الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. المقالات

قال ابن مسعود رضي الله عنه: «الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك».

١٨ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ٣١ أغسطس ٢٠٢٦
المقالاتالمنهج والدعوة السلفيةالفرق والأحزابالصلاة والطهارةالفقه والأحكامالأسرة والمرأةاليمنالنوازل والأحداث
قال ابن مسعود رضي الله عنه: «الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك».
فليست الجماعة ـ عند أهل السُّنَّة ـ مجموعة أشخاص يلتفون حول شخص، وإنما الجماعة هي لزوم الحق.
يا مشايخ الحزب الانتقالي!
أما وقد وقع منكم الخطأ والزلل الشنيع، فليس العيب في زلّةٍ يُتدارك مثلها، وإنما العيب في زلّةٍ تُعرف ثم تُحمى، وتنكشف ثم تُغطَّى، ويُقام عليها البرهان ثم يُقام عليها سورٌ من الأسماء والأتباع! فالرجوع إلى الحق رفعة، والاعتراف بالخطأ شجاعة، وقبول النصيحة ديانة، والإصرار على الباطل بعد ظهوره مكابرةٌ وخذلان.
فليس من الوفاء أن تُناصروا المخطئ على خطئه، ولا من النصيحة أن تجعلوا زلته مذهبًا، ولا من السُّنَّة أن يعضد الكبيرُ الصغيرَ في باطله، ثم يتعاضد الجميع على إسكات من أنكر عليهم.

بل المصيبة أن يخطئ واحد، فيصفق له ثانٍ، ويبرر له ثالث، ثم يأتي كبير القوم فيضع توقيعه على الخطأ؛ فتتساند الأكتاف، وتتراص الصفوف، وتُحشد الأسماء، حتى يُخيَّل للناظر أن كثرة المدافعين قد جعلت الخطأ حقًّا!
وهيهات!
فالحق لا يصير حقًّا لأن شيخًا قاله، ولا الباطل يصير حقًّا لأن شيخًا أيَّده، ولا الخطأ ينقلب صوابًا إذا اجتمع عليه القوم من أولهم إلى آخرهم.
قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: 59].
فالمردُّ إلى الوحي، لا إلى الولاء؛ وإلى الدليل، لا إلى الرجال؛ وإلى الحق، لا إلى كثرة الأصوات.

أما أن يكون جوابكم عن الحجة: فلان معنا، وعن الدليل: فلان وافقنا، وعن الخطأ: مشايخ عدن متفقة عليه؛ فهذه ليست حجة، وإنما هي «أَبَّهْ» بصوتٍ جماعي!

واحدٌ يقول: «أَبَّهْ»، والثاني يرد: «أَبَّهْ»، والثالث يزكّي، والرابع يبرّر، ثم يخرجون على الناس فيقولون: لقد تفاهمنا واتفقنا!

اتفقتم على ماذا؟!
أين الدليل؟
أين البرهان؟
أين وجه الصواب؟
أم أن «أَبَّهْ» صارت عندكم جوابًا عن كل سؤال، وسلاحًا في وجه كل ناقد، وخاتمًا يُختم به كل نقاش؟!
يا للعجب!
أخرسٌ لا يبيِّن، وأصمُّ لا يسمع، ثم يتفاهمان بما لا يفهمه أحد، ويفرح كل واحد منهما بأنه وجد من يوافقه!
وهكذا شأن من يُناصر الخطأ بالخطأ، ويُقوّي الوهم بالوهم، ويستمد كل واحد منهم حجته من الآخر؛ فإن سُئل الأول قال: الثاني معي، وإن سُئل الثاني قال: الأول معي، ثم قالوا جميعًا: نحن متفقون!
فأيُّ اتفاق هذا؟!
إنه اتفاقٌ يشهد بعضُه لبعض، ويدور بعضُه على بعض، حتى يصبح الخطأ شاهدًا على الخطأ، والمخطئ شاهدًا للمخطئ، ثم يُطلب من الناس أن يسمّوا هذا إجماعًا!
وهذا أشبه بما يذكره أهل الحديث في بعض طرق الحديث: أنَّ المدارَ على راوٍ واحدٍ شديدِ الضعف؛ فمهما تكررت الطرق، ومهما تعددت الروايات، فليست الكثرةُ في ذاتها جابرةً للوهن، ما دام مدارُها على ذلك الأصل الواهي.

وكذلك أنتم: قد تتعدد الأصوات، وتتكرر العبارات، وتتراكم التزكيات، ولكن إذا كان الجميع يدور على الخطأ نفسه، ويرجع في النهاية إلى المرجع نفسه، فليست هذه كثرةَ حجج، وإنما كثرةُ صدى؛ ولا هي قوةُ برهان، وإنما تكرارٌ للقول نفسه بألسنةٍ متعددة.

فالخطأ لا يتقوى بتعدد ناقليه، والباطل لا يكتسب الصحة بكثرة مَن يردده، كما أن الحديث لا يشتدُّ بمجرد تعدد طرقه إذا كان مدارُها على واهٍ لا يُحتج به.
فالعبرة بمخرج القول وأصله، لا بكثرة من يردده؛ وبقوة الدليل، لا بكثرة المدافعين عنه.
اتقوا الله!
ليس الوفاء أن تحرسوا خطأ صاحبكم، بل الوفاء أن تنقذوه منه. وليس النصح أن تصفقوا له، بل أن تقولوا له: أخطأتَ، فارجع.
فمن أخطأ رُدَّ عليه، ومن أصاب قُبِلَ منه، ولو كان أصغرَكم سنًّا، وأقلَّكم منزلة، وأبعدَكم عن دائرة الكبار.
فالحق لا يعرف بكبر قائله، ولا بكثرة أتباعه، ولا بعلو اسمه؛ والباطل لا ينجو من بطلانه إذا اجتمع عليه الكبار والصغار.
فلا تجعلوا التواطؤ على الخطأ تفاهمًا، ولا تبادل التزكية إجماعًا، ولا كثرة الأصوات برهانًا.
فإن الحق لا يحتاج إلى عصبةٍ تحرسه، ولا إلى أتباعٍ يرفعونه؛ يكفيه دليله.
والباطل لا تنقذه عصبة، ولا تحييه كثرة، ولا تطيل عمره تزكية شيخ ولا موافقة جماعة.
فليقل الواحد منكم: «أَبَّهْ»، وليرد الآخر: «أَبَّهْ»، وليتبعهم ثالث ورابع وعاشر:
«أَبَّهْ... أَبَّهْ... أَبَّهْ!»
لكنها ـ مهما كثر مرددوها ـ لن تصير دليلًا، ولن تصبح حجة، ولن يخرج منها حقٌّ من جوف الباطل.
فقد يكثر صدى الباطل، ولا يصير له صوتُ الحق أبداً، والسلام والله المستعان.

وكتب سائلا الله العافية والسلامة:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه
الإسكندرية الأحد 3 ربيع الأول 1448 هـ

مواد ذات صلة