هناك منظمة تُسمّى «منظمة الحكمة» في ولاية كيرالا بالهند، وهم يزعمون أنهم على المنهج السلفي، وقد تكلَّم بعض العلماء في أخطائهم وحذَّروا…
سؤال مهم:
السؤال: الثلاثمائة وثلاثة عشر:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
شيخنا، بارك الله فيكم ونفع بعلمكم.
هناك منظمة تُسمّى «منظمة الحكمة» في ولاية كيرالا بالهند، وهم يزعمون أنهم على المنهج السلفي، وقد تكلَّم بعض العلماء في أخطائهم وحذَّروا منها مؤخراً. ومن الأمور التي يُنكرها عليهم بعض الإخوة أنهم يتعاونون أو يجلسون مع جماعة الإخوان المسلمين.
وهم يحتجُّون على ذلك بفتوى للشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى، وينقلون عن اللجنة الدائمة، ومن ضمن أعضائها الشيخ ابن باز رحمه الله، الفتوى التالية:
«الجماعات الإسلامية التي هي أقرب إلى الحق وأولى بالاتباع هي أهل السنة، وهم أهل الحديث، وجماعة أنصار السنة، ثم الإخوان المسلمون، وبصفة عامة كل جماعة من هذه الجماعات وغيرها فيها حق وباطل، فعليك أن تتعاون معهم فيما عندهم من الحق، وتتجنب ما عندهم من الأخطاء، وتنصح بعضكم بعضًا، وتتعاونوا على البر والتقوى».
فما حقيقة هذه الفتوى يا شيخ؟ وهل هذا النص ثابت عن اللجنة الدائمة والشيخ ابن باز رحمه الله؟ وما المقصود بالتعاون مع الإخوان المسلمين المذكور فيها؟ وهل يُستدل بهذه الفتوى على جواز التعاون المطلق أو الجلوس معهم دون ضوابط، مع وجود أخطائهم في العقيدة والمنهج؟
نرجو منكم توضيح المسألة وبيان وجه الاستدلال الصحيح بهذه الفتوى، وجزاكم الله خيرًا وبارك فيكم.
الجواب بعون الملك الوهاب:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فهذه الفتوى ثابتة عن اللجنة الدائمة، ولكن ينبغي أن يُعلم أن ثبوت الفتوى شيء، وصحة الاستدلال بها على ما يريده بعض الناس شيء آخر؛ فإن كلام العلماء لا يُنتزع من سياقه، ولا تُجعل جملة منه ناسخةً لبقية كلامهم، ولا يُحمل على ما لا يحتمل.
فاللجنة الدائمة لم تجعل جماعة الإخوان المسلمين جماعةً سلفية خالصة، ولم تزكِّ جميع أصولها ومناهجها، ولم تقل بجواز موالاتها أو مجالستها مطلقًا، وإنما قررت أن عندها من الصواب ما يُتعاون عليه، مع اجتناب ما وقعت فيه من أخطاء، والتناصح معها، والتعاون على البر والتقوى.
ومن هنا فالمسألة ليست في إنكار الفتوى أو إثباتها، وإنما في فهمها على وجهها الذي أراده علماؤنا وقتها، وعدم تحويلها من فتوى في التعاون على الحق إلى صك تزكيةٍ لمنهجٍ أو جماعةٍ بأكملها.
والعدل مع العلماء يقتضي أن يُنظر إلى مجموع كلامهم؛ فما كان من قولهم في التعاون يُضم إلى كلامهم في التحذير من الأخطاء، وما كان من كلامهم في بيان الفرق يُضم إلى كلامهم في تفاصيل الواقع، ولا يُنتقى من كلام العالم ما يوافق المراد ثم يُترك ما يقيِّده ويبيِّنه أو ينسخه.
ومن ثم فإن الاستدلال بهذه الفتوى على إطلاق التعاون، أو إسقاط التحذير من المخالفات، أو تسويغ الصحبة والتآلف والتزكية، استدلال في غير موضعه؛ لأن نفس الفتوى قيَّدت التعاون بالصواب، وأمرت باجتناب الخطأ، وجعلت التناصح جزءًا من هذا التعاون.
وعليه، فهذه الفتوى لا تُقرأ منفردة، بل تُقرأ في ضوء الكتاب والسُّنَّة وأصول أهل السنة، ومجموع كلام أعضاء اللجنة وعلماء السُّنَّة في الجماعات والمخالفات، فالمقصود ليس ردَّ كلام العلماء، وإنما ردُّ التلبيس في فهم كلام العلماء.
فأقول مستعينا بالله:
أولاً: الفتوى ثابتة، وهذا نصها:
كما في (فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء - المجموعة الأولى) الفتوى رقم (6250):
السؤال: في العالم الإسلامي اليوم عدة فرق وطرق الصوفية مثلا: هناك جماعة التبليغ، الإخوان المسلمين، السنيين، الشيعة، فما هي الجماعة التي تطبق كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؟
الجواب: أقرب الجماعات الإسلامية إلى الحق وأحرصها على تطبيقه: أهل السنة: وهم أهل الحديث، وجماعة أنصار السنة، ثم الإخوان المسلمون.
وبالجملة فكل فرقة من هؤلاء وغيرهم فيها خطأ وصواب، فعليك بالتعاون معها فيما عندها من الصواب، واجتناب ما وقعت فيه من أخطاء، مع التناصح والتعاون على البر والتقوى.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عبد الله بن قعود (عضو) عبد الله بن غديان (عضو) عبد الرزاق عفيفي (نائب رئيس اللجنة) عبد العزيز بن عبد الله بن باز (الرئيس)
ثانياً: السلف لم يكونوا يرون مجالسة أهل البدع أمرًا عابرًا:
إنَّ الناظر في نصوص الكتاب والسنة وكلام أئمة السلف يجد أنَّ مجالسة أهل البدع ومخالطتهم ليست أمرًا عابرًا لا أثر له؛ بل كانوا يعدُّونها من أبواب الفتنة على الدين، لما يترتب عليها من التأثر بالشبهات، وميل القلب إلى أهل الأهواء، وتزكية باطلهم، والتباس الحق بالباطل.
قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: 140]. وقال ابن جرير رحمه الله: « وفي هذه الآية الدلالة الواضحة على النهي عن مجالسة أهل الباطل من كل نوع من المبتدعة والفسقة عند خوضهم في باطلهم)».
وجاءت السنة ببيان أثر الصحبة في الدين، فقال ﷺ: «مثل الجليس الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ الكير» متفق عليه، وقال ﷺ: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل» رواه أبو داود والترمذي وأحمد. ولهذا قال سفيان الثوري رحمه الله: «ليس شيء أبلغ في فساد رجل وصلاحه من صاحب».
ولذلك اشتد إنكار السلف على مجالسة أهل الأهواء؛ فقال ابن عباس رضي الله عنهما: «لا تجالس أهل الأهواء، فإن مجالستهم ممرضة للقلب»، وقال أبو قلابة رحمه الله: «لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم، فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالهم أو يلبسوا عليكم ما تعرفون»، وقال إبراهيم النخعي: «لا تجالسوا أصحاب الأهواء ولا تكلموهم، فإني أخاف أن ترتد قلوبكم»، وقال أحمد بن حنبل رحمه الله: «أهل البدع لا ينبغي لأحد أن يجالسهم ولا يخالطهم ولا يأنس بهم».
بل كان السلف يعدّون التآلف والمودة والمجالسة المستمرة من أمارات الميل؛ قال الأوزاعي رحمه الله: «من ستر علينا بدعته لم تخف علينا ألفته»، وقال الفضيل بن عياض رحمه الله: «من أتاه رجل فشاوره فدله على مبتدع فقد غش الإسلام». وقال ابن عون رحمه الله: «من يجالس أهل البدع أشد علينا من أهل البدع»؛ لأن المبتدع يدعو إلى بدعته صراحة، أما مجالسُه فقد تُدخل بدعته إلى القلوب من حيث لا يشعر صاحبها.
وهنا ينبغي التفريق الذي جاءت به نصوص أهل العلم: ليس كل اجتماع عابر، ولا كل لقاء لحاجة، ولا كل مجالسة لغرض شرعي من موالاة أهل البدع؛ فقد يجتمع الرجل معهم لنصيحة، أو لإقامة حجة، أو لمصلحة راجحة، أو لحاجة لا تتحقق إلا بذلك، من غير مودة ولا تزكية ولا نصرة لمنهجهم = ومن هذه الحيثيات جاءت فتوى اللجنة الدائمة وقتَ أن صدرت.
وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن هجر قرناء السوء يكون مع مراعاة الحاجة والمصلحة الراجحة، فقال رحمه الله كما في (مجموع الفتاوى) [28/216]: (فالمقصود بهذا أن يهجر المسلم السيئات ويهجر قرناء السوء الذين تضره صحبتهم إلا لحاجة أو مصلحة راجحة) اهـ. أما أن تتحول اللقاءات إلى صحبة وألفة، وتزكية وثناء، وتعاون دعوي، وتحالف، وإظهار للمودة، وإسكات للتحذير من الانحراف؛ فهذا ليس على منهاج السلف الصالح ولا هو مقصود الفتوى.
وإن أخطر ما في التساهل في هذا الباب تجد أثره على العامة والشباب؛ لأنهم لا يملكون دائمًا القدرة على التفريق بين الاستفادة من حق عند المخالف وبين تزكية منهجه وأهله، وقد يبدأ الأمر بلقاء، ثم إعجاب، ثم ثناء، ثم متابعة، ثم أخذ، ثم ذوبان للفوارق المنهجية.
ولهذا كان من أصول السلف صيانة العامة وطلاب العلم عن مواطن الفتنة، والتحذير من التلبيس، وعدم تقديم أهل البدع للناس في صورة القدوة والمزكَّين؛ فإن التهاون في هذا الباب يفتح أبواب التأثر والاغترار، ويُضعف الفارق بين السُّنَّة والبدعة في نفوس الناس.
وقد سُئل الإمام ابن باز رحمه الله عمّن يثني على أهل البدع ويمدحهم، هل يلحق بهم؟ فأجاب: «نعم، ما فيه شك، من أثنى عليهم ومدحهم وهو داعٍ إليهم فهو من دعاتهم، نسأل الله العافية»، كما في (التعليق على كتاب فضل الإسلام) [ص: 29].
فخذ أيها الفظن هذه الفتوى وضمها مع فتوى اللجنة السابقة، حتى يتبين لك أن الواجب هو: أن يُنظر إلى مجموع كلام العلماء، ومجموع أحكامهم، وحقيقة الواقع؛ لا أن تُقتطع فتوى من سياقها، ثم تُجعل جسرًا لإسقاط أصلٍ من أصول أهل السنة والجماعة، وهو التحذير من الفرق والجماعات المخالفة للسُّنَّة، وصيانة العامة وطلاب العلم عن مواطن الفتنة، وعدم مجالسة أهل الأهواء مجالسةَ أُنسٍ ومودةٍ وتزكية، وعدم التعاون معهم فيما يخدم باطلهم أو يروِّج منهجهم.
أما التعاون في حقٍّ محض، أو اللقاء لحاجةٍ معتبرة، أو النصيحة وإقامة الحجة، فذلك بابٌ آخر له تفصيله وضوابطه وقد تنسحب فتوى اللجنة عليه؛ ولا يجوز أن يُجعل هذا الاستثناء ذريعةً إلى إسقاط أصل التحذير، أو تحويل التعاون في جزئية من الحق إلى تحالفٍ وتزكيةٍ وموالاةٍ في المنهج.
وأما إذا تحولت المجالس إلى تزكية، والتزكية إلى دعوة، والدعوة إلى تحالف، والتحالف إلى إسكات للتحذير من الانحراف؛ فهنا لا يصح أن يُستدل بفتوى اللجنة في التعاون على تمييع الفوارق بين السنة والبدعة، والحق والباطل.
ثالثاً: هل هذه الفتوى من أخطاء اللجنة؟:
بدايةً، ينبغي أن يُنتبه إلى أمرين مهمين:
الأول: توقيتُ الفتوى والملابساتُ المحيطةُ بها؛ فإن الفتوى لا تُفهم مبتورةً عن زمانها وواقعها، ولا يصح تنزيلُ كلامٍ قيل في سياقٍ معيَّن على وقائع تغيَّرت معطياتُها، دون نظرٍ في حقيقة الحال ومآلات التطبيق.
والثاني: أن العصمة ليست لأحدٍ بعد رسول الله ﷺ؛ فالخطأ واردٌ على بني آدم، والعالم مهما بلغ علمُه وفضلُه ليس بمعصوم، وإنما الواجب أن تُعرض أقوالُ العلماء على الكتاب والسُّنَّة، وأن يُنظر في كلامهم بمجموعه، ويُعرف مرادُهم وسياقُه، ويُفرَّق بين إصابة العالم في الأصل، وبين الخطأ في التوصيف أو التنزيل أو الاجتهاد.
فإذا روعي هذان الأمران، اتضحت الإجابة عن السؤال: هل أخطأت اللجنة في هذه الفتوى؟
الجواب: إن ثبت أن الفتوى صدرت بناءً على توصيفٍ للواقع لم يكن مطابقًا لحقيقته، أو أنها نُزِّلت على واقعةٍ لاحقة تختلف في أسبابها وملابساتها وآثارها عن الواقعة التي صدر فيها الحكم؛ فحينئذٍ يكون الخطأ في الفتوى من جهة تنزيل الحكم على غير محلِّه –كما هو الواقع في هذه الفتوى-، لا يلزم منه الطعن في علم أعضاء اللجنة ولا إسقاط مكانتهم، ولا يلزم منه كذلك ردُّ ما أصابوا فيه من فتاوى وأحكام أخرى.
وهذا من أصول العدل في التعامل مع العلماء: أن يُقبل الحقُّ بدليله، ويُردُّ الخطأ بدليله، مع حفظ قدر العالم ومكانته.
فالواجب في مثل هذه النوازل أن يُعاد النظر في تحقيق المناط: ما حقيقة الواقعة؟ وما أسبابها؟ وما الذي ترتب عليها؟ وهل بقيت العلة التي بُنيت عليها الفتوى الأولى، أم تغيرت؟ وهل الكلام المسؤول عنه كان حكمًا عامًا، أم فتوى لواقعةٍ معينة، أم جوابًا عن صورةٍ مخصوصة؟
وبهذا يظهر أن السؤال الصحيح ليس: هل نُسقط كلام اللجنة لأنها أخطأت؟ وإنما السؤال العلمي المنضبط: هل هذه الفتوى وافقت الحكم الشرعي في الواقعة التي صدرت بشأنها، وهل يصح نقلها وتنزيلها على الواقع الحالي بعد تغيُّر المعطيات؟
فإن ظهر بالدليل أن التنزيل غير صحيح، بُيِّن الخطأ بأدبٍ وعدل، مع بقاء حق العلماء محفوظًا؛ وإن ظهر أن الواقعتين متماثلتان، وأن العلة باقية، وأن الفتوى منطبقة على محل النزاع، لم يجز ردُّها لمجرد موافقتها أو مخالفتها لرغبة أحد.
وهذا هو المسلك الذي يجمع بين تعظيم العلماء وعدم تأليه أقوالهم، وتعظيم الدليل وعدم التجرؤ على أهل العلم؛ فلا غلوٌّ في الأشخاص، ولا جفاءٌ مع العلماء، وإنما الميزان: الكتاب والسُّنَّة، وفهم أهل العلم، وتحقيق وتنزيل الحكم على محلِّه.
ومن هذا المنطلق ظهر بالدليل أن التنزيل غير صحيح حتى قال بعض أهل العلم إن في هذه الفتوى نظرًا، والمحدث العلامة مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله، قال لما قُرئت عليه هذه الفتوى: «هذا باطل، هؤلاء ما عرفوا الإخوان المسلمين».
وهذا النقل عن الشيخ مقبل رحمه الله يبيِّن أن المسألة لم تكن محل اتفاق آنذاك بين العلماء في توصيف واقع جماعة الإخوان المسلمين ومدى انطباق هذا الحكم عليها، فقد رأى الشيخ مقبل ـ رحمه الله ـ أن هذا الإطلاق لا يوافق حقيقة ما عرفه عن الجماعة، فاعترض على الفتوى بهذا الاعتراض الصريح.
وهذا نص كلامه:
(هذا باطل ، هؤلاء ما عرفوا الإخوان المسلمين، أبغيهم يسألون عن منبع الإخوان المفلسين، كيف تعاونوا مع حزب الوفد في مصر، الاشتراكي. نعم، والحزب الثاني حزب العمل الاشتراكي، ثم الآن ميثاق الشرف في اليمن، نعم عشرة أحزاب بعضها ملحدة، أن لا يتكلم بعضهم ببعض، هنا في اليمن تم التنسيق مع البعثيين والناصريين، والتعاون الآن مع الاشتراكيين، فأنا أقول إن هؤلاء (أي اللجنة) ما عرفوا الإخوان المسلمين، ولو عرفوا، وبعده ماذا؟ الإخوان المفلسين بالسعودية ليسوا كالإخوان المفلسين في مصر واليمن وسوريا والسودان، لأن منشأهم عندهم عقيدة، لكن قوانين الإخوان المفلسين تحكم.
أنا أقول إنه يجب على الإخوان المسلمين أن يتقوا الله سبحانه وتعالى وأن يرجعوا إلى أهل السُّنَّة، فماذا يتنازل عنه أهل السنة من أجل أن يكسب الإخوان المسلمين؟ يتنازلون عن النهي عن التبرك بأتربة الموتى، عن النهي عن دعاء غير الله، عن النهي عن الطقوس المبتدعة، عن النهي عن التشيع المبتدع.
أقول يا إخوان، دار الإفتاء محيط بها الإخوان المفلسون، نعم، تأكدوا من هذا. أنا عندي خبر، من رضي رضي ومن غضب غضب، محيط به الإخوان المسلمون، أيضاً كثير من الجامعات عمداؤها من الإخوان المسلمين. نعم، ماذا يا إخواننا، هؤلاء عمداؤها، نعم من الإخوان المفلسين، ماذا مثله؟ فأين الثرى وأين الثريا؟ وأين معاوية من علي؟ أين من يقول نحن نرحب بالديمقراطية؟ مع من يقول الديمقراطية كفر؟ من يقول نحن نقتحم الانتخابات؟ مع من يقول الانتخابات طاغوتية لأنها فيها مساومة بالإسلام، ولأن فيها تسوية الرجل الصالح بالفاسد، ورب العزة يقول في كتابه الكريم: (أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون)، وبين من يقول: ولأن فيها تسوية الرجل بالمرأة، ورب العزة يقول: (ليس الذكر كالأنثى). قد لوث عبد المجيد الزنداني اليمن والآن هرب إلى السعودية ...) انتهى راجع كتاب غارة الأشرطة ٢ / ٤٢ - ٤٣)
وهذا رابط الصوتية: https://t.me/blalasalmy
قلت: وكذلك ينبغي أن يُنظر في مجموع كلام الإمام ابن باز رحمه الله، ولا سيما كلامه المرحلة المتأخرة من دعوته؛ فإن كلامه في الإخوان لم يكن ثناءً ولا تزكيةً لمنهجهم، بل صدر عنه نقدٌ صريح لبعض أصول دعوتهم ومناهجهم.
فقد سُئل رحمه الله:
«سماحة الشيخ، حركة الإخوان المسلمين دخلت المملكة منذ فترة، وأصبح لها نشاط واضح بين طلبة العلم، ما رأيكم في هذه الحركة؟ وما مدى توافقها مع منهج السنة والجماعة؟»
فأجاب رحمه الله: «حركة الإخوان المسلمين ينتقدها خواص أهل العلم؛ لأنه ليس عندهم نشاط في الدعوة إلى توحيد الله، وإنكار الشرك، وإنكار البدع، لهم أساليب خاصة ينقصها عدم النشاط في الدعوة إلى الله، وعدم التوجيه إلى العقيدة الصحيحة التي عليها أهل السنة والجماعة». كما في (مجموع الفتاوى) [8/40].
وهذا الكلام مهم جدًا في محل النزاع؛ لأن الإمام ابن باز رحمه الله يقرر هنا أن مجرد وجود الدعوة والعمل والخير في الجماعة لا يعني موافقتها الكاملة لمنهج أهل السنة والجماعة، بل بيَّن نقصًا جوهريًا عندها في باب الدعوة إلى التوحيد، وإنكار الشرك والبدع، والتوجيه إلى العقيدة الصحيحة.
ثم إنَّ الأمر لم يقف عند ما سبق، بل كشفت الوقائع ـ فيما نُشر ووُثِّق من تاريخ الجماعة ـ عن وجود بنية تنظيمية سرية، ارتبط بها في بعض مراحل تاريخ الإخوان المسلمين العمل السري، والتدبير التنظيمي، والتحريض على مواجهة الحكام، وما ترتب على ذلك من أحداث دامية واضطرابات أضرَّت بأمن المجتمعات واستقرار الدول.
وهنا يظهر بوضوح أن الكلام عن «التعاون في الحق» لا يجوز أن يتحول إلى ستارٍ يُسقط الفوارق المنهجية، ولا إلى ذريعةٍ لتزكية جماعةٍ لها تاريخٌ وتنظيمٌ وممارساتٌ لا يصح إغفالها عند تنزيل أي فتوى عليها؛ فإن الحكم على التعاون فرعٌ عن معرفة حقيقة المتعاون معه، ومعرفة نوع التعاون، ومآلاته، وما يترتب عليه من تأييدٍ أو ترويجٍ أو إضفاء مشروعية.
فليس من الأمانة العلمية أن يُؤخذ من كلام أهل العلم لفظُ «التعاون»، ثم تُترك قيوده وضوابطه، ويُجعل ذلك جسرًا إلى المشاركة المطلقة، أو التزكية العلنية، أو إسقاط التحذير من الأخطاء المنهجية؛ فإن التعاون على البر والتقوى شيء، والتعاون الذي يفضي إلى نصرة الباطل أو تمييعه أو إلباسه لباس السنة شيء آخر.
والمنهجُ السلفيُّ لا يبني أحكامَه على الشعارات والدعاوى، وإنما يبنيها على الحقائق والوقائع، ومعرفة العلل، والنظر في المآلات؛ فإذا ثبت بالواقع أن هذا التعاون قد آل إلى إقرار الباطل، وترويج المنهج المنحرف، وتعطيل التحذير من أهله، وإذابة الفوارق بين أهل السنة وأهل الأهواء حتى يظهر الجميع في صفٍّ واحد، فإن الواجب حينئذٍ مراجعة هذا المسلك وقطع أسبابه، لا الاحتماء بفتوى صدرت في سياقٍ مغاير ثم تنزيلها على واقعٍ تغيَّرت معطياته وآثاره.
وعليه، فإن القائمين على ما يُسمَّى بـ «منظمة الحكمة» في ولاية كيرالا، ممن ينتسبون إلى المنهج السلفي، مطالبون بأن يزنوا هذا التعاون بميزان السُّنَّة، وأن ينظروا إلى حقيقته وما آل إليه، لا إلى مجرد اسمه (التعاون) أو الشعارات المرفوعة حوله (كفتوى اللجنة هذه)؛ وما دام قد ثبت – كما بينا آنفا - أن مآله نصرةُ الباطل وترويجه وإضعافُ التحذير من أهله، فالواجب شرعًا قطع هذا التعاون فوراً، وبيان أخطاء الجماعة والتحذير من منهجها، وعدم اتخاذ الفتوى القديمة ذريعةً لاستمرار واقعٍ مغاير للواقع الذي صدرت فيه.
فالفتوى لا تُنزَّل بمعزلٍ عن مناطها، ولا تُستعمل النصوص الشرعية والفتاوى العلمية ستارًا لتسويغ واقعٍ لم تكن الفتوى واردةً فيه؛ فمنهج السلف لا تحميه الشعارات، ولا تُمرَّر به الانحرافات، ولا تُتخذ أقوال العلماء مطايا لتعطيل النصيحة والتحذير من الباطل. والعبرة ليست بمجرد وجود فتوى سابقة، وإنما بصحة تنزيلها على محلها، وبقاء علتها، وانطباقها على الواقعة المعاصرة.
ويؤكد ذلك ما صدر عن هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية من بيان موقفها من جماعة الإخوان المسلمين، وأنها جماعة لا تمثل منهج الإسلام، وأنها جماعة إرهابية تقوم على أهداف حزبية تخالف هدي الإسلام، وتتستر بالدين وتمارس ما يفضي إلى الفرقة وإثارة الفتنة والعنف والإرهاب.
وعليه، فلا يصح أن تُستدعى فتوى قديمة لتكون غطاءً لاستمرار تعاونٍ ثبت بالواقع أنه يفضي إلى ما حذرت منه النصوص وكلام أهل العلم.
وهذا نص البيان الذي أصدرته هيئة كبار العلماء يوم 24 ربيع الأول 1442هـ الموافق 10 نوفمبر 2020 م:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله وأمينه على وحيه، وصفوته من خلقه، نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبدالله وعلى آله وأصحابه، ومن سلك سبيله، واهتدى بهداه إلى يوم الدين .. أما بعد :
فإن الله تعالى أمر بالاجتماع على الحق ونهى عن التفرق والاختلاف قال تعالى: " إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون"، وأمر العباد باتباع الصراط المستقيم، ونهاهم عن السبل التي تصرف عن الحق، فقال سبحانه : " وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون".
وإنما يكون اتباع صراط الله المستقيم بالاعتصام بكتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد دلت الأحاديث الصحيحة على أنّ مِن السبل التي نهى الله تعالى عن اتباعها المذاهب والنحل المنحرفة عن الحق، فقد ثبت من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال : خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاً بيده ثم قال : " هذا سبيل الله مستقيماً"، ثم خط عن يمينه وشماله، ثم قال : هذه السبل ليس منها سبيل إلاّ عليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأ : " وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله" رواه الإمام أحمد.
قال الصحابي الجليل عبدالله بن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى : " فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتقرق بكم عن سبيله" وقوله : " أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه" ونحو هذا في القرآن، قال : أمر الله المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم بالمِراء والخصومات في دين الله.
والاعتصام بكتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم هو سبيل إرضاء الله وأساس اجتماع الكلمة، ووحدة الصف، والوقاية من الشرور والفتن، قال تعالى : "واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون".
فعُلم من هذا : أن كل ما يؤثر على وحدة الصف حول ولاة أمور المسلمين من بث شبه وأفكار، أو تأسيس جماعات ذات بيعة وتنظيم، أو غير ذلك، فهو محرم بدلالة الكتاب والسنة. وفي طليعة هذه الجماعات التي نحذر منها جماعة الإخوان المسلمين، فهي جماعة منحرفة، قائمة على منازعة ولاة الأمر والخروج على الحكام، وإثارة الفتن في الدول، وزعزعة التعايش في الوطن الواحد، ووصف المجتمعات الإسلامية بالجاهلية، ومنذ تأسيس هذه الجماعة لم يظهر منها عناية بالعقيدة الإسلامية، ولا بعلوم الكتاب والسنة، وإنما غايتها الوصول إلى الحكم، ومن ثم كان تاريخ هذه الجماعة مليئاً بالشرور والفتن، ومن رَحِمها خرجت جماعاتٌ إرهابية متطرفة عاثت في البلاد والعباد فساداً مما هو معلوم ومشاهد من جرائم العنف والإرهاب حول العالم.
ومما تقدم يتضح أن جماعة الإخوان المسلمين جماعة إرهابية لا تمثل منهج الإسلام، وإنما تتبع أهدافها الحزبية المخالفة لهدي ديننا الحنيف، وتتستر بالدين وتمارس ما يخالفه من الفرقة وإثارة الفتنة والعنف والإرهاب.
فعلى الجميع الحذر من هذه الجماعة وعدم الانتماء إليها أو التعاطف معها.
والله نسأل أن يحفظنا جميعاً من كل شر وفتنة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
رئيس هيئة كبار العلماء: عبدالعزيز بن عبدالله بن محمد آل الشيخ
د / عبدالله بن محمد آل الشيخ.
د / صالح بن فوزان الفوزان.
د / صالح بن محمد اللحيدان.
د / صالح بن عبدالله بن حميد.
د / عبدالله بن سليمان المنيع.
د / عبدالله بن عبدالمحسن التركي.
د / سعد بن ناصر الشثري.
د / عبدالله بن محمد المطلق.
د / محمد بن عبدالكريم العيسى.
د / محمد بن حسن آل الشيخ.
د / سعود بن عبدالله المعجب.
د / عبدالرحمن بن عبدالعزيز الكلية.
د / محمد بن محمد المختار.
د / يعقوب بن عبد الوهاب الباحسين.
د / يوسف بن محمد بن سعيد.
د / غالب بن محمد حامظي.
د / عبدالسلام بن عبدالله السليمان.
د / جبريل بن محمد البصيلي
د / بندر بن عبدالعزيز بليله.
د / سامي بن محمد الصقير. انتهى، والله أعلم.
من ضمن (سلسلة الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص)
السؤال: الثلاثمائة وثلاثة عشر:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
شيخنا، بارك الله فيكم ونفع بعلمكم.
هناك منظمة تُسمّى «منظمة الحكمة» في ولاية كيرالا بالهند، وهم يزعمون أنهم على المنهج السلفي، وقد تكلَّم بعض العلماء في أخطائهم وحذَّروا منها مؤخراً. ومن الأمور التي يُنكرها عليهم بعض الإخوة أنهم يتعاونون أو يجلسون مع جماعة الإخوان المسلمين.
وهم يحتجُّون على ذلك بفتوى للشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى، وينقلون عن اللجنة الدائمة، ومن ضمن أعضائها الشيخ ابن باز رحمه الله، الفتوى التالية:
«الجماعات الإسلامية التي هي أقرب إلى الحق وأولى بالاتباع هي أهل السنة، وهم أهل الحديث، وجماعة أنصار السنة، ثم الإخوان المسلمون، وبصفة عامة كل جماعة من هذه الجماعات وغيرها فيها حق وباطل، فعليك أن تتعاون معهم فيما عندهم من الحق، وتتجنب ما عندهم من الأخطاء، وتنصح بعضكم بعضًا، وتتعاونوا على البر والتقوى».
فما حقيقة هذه الفتوى يا شيخ؟ وهل هذا النص ثابت عن اللجنة الدائمة والشيخ ابن باز رحمه الله؟ وما المقصود بالتعاون مع الإخوان المسلمين المذكور فيها؟ وهل يُستدل بهذه الفتوى على جواز التعاون المطلق أو الجلوس معهم دون ضوابط، مع وجود أخطائهم في العقيدة والمنهج؟
نرجو منكم توضيح المسألة وبيان وجه الاستدلال الصحيح بهذه الفتوى، وجزاكم الله خيرًا وبارك فيكم.
الجواب بعون الملك الوهاب:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فهذه الفتوى ثابتة عن اللجنة الدائمة، ولكن ينبغي أن يُعلم أن ثبوت الفتوى شيء، وصحة الاستدلال بها على ما يريده بعض الناس شيء آخر؛ فإن كلام العلماء لا يُنتزع من سياقه، ولا تُجعل جملة منه ناسخةً لبقية كلامهم، ولا يُحمل على ما لا يحتمل.
فاللجنة الدائمة لم تجعل جماعة الإخوان المسلمين جماعةً سلفية خالصة، ولم تزكِّ جميع أصولها ومناهجها، ولم تقل بجواز موالاتها أو مجالستها مطلقًا، وإنما قررت أن عندها من الصواب ما يُتعاون عليه، مع اجتناب ما وقعت فيه من أخطاء، والتناصح معها، والتعاون على البر والتقوى.
ومن هنا فالمسألة ليست في إنكار الفتوى أو إثباتها، وإنما في فهمها على وجهها الذي أراده علماؤنا وقتها، وعدم تحويلها من فتوى في التعاون على الحق إلى صك تزكيةٍ لمنهجٍ أو جماعةٍ بأكملها.
والعدل مع العلماء يقتضي أن يُنظر إلى مجموع كلامهم؛ فما كان من قولهم في التعاون يُضم إلى كلامهم في التحذير من الأخطاء، وما كان من كلامهم في بيان الفرق يُضم إلى كلامهم في تفاصيل الواقع، ولا يُنتقى من كلام العالم ما يوافق المراد ثم يُترك ما يقيِّده ويبيِّنه أو ينسخه.
ومن ثم فإن الاستدلال بهذه الفتوى على إطلاق التعاون، أو إسقاط التحذير من المخالفات، أو تسويغ الصحبة والتآلف والتزكية، استدلال في غير موضعه؛ لأن نفس الفتوى قيَّدت التعاون بالصواب، وأمرت باجتناب الخطأ، وجعلت التناصح جزءًا من هذا التعاون.
وعليه، فهذه الفتوى لا تُقرأ منفردة، بل تُقرأ في ضوء الكتاب والسُّنَّة وأصول أهل السنة، ومجموع كلام أعضاء اللجنة وعلماء السُّنَّة في الجماعات والمخالفات، فالمقصود ليس ردَّ كلام العلماء، وإنما ردُّ التلبيس في فهم كلام العلماء.
فأقول مستعينا بالله:
أولاً: الفتوى ثابتة، وهذا نصها:
كما في (فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء - المجموعة الأولى) الفتوى رقم (6250):
السؤال: في العالم الإسلامي اليوم عدة فرق وطرق الصوفية مثلا: هناك جماعة التبليغ، الإخوان المسلمين، السنيين، الشيعة، فما هي الجماعة التي تطبق كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؟
الجواب: أقرب الجماعات الإسلامية إلى الحق وأحرصها على تطبيقه: أهل السنة: وهم أهل الحديث، وجماعة أنصار السنة، ثم الإخوان المسلمون.
وبالجملة فكل فرقة من هؤلاء وغيرهم فيها خطأ وصواب، فعليك بالتعاون معها فيما عندها من الصواب، واجتناب ما وقعت فيه من أخطاء، مع التناصح والتعاون على البر والتقوى.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عبد الله بن قعود (عضو) عبد الله بن غديان (عضو) عبد الرزاق عفيفي (نائب رئيس اللجنة) عبد العزيز بن عبد الله بن باز (الرئيس)
ثانياً: السلف لم يكونوا يرون مجالسة أهل البدع أمرًا عابرًا:
إنَّ الناظر في نصوص الكتاب والسنة وكلام أئمة السلف يجد أنَّ مجالسة أهل البدع ومخالطتهم ليست أمرًا عابرًا لا أثر له؛ بل كانوا يعدُّونها من أبواب الفتنة على الدين، لما يترتب عليها من التأثر بالشبهات، وميل القلب إلى أهل الأهواء، وتزكية باطلهم، والتباس الحق بالباطل.
قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: 140]. وقال ابن جرير رحمه الله: « وفي هذه الآية الدلالة الواضحة على النهي عن مجالسة أهل الباطل من كل نوع من المبتدعة والفسقة عند خوضهم في باطلهم)».
وجاءت السنة ببيان أثر الصحبة في الدين، فقال ﷺ: «مثل الجليس الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ الكير» متفق عليه، وقال ﷺ: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل» رواه أبو داود والترمذي وأحمد. ولهذا قال سفيان الثوري رحمه الله: «ليس شيء أبلغ في فساد رجل وصلاحه من صاحب».
ولذلك اشتد إنكار السلف على مجالسة أهل الأهواء؛ فقال ابن عباس رضي الله عنهما: «لا تجالس أهل الأهواء، فإن مجالستهم ممرضة للقلب»، وقال أبو قلابة رحمه الله: «لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم، فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالهم أو يلبسوا عليكم ما تعرفون»، وقال إبراهيم النخعي: «لا تجالسوا أصحاب الأهواء ولا تكلموهم، فإني أخاف أن ترتد قلوبكم»، وقال أحمد بن حنبل رحمه الله: «أهل البدع لا ينبغي لأحد أن يجالسهم ولا يخالطهم ولا يأنس بهم».
بل كان السلف يعدّون التآلف والمودة والمجالسة المستمرة من أمارات الميل؛ قال الأوزاعي رحمه الله: «من ستر علينا بدعته لم تخف علينا ألفته»، وقال الفضيل بن عياض رحمه الله: «من أتاه رجل فشاوره فدله على مبتدع فقد غش الإسلام». وقال ابن عون رحمه الله: «من يجالس أهل البدع أشد علينا من أهل البدع»؛ لأن المبتدع يدعو إلى بدعته صراحة، أما مجالسُه فقد تُدخل بدعته إلى القلوب من حيث لا يشعر صاحبها.
وهنا ينبغي التفريق الذي جاءت به نصوص أهل العلم: ليس كل اجتماع عابر، ولا كل لقاء لحاجة، ولا كل مجالسة لغرض شرعي من موالاة أهل البدع؛ فقد يجتمع الرجل معهم لنصيحة، أو لإقامة حجة، أو لمصلحة راجحة، أو لحاجة لا تتحقق إلا بذلك، من غير مودة ولا تزكية ولا نصرة لمنهجهم = ومن هذه الحيثيات جاءت فتوى اللجنة الدائمة وقتَ أن صدرت.
وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن هجر قرناء السوء يكون مع مراعاة الحاجة والمصلحة الراجحة، فقال رحمه الله كما في (مجموع الفتاوى) [28/216]: (فالمقصود بهذا أن يهجر المسلم السيئات ويهجر قرناء السوء الذين تضره صحبتهم إلا لحاجة أو مصلحة راجحة) اهـ. أما أن تتحول اللقاءات إلى صحبة وألفة، وتزكية وثناء، وتعاون دعوي، وتحالف، وإظهار للمودة، وإسكات للتحذير من الانحراف؛ فهذا ليس على منهاج السلف الصالح ولا هو مقصود الفتوى.
وإن أخطر ما في التساهل في هذا الباب تجد أثره على العامة والشباب؛ لأنهم لا يملكون دائمًا القدرة على التفريق بين الاستفادة من حق عند المخالف وبين تزكية منهجه وأهله، وقد يبدأ الأمر بلقاء، ثم إعجاب، ثم ثناء، ثم متابعة، ثم أخذ، ثم ذوبان للفوارق المنهجية.
ولهذا كان من أصول السلف صيانة العامة وطلاب العلم عن مواطن الفتنة، والتحذير من التلبيس، وعدم تقديم أهل البدع للناس في صورة القدوة والمزكَّين؛ فإن التهاون في هذا الباب يفتح أبواب التأثر والاغترار، ويُضعف الفارق بين السُّنَّة والبدعة في نفوس الناس.
وقد سُئل الإمام ابن باز رحمه الله عمّن يثني على أهل البدع ويمدحهم، هل يلحق بهم؟ فأجاب: «نعم، ما فيه شك، من أثنى عليهم ومدحهم وهو داعٍ إليهم فهو من دعاتهم، نسأل الله العافية»، كما في (التعليق على كتاب فضل الإسلام) [ص: 29].
فخذ أيها الفظن هذه الفتوى وضمها مع فتوى اللجنة السابقة، حتى يتبين لك أن الواجب هو: أن يُنظر إلى مجموع كلام العلماء، ومجموع أحكامهم، وحقيقة الواقع؛ لا أن تُقتطع فتوى من سياقها، ثم تُجعل جسرًا لإسقاط أصلٍ من أصول أهل السنة والجماعة، وهو التحذير من الفرق والجماعات المخالفة للسُّنَّة، وصيانة العامة وطلاب العلم عن مواطن الفتنة، وعدم مجالسة أهل الأهواء مجالسةَ أُنسٍ ومودةٍ وتزكية، وعدم التعاون معهم فيما يخدم باطلهم أو يروِّج منهجهم.
أما التعاون في حقٍّ محض، أو اللقاء لحاجةٍ معتبرة، أو النصيحة وإقامة الحجة، فذلك بابٌ آخر له تفصيله وضوابطه وقد تنسحب فتوى اللجنة عليه؛ ولا يجوز أن يُجعل هذا الاستثناء ذريعةً إلى إسقاط أصل التحذير، أو تحويل التعاون في جزئية من الحق إلى تحالفٍ وتزكيةٍ وموالاةٍ في المنهج.
وأما إذا تحولت المجالس إلى تزكية، والتزكية إلى دعوة، والدعوة إلى تحالف، والتحالف إلى إسكات للتحذير من الانحراف؛ فهنا لا يصح أن يُستدل بفتوى اللجنة في التعاون على تمييع الفوارق بين السنة والبدعة، والحق والباطل.
ثالثاً: هل هذه الفتوى من أخطاء اللجنة؟:
بدايةً، ينبغي أن يُنتبه إلى أمرين مهمين:
الأول: توقيتُ الفتوى والملابساتُ المحيطةُ بها؛ فإن الفتوى لا تُفهم مبتورةً عن زمانها وواقعها، ولا يصح تنزيلُ كلامٍ قيل في سياقٍ معيَّن على وقائع تغيَّرت معطياتُها، دون نظرٍ في حقيقة الحال ومآلات التطبيق.
والثاني: أن العصمة ليست لأحدٍ بعد رسول الله ﷺ؛ فالخطأ واردٌ على بني آدم، والعالم مهما بلغ علمُه وفضلُه ليس بمعصوم، وإنما الواجب أن تُعرض أقوالُ العلماء على الكتاب والسُّنَّة، وأن يُنظر في كلامهم بمجموعه، ويُعرف مرادُهم وسياقُه، ويُفرَّق بين إصابة العالم في الأصل، وبين الخطأ في التوصيف أو التنزيل أو الاجتهاد.
فإذا روعي هذان الأمران، اتضحت الإجابة عن السؤال: هل أخطأت اللجنة في هذه الفتوى؟
الجواب: إن ثبت أن الفتوى صدرت بناءً على توصيفٍ للواقع لم يكن مطابقًا لحقيقته، أو أنها نُزِّلت على واقعةٍ لاحقة تختلف في أسبابها وملابساتها وآثارها عن الواقعة التي صدر فيها الحكم؛ فحينئذٍ يكون الخطأ في الفتوى من جهة تنزيل الحكم على غير محلِّه –كما هو الواقع في هذه الفتوى-، لا يلزم منه الطعن في علم أعضاء اللجنة ولا إسقاط مكانتهم، ولا يلزم منه كذلك ردُّ ما أصابوا فيه من فتاوى وأحكام أخرى.
وهذا من أصول العدل في التعامل مع العلماء: أن يُقبل الحقُّ بدليله، ويُردُّ الخطأ بدليله، مع حفظ قدر العالم ومكانته.
فالواجب في مثل هذه النوازل أن يُعاد النظر في تحقيق المناط: ما حقيقة الواقعة؟ وما أسبابها؟ وما الذي ترتب عليها؟ وهل بقيت العلة التي بُنيت عليها الفتوى الأولى، أم تغيرت؟ وهل الكلام المسؤول عنه كان حكمًا عامًا، أم فتوى لواقعةٍ معينة، أم جوابًا عن صورةٍ مخصوصة؟
وبهذا يظهر أن السؤال الصحيح ليس: هل نُسقط كلام اللجنة لأنها أخطأت؟ وإنما السؤال العلمي المنضبط: هل هذه الفتوى وافقت الحكم الشرعي في الواقعة التي صدرت بشأنها، وهل يصح نقلها وتنزيلها على الواقع الحالي بعد تغيُّر المعطيات؟
فإن ظهر بالدليل أن التنزيل غير صحيح، بُيِّن الخطأ بأدبٍ وعدل، مع بقاء حق العلماء محفوظًا؛ وإن ظهر أن الواقعتين متماثلتان، وأن العلة باقية، وأن الفتوى منطبقة على محل النزاع، لم يجز ردُّها لمجرد موافقتها أو مخالفتها لرغبة أحد.
وهذا هو المسلك الذي يجمع بين تعظيم العلماء وعدم تأليه أقوالهم، وتعظيم الدليل وعدم التجرؤ على أهل العلم؛ فلا غلوٌّ في الأشخاص، ولا جفاءٌ مع العلماء، وإنما الميزان: الكتاب والسُّنَّة، وفهم أهل العلم، وتحقيق وتنزيل الحكم على محلِّه.
ومن هذا المنطلق ظهر بالدليل أن التنزيل غير صحيح حتى قال بعض أهل العلم إن في هذه الفتوى نظرًا، والمحدث العلامة مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله، قال لما قُرئت عليه هذه الفتوى: «هذا باطل، هؤلاء ما عرفوا الإخوان المسلمين».
وهذا النقل عن الشيخ مقبل رحمه الله يبيِّن أن المسألة لم تكن محل اتفاق آنذاك بين العلماء في توصيف واقع جماعة الإخوان المسلمين ومدى انطباق هذا الحكم عليها، فقد رأى الشيخ مقبل ـ رحمه الله ـ أن هذا الإطلاق لا يوافق حقيقة ما عرفه عن الجماعة، فاعترض على الفتوى بهذا الاعتراض الصريح.
وهذا نص كلامه:
(هذا باطل ، هؤلاء ما عرفوا الإخوان المسلمين، أبغيهم يسألون عن منبع الإخوان المفلسين، كيف تعاونوا مع حزب الوفد في مصر، الاشتراكي. نعم، والحزب الثاني حزب العمل الاشتراكي، ثم الآن ميثاق الشرف في اليمن، نعم عشرة أحزاب بعضها ملحدة، أن لا يتكلم بعضهم ببعض، هنا في اليمن تم التنسيق مع البعثيين والناصريين، والتعاون الآن مع الاشتراكيين، فأنا أقول إن هؤلاء (أي اللجنة) ما عرفوا الإخوان المسلمين، ولو عرفوا، وبعده ماذا؟ الإخوان المفلسين بالسعودية ليسوا كالإخوان المفلسين في مصر واليمن وسوريا والسودان، لأن منشأهم عندهم عقيدة، لكن قوانين الإخوان المفلسين تحكم.
أنا أقول إنه يجب على الإخوان المسلمين أن يتقوا الله سبحانه وتعالى وأن يرجعوا إلى أهل السُّنَّة، فماذا يتنازل عنه أهل السنة من أجل أن يكسب الإخوان المسلمين؟ يتنازلون عن النهي عن التبرك بأتربة الموتى، عن النهي عن دعاء غير الله، عن النهي عن الطقوس المبتدعة، عن النهي عن التشيع المبتدع.
أقول يا إخوان، دار الإفتاء محيط بها الإخوان المفلسون، نعم، تأكدوا من هذا. أنا عندي خبر، من رضي رضي ومن غضب غضب، محيط به الإخوان المسلمون، أيضاً كثير من الجامعات عمداؤها من الإخوان المسلمين. نعم، ماذا يا إخواننا، هؤلاء عمداؤها، نعم من الإخوان المفلسين، ماذا مثله؟ فأين الثرى وأين الثريا؟ وأين معاوية من علي؟ أين من يقول نحن نرحب بالديمقراطية؟ مع من يقول الديمقراطية كفر؟ من يقول نحن نقتحم الانتخابات؟ مع من يقول الانتخابات طاغوتية لأنها فيها مساومة بالإسلام، ولأن فيها تسوية الرجل الصالح بالفاسد، ورب العزة يقول في كتابه الكريم: (أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون)، وبين من يقول: ولأن فيها تسوية الرجل بالمرأة، ورب العزة يقول: (ليس الذكر كالأنثى). قد لوث عبد المجيد الزنداني اليمن والآن هرب إلى السعودية ...) انتهى راجع كتاب غارة الأشرطة ٢ / ٤٢ - ٤٣)
وهذا رابط الصوتية: https://t.me/blalasalmy
قلت: وكذلك ينبغي أن يُنظر في مجموع كلام الإمام ابن باز رحمه الله، ولا سيما كلامه المرحلة المتأخرة من دعوته؛ فإن كلامه في الإخوان لم يكن ثناءً ولا تزكيةً لمنهجهم، بل صدر عنه نقدٌ صريح لبعض أصول دعوتهم ومناهجهم.
فقد سُئل رحمه الله:
«سماحة الشيخ، حركة الإخوان المسلمين دخلت المملكة منذ فترة، وأصبح لها نشاط واضح بين طلبة العلم، ما رأيكم في هذه الحركة؟ وما مدى توافقها مع منهج السنة والجماعة؟»
فأجاب رحمه الله: «حركة الإخوان المسلمين ينتقدها خواص أهل العلم؛ لأنه ليس عندهم نشاط في الدعوة إلى توحيد الله، وإنكار الشرك، وإنكار البدع، لهم أساليب خاصة ينقصها عدم النشاط في الدعوة إلى الله، وعدم التوجيه إلى العقيدة الصحيحة التي عليها أهل السنة والجماعة». كما في (مجموع الفتاوى) [8/40].
وهذا الكلام مهم جدًا في محل النزاع؛ لأن الإمام ابن باز رحمه الله يقرر هنا أن مجرد وجود الدعوة والعمل والخير في الجماعة لا يعني موافقتها الكاملة لمنهج أهل السنة والجماعة، بل بيَّن نقصًا جوهريًا عندها في باب الدعوة إلى التوحيد، وإنكار الشرك والبدع، والتوجيه إلى العقيدة الصحيحة.
ثم إنَّ الأمر لم يقف عند ما سبق، بل كشفت الوقائع ـ فيما نُشر ووُثِّق من تاريخ الجماعة ـ عن وجود بنية تنظيمية سرية، ارتبط بها في بعض مراحل تاريخ الإخوان المسلمين العمل السري، والتدبير التنظيمي، والتحريض على مواجهة الحكام، وما ترتب على ذلك من أحداث دامية واضطرابات أضرَّت بأمن المجتمعات واستقرار الدول.
وهنا يظهر بوضوح أن الكلام عن «التعاون في الحق» لا يجوز أن يتحول إلى ستارٍ يُسقط الفوارق المنهجية، ولا إلى ذريعةٍ لتزكية جماعةٍ لها تاريخٌ وتنظيمٌ وممارساتٌ لا يصح إغفالها عند تنزيل أي فتوى عليها؛ فإن الحكم على التعاون فرعٌ عن معرفة حقيقة المتعاون معه، ومعرفة نوع التعاون، ومآلاته، وما يترتب عليه من تأييدٍ أو ترويجٍ أو إضفاء مشروعية.
فليس من الأمانة العلمية أن يُؤخذ من كلام أهل العلم لفظُ «التعاون»، ثم تُترك قيوده وضوابطه، ويُجعل ذلك جسرًا إلى المشاركة المطلقة، أو التزكية العلنية، أو إسقاط التحذير من الأخطاء المنهجية؛ فإن التعاون على البر والتقوى شيء، والتعاون الذي يفضي إلى نصرة الباطل أو تمييعه أو إلباسه لباس السنة شيء آخر.
والمنهجُ السلفيُّ لا يبني أحكامَه على الشعارات والدعاوى، وإنما يبنيها على الحقائق والوقائع، ومعرفة العلل، والنظر في المآلات؛ فإذا ثبت بالواقع أن هذا التعاون قد آل إلى إقرار الباطل، وترويج المنهج المنحرف، وتعطيل التحذير من أهله، وإذابة الفوارق بين أهل السنة وأهل الأهواء حتى يظهر الجميع في صفٍّ واحد، فإن الواجب حينئذٍ مراجعة هذا المسلك وقطع أسبابه، لا الاحتماء بفتوى صدرت في سياقٍ مغاير ثم تنزيلها على واقعٍ تغيَّرت معطياته وآثاره.
وعليه، فإن القائمين على ما يُسمَّى بـ «منظمة الحكمة» في ولاية كيرالا، ممن ينتسبون إلى المنهج السلفي، مطالبون بأن يزنوا هذا التعاون بميزان السُّنَّة، وأن ينظروا إلى حقيقته وما آل إليه، لا إلى مجرد اسمه (التعاون) أو الشعارات المرفوعة حوله (كفتوى اللجنة هذه)؛ وما دام قد ثبت – كما بينا آنفا - أن مآله نصرةُ الباطل وترويجه وإضعافُ التحذير من أهله، فالواجب شرعًا قطع هذا التعاون فوراً، وبيان أخطاء الجماعة والتحذير من منهجها، وعدم اتخاذ الفتوى القديمة ذريعةً لاستمرار واقعٍ مغاير للواقع الذي صدرت فيه.
فالفتوى لا تُنزَّل بمعزلٍ عن مناطها، ولا تُستعمل النصوص الشرعية والفتاوى العلمية ستارًا لتسويغ واقعٍ لم تكن الفتوى واردةً فيه؛ فمنهج السلف لا تحميه الشعارات، ولا تُمرَّر به الانحرافات، ولا تُتخذ أقوال العلماء مطايا لتعطيل النصيحة والتحذير من الباطل. والعبرة ليست بمجرد وجود فتوى سابقة، وإنما بصحة تنزيلها على محلها، وبقاء علتها، وانطباقها على الواقعة المعاصرة.
ويؤكد ذلك ما صدر عن هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية من بيان موقفها من جماعة الإخوان المسلمين، وأنها جماعة لا تمثل منهج الإسلام، وأنها جماعة إرهابية تقوم على أهداف حزبية تخالف هدي الإسلام، وتتستر بالدين وتمارس ما يفضي إلى الفرقة وإثارة الفتنة والعنف والإرهاب.
وعليه، فلا يصح أن تُستدعى فتوى قديمة لتكون غطاءً لاستمرار تعاونٍ ثبت بالواقع أنه يفضي إلى ما حذرت منه النصوص وكلام أهل العلم.
وهذا نص البيان الذي أصدرته هيئة كبار العلماء يوم 24 ربيع الأول 1442هـ الموافق 10 نوفمبر 2020 م:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله وأمينه على وحيه، وصفوته من خلقه، نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبدالله وعلى آله وأصحابه، ومن سلك سبيله، واهتدى بهداه إلى يوم الدين .. أما بعد :
فإن الله تعالى أمر بالاجتماع على الحق ونهى عن التفرق والاختلاف قال تعالى: " إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون"، وأمر العباد باتباع الصراط المستقيم، ونهاهم عن السبل التي تصرف عن الحق، فقال سبحانه : " وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون".
وإنما يكون اتباع صراط الله المستقيم بالاعتصام بكتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد دلت الأحاديث الصحيحة على أنّ مِن السبل التي نهى الله تعالى عن اتباعها المذاهب والنحل المنحرفة عن الحق، فقد ثبت من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال : خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاً بيده ثم قال : " هذا سبيل الله مستقيماً"، ثم خط عن يمينه وشماله، ثم قال : هذه السبل ليس منها سبيل إلاّ عليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأ : " وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله" رواه الإمام أحمد.
قال الصحابي الجليل عبدالله بن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى : " فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتقرق بكم عن سبيله" وقوله : " أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه" ونحو هذا في القرآن، قال : أمر الله المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم بالمِراء والخصومات في دين الله.
والاعتصام بكتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم هو سبيل إرضاء الله وأساس اجتماع الكلمة، ووحدة الصف، والوقاية من الشرور والفتن، قال تعالى : "واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون".
فعُلم من هذا : أن كل ما يؤثر على وحدة الصف حول ولاة أمور المسلمين من بث شبه وأفكار، أو تأسيس جماعات ذات بيعة وتنظيم، أو غير ذلك، فهو محرم بدلالة الكتاب والسنة. وفي طليعة هذه الجماعات التي نحذر منها جماعة الإخوان المسلمين، فهي جماعة منحرفة، قائمة على منازعة ولاة الأمر والخروج على الحكام، وإثارة الفتن في الدول، وزعزعة التعايش في الوطن الواحد، ووصف المجتمعات الإسلامية بالجاهلية، ومنذ تأسيس هذه الجماعة لم يظهر منها عناية بالعقيدة الإسلامية، ولا بعلوم الكتاب والسنة، وإنما غايتها الوصول إلى الحكم، ومن ثم كان تاريخ هذه الجماعة مليئاً بالشرور والفتن، ومن رَحِمها خرجت جماعاتٌ إرهابية متطرفة عاثت في البلاد والعباد فساداً مما هو معلوم ومشاهد من جرائم العنف والإرهاب حول العالم.
ومما تقدم يتضح أن جماعة الإخوان المسلمين جماعة إرهابية لا تمثل منهج الإسلام، وإنما تتبع أهدافها الحزبية المخالفة لهدي ديننا الحنيف، وتتستر بالدين وتمارس ما يخالفه من الفرقة وإثارة الفتنة والعنف والإرهاب.
فعلى الجميع الحذر من هذه الجماعة وعدم الانتماء إليها أو التعاطف معها.
والله نسأل أن يحفظنا جميعاً من كل شر وفتنة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
رئيس هيئة كبار العلماء: عبدالعزيز بن عبدالله بن محمد آل الشيخ
د / عبدالله بن محمد آل الشيخ.
د / صالح بن فوزان الفوزان.
د / صالح بن محمد اللحيدان.
د / صالح بن عبدالله بن حميد.
د / عبدالله بن سليمان المنيع.
د / عبدالله بن عبدالمحسن التركي.
د / سعد بن ناصر الشثري.
د / عبدالله بن محمد المطلق.
د / محمد بن عبدالكريم العيسى.
د / محمد بن حسن آل الشيخ.
د / سعود بن عبدالله المعجب.
د / عبدالرحمن بن عبدالعزيز الكلية.
د / محمد بن محمد المختار.
د / يعقوب بن عبد الوهاب الباحسين.
د / يوسف بن محمد بن سعيد.
د / غالب بن محمد حامظي.
د / عبدالسلام بن عبدالله السليمان.
د / جبريل بن محمد البصيلي
د / بندر بن عبدالعزيز بليله.
د / سامي بن محمد الصقير. انتهى، والله أعلم.
من ضمن (سلسلة الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص)