الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. الفتاوى

لدي سؤال من أحد الأصدقاء وليس لديه فيسبوك لمراسلتك ويعمل في وظيفة اسمها مدير الجودة وهو مسؤول على متابعة ما تقدمه المطاعم المشرف عليها…

١٤ ربيع الآخر ١٤٤٧ هـ٦ أكتوبر ٢٠٢٥
الفتاوىولاة الأمر والسمع والطاعة
السؤال: مئة وثلاثة وسبعون:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حياك الله شيخنا، كيف حالكم وحال الأسرة؟ أسأل الله أن تكونوا بصحة وعافية، شيخنا بارك الله فيك.
لدي سؤال من أحد الأصدقاء وليس لديه فيسبوك لمراسلتك ويعمل في وظيفة اسمها مدير الجودة وهو مسؤول على متابعة ما تقدمه المطاعم المشرف عليها وتصويب الأخطاء، ومديره ملزمه بالخصم في وجود أخطاء من العاملين والمشرفين تحته فهو بدوره يخصم للمشرف والمشرف يخصم للموظف وسؤاله كالآتي :
آلية الخصم والانضباط: يُطلب من المشرف متابعة أي مخالفات تقع من الموظفين، ويُخصم عليها مبلغ 50 دينارًا.
ويتم الخصم من المشرف نفسه إذا لم ينتبه للمخالفة، أو من الموظف الذي ارتكبها، أو من كليهما معًا، وذلك بحسب الحالة.
علمًا بأن قيمة الخصم ليست مقابل المخالفة نفسها، وإنما هي رادع وتأديب لعدم تكرارها مستقبلًا.
أمثلة على المخالفات: وموجود هذا في اللوائح:
• صبُّ المواد الخام في الكوب (وهذا ممنوع) - يجب الصبُّ باستخدام الملعقة الخاصة. ( خصم 50 دينارًا )
• الأكل أو الشرب دون دفع الحساب. → خصم 50 دينارًا
• عدم تغطية الجبنة أو الهريسة وإبقائها مفتوحة. → خصم 50 دينارًا
• وأي مخالفة مشابهة لما سبق.
فهل مثل هذه المخالفات جائزة ؟

الحمد لله:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وحياكم الله وبارك فيكم، وأحسن إليكم، ونسأل الله أن يبارك فيكم وفي صاحبكم، وأن يوفِّقكم لما يحب ويرضى.
سؤالك وجيه ومهمُّ، وهو من المعاملات المعاصرة الدقيقة التي ينبغي فيها ضبط المسألة بالضوابط الشرعية، وبيان الحكم فيها كالتالي:

أولًا: حكم العقوبات المالية (الخصومات):
العقوبة المالية ثابتة في الشرع، وهي من العقوبات التي يُقدِّرها وليُّ الأمر أو من فوَّضه، تحقيقًا للمصلحة العامة وردعًا للمفسدة، وليست المقصود منها إتلاف المال أو أكل أموال الناس بالباطل، وإنما زجر المخالف وتأديبه عند الحاجة.
وقد دلَّت النصوص على مشروعيتها، ومن ذلك:
1- عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «فِي كُلِّ سَائِمَةِ إِبِلٍ فِي أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، لَا يُفَرَّقُ إِبِلٌ عَنْ حِسَابِهَا مَنْ أَعْطَاهَا مُؤْتَجِرًا قَالَ ابْنُ الْعَلَاءِ مُؤْتَجِرًا بِهَا فَلَهُ أَجْرُهَا، وَمَنْ مَنَعَهَا ‌فَإِنَّا ‌آخِذُوهَا ‌وَشَطْرَ ‌مَالِهِ ‌عَزْمَةً مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا عز وجل، لَيْسَ لِآلِ مُحَمَّدٍ مِنْهَا شَيْءٌ.» رواه أحمد، وأبو داود وغيرهما وحسنه الإمام الألباني رحمه الله في (الإرواء) [3/264 رقم: ٧٩٢].
2- وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ: « أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ‌رَأَى ‌خَاتَمًا ‌مِنْ ‌ذَهَبٍ ‌فِي ‌يَدِ ‌رَجُلٍ ‌فَنَزَعَهُ ‌فَطَرَحَهُ وَقَالَ: يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ إِلَى جَمْرَةٍ مِنْ نَارٍ فَيَجْعَلُهَا فِي يَدِهِ!. فَقِيلَ لِلرَّجُلِ بَعْدَمَا ذَهَبَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: خُذْ خَاتَِمَكَ انْتَفِعْ بِهِ. قَالَ: لَا وَاللهِ، لَا آخُذُهُ أَبَدًا وَقَدْ طَرَحَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم .» رواه مسلم.
3- قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كما في (مجموع الفتاوى) [28/112]: ( ومن قال: إن ‌العقوبات ‌المالية منسوخة وأطلق ذلك عن أصحاب مالك وأحمد ‌فقد ‌غلط على مذهبهما. ومن قاله مطلقا من أي مذهب كان: فقد قال قولا بلا دليل. ولم يجئ عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء قط يقتضي أنه حرم جميع ‌العقوبات ‌المالية؛ بل أخذ الخلفاء الراشدون وأكابر أصحابه بذلك بعد موته دليل على أن ذلك محكم غير منسوخ. وعامة هذه الصور منصوصة عن أحمد ومالك وأصحابه وبعضها قول عند الشافعي باعتبار ما بلغه من الحديث. ومذهب مالك وأحمد وغيرهما: إن ‌العقوبات ‌المالية كالبدنية: تنقسم إلى ما يوافق الشرع؛ وإلى ما يخالفه. وليست العقوبة المالية منسوخة عندهما. والمدعون للنسخ ليس معهم حجة بالنسخ؛ لا من كتاب ولا سنة. وهذا شأن كثير ممن يخالف النصوص الصحيحة والسنة الثابتة بلا حجة. إلا مجرد دعوى النسخ؛ وإذا طولب بالناسخ لم يكن معه حجة) اهـ.. انتهى.
ثانياً: التفصيل في المسألة المذكورة:
أولاً: إذا كانت بنود الخصم معلومة للعاملين، ومقرَّة من الجميع عند التوظيف، وكان مقدار الخصم محدَّدًا ومتناسبًا مع نوع الخطأ، ولم تُبنَ على الهوى أو المصلحة الشخصية، فلا حرج في ذلك من حيث الأصل، لأنها حينئذٍ جزء من عقد العمل الذي رضي به الطرفان.
لكن يشترط في ذلك ما يلي:
• أن تكون الغرامة معلومة محددة، لا مفتوحة ولا مبالغًا فيها.
• أن يكون الهدف منها تحقيق الانضباط وضبط الجودة، لا أكل أموال الناس بالباطل.
• ألا يتجاوز مجموع الخصومات حدودًا تُلحق الضرر بأجر العامل أو تُنقِصه نقصًا فاحشًا.
• أن يكون نظام الخصم موافقًا لقوانين العمل في البلد، حتى لا تترتب عليه مفاسد قانونية أو اجتماعية تلحق بالشركة والعمال.
فإن تحققت هذه الضوابط، جاز العمل بذلك، ويُعدُّ من الجزاءات الإدارية المنضبطة بالشرع والمصلحة.
ثانيًا: أما إذا كانت الخصومات مبالغًا فيها، أو تُنفَّذ بلا ضابط، أو تُوقَع بسبب تقصيرٍ يسير لا يقتضي الغرامة، فذلك لا يجوز، لما فيه من الظلم والمشقة، وقد قامت الشريعة على التيسير والرفق ورفع الحرج.

ثالثًا: وأما بالنسبة لمدير الجودة، فإذا كان مأمورًا من الإدارة العليا بتنفيذ هذا النظام، وليس له سلطة التغيير أو الاجتهاد فيه، فلا إثم عليه ما دام يُنفِّذ التعليمات بعدلٍ وإنصاف، ولا يظلم أحدًا، ويحرص على النصح والتقويم.
أما إن تبيَّن له أن النظام يتضمَّن ظلمًا بيِّنًا أو مخالفة شرعية، فعليه أن يرفع الأمر إلى رؤسائه، فإن ألزموه بالخصم الجائر، فلا يباشره بنفسه، بل يعتذر عن التنفيذ، لأن المال لا يحل إلا بالحق، و «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق». والله أعلم.

من ضمن (سلسلة الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص)

مواد ذات صلة