الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. الفتاوى

السؤال: مئة واثنان وتسعون السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

٢٣ ربيع الآخر ١٤٤٧ هـ١٥ أكتوبر ٢٠٢٥
الفتاوىولاة الأمر والسمع والطاعةالصلاة والطهارةالفقه والأحكامالزكاة والصدقات
السؤال: مئة واثنان وتسعون:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
يا شيخ إذا انتزع شخص منطقة بالقوة فهل يصبح ولي أمر يعني لم ينتزع البلاد كلها إنما بعضها.
الحمد لله:
الجواب المختصر:
من خرج على الحاكم الشرعي واستولى على جزءٍ من البلاد فليس بولي أمرٍ شرعًا، بل هو باغٍ معتدٍ يجب ردِّه إلى طاعة الإمام بالضوابط الشرعية.
فالغلبة لا تُكسب الشرعية إلا إذا زال الحاكم الشرعي واستتبَّ الأمر للمتغلب في جميع البلاد، أما مع وجود إمامٍ قائمٍ فلا ولاية لمنازِعه ولو على جزءٍ منها.
وطاعة من تحته في هذه المنطقة فيما يأمر به إنما تكون اتقاءً للفتنة، فلا يُبايَع، ولا يُعترف له بشرعيةٍ، ولو أقام في الناس صلاةً أو حدودًا أو قضاءً، لأن الله تعالى قال: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: 9].
الجواب المفصَّل:
أولًا: ينبغي أن نلقي الضوء على أحكام أهل البغي (باختصار) كالمقدمة:

البغاة هم: قومٌ من المسلمين خرجوا على الإمام بتأويلٍ سائغٍ ولهم شوكةٌ ومنعة، فيشترط فيهم أمران:
التأويل: أن يكون لهم شبهةٌ كمانعي الزكاة في زمن أبي بكر رضي الله عنه.
الشوكة والمنعة: أن يكون لهم قائدٌ مطاعٌ وجماعةٌ قويةٌ يحتاج الإمام في ردِّهم إلى قتالٍ وجيشٍ وعدّة.
وقد فرَّق العلماء بين أحوالهم ودرجاتهم تفريقًا دقيقًا؛ لأن المقصود من قتالهم ليس استئصالهم ولا سفك دمائهم، بل ردعهم عن البغي، وردِّهم إلى الجماعة والطاعة.
وقد فصَّل الإمام الماوردي –رحمه الله– في أحكامهم تفصيلًا نفيسًا، بيَّن فيه أن خروج الطائفة لا يقتضي مباشرة القتال، بل يُنظر في حالهم:
فإن كانت الطائفة المخالفة إنما خالفت برأي أو مذهب مبتدع، دون أن تخرج عن طاعة الإمام، ولا فارقت جماعة المسلمين، ولا تحيَّزت بدار أو راية، وإنما هم أفراد متفرقون، يمكن للإمام أن يقدر عليهم؛ فهؤلاء لا يُقاتلون، بل يُجرى عليهم حكم العدالة: تُحفظ لهم حقوقهم، وتقام عليهم الحدود، ولا يُمنعون من حقوق الإسلام، وإنما يُناصحون ويُبيَّن لهم خطؤهم، ويعزر من تظاهر منهم بالبدعة زجرًا وتأديبًا لا عقوبة ولا حدًا.
وهذا ما فعله عليُّ بنُ أبي طالب رضي الله عنه مع الخوارج حين قال لهم: (‌ أما إنَّ لكم عندنا ثلاثًا ما صحبتمونا: لا ‌نَمْنَعُكُمْ ‌مَساجِدَ ‌الله ‌أنْ تَذْكُرُوا فيها اسْمَ الله، ولا نَمْنَعُكُم الفَيْءَ ما دامَتْ أيْدِيكُم مع أيْدِينَا، ولا نَبْدَؤُكُمْ بقِتالٍ) انظر (تاريخ الطبري) [5/73]
فهذا الأصل يبيَّن أن مجرد الانحراف في الفكر أو العقيدة لا يوجب القتال، ما دام صاحبه لم يرفع راية الخروج، ولم يباين جماعة المسلمين، ولم يمتنع عن طاعة الإمام.
أما إن انفصلت الطائفة عن الجماعة، واعتزلت بدار خاصة بها، وأظهرت التميز والامتناع، فينظر: إن أقامت على الطاعة، وأدَّت الحقوق، ولم تمتنع من أداء الواجبات، فلا تُقاتل كذلك، لأنهم وإن اعتزلوا فإنهم لم يخرجوا عن طاعة الإمام.
لكن إن امتنعوا عن أداء الحقوق، ومنعوا الزكاة، أو نصبوا لأنفسهم إمامًا، أو باشروا تنفيذ الأحكام دون إذن الإمام، فإنهم بذلك خرجوا عن الطاعة، وفارقوا الجماعة، وحينئذٍ يكونون بغاة تجب مقاتلتهم حتى يفيئوا إلى أمر الله.
وقد استدل العلماء على مشروعية قتال البغاة بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا، فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: 9]. فهذه الآية أصل في تقرير أحكام قتال البغاة.

وقد بيَّن غير واحد من المفسرين أن معنى البغي في الآية يشمل التعدي في القتال والعدول عن الصلح، وأن القتال المشروع في هذه الحالة إنما هو ردع وزجر لا استئصال، ولذلك قال تعالى: ﴿حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ أي حتى ترجع إلى حكمه وشرعه.
قال ابن عبد البر -رحمه الله- في «التمهيد» [15/291]: « أجمَع العلماءُ على أن مَن شقَّ العَصَا، وفارَق الجماعة، ‌وشهَر ‌على ‌المُسلمين ‌السلاحَ، وأخافَ السبيلَ، وأفسَدَ بالقَتْلِ والسَّلْب، فقَتْلُهم وإراقةُ دمائِهم واجبٌ؛ لأنَّ هذا من الفسادِ العظيم في الأرض، والفسادُ في الأرضِ موجِبٌ لإراقةِ الدماءِ بإجماع، إلا أن يتوبَ فاعلُ ذلك من قَبْلِ أن يُقدَرَ عليه» اهـ.
وقال النووي -رحمه الله- في «روضة الطالبين» [10/50]: « قَالَ الْعُلَمَاءَ: وَيَجِبُ قِتَالُ الْبُغَاةِ، ‌وَلَا ‌يُكَفَّرُونَ ‌بِالْبَغْيِ، وَإِذَا رَجَعَ الْبَاغِي إِلَى الطَّاعَةِ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ، وَتُرِكَ قِتَالُهُ، وَأَجْمَعَتِ الصَّحَابَةُ رضي الله عنهم عَلَى قِتَالِ الْبُغَاةِ » اهـ.

وعلى هذا التأصيل:
أولاً: أن من خرج على وليِّ الأمر القائم، وشقَّ عصا الطاعة، وانتزع بقوَّته ناحيةً أو إقليمًا، فإنما هو باغٍ مفسدٌ لا وليَّ أمرٍ رشيد؛ لأن ولايته لم تنعقد برضا الأمة ولا بمقاصد الشرع، بل بسيفٍ مسلولٍ باغٍ على الجماعة، وقد قال الله تعالى:
﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: 9]، فسمَّى الله الخارج باغيًا، وأوجب ردَّه إلى الطاعة.

ثانيًا: يُفرِّق أهل السُّنَّة بين التغلُّب الذي يستتبُّ به الأمر بعد شغور الزمان من الإمام، وبين الخروج على إمامٍ قائمٍ بسلطانه؛ فالأول يقرُّه الشرع حفظًا للأنفس والدماء، والثاني يحرِّمه الشرع لأن فيه تفريقَ الكلمة وتمزيقَ الجماعة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في (منهاج السنة النبوية) [4/315]: «استقر أمرُ أهل السُّنة على ترك القتال في الفتنة؛ للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم، ويأمرون بالصبر على جَور الأئمة، وترك قتالهم» اهـ.

ثالثًا: حكم الخارج المستولي على بعض البلاد:
من رفع السلاح على وليِّ الأمر الشرعي، وانتزع بقوَّته مدينةً أو إقليمًا من سلطان الدولة، فهو باغٍ معتدٍ خارجٌ عن الجماعة، لا يُعقد له ولاء، ولا تُثبت له ولاية، ويجب قتاله؛ فكلُّ من نازع الإمام الشرعي سلطانه فقد شقَّ عصا الطاعة، وخالف سبيل المؤمنين، واستحقَّ الوعيد الصريح في قول النبي صلى الله عليه وسلم: « ‌مَنْ ‌أَتَاكُمْ ‌وَأَمْرُكُمْ ‌جَمِيعٌ ‌عَلَى ‌رَجُلٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ .» رواه مسلم في (صحيحه) [6/23 رقم: ١٨٥٢].

رابعًا: موقف الرعية في الإقليم المغصوب:
من ابتُلي بالإقامة تحت سلطان باغٍ خرج على الإمام الشرعي واستولى على بعض البلاد، فواجبُه في حال الفتنة والاقتتال أن يدفع شرَّه بما استطاع، ويصبر حتى تنكشف الغُمَّة، ويتعامل معه في حدود الضرورة من أمور المعيشة والأمن، دون أن يُضمر له ولاءً، أو يُبايعه على إمامةٍ، بل يثبت على بيعته للإمام الشرعي الذي انعقدت له الإمامة ابتداءً.
أما إن استقر له الأمر بعد انقضاء الفتنة، وغلب بشوكته حتى صار له سلطانٌ ظاهرٌ وأمانٌ عامٌّ، واستتب له الحكم على هذا الإقليم، فقد وجبت طاعته في المعروف، اتقاءً للفتنة، وجريًا على أحكام المتغلِّب الذي استتب له الأمر، فله ما له من الحقوق، وعليه ما عليه من الواجبات، والله أعلم.

من ضمن (سلسلة الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص)

مواد ذات صلة