الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. المقالات

الذَّكَاءُ الاصْطِنَاعِيُّ أَدَاةٌ لَا مَذْهَبٌ وَلَا مَصْدَرُ عِلْمٍ

١٠ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦
المقالات
مقال بعنوان: (الذَّكَاءُ الاصْطِنَاعِيُّ أَدَاةٌ لَا مَذْهَبٌ وَلَا مَصْدَرُ عِلْمٍ)

الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فقد كَثُر في الآونة الأخيرة الكلامُ عن استعمال الذكاء الاصطناعي في كتابة المقالات والبحوث، واشتدَّ إنكارُ بعض الناس لذلك، حتى صار مجردُ الاستعانة بهذه التقنية عندهم مطعنًا في الكاتب أو الباحث، وقدحًا في مقاله أو في بحثه، وكأن قيمة الكلام أو البحث تُقاس بالأداة التي صيغ بها، لا بصحة ما فيه من علمٍ ودليل.

وهذا يحتاج إلى تحريرٍ للمسألة، وإرجاعها إلى أصلها؛ فإن الخلط بين (الأداة) و (مصدر العلم)، وبين (الصياغة) و (صحة المحتوى)، وبين (الاستفادة من التقنية) و (الاعتماد عليها) هو الذي أوقع بعض الناس في هذا التشدد غير المنضبط.

فالذَّكَاءُ الاصطناعيُّ في حقيقته أداةٌ تِقَنِيَّة، لا شيخٌ يُتلقَّى عنه، ولا مُفتٍ يُرجَع إليه، ولا مصدرٌ مستقلٌّ للعلم؛ وإنما هو وسيلةٌ يمكن الإفادة منها في البحث، والترتيب، والتلخيص، والمقارنة، وإعادة الصياغة، واستخراج الأفكار، وتسريع الأعمال التحريرية، غير أن الانتفاع بها على الوجه الصحيح لا يكون إلا لمن سبقه علمٌ راسخٌ وتأصيلٌ صحيح؛ إذ العلمُ هو الذي يقود الأداة، ويضبط مسارها، ويميز صوابَ مخرجاتها من خطئها، وحقَّها من باطلها.
والأداة لا تُذم لمجرد حداثتها، وإنما يُنظر في حقيقتها، وكيفية استعمالها، وما يترتب على ذلك.

وهذا أمرٌ ظاهر في سائر الوسائل الحديثة؛ فطالب العلم يستعمل (المكتبة الشاملة)، ومحركات البحث، والفهارس، وقواعد البيانات، وبرامج تخريج الأحاديث، والكتب الإلكترونية، وغير ذلك من الوسائل التي تختصر عليه الوقت وتقرِّبه من المادة العلمية، مع أنه لا يجعل شيئًا منها بديلًا عن العلم والتلقي والتحقيق.

فالمكتبة الشاملة مثلًا قد تجمع آلاف الكتب، وقد تختلف الطبعات، وقد يقع في بعض النصوص خطأ أو نقص، ومع ذلك لا يقول عاقل: إن استعمالها يقدح في طالب العلم؛ لأن الجميع يفهم أنها وسيلة للوصول إلى المادة، وليست بديلًا عن التثبت من المصدر.
وهكذا الذكاء الاصطناعي: يُستفاد منه، ولا يُجعل مصدرًا مستقلًا للتلقي؛ يُسأل، ولا يُقلَّد؛ ويُستعان به، ولا يُسلَّم له.
وهنا تظهر القاعدة المهمة: كلما ازدادت قوة الأداة، ازدادت الحاجة إلى قوة المستخدم علمًا وبصيرةً وتأصيلًا، وهذه قاعدة مهمة في هذا الباب فكن على ذُكْرٍ منها.

فالذكاء الاصطناعي قد يعطيك في دقائق عشرات المعلومات والاقتراحات والصياغات، لكن من الذي يميز الصحيح من السقيم؟ ومن الذي يعرف أن هذا الحديث ثابت أو غير ثابت؟ وأن هذا النقل موجود في مصدره أو لا؟ وأن هذا القول من كلام السلف أو مجرد نسبةٍ لا أصل لها؟ ومن الذي يزن الكلام بميزان الكتاب والسُّنَّة وفهم أهل العلم؟
إنه العلم الذي يقود الأداة، لا الأداة التي تصنع العلم.
ومن هنا... فالخلل ليس في أن يستعمل طالب العلم الذكاء الاصطناعي، وإنما في أن يجعل الآلة شيخَه، أو يسلم لها عقله، أو ينشر مخرجاتها بلا مراجعة وتحقيق وتثبت.

أما من كان عنده علمٌ وتأصيل، وقرأ كتب أهل السُّنَّة، وعرف منهجهم وعقيدتهم ومصادرهم، وتعلَّم أصول الاستدلال وقواعده، وكان قادرًا على مراجعة النقول، والتثبت من التخريج والعزو، ثم استعان بالذكاء الاصطناعي في ترتيب مادة علمية، أو تهذيب عبارة، أو اختصار تكرار، أو اقتراح صياغة، أو تسريع عملية البحث، أو غير ذلك من وجوه الانتفاع؛ فلا يصح أن يُجعل مجرد استعماله لهذه الأداة قدحًا في علمه، ولا طعنًا في مقاله، ما دام هو الذي يملك زمام المادة العلمية، ويعرف ما يأخذ وما يرد، وما يقبل وما يصحح.

وسأضرب لذلك مثالين من الواقع، وأبدأ بمثال من حياتي العملية:
بحكم عملي في مجال الهندسة المدنية (الإنشاءات والمقاولات)، أتعامل مع برامج وأدوات هندسية متعددة، كبرنامج «الأوتوكاد» (AutoCAD) هو أحد أشهر برامج التصميم وغيره، كما أستفيد في بعض الأعمال من برامج أخرى مثل: 3D max و Revit و Lumion و Maya وPhotoshop و Sketch up ومنها أيضاً أدوات الذكاء الاصطناعي، ومنها « ChatGPT». ومن ذلك الاستعمالات لهذه التقنيات فيما يتعلق ببعض مسائل توزيع الأحمال في المباني.

وتوزيع الأحمال في المنشآت ليس مجرد إدخال أرقام ومعادلات في برنامج وإخراج نتيجة؛ بل هو عمل هندسي قائم على فهم عميق لسلوك المنشأ وكيفية انتقال القوى والأحمال خلال عناصره، ابتداءً من البلاطات، مرورًا بالكمرات والأعمدة، وانتهاءً بالأساسات والتربة، بما يحقق سلامة المنشأ واستقراره وديمومته.

فلو كان المهندس يجهل أصول هذا العمل، ولا يعرف طبيعة الأحمال الرأسية (Vertical Loads)، والأحمال الجانبية (Lateral Loads)، ولا آليات انتقال أحمال البلاطات إلى الكمرات والأعمدة، ولا مواضع الأخطاء المحتملة في نمذجة الأحمال وتوزيعها، ثم أدخل معطيات المبنى إلى أداة ذكاء اصطناعي، فأعطته الأداة نتيجة خاطئة، ولم يكن عنده من العلم والخبرة ما يمكِّنه من اكتشاف ذلك الخطأ، ثم اعتمد النتيجة ونفَّذها؛ فالمشكلة هنا ليست في الأداة وحدها، وإنما فيمن سلَّمها زمام العمل وهو لا يملك العلم الذي يؤهله لمراجعتها؛ وقد تكون العاقبة خطأً إنشائيًا بالغ الخطورة، يصل في أسوأ صوره إلى تهديد سلامة المبنى ومن فيه.

أما المهندس المتمرس الذي يملك التأصيل والخبرة، فإنه يستطيع أن يستفيد من الأداة دون أن يكون أسيرًا لها؛ فإذا أخطأت في حساب أو اقترحت توزيعًا غير صحيح، أمكنه أن يكتشف الخلل، ويرد الخطأ، ويصحح المسار، ويوجه الأداة إلى الوجه الصحيح.

وهكذا في العلم الشرعي: ليست القضية في مجرد استعمال الأداة، وإنما فيمن يستعملها، وكيف يستعملها، وهل يملك من العلم والتأصيل ما يجعله قادرًا على التمييز بين صحيح مخرجاتها وسقيمها. فكلما ازدادت قوة الأداة، ازدادت الحاجة إلى قوة المستخدم علمًا وبصيرةً وتأصيلًا؛ لأن الأداة لا تصنع المهندس، كما أنها لا تصنع طالب العلم، وإنما المهندس هو الذي يقود الأداة بعلمه، وطالب العلم هو الذي يقودها بتأصيله، ويأخذ منها ما وافق الحق، ويرد ما خالفه.

وأما المثال الثاني، فمن واقع البحث العلمي نفسه (وقد حبب إلى علم الحديث):
فطالب العلم (علم الحديث غالباً) اليوم يستعمل أدواتٍ رقمية كثيرة في طلب العلم والبحث، كالمكتبة الشاملة، ومحركات البحث، وقواعد البيانات، والكتب الإلكترونية، وبرامج البحث في النصوص، وغير ذلك من الوسائل التي يسَّرت الوصول إلى كتب أهل العلم ومصادرهم، واختصرت كثيرًا من الوقت والجهد.

فلو أراد طالب العلم أن يبحث عن حديثٍ أو أثرٍ أو كلامٍ لأحد الأئمة، فإنه قد يسلك في ذلك طرائق التخريج المعروفة عند أهل العلم، ثم يستعين اليوم بالوسائل التقنية التي اختصرت كثيرًا من الوقت والجهد. فبعد أن كان الوصول إلى الحديث قد يتطلب مراجعة عشرات المجلدات وتتبع مواضع متفرقة في دواوين السنة، أصبح بالإمكان الوصول إلى كثير من النصوص خلال دقائق بواسطة البرامج والمكتبات الرقمية ومحركات البحث.

ومن أشهر طرائق تخريج الحديث التي يسلكها طالب العلم:
١- معرفة راوي الحديث من الصحابة: فيُبحث عن الحديث في المسانيد والمعاجم وكتب الأطراف التي رتبت الأحاديث على أسماء الصحابة، إذا عُرف اسم الصحابي الراوي.

٢- معرفة أول لفظ من متن الحديث: فيُستعان بالفهارس والمعاجم التي رتبت الأحاديث على أوائل الألفاظ، فإذا عُرفت بداية الحديث أمكن الوصول إلى مظانه في دواوين السنة.

٣- معرفة كلمة غريبة أو لفظة نادرة في متن الحديث: فيُبحث عنها في كتب غريب الحديث، ككتاب «النهاية في غريب الحديث والأثر» لابن الأثير، إذ قد تكون اللفظة النادرة مفتاحًا للوصول إلى الحديث ومصادره.

٤- معرفة موضوع الحديث: فيُبحث عنه في كتب السنن والمصنفات المرتبة على الأبواب، أو في الكتب التي تجمع الأحاديث بحسب الموضوعات، فإذا عُرف أن الحديث مثلًا في الصلاة أو الزكاة أو الصيام أمكن تتبع مظانه في أبوابه.

٥- الاستعانة بالوسائل الحديثة: كالمكتبة الشاملة، ومحركات البحث، وقواعد البيانات الحديثية، والمواقع العلمية المعروفة، ومن ذلك «الدرر السنية»؛ فهذه الوسائل تختصر زمن البحث، وتتيح الوصول إلى عدد كبير من المصادر في وقت يسير.

ومع ذلك، لم يقل أحد من أهل العلم: إن من استعمل هذه الوسائل قد ترك منهج التخريج، أو أن بحثه لم يعد بحثًا علميًا؛ لأن الأداة لا تلغي المنهج، وإنما تختصر الطريق إلى المصدر. فطالب العلم المتمكن قد يجمع بين معرفة طرائق التخريج التي دلَّ عليها العلماء ودونوها في كتبهم والاستفادة من الوسائل الحديثة، فيستعمل التقنية للوصول إلى النص، ثم يرجع إلى مصدره، ويتحقق من لفظه، وينظر في إسناده، ويقارن طرقه، ويحكم عليه وفق قواعد وأصول المحدثين المعتبرة.

وهنا يظهر وجه الشاهد من هذا المثال: إذا كان طالب العلم يستعمل المكتبة الشاملة ومحركات البحث والبرامج الحديثية للوصول إلى النصوص، ثم يتحقق منها بعلمه وأصوله، فلماذا يُستنكر عليه أن يستعين بأداة تقنية أخرى في ترتيب المادة أو صياغتها، ما دام لا يجعلها مصدرًا مستقلًا للعلم ولا يستغني بها عن التثبت والتحقيق والمراجعة؟

فالوسائل تتطور، أما أصول التثبت والتحقيق والمراجعة فلا تتغير: الوصول إلى المعلومة شيء، والعلم بصحتها شيء آخر؛ والأداة قد تختصر الطريق، لكنها لا تُغني عن العلم الذي يحكم على ما وُجد في الطريق.

بل إن طالب العلم المتمكن إذا وجد نصًّا في المكتبة الشاملة لم يقل: هذا صحيح لمجرد أن البرنامج أظهره له؛ وإنما يرجع إلى المصدر، وينظر في اللفظ، ويتحقق من موضعه، ويقارن النسخ عند الحاجة، ويتثبت من صحة النسبة، وينظر في السياق، ويعرف ما إذا كان النص ثابتًا عن صاحبه أم وقع فيه تصحيف أو سقط أو خطأ في العزو.
لماذا؟
لأنه تربي على ذلك على أيدي العلماء ومن ذلك ما قاله السيوطي في ألفيته:
البيت (73): لأخذ متن من مصنَّف يجب عرض على أصل، وعدة ندب

قال شيخنا العلامة المحدث عبد المحسن العباد حفظه الله وأمتع بحياته المسلمين في شرحه على الألفية:
أي: من أراد أن يعزو إلى مصنَّف فيجب عليه أن يقابل على أصلٍ من أصول ذلك المصنَّف – هذا على سبيل الوجوب – وأما على سبيل الندب (فيستحب له أن يقابله) على عدة أصول. انتهى كلامه.
أما من لا علم له، فقد يبحث في المكتبة الشاملة فيجد نصًّا فينقله، أو يبحث في محرك البحث فيجد حديثًا فيستدل به، أو تقع عينه على كلام منسوب إلى عالم فينشره، دون أن يعرف صحة الحديث، ولا صحة النسبة، ولا سياق الكلام، ولا الفرق بين الصحيح والسقيم؛ فهنا يظهر الخلل، لا في الأداة، وإنما في غياب العلم الذي ينبغي أن يحكم استعمالها.

وهذا هو عين الفرق في استعمال الذكاء الاصطناعي؛ فليس من المنهج العلمي أن تُرفض الأداة لمجرد كونها أداة حديثة، كما أنه ليس من المنهج أن تُسلَّم لها القيادة العلمية.
فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون وسيلةً للبحث، والترتيب، والمقارنة، وإعادة الصياغة، كما أن المكتبة الشاملة وسيلة للوصول إلى النصوص، ومحركات البحث وسيلة للوصول إلى المصادر، والكتب الرقمية وسيلة لحمل آلاف المجلدات والبحث فيها.

فالعبرة إذن في الجميع واحدة: هل الذي يستعمل الأداة يملك العلم الذي يمكِّنه من التثبت والتمييز أم لا؟
فالمكتبة الشاملة لا تصبح شيخًا لمجرد أنها تجمع آلاف الكتب، ومحرك البحث لا يصبح عالمًا لمجرد أنه يعرض آلاف النتائج، والذكاء الاصطناعي لا يصبح مصدرًا للعلم لمجرد قدرته على توليد نصوصٍ بعبارات فصيحة؛ وإنما هذه كلها أدوات، وقيمة الانتفاع بها تتوقف على علم المستخدم، وحسن توظيفه لها، وقدرته على مراجعة ما تنتجه والتحقق منه.

ولهذا فليس من الإنصاف أن يُقال عن كاتب: «استعان بالذكاء الاصطناعي، إذن مقاله ساقط»، كما لا يصح أن يقال: «استعان بالمكتبة الشاملة، إذن هو ليس بطالب علم». وإنما الواجب أن يُنظر في المادة نفسها: هل النقل صحيح؟ وهل العزو دقيق؟ وهل الدليل ثابت؟ وهل الفهم مستقيم؟ وهل الكلام موافق للكتاب والسُّنَّة وفهم أهل العلم؟ فإن وُجد الخطأ نوقش الخطأ وصُحِّح، وإن وُجد الباطل رُدَّ الباطل، أما محاكمة الكلام بمجرد الأداة التي استعان بها صاحبه فليست من التحقيق في شيء.

ومن هنا يتبين ضعف التشنيع الذي نراه أحيانًا؛ إذ بدل أن يناقش في: ماذا كُتب؟، ينشغلون بـ كيف كُتب؟.
فإن كان في المقال حديث ضعيف، فبيِّنوا ضعفه.
وإن كان فيه عزو غير صحيح، فصححوه.
وإن كان فيه نقل محرَّف، فاكشفوه.
وإن كان فيه استدلال مخالف للكتاب والسُّنَّة، فردوه بالدليل.

أما أن يُقال: «هذا المقال كُتب بالذكاء الاصطناعي»، ثم يُجعل مجرد ذلك سببًا لإسقاط المقال أو الطعن في صاحبه، فليس هذا نقدًا علميًا؛ لأن صحة الكلام لا تتغير بتغير الأداة التي أسهمت في صياغته، وإنما العبرة بما تضمَّنه من علمٍ ودليل، وبصحة نقوله، وسلامة استدلاله.

ثم إن ما يراه القارئ في نهاية المطاف ليس بالضرورة أول ما اقترحته الأداة؛ فقد يعرض الذكاء الاصطناعي عشرات الصياغات، فيرفض الكاتب بعضها، ويعدِّل بعضها، ويختار بعضها، ثم يعيد النظر فيها، ويوازن بينها، ويصوغ منها ما يراه أدقَّ وأليقَ بمقصوده، اعتمادًا على علمه وفهمه وتأصيله السابق.

وهنا ينبغي أن يُفهم أن اختيار الصواب علم، كما أن رفض الخطأ علم؛ وقبول العبارة المناسبة علم، كما أن إسقاط العبارة غير المناسبة علم. فليس العلم محصورًا في إنشاء الكلمات من الصفر، وإنما يدخل فيه حسن الاختيار، ودقة التمييز، وصحة المراجعة، ومعرفة ما يُقبل وما يُرد.

فالعبرة إذن ليست بمن ضغط على لوحة المفاتيح، ولا بالأداة التي اقترحت العبارة، وإنما بمن امتلك المادة العلمية، وحدد الفكرة، واختار الدليل، وراجع النقل، وميّز الصحيح من السقيم، ثم تحمَّل مسؤولية ما نشره.

فالتثبت واجب، سواء وصلتك المعلومة من كتاب ورقي، أو كتاب إلكتروني، أو موقع، أو تسجيل، أو قاعدة بيانات، أو أداة من أدوات الذكاء الاصطناعي. وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6] وهي آية أصل في التثبت.

وقال سبحانه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]، فمصدر العلم الشرعي هو أهله، وليس برنامجًا ولا محرك بحث ولا آلةً مهما بلغت قدرتها.

وإياك أن تظن أنني أدعو إلى الثقة العمياء بكل البرامج الحديثة وبالذكاء الاصطناعي خاصة، لا ... بل أقول بوضوح وبكل ثقة: إنها مملوءة بالأخطاء بل الأصل فيها الخطأ، فقد تخلط بين الروايات، وقد تنسب قولًا إلى غير قائله، وقد تورد عزوًا غير دقيق، وقد تصوغ كلامًا حسن العبارة ضعيفَ التأصيل وهذا كثير جداً.
ومن ثم فإن استعماله في المجال العلمي يوجب مزيدًا من التحقق، ولا يعفي الكاتب من مسؤولية ما ينشر.

بل إن العجيب أن بعض من يشنِّع على استعمال الذكاء الاصطناعي يستعمل في الوقت نفسه الهاتف والإنترنت ومحركات البحث والمكتبات الرقمية وبرامج التخريج والتدقيق والفهرسة، وهي كلها وسائل حديثة لم تكن معروفة عند المتقدمين.

فإذا كانت الوسيلة تُقاس بحقيقتها واستعمالها، فلا وجه لجعل حداثة هذه الأداة وحدها سببًا للقدح فيها، فالوسائل لا تُحاكم بأسمائها، وإنما بحقائقها ومقاصد استعمالها وآثارها.

بل القضية كلها ترجع إلى: مَنْ يقود مَنْ؟.
فإن قاد العلمُ الأداةَ، كانت الأداةُ خادمًا للعلم.
وإن قادت الأداةُ الجاهلَ، أصبحت وسيلةً لتكثير الجهل وتجميل الخطأ.
ولهذا فالتربية العلمية والسلفية ليست أمرًا هامشيًا في عصر الذكاء الاصطناعي، بل هي أشد ضرورة؛ لأن كثرة المعلومات لا تعني صحة العلم، وحسن العبارة لا يعني صحة الدليل، وسرعة الوصول إلى المعلومة لا تعني حسن فهمها.

فالطالب المؤصل يستطيع أن يستفيد من التقنية دون أن يفتتن بها؛ يأخذ منها المادة الأولية، ثم يراجع مصادرها؛ يستفيد من الصياغة، ثم يصححها؛ يطلب منها التلخيص، ثم يتأكد من سلامته؛ ويعرض ما تنتجه على أصول العلم قبل أن ينشره.
وهذا هو الاستعمال المنضبط الذي ينبغي الدعوة إليه.
أما تحويل مجرد استعمال الذكاء الاصطناعي إلى تهمةٍ يُشنَّع بها على الكاتب، ويُجعل بها مقاله ساقطًا قبل النظر في محتواه، فليس من الإنصاف في شيء؛ بل هو لونٌ من الحكم على الأشخاص والأقوال بشنشنة نعرفها من أخزم.

وإن كنتُ أعلم، ويعلم غيري من إخواننا، أن في هذه الطريقة شبهًا من طريقة أهل البدع قديمًا في تنفير الناس من أهل السُّنَّة بالألقاب المجملة؛ فكانوا يرمون أهل السنة بأوصاف من قبيل «الحشوية» و«المجسمة» ونحوها، ثم يجعلون مجرد هذا اللقب كافيًا لصرف الناس عن سماع قولهم، بدل أن يُناقشوا الدليل بالدليل، والحجة بالحجة.
فالتُّهَمُ الجاهزةُ لشَيْنِ أهل الحق عندهم لا تنفد، وإنما تتبدَّل ألفاظُها بتبدُّل الأزمنة والوسائل؛ فإذا سقط لقبٌ ألبسوهم غيره، وإذا بطل وصفٌ استحدثوا لهم سواه، والمقصود واحد: التشنيع قبل البيان، والطعن قبل البرهان.

وليتهم بدل الاشتغال بتتبع الأدوات والطعن في مستعمليها، يتعلمون الانتفاع بها فيما ينفع، ويُحسنون التعامل مع هذه البرامج، ومنها الذكاء الاصطناعي، ثم يُخرجون لنا من ثمرات ذلك أبحاثًا ومقالاتٍ علميةً سلفيةً مؤصَّلةً على منهج السلف الصالح، ويقدِّمون ردودًا واضحةً محرَّرةً على المخالفات، قائمةً على الدليل والبرهان، مستفيدين من جميع الوسائل التقنية المتاحة في جمع المادة، وتتبع المصادر، وتوثيق النقول، وترتيب الأبحاث، ونشر العلم.

فالميدان ميدانُ علمٍ وبرهان، لا ميدانُ تفتيشٍ عن الأدوات، ولا رميِ الناس ونبذِهم بما هو في ميزان العقلاء من وجوه التقدم وحسن الانتفاع بالوسائل؛ ومن كان عنده علمٌ فليقدمه، ومن كان عنده ردٌّ فليحرره، ومن كان عنده تصحيحٌ فليأتِ بالدليل؛ أما جعل الوسائل الحديثة نفسها تهمةً، والانشغال بها عن مناقشة الحقائق، فليس من صناعة البحث العلمي، ولا من طريقة أهل العلم، والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه
الإسكندرية الاثنين 10 ربيع الآخر 1448 هـ