والرجل في نظر الناس تقي عابد زاهد ولكنه تغلبه نفسه في الخلوات فينظر للمحرمات ولا يبالي بنظر مالك الأرض والسموات، وهو الآن متحسر على ضياع…
السؤال: مئة وواحد وستون:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
شيخنا بارك الله فيك ...، هذه رسالة طلب مني أحد الإخوة على الخاص، يريد منك نصيحة وإرشاد لمن مات قلبه وبلغ الران فيه مبلغه، بسبب الاستماء!
والرجل في نظر الناس تقي عابد زاهد ولكنه تغلبه نفسه في الخلوات فينظر للمحرمات ولا يبالي بنظر مالك الأرض والسموات، وهو الآن متحسر على ضياع عمره الذي أفناه في هذه العادة المحرمة وكلما تاب رجع!
يريد منك نصيحة وخصك بها أنت يا شيخ بلال لعلها تنفعه وتدفعه وتعينه على ترك هذه الكبيرة.
الحمد لله:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
حياكم الله وبارك فيكم وجزاكم خيرا على حسن ظنكم.
هذا الأخ نسأل الله أن يشمله برحمته، ويمنَّ عليه بالتوبة النصوح؛ فإن وصفه لحاله بقوله: «مات قلبي وبلغ الران فيه مبلغه» دليل على حياة ضميره وشعوره بخطر ذنبه، واعترافه به وطلبه للنصيحة خطوة مباركة في طريق الرجوع إلى الله. وقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء:17].
وأما نصيحتي لنفسي وإياك وجميع المسلمين:
اعلم أن الله أرحم بك من نفسك، وهو يفرح بتوبة عبده، فلا تيأس مهما كثرت ذنوبك. وكلما وقعت فقم وارجع، ولا تجعل للشيطان مدخلًا عليك بقول: "لا فائدة"! بل الفائدة في أن تظل تطرق باب التوبة حتى تموت، فإن الله عفوٌّ كريم.
ثم استشعر عظمة الناظر إليك، فإذا خلوت بنفسك فاذكر أن الله يراك ويعلم سرك ونجواك، قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق:14]. فلو دخل عليك أحد من الناس وأنت على هذه المعصية لاستحييت، فكيف بخالقك الذي يطَّلع على قلبك وجوارحك؟
ثم اشغل فراغك بالطاعة: فهذه العادة الخبيثة غالبًا ما تستولي على الإنسان بسبب الفراغ والوحدة، فإذا ملأت وقتك بذكرٍ أو قرآن أو علم أو عمل نافع، قلَّ تسلطها عليك.
واحرص على غض البصر وابتعد عن المثيرات: فما من نظرة محرمة إلا وتجرُّ وراءها وساوس الشهوة. قال صلى الله عليه وسلم: « فَالْعَيْنُ تَزْنِي وَزِنَاهَا النَّظَرُ » [متفق عليه]. فاقطع دابر المعصية من جذورها.
وعليك بالصحبة الصالحة التي تعينك على الطاعة وتذكرك بالله عند الغفلة، فلا خير في عزلةٍ يسيطر فيها الشيطان عليك وتكون أسيرا له.
ثم تذكر الموت وسكراته، والقبر وظلماته: فساعة شهوة تذهب لذتها ويبقى أثرها وحسرتها ووزرها إن لم يغفرها رب العالمين.
واستعن بالصيام: فقد قال ﷺ: « يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ » [متفق عليه] أي: فإنه له وقاية ، فالزواج إن قدرت عليه: فهو العلاج الشرعي الأمثل لدفع الشهوة في الحلال.
واعلم -أخي الكريم- أن من أعظم ما يقي العبد من الانغماس في الشهوات: صلاح صلاته. فتفقد نفسك: هل تقيم صلاتك كما كان يقيمها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أم أنك ضيَّعت ركوعها وسجودها وخشوعها؟ أو قصَّرت في أدائها مع الجماعة؟
فالله جل جلاله يقول: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم:59]. فما من مسلمٍ مال قلبه إلى شهوةٍ وأدمنها إلا وكان في صلاته خلل ظاهر أو باطن.
فأصلح صلاتك تصلح حياتك، واضبطها يضبط الله لك جوارحك، فإنها الحصن الحصين والمانع المتين من مداخل الشيطان.
ولا تنس – أخي الحبيب - أن مفتاح الفرج هو الدعاء، فالجأ إلى الله بصدق وإلحاح، وأكثر من التضرع بين يديه، وتحرى مواطن الإجابة:
• في الأسحار حين ينزل ربنا سبحانه إلى السماء الدنيا فيقول: «هل من داع فأستجيب له؟».
• وبين الأذان والإقامة.
• وفي آخر ساعة من يوم الجمعة.
• وعند السجود، فأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد.
وارفع يديك وقل بتضرع وانكسار:
اللهم طهّر قلبي من أدران الشهوة، واغفر لي ذنبي، وأعنِّي على نفسي، واصرف عني الفتن ما ظهر منها وما بطن، واجعلني من عبادك المخلَصين الذين صرفت عنهم السوء والفحشاء، برحمتك يا أرحم الراحمين.
فإن الله لا يرد من قصده بصدق، ولا يخيب من طرق بابه بإلحاح، بل وعد فقال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:60].
وأخيراً: لا تظن أن الله يفضحك أو يمقتك لمجرد وقوعك في الذنب، بل قد يكون ذنبك هذا سببًا في انكسارك وخضوعك وخشيتك، فتخرج منه أصلح قلبًا من غيرك. المهم أن تجاهد نفسك، وتصدق مع الله، وتُكثِر من التوبة والاستغفار.
واعلم أن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وما دام القلب يتحسر ويستحيي ويطلب المخرج؛ فباب الله واسع، وفضله عظيم، أسأل الله أن يتوب عليك وعلى عصاة المسلمين ويعفو عنا أجمعين، وصلى الله وسلم وبارك على رسولنا وحبيبنا محمد وآله وصحبه أجمعين، والله أعلم.
من ضمن (سلسلة الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص)
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
شيخنا بارك الله فيك ...، هذه رسالة طلب مني أحد الإخوة على الخاص، يريد منك نصيحة وإرشاد لمن مات قلبه وبلغ الران فيه مبلغه، بسبب الاستماء!
والرجل في نظر الناس تقي عابد زاهد ولكنه تغلبه نفسه في الخلوات فينظر للمحرمات ولا يبالي بنظر مالك الأرض والسموات، وهو الآن متحسر على ضياع عمره الذي أفناه في هذه العادة المحرمة وكلما تاب رجع!
يريد منك نصيحة وخصك بها أنت يا شيخ بلال لعلها تنفعه وتدفعه وتعينه على ترك هذه الكبيرة.
الحمد لله:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
حياكم الله وبارك فيكم وجزاكم خيرا على حسن ظنكم.
هذا الأخ نسأل الله أن يشمله برحمته، ويمنَّ عليه بالتوبة النصوح؛ فإن وصفه لحاله بقوله: «مات قلبي وبلغ الران فيه مبلغه» دليل على حياة ضميره وشعوره بخطر ذنبه، واعترافه به وطلبه للنصيحة خطوة مباركة في طريق الرجوع إلى الله. وقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء:17].
وأما نصيحتي لنفسي وإياك وجميع المسلمين:
اعلم أن الله أرحم بك من نفسك، وهو يفرح بتوبة عبده، فلا تيأس مهما كثرت ذنوبك. وكلما وقعت فقم وارجع، ولا تجعل للشيطان مدخلًا عليك بقول: "لا فائدة"! بل الفائدة في أن تظل تطرق باب التوبة حتى تموت، فإن الله عفوٌّ كريم.
ثم استشعر عظمة الناظر إليك، فإذا خلوت بنفسك فاذكر أن الله يراك ويعلم سرك ونجواك، قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق:14]. فلو دخل عليك أحد من الناس وأنت على هذه المعصية لاستحييت، فكيف بخالقك الذي يطَّلع على قلبك وجوارحك؟
ثم اشغل فراغك بالطاعة: فهذه العادة الخبيثة غالبًا ما تستولي على الإنسان بسبب الفراغ والوحدة، فإذا ملأت وقتك بذكرٍ أو قرآن أو علم أو عمل نافع، قلَّ تسلطها عليك.
واحرص على غض البصر وابتعد عن المثيرات: فما من نظرة محرمة إلا وتجرُّ وراءها وساوس الشهوة. قال صلى الله عليه وسلم: « فَالْعَيْنُ تَزْنِي وَزِنَاهَا النَّظَرُ » [متفق عليه]. فاقطع دابر المعصية من جذورها.
وعليك بالصحبة الصالحة التي تعينك على الطاعة وتذكرك بالله عند الغفلة، فلا خير في عزلةٍ يسيطر فيها الشيطان عليك وتكون أسيرا له.
ثم تذكر الموت وسكراته، والقبر وظلماته: فساعة شهوة تذهب لذتها ويبقى أثرها وحسرتها ووزرها إن لم يغفرها رب العالمين.
واستعن بالصيام: فقد قال ﷺ: « يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ » [متفق عليه] أي: فإنه له وقاية ، فالزواج إن قدرت عليه: فهو العلاج الشرعي الأمثل لدفع الشهوة في الحلال.
واعلم -أخي الكريم- أن من أعظم ما يقي العبد من الانغماس في الشهوات: صلاح صلاته. فتفقد نفسك: هل تقيم صلاتك كما كان يقيمها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أم أنك ضيَّعت ركوعها وسجودها وخشوعها؟ أو قصَّرت في أدائها مع الجماعة؟
فالله جل جلاله يقول: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم:59]. فما من مسلمٍ مال قلبه إلى شهوةٍ وأدمنها إلا وكان في صلاته خلل ظاهر أو باطن.
فأصلح صلاتك تصلح حياتك، واضبطها يضبط الله لك جوارحك، فإنها الحصن الحصين والمانع المتين من مداخل الشيطان.
ولا تنس – أخي الحبيب - أن مفتاح الفرج هو الدعاء، فالجأ إلى الله بصدق وإلحاح، وأكثر من التضرع بين يديه، وتحرى مواطن الإجابة:
• في الأسحار حين ينزل ربنا سبحانه إلى السماء الدنيا فيقول: «هل من داع فأستجيب له؟».
• وبين الأذان والإقامة.
• وفي آخر ساعة من يوم الجمعة.
• وعند السجود، فأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد.
وارفع يديك وقل بتضرع وانكسار:
اللهم طهّر قلبي من أدران الشهوة، واغفر لي ذنبي، وأعنِّي على نفسي، واصرف عني الفتن ما ظهر منها وما بطن، واجعلني من عبادك المخلَصين الذين صرفت عنهم السوء والفحشاء، برحمتك يا أرحم الراحمين.
فإن الله لا يرد من قصده بصدق، ولا يخيب من طرق بابه بإلحاح، بل وعد فقال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:60].
وأخيراً: لا تظن أن الله يفضحك أو يمقتك لمجرد وقوعك في الذنب، بل قد يكون ذنبك هذا سببًا في انكسارك وخضوعك وخشيتك، فتخرج منه أصلح قلبًا من غيرك. المهم أن تجاهد نفسك، وتصدق مع الله، وتُكثِر من التوبة والاستغفار.
واعلم أن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وما دام القلب يتحسر ويستحيي ويطلب المخرج؛ فباب الله واسع، وفضله عظيم، أسأل الله أن يتوب عليك وعلى عصاة المسلمين ويعفو عنا أجمعين، وصلى الله وسلم وبارك على رسولنا وحبيبنا محمد وآله وصحبه أجمعين، والله أعلم.
من ضمن (سلسلة الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص)