في بلادنا إندونيسيا يوجد كثير من الدعاة السلفيين السائرين على منهج الشيخ ربيع بن هادي المدخلي والشيخ عبيد بن عبد الله الجابري رحمهما…
السؤال مئتان واثنان وتسعون:
الحمد لله:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
فالجواب عن هذا السؤال يحتاج إلى شيء من التفصيل.
ولقد أجبت على نحو هذا السؤال في ضمن (سلسلة الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص السؤال رقم: 52) بشيء من التفصيل فقلت هناك:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كيف حالكم يا شيخنا الكريم؟ نسأل الله أن يحفظكم ويبارك في عمركم وعلمكم.
أستأذنكم في سؤال:
في بلادنا إندونيسيا يوجد كثير من الدعاة السلفيين السائرين على منهج الشيخ ربيع بن هادي المدخلي والشيخ عبيد بن عبد الله الجابري رحمهما الله. وقد تجاوزت أعمار كثيرٍ منهم الخمسين سنة، بل إن بعضهم قد تجاوز الستين، ومنهم من طلب العلم على الشيخ مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله، ومنهم من درس على الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله، ومنهم من تخرج في الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية. وقد بدأوا الدعوة في إندونيسيا منذ الثمانينيات والتسعينيات الميلادية.
فهل يُعَدُّ هؤلاء في نظركم من العلماء، أم يُكتفى بوصفهم بأنهم من طلبة العلم أو الدعاة؟ وذلك لأننا في إندونيسيا لا نطلق عليهم عادةً لقب "العلماء"، وإنما نسميهم "الأساتذة".
وسؤالٌ آخر -أحسن الله إليكم-: متى يُوصَفُ الرجلُ بأنه من العلماء؟ وما الضابط في ذلك؟ وهل هناك علامات أو معايير يُعرف بها العالم؟
ونحن نرجو منكم -حفظكم الله- أن تتفضلوا بالإجابة عن سؤالنا، فإن ذلك مما ينفعنا وينفع إخواننا في بلادنا.
جزاكم الله خيرًا كثيرًا، وبارك الله فيكم، ونفع بعلمكم.
الحمد لله:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
فالجواب عن هذا السؤال يحتاج إلى شيء من التفصيل.
ولقد أجبت على نحو هذا السؤال في ضمن (سلسلة الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص السؤال رقم: 52) بشيء من التفصيل فقلت هناك:
فالوصف بالعالم أو المجتهد أو الفقيه أو المحدث أو غير ذلك من المصطلحات أمر شرعي، لا يجوز التساهل في إطلاقه على كل من تكلم في العلم، فقد يكون الرجل قد شاخ في الدعوة إلى الله، وبذل فيها ما في وسعه من الجهد في نشر العلم ، ولكنه لم يصل إلى درجة العالم، ولا يضره هذا ولا يعيبه، إنما هي فتوحات من رب البريات.
ومن أهمية هذه المسألة وخطورة الخوض فيها لم يدعها العلماء هملاً يتلجلج فيها الناس بل أودعوها في كتبهم بِمَهِيَّتِها وشروطها وصفاتها.
فقد بوب الإمام الآجريُّ في كتابه الماتع (أخلاق العلماء) [ص: 46] باباً عظيماً في ذلك فقال: (بَابُ أَوْصَافِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ نَفَعَهُمُ اللَّهُ بِالْعِلْمِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) اهـ. وذكر جملة كبيرة من صفات العالم، وكذلك بوب الإمام ابنُ عبد البر في كتابه (جامع بيان العلم وفضله) [3/807] باباً نفيسا في ذلك فقال: (بَابُ مَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُسَمَّى فَقِيهًا أَوْ عَالِمًا حَقِيقَةً لَا مَجَازًا، وَمَنْ يَجُوزُ لَهُ الْفُتْيَا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ) اهـ. وغيرهما الكثير والكثير.
ولقد ضبط أصحاب الحديث صفات العلماء وهيئاتهم وأحوالهم في غير موضع من كتبهم، وهأنذا - في هذه العجالة - سأسرد بعض الشروط والصفات المهمة التي إذا انحسر منها شيء عمن تصدى للعلم تفاوتت رتبته عن غيره بقدر الانحسار إلى أن يسلب منه هذا الوصف المنيف واللقب الشريف، ومن ذلك:
1- أن يكون على علم بنصوص الكتاب والسنة، ولا يشترط معرفته بجميع الكتاب والسنة، بل ما يتعلق منهما بالأحكام.
2- أن يكون على علم بمسائل الإِجماع حتى لا يفتي بخلاف ما وقع الإجماع عليه.
3- أن يكون على علم بالناسخ والمنسوخ مخافة أن يقع في الحكم بالمنسوخ.
4- أن يكون على علم بالصحيح والضعيف من الأحاديث وبما يصلح للاحتجاج به وما لا يصلح.
5- أن يكون على علم بأصول الفقه لاشتماله على ما تمس الحاجة إليه، قال الشوكاني رحمه الله: (فإنه إذا فعل ذاك تمكن من رد الفروع إلى أصولها، بأيسر علم، وإذا قصر في هذا الفن صعب عليه الرد، وخبط فيه وخلط) اهـ (إرشاد الفحول إلي تحقيق الحق من علم الأصول) [2/209].
6- أن يكون على علم بلسان العرب بحيث يمكنه تفسير ما ورد في الكتاب والسنة من الغريب ونحوه، قال مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: " ألَا أُوتَى بِرَجُلٍ غَيْرِ عَالِمٍ بِلُغَاتِ الْعَرَبِ يُفَسِّرُ ذَلِكَ [أي: القرآن] إِلَّا جَعَلْتُهُ نَكَالًا ) اهـ. أخرجه البيهقي في (شعب الإيمان) [3/543 رقم: ٢٠٩٠].
7- أن يكون ذا خشية: قال تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) [فاطر: ٢٨]، قَالَ رَجُلٌ لِلشَّعْبِيِّ: أَفْتِنَا أَيُّهَا الْعَالِمُ , قَالَ: الْعَالِمُ مَنْ يَخَافُ اللَّهَ) أخرجه ابن أبي شيبة في (المصنف) [7/339 رقم: ٣٥٦٦٨].
8- أن يتصف بالصدق والأمانة: قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) [التوبة: ١١٩] قال الزُّهْرِيُّ: «إِنَّ لِلْعِلْمِ غَوَائِلَ ....... وَمِنْ غَوَائِلِهِ الْكَذِبُ فِيهِ وَهُوَ شَرُّ غَوَائِلِهِ» أخرجه أبو نعيم في (الحلية) [3/364].
9- أن يكون مخلصاً عاملاً بعلمه ولا يحب الظهور: قال أبو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ عَطَاءٍ الرُّوذَبَارِيُّ،: (مَنْ خَرَجَ إِلَى الْعِلْمِ يُرِيدُ الْعِلْمَ، لَمْ يَنفَعْهُ الْعِلْمُ، وَمَنْ خَرَجَ إِلَى الْعِلْمِ يُرِيدُ الْعَمَلَ بِالْعِلْمِ، نَفَعَهُ قَلِيلُ الْعِلْمِ) وقَالَ: (الْعِلْمُ مَوْقُوفٌ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ، وَالْعَمَلُ مَوْقُوفٌ عَلَى الْإِخْلَاصِ، وَالْإِخْلَاصُ لِلَّهِ يُورِثُ الْفَهْمَ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ). أخرجه الخطيب في المنتخب من كتاب الزهد والرقائق) [ص: 71 رقم: 25]. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: «الْعُلَمَاءُ إِذَا عَلِمُوا عَمِلُوا، فَإِذَا عَمِلُوا شُغِلُوا، فَإِذَا شُغِلُوا فُقِدُوا، فَإِذَا فُقِدُوا طُلِبُوا، فَإِذَا طُلِبُوا هَرَبُوا» . انتهى من (جامع بيان العلم وفضله) لابن عبد البر رحمه الله [1/700 رقم: ١٢٤٨].
10- أن يكون ذا حلم وسكينة وتواضع: عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه «تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ وَتَعَلَّمُوا لِلْعِلْمِ السَّكِينَةَ وَالْحِلْمَ وَتَوَاضَعُوا لِمَنْ تُعَلِّمُونَ، وَلْيَتَوَاضَعْ لَكُمْ مَنْ تُعَلِّمُونَ وَلَا تَكُونُوا مِنْ جَبَابِرَةِ الْعُلَمَاءِ، وَلَا يَقُمْ عِلْمُكُمْ مَعَ جَهْلِكُمْ» أخرجه أحمد في (الزهد) [ص: 99 رقم: 630].
تلك عشرة كاملة؛ فقد تتفاوت رتبة العالم بتفاوت هذه الأوصاف قوة وضعفاً، والله أعلم بأقدار خلقه.
هذا... ومن أمتع ما تقرأ في هذا الباب ما قاله الإمام ابنُ القيم رحمه الله في (إعلام الموقعين عن رب العالمين) [2/16]: (ولما كان التبليغُ عن اللَّه -سبحانه- يعتمد العلم بما يبلغ، والصدقَ فيه، لم تصلح مرتبة التبليِغ بالرواية والفُتْيَا؛ إلا لمن اتصف بالعلم والصدق؛ فيكون عالمًا بما يُبلِّغ، صادقًا فيه، ويكون مع ذلك حَسَنَ الطريقة، مرضِيَّ السيرة، عدلًا في أقوالِه وأفعاله، متشابه السِرِّ والعلانية في مَدْخله ومَخَرْجه وأحواله؛ وإذا كان مَنْصِبُ التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا يُنْكَر فضله، ولا يجهل قدره، وهو من أعلى المراتب السّنيات، فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسماوات؟.
فحقيقٌ بمن أقِيمَ في هذا المنصب أن يُعِدَّ له عُدَّته، وأن يتأهب له أهْبَتَه، وأن يعلم قَدْرَ المقام الذي أُقيمَ فيه، ولا يكون في صدره حرج من قول الحق والصَّدْع به؛ فإن اللَّه ناصرُه وهاديه، وكيف وهو المنصب الذي تولَّاه بنفسه ربُّ الأرباب؛ فقال تعالى: (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ) [النساء: ١٢٧]، وكفى بما تولاه اللَّه (تعالى- بنفسه) شرفًا وجلالةً؛ إذ يقول في كتابه: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ) [النساء: ١٧٦]، وليعلم المفتي عمن ينوب في فتواه، وليُوقِنْ أنه مسئول غدًا ومَوْقُوف بين يدي اللَّه.) اهـ..
وأما في شأن إندونيسيا:
وما ذكرتموه من مشايخ السلفية ودعاتها، فلا يصح أن يُنزَّل عليهم حكمٌ واحد؛ فإن الناس في العلم درجات، وأهل الفضل يتفاوتون تفاوتًا بيِّنًا، كما قال تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76].
فقد يكون فيهم من بلغ رتبةَ العلماء، ورسخت قدمُه في العلم، وصار مرجعًا في الفتوى والتعليم، وعُرف بالتحقيق، وشهد له أهل العلم بالرسوخ والإمامة. وقد يكون فيهم من هو من أهل العلم، وإن لم يبلغ منزلة كبار العلماء. وقد يكون فيهم من هو من كبار طلبة العلم، قويُّ التحصيل، حسنُ الفهم، نافعٌ في التعليم والدعوة، ولم يبلغ بعدُ درجة الاجتهاد والرسوخ. وقد يكون فيهم دعاةٌ إلى السُّنَّة، يبلغون ما تعلموه، وينشرون الخير، ولهم فضلهم وأجرهم، وإن لم يكونوا من أهل الفتوى والتحقيق.
والواجب هو إنزال الناس منازلهم، وإعطاء كل ذي حق حقه، فلا يُرفع طالب العلم إلى رتبة العلماء، ولا يُحطُّ العالم عن منزلته، فإن هذا الباب من أبواب العدل والإنصاف، وقد كان أئمة الجرح والتعديل من أعدل الناس فيه، فلا يُطلقون الأوصاف إلا عن علم وبصيرة.
وليس من شرط الانتفاع بالرجل أن يُلقَّب بالعالم، كما أنه ليس كل من طال به الزمن في الطلب، أو كثرت شيوخه، أو امتدت سنوات دعوته، استحق أن يوصف بالعلم المطلق؛ فإن العبرة إنما هي برسوخ العلم، وقوة الفقه، وسعة المعرفة، وحسن الاستنباط، ومعرفة أقوال السلف وأدلتهم، مع سلامة المنهج، وشهادة أهل العلم المعتبرين له بذلك.
فإن جرى عرف أهل إندونيسيا على تسمية هؤلاء بـ«الأساتذة» أو «المشايخ»، وكان ذلك من باب الاصطلاح الجاري بينهم، لا من باب نفي منزلة العلم عمن استحقها، فلا حرج في ذلك؛ إذ العبرة بالحقائق لا بمجرد الألفاظ.
أما من ثبت رسوخُه في العلم، وعُرف بالتحقيق، وزكَّاه العلماء المعتبرون، ورجع إليه أهل العلم وطلابُه في النوازل والمشكلات، فلا حرج في وصفه بأنه من العلماء؛ لأن هذا من باب الإخبار بالواقع، لا من باب الإطراء والتوسع في الألقاب، وقد كان السلف يثبتون للرجل ما يستحقه، لا يزيدون ولا ينقصون، وهذا هو سبيل العدل الذي قامت عليه أحكام أهل السنة في الرجال.
وأسأل الله أن يبارك في دعاة السنة في إندونيسيا، وأن يثبتهم على الحق، وأن يزيدهم علمًا وهدى، وأن يجعلهم هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. والله أعلم.
من ضمن (سلسلة الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص)
وأسأل الله أن يبارك في دعاة السنة في إندونيسيا، وأن يثبتهم على الحق، وأن يزيدهم علمًا وهدى، وأن يجعلهم هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. والله أعلم.
من ضمن (سلسلة الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص)