«أَبَّهْ»... بصوت كنتوش وشكيب ورفاقهما
«أَبَّهْ»... بصوت كنتوش وشكيب ورفاقهما
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
يُحكى أن رجلًا (أخرسَ أصمَّ) دخل مطعمًا، فجاءه النادل، وأشار إليه يسأله: ماذا تريد أن تأكل؟ فأجاب بكلمة: «أَبَّهْ». فجاءه بلحمٍ في طبق، فردَّه. ثم أشار إليه: ماذا تريد إذن؟ فقال: «أَبَّهْ». فجاءه بسمكٍ، فردَّه، ولم يزد على قوله: «أَبَّهْ».
وظل النادل يعرض عليه أصناف الطعام، وهو يرفضها، ولا يزيد على تلك الكلمة، حتى قال أحد العمال: عندنا طباخٌ أخرسُ أصمُّ مثله، فلنأتِ به؛ فلعلَّه يفهم مراده.
فجاؤوا بالطباخ، فأشار إليه الرجل وقال: «أَبَّهْ»، فردَّ عليه الطباخ فرحًا: «أَبَّهْ... أَبَّهْ»، ثم انصرف قليلًا، وعاد بلفافة، فأعطاها للأخرس، فأخذها ومضى.
فالتف صاحب المطعم والعمال حول الطباخ، وقالوا له: ماذا قال لك؟ وماذا أعطيته؟
فقال الطباخ الأخرس لهم بكل ثقة: «أَبَّهْ... أَبَّهْ»!
وهكذا انتهى الأمر: أخرسٌ يفهم أخرس، وخطأٌ يؤيد خطأ، ولا أحد يدري ماذا قيل، ولا ماذا فُهم، ولا ماذا أُعطي!
وهذا المثل ـ وإن كان حكاية طريفة ـ يصلح أن يكون صورة بليغة لحال (مشايخ الحزب الانتقالي الجديد المسمون بمشايخ عدن) حال من يتواطؤون على الأخطاء، ويتفاهمون عليها، ثم يجعل بعضهم بعضًا شاهدًا على صحة ما هم عليه، ولو كان الدليل قائمًا على خلافه.
فالمشكلة ليست في أن يخطئ الإنسان؛ فإن الخطأ من طبيعة البشر، وإنما البلاء كل البلاء أن يُعرَض الخطأ على أهل الهوى، فيجد عندهم تصفيقًا بدل التصحيح، وتأييدًا بدل التوجيه، وتبريرًا بدل الإنكار.
والسُّنَّةُ عند أهل السُّنَّةِ ليست أن يكون الرجل مع شيخه أو جماعته في كل شيء، ولا أن يُحمَل كلام العالم على أحسن الوجوه ولو خالف الدليل، ولا أن تُجمع الكلمات المتشابهة لتكوين حصن يحول دون النقد.
بل الميزان هو الحق.
قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: 59].
وقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: 18].
فإذا ظهر الخطأ، فالسُّنَّة أن يُرجع عنه، وإذا قامت الحجة، فالسُّنَّة أن تُقبل، وإذا بان الحق، فليس من السُّنَّة أن تُحشد الأسماء والعبارات والأتباع لحماية قول لمجرد أن قائله من جماعتك، أو ممن عظَّمته حتى صيَّرته مرجعيتك الأوحد، وميزانك الذي تزن به الحق والرجال.
فليس الحق بكثرة المتواطئين عليه ...
قد يجتمع جماعة على رأي واحد، ويكونون جميعًا مخطئين.
وقد يتواطأ عشرة على تفسير كلام، فيكونون جميعًا قد فهموه خطأ.
إنه أشبه بقصة الأخرسين: أحدهما يقول: «أَبَّهْ»، والآخر يقول: «أَبَّهْ»، ثم يذهب الأول مسرورًا؛ لأنه وجد من يفهمه، مع أن أحدًا من الواقفين لم يعرف أصلًا ماذا يريد!
وهنا تظهر خطورة التعصب للأشخاص والجماعات؛ إذ يصبح معيار الصواب: هل وافقنا فلانًا؟ بدل أن يكون: هل وافق الدليل؟
والسلف رحمهم الله لم يكونوا يعرفون الحق بالرجال، وإنما كانوا يعرفون الرجال بالحق.
قال الإمام مالك رحمه الله: «كلٌّ يؤخذ من قوله ويُرد، إلا صاحب هذا القبر»، يعني النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه قاعدة عظيمة: لا عصمة لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأعظم من الخطأ: الإصرار عليه ...
الخطأ قد يُغفر لصاحبه إذا رجع، وقد يُعذر إذا قامت عنده شبهة، لكن المصيبة أن يتحول الخطأ إلى راية، ثم يُطلب من الناس أن يدافعوا عنها، ويُغضب لمن خالفها، ويُشنَّع على من أنكرها.
فإذا اجتمع على الخطأ جماعة، ثم جاء من ينبههم، لم يكن جوابهم: أين الدليل؟ وإنما يكون جوابهم: فلان قال، وفلان وافق، وفلان حاضر، وفلان شهد، وفلان رد، وفلان أثنى!
وهكذا ينتقل النقاش من ميزان الدليل إلى ميزان التعصب للأشخاص.
وهذه ليست طريقة أهل السُّنَّة.
بل من تمام النصيحة أن يقول المرء لأخيه: أخطأتَ، وأن يقول له الكبير كما يقول للصغير: الحق أحب إلينا من أنفسنا ومن مشايخنا ومن أي أحد كائنا من كان.
وماذا إذا تواطأ الكبير والصغير؟
هنا يكون البلاء أشد.
فإذا أخطأ أحد الأتباع، فدافع عنه من هو أكبر منه، ثم دافع الكبير عن خطئه، ثم صار الصغير يحتج بكلام الكبير، وصار الكبير يبرر للصغير، أصبح الأمر دائرة مغلقة:
الصغير يقول: قال كبيرنا.
والكبير يقول: لم يغلط الصغير يبرر له.
والجميع يقولون: نحن متفقون!
وهذه ليست قوة في الحجة، وإنما هي دوران داخل الدائرة نفسها.
والعبرة ليست بعدد من قال، وإنما بما قالوا.
وليست العبرة بمن يؤيد القول، وإنما بالدليل الذي يؤيده.
وليست العبرة بأن يكثر المدافعون عن الخطأ، وإنما العبرة: هل ثبتت الحجة أم لم تثبت؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
يُحكى أن رجلًا (أخرسَ أصمَّ) دخل مطعمًا، فجاءه النادل، وأشار إليه يسأله: ماذا تريد أن تأكل؟ فأجاب بكلمة: «أَبَّهْ». فجاءه بلحمٍ في طبق، فردَّه. ثم أشار إليه: ماذا تريد إذن؟ فقال: «أَبَّهْ». فجاءه بسمكٍ، فردَّه، ولم يزد على قوله: «أَبَّهْ».
وظل النادل يعرض عليه أصناف الطعام، وهو يرفضها، ولا يزيد على تلك الكلمة، حتى قال أحد العمال: عندنا طباخٌ أخرسُ أصمُّ مثله، فلنأتِ به؛ فلعلَّه يفهم مراده.
فجاؤوا بالطباخ، فأشار إليه الرجل وقال: «أَبَّهْ»، فردَّ عليه الطباخ فرحًا: «أَبَّهْ... أَبَّهْ»، ثم انصرف قليلًا، وعاد بلفافة، فأعطاها للأخرس، فأخذها ومضى.
فالتف صاحب المطعم والعمال حول الطباخ، وقالوا له: ماذا قال لك؟ وماذا أعطيته؟
فقال الطباخ الأخرس لهم بكل ثقة: «أَبَّهْ... أَبَّهْ»!
وهكذا انتهى الأمر: أخرسٌ يفهم أخرس، وخطأٌ يؤيد خطأ، ولا أحد يدري ماذا قيل، ولا ماذا فُهم، ولا ماذا أُعطي!
وهذا المثل ـ وإن كان حكاية طريفة ـ يصلح أن يكون صورة بليغة لحال (مشايخ الحزب الانتقالي الجديد المسمون بمشايخ عدن) حال من يتواطؤون على الأخطاء، ويتفاهمون عليها، ثم يجعل بعضهم بعضًا شاهدًا على صحة ما هم عليه، ولو كان الدليل قائمًا على خلافه.
فالمشكلة ليست في أن يخطئ الإنسان؛ فإن الخطأ من طبيعة البشر، وإنما البلاء كل البلاء أن يُعرَض الخطأ على أهل الهوى، فيجد عندهم تصفيقًا بدل التصحيح، وتأييدًا بدل التوجيه، وتبريرًا بدل الإنكار.
والسُّنَّةُ عند أهل السُّنَّةِ ليست أن يكون الرجل مع شيخه أو جماعته في كل شيء، ولا أن يُحمَل كلام العالم على أحسن الوجوه ولو خالف الدليل، ولا أن تُجمع الكلمات المتشابهة لتكوين حصن يحول دون النقد.
بل الميزان هو الحق.
قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: 59].
وقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: 18].
فإذا ظهر الخطأ، فالسُّنَّة أن يُرجع عنه، وإذا قامت الحجة، فالسُّنَّة أن تُقبل، وإذا بان الحق، فليس من السُّنَّة أن تُحشد الأسماء والعبارات والأتباع لحماية قول لمجرد أن قائله من جماعتك، أو ممن عظَّمته حتى صيَّرته مرجعيتك الأوحد، وميزانك الذي تزن به الحق والرجال.
فليس الحق بكثرة المتواطئين عليه ...
قد يجتمع جماعة على رأي واحد، ويكونون جميعًا مخطئين.
وقد يتواطأ عشرة على تفسير كلام، فيكونون جميعًا قد فهموه خطأ.
إنه أشبه بقصة الأخرسين: أحدهما يقول: «أَبَّهْ»، والآخر يقول: «أَبَّهْ»، ثم يذهب الأول مسرورًا؛ لأنه وجد من يفهمه، مع أن أحدًا من الواقفين لم يعرف أصلًا ماذا يريد!
وهنا تظهر خطورة التعصب للأشخاص والجماعات؛ إذ يصبح معيار الصواب: هل وافقنا فلانًا؟ بدل أن يكون: هل وافق الدليل؟
والسلف رحمهم الله لم يكونوا يعرفون الحق بالرجال، وإنما كانوا يعرفون الرجال بالحق.
قال الإمام مالك رحمه الله: «كلٌّ يؤخذ من قوله ويُرد، إلا صاحب هذا القبر»، يعني النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه قاعدة عظيمة: لا عصمة لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأعظم من الخطأ: الإصرار عليه ...
الخطأ قد يُغفر لصاحبه إذا رجع، وقد يُعذر إذا قامت عنده شبهة، لكن المصيبة أن يتحول الخطأ إلى راية، ثم يُطلب من الناس أن يدافعوا عنها، ويُغضب لمن خالفها، ويُشنَّع على من أنكرها.
فإذا اجتمع على الخطأ جماعة، ثم جاء من ينبههم، لم يكن جوابهم: أين الدليل؟ وإنما يكون جوابهم: فلان قال، وفلان وافق، وفلان حاضر، وفلان شهد، وفلان رد، وفلان أثنى!
وهكذا ينتقل النقاش من ميزان الدليل إلى ميزان التعصب للأشخاص.
وهذه ليست طريقة أهل السُّنَّة.
بل من تمام النصيحة أن يقول المرء لأخيه: أخطأتَ، وأن يقول له الكبير كما يقول للصغير: الحق أحب إلينا من أنفسنا ومن مشايخنا ومن أي أحد كائنا من كان.
وماذا إذا تواطأ الكبير والصغير؟
هنا يكون البلاء أشد.
فإذا أخطأ أحد الأتباع، فدافع عنه من هو أكبر منه، ثم دافع الكبير عن خطئه، ثم صار الصغير يحتج بكلام الكبير، وصار الكبير يبرر للصغير، أصبح الأمر دائرة مغلقة:
الصغير يقول: قال كبيرنا.
والكبير يقول: لم يغلط الصغير يبرر له.
والجميع يقولون: نحن متفقون!
وهذه ليست قوة في الحجة، وإنما هي دوران داخل الدائرة نفسها.
والعبرة ليست بعدد من قال، وإنما بما قالوا.
وليست العبرة بمن يؤيد القول، وإنما بالدليل الذي يؤيده.
وليست العبرة بأن يكثر المدافعون عن الخطأ، وإنما العبرة: هل ثبتت الحجة أم لم تثبت؟