شيخ بلال حفظك الله ورعاك، كيف حالك عساك بخير وعافية، أسعد الله أوقاتك بكل خير، لدي سؤال إن كان لا مانع لديكم
السؤال: مئتان وأربعون:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
شيخ بلال حفظك الله ورعاك، كيف حالك عساك بخير وعافية، أسعد الله أوقاتك بكل خير، لدي سؤال إن كان لا مانع لديكم:
ما حكم السفر تهريب من أجل طلب العلم الشرعي مثلا الذهاب إلى ليبيا؟
الحمد لله:
الجواب المختصر:
السفر تهريبًا لطلب العلم الشرعي لا يجوز، لأنه مخالفة صريحة لأنظمة وليِّ الأمر، وكذلك تعريض النفس للهلاك، وذلك من الوقوع في المفاسد الأعظم من المصلحة التي قد تتحقق في مكان آخر بدون هذه المخاطر والآثام.
وطلب العلم عبادة، والعبادة لا تُبنى على معصية، وما كان طريقه محرَّمًا لم يكن قربةً إلى الله.
الجواب المفصل:
أولًا: مخالفة أنظمة وليِّ الأمر:
السفر تهريبًا يتضمن مخالفة صريحة لأوامر وليِّ الأمر في تنظيم الدخول والخروج والسفر، وهذه الطاعة واجبة في المعروف؛ لما يترتب عليها من حفظ الأنفس والمصالح العامة.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [ النساء: 59] وقال النبي ﷺ: «عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ» متفق عليه، ولا يُشترط أن تُعلم تفاصيل الحكمة في الأنظمة، بل العبرة بالمصلحة العامة.
ثانيًا: تعريض النفس للهلاك:
السفر تهريبًا – لا سيما إلى مناطق اضطراب أمني – يشتمل غالبًا على مخاطر ظاهرة من هلاكٍ أو أذى محقق أو غالب.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29]، وقد قرر الفقهاء أن ما غلب على الظن هلاكه أو ضرره حرم الإقدام عليه.
ثالثًا: قاعدة الوسائل والمقاصد:
طلبُ العلم الشرعي عبادةٌ جليلة وقُربةٌ عظيمة، غير أن الشريعة لا تُجيز سلوك الوسائل المحرَّمة للوصول إلى المقاصد المشروعة؛ إذ القاعدة المقرَّرة عند أهل العلم أن الوسائل لها أحكام المقاصد، فما كان المقصد فيه مشروعًا، لكن طريقه محرَّم، لم يجز سلوكه، ولم يكن ذلك قربةً إلى الله.
وعليه؛ فإذا توقفت العبادة على وسيلة محرَّمة، لم تُشرع تلك العبادة على هذا الوجه، لأن الله تعالى لا يُتقرَّب إليه بما نهى عنه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في (الرد على الإخنائي) [ص: 427]: (بل لو توسل الإنسان إلى الطاعة بما حرمه الله -مثل الفواحش والبغي والشرك به والقول عليه بغير علم- لم يجز ذلك، فلو أراد أن يفعل فاحشة وزعم أنها تفضي إلى طاعة لم يكن له ذلك. وكذلك لو أراد أن يشرك بالله بباطنه ويقول عليه ما لم يعلم) اهـ.
رابعًا: سدُّ الذرائع ودرء المفاسد:
جاءت الشريعة الغرَّاء بتحصيل المصالح وتكميلها، وبدرء المفاسد وتقليلها، وإذا تعارضت مصلحةٌ مع مفسدةٍ قُدِّم درء المفسدة على جلب المصلحة، ولا يُرتكب شرٌّ عظيم لتحصيل خيرٍ يمكن نيله بغيره.
وقاعدة «درء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح» من القواعد الكلية المعتبرة في هذا الباب، ويُبنى عليها الحكم في مثل هذا السؤال.
وعليه؛ فإن المصلحة المتوهَّمة في السفر تهريبًا لطلب العلم يمكن تحصيلها بطرقٍ مشروعة خالية من المخاطر والآثام، فلا يُلتفت إلى هذا الطريق المحرَّم، وبهذا يتبيَّن تحريم هذا السفر.
خامسًا: لا يُتقرّب إلى الله بالحرام:
لا يجوز أن يُجعل الحرام وسيلة إلى القرب من الله، قال النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا» رواه مسلم.
قال شيخ الإسلام ابن باز رحمه الله: (هذا الحديث العظيم يدل على أن ربنا - جلَّ وعلا - طيب لا يقبل إلا طيبًا، لا يقبل من أعمالنا إلا الطيب، فالخبيث ما يقبله، والخبيث ما كان لغيره، قد وقع فيه الشرك، أو كان على غير السنة، على غير الشريعة، يكون رديئًا، ما يُقبل، فلا يقبل إلا إذا توافر فيه شرطان: أحدهما: أن يكون لله خالصًا، والثاني: أن يكون للشريعة مُوافقًا، لا بدَّ من الشرطين؛ لأنَّ العمل الصالح يشتمل على هذا: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [البقرة:277]، العمل الصالح ما كان لله، وما كان موافقًا للشريعة، هذا العمل الصالح، هو لا يقبل إلا الطيب الذي أُريد به وجهه، ووافق شريعة نبيه عليه الصلاة والسلام، فالخبيث لا يقبله، فإذا عمل عملًا أشرك فيه غير الله بطل، أو كان بدعةً ما وافق الشرعَ بطل: مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ، مَن عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ، وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:88]، وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزمر:65].
فلا بدَّ أن يكون العمل طيبًا: من صلاةٍ وصومٍ وحجٍّ وصدقات، وغير ذلك، لا بدَّ أن يكون طيبًا، ولا يكون طيبًا إلا بشرطين: أحدهما: أن يكون لله، ليس فيه رياء ولا سمعة، الثاني: أن يكون مُوافقًا للشريعة) انتهى من (شرح الأربعين النووية) [الموقع الرسمي على الانترنت].
قلت: وعليه؛ فإن طلبَ العلم الشرعي – وهو من أجلِّ العبادات وأعظم القُرَب – لا يقبله الله تعالى إلا إذا كان طيبًا قصدًا ووسيلة، خالصًا لوجهه الكريم، وموافقًا لشرعه الحكيم، سالمًا من الوسائل المحرَّمة والمخالِفة، وإلا كان مردودًا غير مقبول.
سادسًا: البدائل المشروعة:
• السفر بطريق نظامي مأذون فيه.
• الاستفادة من الدروس العلمية المباشرة عبر الانترنت والمسجلة.
• طلب العلم في البلد المتاح فيه أهل السُّنَّة وميسر الوصول إليهم بطريقة مشروعة.
• الصبر والاحتساب، فإن العلم لا يُنال بالعجلة وبمثل هذه الطريقة، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 282]. والله أعلم
من ضمن (سلسلة الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص)
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
شيخ بلال حفظك الله ورعاك، كيف حالك عساك بخير وعافية، أسعد الله أوقاتك بكل خير، لدي سؤال إن كان لا مانع لديكم:
ما حكم السفر تهريب من أجل طلب العلم الشرعي مثلا الذهاب إلى ليبيا؟
الحمد لله:
الجواب المختصر:
السفر تهريبًا لطلب العلم الشرعي لا يجوز، لأنه مخالفة صريحة لأنظمة وليِّ الأمر، وكذلك تعريض النفس للهلاك، وذلك من الوقوع في المفاسد الأعظم من المصلحة التي قد تتحقق في مكان آخر بدون هذه المخاطر والآثام.
وطلب العلم عبادة، والعبادة لا تُبنى على معصية، وما كان طريقه محرَّمًا لم يكن قربةً إلى الله.
الجواب المفصل:
أولًا: مخالفة أنظمة وليِّ الأمر:
السفر تهريبًا يتضمن مخالفة صريحة لأوامر وليِّ الأمر في تنظيم الدخول والخروج والسفر، وهذه الطاعة واجبة في المعروف؛ لما يترتب عليها من حفظ الأنفس والمصالح العامة.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [ النساء: 59] وقال النبي ﷺ: «عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ» متفق عليه، ولا يُشترط أن تُعلم تفاصيل الحكمة في الأنظمة، بل العبرة بالمصلحة العامة.
ثانيًا: تعريض النفس للهلاك:
السفر تهريبًا – لا سيما إلى مناطق اضطراب أمني – يشتمل غالبًا على مخاطر ظاهرة من هلاكٍ أو أذى محقق أو غالب.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29]، وقد قرر الفقهاء أن ما غلب على الظن هلاكه أو ضرره حرم الإقدام عليه.
ثالثًا: قاعدة الوسائل والمقاصد:
طلبُ العلم الشرعي عبادةٌ جليلة وقُربةٌ عظيمة، غير أن الشريعة لا تُجيز سلوك الوسائل المحرَّمة للوصول إلى المقاصد المشروعة؛ إذ القاعدة المقرَّرة عند أهل العلم أن الوسائل لها أحكام المقاصد، فما كان المقصد فيه مشروعًا، لكن طريقه محرَّم، لم يجز سلوكه، ولم يكن ذلك قربةً إلى الله.
وعليه؛ فإذا توقفت العبادة على وسيلة محرَّمة، لم تُشرع تلك العبادة على هذا الوجه، لأن الله تعالى لا يُتقرَّب إليه بما نهى عنه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في (الرد على الإخنائي) [ص: 427]: (بل لو توسل الإنسان إلى الطاعة بما حرمه الله -مثل الفواحش والبغي والشرك به والقول عليه بغير علم- لم يجز ذلك، فلو أراد أن يفعل فاحشة وزعم أنها تفضي إلى طاعة لم يكن له ذلك. وكذلك لو أراد أن يشرك بالله بباطنه ويقول عليه ما لم يعلم) اهـ.
رابعًا: سدُّ الذرائع ودرء المفاسد:
جاءت الشريعة الغرَّاء بتحصيل المصالح وتكميلها، وبدرء المفاسد وتقليلها، وإذا تعارضت مصلحةٌ مع مفسدةٍ قُدِّم درء المفسدة على جلب المصلحة، ولا يُرتكب شرٌّ عظيم لتحصيل خيرٍ يمكن نيله بغيره.
وقاعدة «درء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح» من القواعد الكلية المعتبرة في هذا الباب، ويُبنى عليها الحكم في مثل هذا السؤال.
وعليه؛ فإن المصلحة المتوهَّمة في السفر تهريبًا لطلب العلم يمكن تحصيلها بطرقٍ مشروعة خالية من المخاطر والآثام، فلا يُلتفت إلى هذا الطريق المحرَّم، وبهذا يتبيَّن تحريم هذا السفر.
خامسًا: لا يُتقرّب إلى الله بالحرام:
لا يجوز أن يُجعل الحرام وسيلة إلى القرب من الله، قال النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا» رواه مسلم.
قال شيخ الإسلام ابن باز رحمه الله: (هذا الحديث العظيم يدل على أن ربنا - جلَّ وعلا - طيب لا يقبل إلا طيبًا، لا يقبل من أعمالنا إلا الطيب، فالخبيث ما يقبله، والخبيث ما كان لغيره، قد وقع فيه الشرك، أو كان على غير السنة، على غير الشريعة، يكون رديئًا، ما يُقبل، فلا يقبل إلا إذا توافر فيه شرطان: أحدهما: أن يكون لله خالصًا، والثاني: أن يكون للشريعة مُوافقًا، لا بدَّ من الشرطين؛ لأنَّ العمل الصالح يشتمل على هذا: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [البقرة:277]، العمل الصالح ما كان لله، وما كان موافقًا للشريعة، هذا العمل الصالح، هو لا يقبل إلا الطيب الذي أُريد به وجهه، ووافق شريعة نبيه عليه الصلاة والسلام، فالخبيث لا يقبله، فإذا عمل عملًا أشرك فيه غير الله بطل، أو كان بدعةً ما وافق الشرعَ بطل: مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ، مَن عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ، وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:88]، وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزمر:65].
فلا بدَّ أن يكون العمل طيبًا: من صلاةٍ وصومٍ وحجٍّ وصدقات، وغير ذلك، لا بدَّ أن يكون طيبًا، ولا يكون طيبًا إلا بشرطين: أحدهما: أن يكون لله، ليس فيه رياء ولا سمعة، الثاني: أن يكون مُوافقًا للشريعة) انتهى من (شرح الأربعين النووية) [الموقع الرسمي على الانترنت].
قلت: وعليه؛ فإن طلبَ العلم الشرعي – وهو من أجلِّ العبادات وأعظم القُرَب – لا يقبله الله تعالى إلا إذا كان طيبًا قصدًا ووسيلة، خالصًا لوجهه الكريم، وموافقًا لشرعه الحكيم، سالمًا من الوسائل المحرَّمة والمخالِفة، وإلا كان مردودًا غير مقبول.
سادسًا: البدائل المشروعة:
• السفر بطريق نظامي مأذون فيه.
• الاستفادة من الدروس العلمية المباشرة عبر الانترنت والمسجلة.
• طلب العلم في البلد المتاح فيه أهل السُّنَّة وميسر الوصول إليهم بطريقة مشروعة.
• الصبر والاحتساب، فإن العلم لا يُنال بالعجلة وبمثل هذه الطريقة، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 282]. والله أعلم
من ضمن (سلسلة الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص)