارج بغاة غاشمين، فكن لهم ناصرًا ومعينًا، وثبِّت قلوبهم، واجمع كلمتهم على الحق، وألهم علماء الأمة ودعاتها القيام بواجب البيان والنصرة، لتكون كلمتهم صدقًا في وجه الظلم، ورحمةً في قلب البلاء، والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على نبينا وحبيبنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي -عفا الله عنه-
الأحد: 11 / جمادى الأولى / 1447 هـ.