بحث في: (كشف تلبيس المغرضين في صرف النصوص إلى خدمة أهوائهم)
بحث في: (كشف تلبيس المغرضين في صرف النصوص إلى خدمة أهوائهم)
[الجرح والتعديل أمر اجتهادي أنموذجًا]
الحمد لله الذي أتمَّ علينا النعمة، وأكمل لنا الدين، وجعل في كل عصرٍ طائفةً منصورةً قائمةً بالبيان، تذبُّ عن حياضه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلوات ربي وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فقد سئلت سؤالاً ونصه: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته حياك الله شيخ، شيخنا نحن في العراق و من المعلوم الآن ما يحدث عندنا وأكثر سؤال توجه إلى طلاب العلم هو: هل ردود الشيخ ربيع رحمه الله اجتهادية أم نصية؟ أفيدونا بارك الله فيكم و جزاكم الله خيرا. ومن أراد الرجوع إلى نص الإجابة فليرجع إلى السؤال رقم [136] على صفحتي في الفيس بوك.
فأجبتُ بأن أصل منهج شيخنا الإمام ربيع رحمه الله رحمة واسعة قائم على نصوص الكتاب والسنة، وفهم السلف الصالح، فهي عمدته في تقرير العقيدة وبيان قواعد المنهج السلفي وذم البدع وأهلها. أما التنزيل على الوقائع والأشخاص فهذا من باب الاجتهاد البشري الذي يخطئ ويصيب، شأنه شأن سائر علماء الأمة. وأردفت أن الفرق بيِّن بين النص الشرعي المعصوم وبين اجتهادات العلماء في التطبيق والتنزيل، فجاء جوابي أنه اجتهادي في مقابلة النصوص الشرعية المعصومة.
غير أنّ بعض الأفاضل – جزاهم الله خيرًا – نبهوا إلى أنَّ تلك الإجابة الموجزة قد تُفهم على غير مقصودها، وربما وجد فيها أهل الأهواء مدخلًا للطعن والتشغيب، فاتخذوها مطيَّةً لبثِّ الشبهات وتلبيس الحقائق. فرأيت أن أُبسِط القول، وأجمع أطراف الجواب، وأُوضِّح المسألة بيانًا شافيًا يَدحض الباطل، ويهتك ستر الملبِّسين، ويقطع دابر الشبهة من أصلها. فأقول - وبالله التوفيق والسداد-:
إن القول بأن أحكام الإمام ربيع رحمه الله على أهل البدع والأهواء والمخالفين لجادة السلف اجتهادية، (كلمة حق أريد بها باطل) وبيان ذلك:
أولاً: البيان إجمالاً:
الجرح والتعديل اجتهادٌ علميٌّ دقيق، يقوم على الاستقراء والسبر وإعمال القواعد، لا على مجرد الحِسِّ والمشاهدة وفقط، فإذا صدر عن إمامٍ عدلٍ متأهلٍ صار خبره في هذا الباب من قبيل خبر الثقة الذي يجب قبوله، فيجتمع فيه معنى الاجتهاد في أصله، ومعنى الخبر الملزم في ثمرته.
ثانياً: التفصيل:
أولاً: ذِكْرُ من صرَّح بهذا:
1- قال الحاكم في (المدخل) [ص: 114]: (وَأَنا مُبين بعون اللَّه وتوفيقه أسامي قوم من الْمَجْرُوحين مِمَّن ظهر لي جرحهم اجْتِهَادًا وَمَعْرِفَة بجرحهم لَا تقليدا فِيهِ لأحد من الْأَئِمَّة وأتوهم أَن رِوَايَة أَحَادِيث هَؤُلَاءِ لاتحل إِلَّا بعد بَيَان حَالهم) اهـ.
قلت: فالحاكم رحمه الله يصرِّح أنّ تجريحه لهؤلاء الرواة لم يكن تقليداً محضاً لأحدٍ من الأئمة، ولا إلهاماً، بل كان ثمرةَ اجتهادٍ وبحثٍ شخصيِّ؛ أي عن طريق جمع مروياتهم ومقابلة أقوالهم وسبر حديثهم، حتى تكوَّن عنده اليقين بوجود الجرح، وهذا شاهد صريح على أن عملية الجرح ثمرةُ معرفةٍ واجتهادٍ، لا مجرد إلهامٍ أو تلقينٍ أو تقليدٍ..
2- وقال القاضي عياض في (إِكمَالُ المُعْلِمِ بفَوَائِدِ مُسْلِم) [1/133]: (وأما تعيين سبب الجرح في الخبر والشهادة، فقد اختلف فيه العلماء من الفقهاء والأصوليين، فأوجبه بعضهم مطلقاً، وهو اختيار الشافعي وبعض أئمتنا، ولم يوجبه آخرون وهو اختيار القاضي أبى بكر وجماعة غيره من أئمتنا، ورأوا قبول الجرح مطلقاً دون ذكر السبب، وذهب بعضُهم إلى أن المُجَرِّحَ إذا كان عالماً بصيراً بوجوه التجريح لم نستفسره وإلا استفسرناه، وهو في الشهادة أضيق، والميل فيها إلى الاستفسار أصوب، إذ قد يُجَرَّحُ الشاهدُ- وإن كان مجرحه بصيراً بوجوه التجريح [بما يعتقد جرحه] - ولعل الحاكم لا يراه لاختلاف الاجتهاد) اهـ.
قلت: فالمعنى الذي أشار إليه القاضي هنا هو نفس ما دلَّ عليه نص الحاكم نفسه الذي أوردتَه أولاً: أن الجرح ليس نقلاً محضًا عن غيره، أو إلهاماً، بل هو ثمرة اجتهاد علمي ينهض على السبر التام والاستقراء الشامل والمقارنة الدقيقة.
3- وقال أبو الوليد الباجي في (التعديل والتجريح لمن خرج له البخاري في الجامع الصحيح) [1/279]: (وسأقدم بَين يَدي ذَلِك أبوابا ومقدمات تعلم بهَا مَنْهَج معرفَة الْجرْح وَالتَّعْدِيل فقد رَأَيْت كثيرا مِمَّن لَا علم لَهُ بِهَذَا الْبَاب يعْتَقد أَن هَذَا من جِهَة التَّقْلِيد وَأَنه لَا يدْرك بِالنّظرِ وَالِاجْتِهَاد وأذكر بعد ذَلِك شَيْئا مِمَّا يتَوَصَّل بِهِ إِلَى معرفَة الصَّحِيح من السقيم إِذْ هُوَ الْمَقْصُود بِعلم الْجرْح وَالتَّعْدِيل) اهـ.
قلت: هذا النص من الباجي رحمه الله صريحٌ في ذمِّ منْ توهَّمَ أن باب الجرح والتعديل مبنيٌّ على التقليد الأعمى، وليس على النظر والاجتهاد.
فهو يصرِّح بأن بعض من لا خبرة لهم اعتقدوا أن هذا الباب "تلقين وتقليد"، بينما الحقيقة أنه علمٌ اجتهادي له منهج، يقوم على أدوات معرفية دقيقة: 1- جمع المرويات. 2- سبر الأحاديث. 3- الموازنة بين الروايات وأحوال الرواة. 4- النظر في القرائن التي تدل على ضبط الراوي أو ضعفه.
ولهذا أكَّد أنه سيضع مقدمات وأبوابًا تبيِّن للطالب كيف يُدرَك الجرح والتعديل بالنظر الصحيح، لا بالتلقين فقط، حتى يُتوصل بذلك إلى الغاية الكبرى من هذا العلم: تمييز الصحيح من السقيم.
فالباجي يوبّخ ويُجهِّل من زعم أن الجرح والتعديل مجرد تقليد، ويؤكد على أنه ثمرة اجتهادٍ علميٍّ محكم.
4- قال أبو عبد الله محب الدين ابن رشيد الفهري في (السَنن الأبيَن والمورد الأمعن في المحاكمة بين الإمامين في السند المعنعن) [1/154]: (وَهَذَا الْمَعْنى الَّذِي قصدته [يقصد الإمام مسلم] إِن عُدَّ مخلصاً بِالنّظرِ إِلَيْك فِيمَا يلزمك التطوق بِهِ حَيْثُ غلب على ظَنك صِحَّته فَلَا يلْزم غَيْرك مِمَّن يجْتَهد فِي الرِّجَال نعم يكون صَحِيحا فِي حق من يَكْتَفِي بتقليدك وَإنَّك لخليق بذلك من الْفُقَهَاء أَو الْمُحدثين مِمَّن لم يبلغ رُتْبَة الِاجْتِهَاد فِي معرفَة الصَّحِيح والسقيم).
قلت: وبذلك يلتقي كلام ابن رشيد مع كلام الحاكم وعياض والباجي في تقرير القاعدة: الجرح والتعديل علمٌ اجتهاديٌّ راسخ، لا محضُ تقليد.
5- وقال الزركشي في النكت3/229-230: " قال ابن الأنباري في شرح البرهان في باب الاجتهاد: قال (أي بعض الأصوليين): " ويبعد في حق الراوي أن يعرف حاله كل من روى له خبرا، فيكتفي بتعديل الأئمة بعد أن يعرف مذهبهم في التعديل مذهب مستقيم، فإن الناس قد اختلفوا فيما يعدل به ويجرح" قال الأنباري: "والصحيح عندنا خلاف ذلك، وهذا تقليد محض ولا يكون المحدث على بصيرة من هذا الحال) اهـ.
قلت: هذا النص من الزركشي ناقلًا عن ابن الأنباري يكمِّل المعنى الذي تتابعت عليه النقول السابقة:
بعض الأصوليين قال: لا يلزم المحدث أن يعرف بنفسه حال كل راوٍ، بل يكفيه أن يعتمد على تعديل الأئمة الثقات، بعد أن يعرف مذهبهم في التعديل والجرح.
لكن ابن الأنباري ردَّ ذلك وقال: "الصحيح خلافه"؛ أي لا يُكتفى بالتقليد المحض، لأن هذا يجعل المحدث يعمل بغير بصيرة.
ثم قرر أن مجرد التقليد لا يورث العلم الراسخ ولا البصيرة الدقيقة التي تُميِّز الصحيح من السقيم، وإنما المطلوب هو الاجتهاد المبني على النظر، والسبر، والاستقراء.
6- وقال الصنعاني في توضيح الأفكار1/307-308 ناقلا عن ابن الوزير: (أما جهل المرسل لجرح من أرسل عنه فليس من مسائل الخلاف فإن إرساله عنه جاهلا لجرحه غير قادح في إرساله وإن كان قدحا في المرسل فما كان يحسن عده مما اختلف فيه كما لا يخفى "فيؤدي" أي قبول مرسل الثقة المجزوم به "إلى تقليد المجتهد" القابل للمرسل "لغيره" وهو المرسل "في مسائل الاجتهاد" كقبول المغفل ونحوه "وبنائه" أي المجتهد "لاجتهاده على تقليد" المرسل والمجتهد لا يجوز له التقليد فإن قلت: قد تقدم للمصنف غير مرة أن قبول خبر العدل ليس تقليدا له قلت: ذلك فيما إذا أخبر العدل عن غير إرسال إذ هو الذي قام الدليل على قبول خبره كما عرفته. إن قلت: هذا بعينه يجري في القدح المطلق والتعديل المطلق لاختلاف العلماء فيما يقدح به وفيما يشترط في العدالة فقابل القدح المطلق والتعديل المطلق ينبغي أن يكون مقلدا لا مجتهدا لأنه يبني اجتهاده على رأي غيره تجريحا وتعديلا. قلت (الصنعاني): لا محيص عن هذا ويأتي بسطه في محله..) اهـ.
قلت: هذا النص عن الصنعاني تأييداً وناقلاً عن ابن الوزير يزيد القضية وضوحًا:
• ابن الوزير يُبيِّن أن المجتهد لا يجوز له التقليد، لأن وظيفته النظر والاجتهاد.
• فإذا اعتمد المجتهد على التجريح أو التعديل المطلق من غير معرفة لسببه، فإنه في الحقيقة يكون مقلِّدًا لا مجتهدًا، لاختلاف العلماء في أسباب القدح والعدالة وشروطهما.
• وبالتالي فبناء اجتهاده على أقوال غيره من غير سبر ولا تفتيش يُفقده صفة الاجتهاد، ويجعله تابعًا في التقليد.
فهذا الكلام يوافق تمامًا ما سبق من نصوص الحاكم، والقاضي عياض، والباجي، وابن رشيد، وابن الأنباري (عند الزركشي):
• أن الجرح والتعديل علم اجتهادي.
• وأن التقليد المحض فيه لا يُثمر بصيرة ولا يُغني عن التحقيق.
• وأن المجتهد لا يسعه إلا الاجتهاد المباشر بالسبر والاستقراء
7- وقال ابن حبان في (الثقات) [1/13]: (وإنما أذكر في هذا الكتاب الشيخ بعد الشيخ، وقد ضعفه بعض أئمتنا، ووثقه بعضهم، فمن صح عندي منهم أنه ثقة بالدلائل النيرة التي بينتها في كتاب "الفصل بين النقلة" أدخلته في هذا الكتاب؛ لأنه يجوز الاحتجاج بخبره، ومن صح عندي منهم أنه ضعيف بالبراهين الواضحة التي ذكرتها في كتاب "الفصل بين النقلة" لم أذكره في هذا الكتاب لكني أدخلته في كتاب الضعفاء بالعلل لأنه لا يجوز الاحتجاج بخبره) اهـ.
قلت: هذا النقل عن ابن حبان شاهد قوي جدًّا في الباب:
يصرّح أنه لا يعتمد في توثيقه وتجريحه على مجرد نقلٍ أو تقليد لأقوال الأئمة؛ بل يعتمد على دلائل نيرة وبراهين واضحة فصلها في كتابه الفصل بين النقلة.
ومن ثَمَّ: من ثبتت عنده أنه ثقة بالبراهين أدخله في الثقات، ومن ثبت ضعفه أدخله في الضعفاء.
وهذا يبيِّن أن ابن حبان - مع كونه متَّهمًا أحيانًا بالتساهل في التوثيق - كان يرى أن حكمه ناتج عن اجتهاد ونظر واستقراء، لا مجرد تقليد للأئمة.
8- وقال الإمام مسلم رحمه الله: (وعلامة المنكر في حديث المحدث، إذا ما عُرِضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضا، خالفت روايته روايتهم، أو لم تكد توافقها، فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك، كان مهجور الحديث، غير مقبولة، ولا مستعمله... لأن حكم أهل العلم، والذي نعرف من مذهبهم في قبول ما يتفرد به المحدث من الحديث: أن يكون قد شارك الثقات من أهل العلم والحفظ في بعض ما رووا، وأمعن في ذلك على الموافقة لهم، فإذا وجد كذلك، ثم زاد بعد ذلك شيئا ليس عند أصحابه؛ قبلت زيادته.
فأما من تراه يعمد لمثل الزهري في جلالته، وكثرة أصحابه الحفاظ المتقنين لحديثه وحديث غيره، أو لمثل هشام بن عروة، وحديثهما عند أهل العلم مبسوط مشترك، قد نقل أصحابهما عنهما حديثهما على الاتفاق منهم في أكثره، فيروي عنهما، أو عن أحدهما العدد من الحديث، مما لا يعرفه أحد من أصحابهما، وليس ممن قد شاركهم في الصحيح مما عندهم، فغير جائز قبول حديث هذا الضرب من الناس). انتهى من (مقدمة صحيح مسلم) [1/6].
وقال رحمه الله تعالى: (فبجمع هذه الروايات ومقابلة بعضها ببعض، تتميز صحيحها من سقيمها، وتتبين رواة ضعاف الاخبار من أضدادهم من الحفاظ) انتهى من (التمييز) [ص: 209].
قلت: وهذا نصٌّ من الإمام مسلم رحمه الله على أن معرفة المنكر من الحديث لا تكون إلا بعرض مرويات الراوي على مرويات الحفاظ، ومقابلة بعضها ببعض؛ فمتى كثر مخالفته لهم دلَّ ذلك على وهنه، ومتى وافقهم في القدر المشترك ثم تفرد بعده قُبلت زيادته. وبيَّن في (التمييز) أن جمع الروايات ومقابلتها هو السبيل لتمييز الصحيح من السقيم ومعرفة الحافظ من الضعيف. وهذا برهان بيِّن على أن منهج النقاد في الجرح والتعديل قائم على الاجتهاد بالسبر والاستقراء، لا على مجرد الحس أو التقليد.
9- وقال الشيخ العلامة عبد الرحمن المعلمي اليماني رحمه الله تعالى: من الأئمة من لا يوثق من تقدمه حتى يُطَّلع على عدة أحاديث له تكون مستقيمة، وتكثر حتى يغلب على ظنه أن الاستقامة كانت ملكة لذاك الراوي، وهذا كله يدل على أن جل اعتمادهم في التوثيق والجرح إنما هو على سبر حديث الراوي، وقد صرح ابن حبان بأن المسلمين على الصلاح والعدالة حتى يتبين منهم ما يوجب القدح، نص على ذلك في "الثقات"، وذكره ابن حجر في "لسان الميزان" (1/14) واستغربه، ولو تدبر لوجد كثيرا من الأئمة يبنون عليه، فإذا تتبع أحدهم أحاديث الراوي، فوجدها مستقيمة، تدل على صدق وضبط، ولم يبلغه ما يوجب طعنا في دينه وثقه، وربما تجاوز بعضهم هذا كما سلف، وربما يبني بعضهم على هذا حتى في أهل عصره " انتهى من (التنكيل) [1/256].
قلت: وقد قرر العلامة عبد الرحمن المعلمي اليماني رحمه الله تقريرًا نفيسًا يجلّي حقيقة منهج النقاد، حيث بيَّن أن كثيرًا من الأئمة لا يُقدِمون على توثيق الراوي إلا بعد أن يقفوا على جملة وافية من مروياته، فإذا وجدوها مستقيمة متقنة غلب على ظنهم أن تلك الاستقامة قد صارت له ملكة، فيحكمون له بالثقة. وهذا المسلك – كما نبَّه – يدل دلالة بيِّنة على أن مدار التوثيق والجرح إنما هو على السبر والاستقراء وإعمال القرائن، لا على مجرد خبر محسوس أو شهادة ظاهرة أو تقليد.
10- قال الإمام الألباني رحمه الله منتقداً سيد سابق كما في (تمام المنة) [ص: 203] : (والخلاصة : أن المؤلف - عفا الله عنا وعنه - لم يستفد شيئا من النقول المتضاربة التي نقلها عن الأئمة في يونس بن بكير هذا ولا هو بين وجه اختياره تضعيفه إياه تقليداً لابن حجر في " التقريب ") اهـ..
قلت: كلام الإمام الألباني رحمه الله شاهد معاصر على نفس القاعدة التي قررها الأئمة المتقدمون.
وبهذا قد تواترت نصوص الأئمة كالحاكم والقاضي عياض والباجي وابن رشيد وابن الأنباري وابن الوزير وابن حبان، وبيَّنها الإمام مسلم، وعضَّدها المتأخرون كالمعلِّمي والألباني ـ على أن الجرح والتعديل علم اجتهادي، يقوم على السبر الدقيق لمرويات الراوي، وجمع الروايات ومقابلتها، واستقراء أحوال النقلة، والموازنة بين أقوال النقاد. ومن ثمراته: كثرة اختلافهم في الراوي الواحد، واشتراط الأهلية والتأهل العلمي للناقد، مما يقطع بأن أحكامهم ليست تقليداً محضاً ولا نقلاً حسياً، بل ثمرة اجتهاد علمي راسخ.
ثانياً: كثرةُ الاختلاف بين النقاد:
فإنك ترى النقاد يختلفون في الحكم على الراوي الواحد، بل قد يختلف الناقد الواحد في الراوي نفسه، فيوثِّقه تارة ويضعِّفه أخرى. ولو كان ذلك من باب الخبر المحسوس - الذي لا مدخل للاجتهاد فيه - لما وقع هذا الاختلاف، ولما تنوَّعت فيه الأنظار.
وإنما وقع هذا الاختلاف وتباينت فيه المواقف، لأنه باب اجتهادي، يقوم على السبر الدقيق للمرويات، واستقراء القرائن، وترجيح بعض وجوه النقد على بعض.
ومن شواهد ذلك اختلافهم في الرواة المشهورين: فقد اختلفت كلمة الأئمة في ابن لهيعة؛ فوثَّقه بعضهم لاعتباراتٍ، وجرَّحه آخرون لفساد حفظه بعد احتراق كتبه. وكذلك اختلفوا في تدليس الأعمش: هل يمرر أو لا؟ أو على تفصيل؟، مع كونه إماماً ثقةً ثبتاً.
بل قد يرجع الإمام عن اجتهاده في الراوي كما نُقل عن يحيى بن معين في أكثر من راوٍ. فهذه التباينات كلها أدلُّ دليلٍ على أن أحكام الجرح والتعديل ليست أخباراً حسية تقطع النزاع، بل هي اجتهادات علمية تقوم على النظر والاستقراء والسبر وإعمال القرائن، ولهذا كثر فيها التعارض كما هو شأن سائر أبواب الاجتهاد.
ثالثاً: اشتراطُ الأهلية:
إنَّ الجرح والتعديل لا يُقبل من كل من عُرف بالعدالة والصدق، بل هو مقصور على المتأهِّلين المتمرِّسين، الذين رسخت أقدامهم في هذا الفن، وأحاطوا بأسبابه ودقائقه.
فالعدالة وحدها لا تكفي في هذا الموضع، وإنما لا بد معها من خبرةٍ واسعة بمرويات الرواة، وبصرٍ نافذ بعلل الأسانيد، ودرايةٍ بمسالك النقاد ومناهجهم في الترجيح.
ولهذا قرر الأئمة أنه لا يُقبل قولٌ في الجرح والتعديل إلا من عارفٍ بأسبابه، قال ابن أبي حاتم: "لا يُقبل في الجرح والتعديل إلا قولُ مَن كان عالمًا بأسبابه، بصيرًا بعلله، خبيرًا بمراتبه"، وقال الخطيب البغدادي: "الجرح لا يُثبت إلا من عالمٍ به، عارفٍ بأسبابه، مميِّزٍ بين مراتبها"، فبيّنا بذلك أن هذا الباب ليس ميدانًا لأقوال عامة المحدثين، فضلاً عن غيرهم من أهل العدالة الذين لم يتخصّصوا فيه. ومن هنا قال الحافظ الذهبي في الموقظة: "لا يقبل قول إلا من عُرِفَ بالتبحّر في هذا الشأن، كابن معين وأحمد وأبي حاتم وأضرابهم". فاشتراط الأهلية إذن ضابطٌ منهجيٌّ عظيم؛ به تُصان أحكام النقاد من الاضطراب، ويُحفظ ميزان هذا العلم من التسيب، ولولاه لجرّأ كل عدلٍ على الجرح والتعديل بغير علم، فاختلط الصحيح بالسقيم، وفُقدت الثقة بأقوال المحدثين. وإنما المعتبر إذن قول العدول المتأهلين المجتهدين، الذين جمعوا بين صدق الديانة، وسعة الرواية، وحِذق الدراية.
قال النووي رحمه الله في (شرح صحيح مسلم) [1/125]: (الثَّانِيَةُ الْجَرْحُ لَا يُقْبَلُ إِلَّا مِنْ عَدْلٍ عَارِفٍ بِأَسْبَابِهِ وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِي الْجَارِحِ وَالْمُعَدِّلِ الْعَدَدُ فِيهِ خِلَافٌ لِلْعُلَمَاءِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ بَلْ يَصِيرُ مَجْرُوحًا أَوْ عَدْلًا بِقَوْلٍ وَاحِدٍ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْخَبَرِ فَيُقْبَلُ فِيهِ الْوَاحِدُ وَهَلْ يُشْتَرَطُ ذِكْرُ سَبَبِ الْجَرْحِ أَمْ لَا اخْتَلَفُوا فِيهِ فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَكَثِيرُونَ إِلَى اشْتِرَاطِهِ لِكَوْنِهِ قَدْ يَعُدُّهُ مَجْرُوحًا بِمَا لَا يَجْرَحُ لِخَفَاءِ الْأَسْبَابِ وَلِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِيهَا وَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْبَاقِلَّانِيِّ فِي آخَرِينَ إِلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ مِنَ الْعَارِفِ بِأَسْبَابِهِ وَيُشْتَرَطُ مِنْ غَيْرِهِ وَعَلَى مَذْهَبِ مَنِ اشْتَرَطَ فِي الْجَرْحِ التَّفْسِيرَ يَقُولُ فَائِدَةُ الْجَرْحِ فِيمَنْ جُرِّحَ مُطْلَقًا أَنْ يُتَوَقَّفَ عَنْ الِاحْتِجَاجِ بِهِ إِلَى أَنْ يُبْحَثَ عَنْ ذَلِكَ الْجَرْحِ ثُمَّ مَنْ وُجِدَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِمَّنْ جَرَّحَهُ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ جَرْحُهُ مُفَسَّرًا بِمَا يَجْرَحُ وَلَوْ تَعَارَضَ جَرْحٌ وَتَعْدِيلٌ قُدِّمَ الْجَرْحُ عَلَى الْمُخْتَارِ الَّذِي قَالَهُ الْمُحَقِّقُونَ وَالْجَمَاهِيرُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَدَدُ الْمُعَدِّلِينَ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ وَقِيلَ إِذَا كَانَ الْمُعَدِّلُونَ أَكْثَرَ قُدِّمَ التَّعْدِيلُ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ الْجَارِحَ اطَّلَعَ عَلَى أَمْرٍ خَفِيٍّ جَهِلَهُ الْمُعَدِّلُ) اهـ.
قلت: مما سبق يتبين أنه يشترط لقَبول الجرح حمسة شروط:
1 - أن يكون من عدل؛ فلا يقبل من فاسق ولا مطعون في دينه.
2 - أن يكون من ضابط؛ فلا يُلتفت إلى قول المغفَّل أو من يغلب عليه الوهم.
3 - أن يكون من عارف بأسبابه؛ إذ لا اعتبار بقول من يجهل القوادح وموجبات الرد.
4 - أن يبيِّن سبب الجرح؛ فلا يُقبل الجرح المبهم المجرد عن ذكر السبب، ويتثنى قبول الجرح مجملا، إذا خلا الراوي من التعديل، بشرط أن يكون خرج من عالم ورع عارف بأسبابه.
5- أن لا يقع الجرح فيمن تواترت عدالته واشتهرت إمامته، كنافع مولى ابن عمر، وشعبة، والثوي، ومالك، والشافعي، والبخاري، وأمثالهم من أعلام الأمة.
رابعاً: فضل علم الجرح والتعديل والرد على الشبهة: (سلِم منكم اليهود والنصارى ولم يسلم منكم إخوانكم المسلمين):
علم الجرح والتعديل من أعظم نعم الله على الأمة، به حُفظ الدين وصينت السنة من تلاعب الكاذبين وتحريف المبطلين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كما في (مجموع الفتاوى) [28/ 232]: (ومثل أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة أو العبادات المخالفة للكتاب والسنة؛ فإن بيان حالهم وتحذير الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين حتى قيل لأحمد بن حنبل: الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحب إليك أو يتكلم في أهل البدع؟ فقال: إذا قام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين هذا أفضل. فبين أن نفع هذا عام للمسلمين في دينهم من جنس الجهاد في سبيل الله؛ إذ تطهير سبيل الله ودينه ومنهاجه وشرعته ودفع بغي هؤلاء وعدوانهم على ذلك واجب على الكفاية باتفاق المسلمين ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب؛ فإن هؤلاء إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعا وأما أولئك فهم يفسدون القلوب ابتداء) اهـ. وقال الإمام الشوكاني رحمه الله كما في (الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني) [11/5583]: (فإنه ما زال سلف هذه الأمة وخلفها يجرحون من يستحق الجرح من رواة الشريعة، ومن الشهود على دماء العباد وأموالهم وأعراضهم، ويعدلون من يستحق التعديل. ولولا هذا لتلاعب بالسنة المطهرة الكذابون، واختلط المعروف بالمنكر، ولم يتبين ما هو صحيح مما هو باطل وما هو ثابت مما هو موضوع، وما هو قوي مما هو ضعيف) اهـ.، وقال الشيخ العلامة محمد أمان الجامي رحمه الله تعالى في (شرحه على الحموية) [ص: 29]: (وجود رجال الجرح والتعديل فضل من الله وحفظ لدينه) اهـ..
قلت: ومن تمام هذا الفضل أن يقيض الله في كل عصر من يقوم بهذا الواجب، وفي عصرنا كان الإمام ربيع بن هادي – رحمه الله– عَلَماً في هذا الباب، وقيامه بالنقد والبيان نعمة من الله يجب شكرها، إذ به تكشف مناهج أهل الأهواء، ويتميز أهل السنة من غيرهم، فالطعن فيه أو في أمثاله طعنٌ في هذا الركن الركين من الدين، وردٌّ لنعمة الله على الأمة.
خامساً: فصل في مناهج أئمة الجرح والتعديل ومراتب النقاد:
قرر الأئمة أن الكلام في الرجال ميزانٌ دقيق لا يتولاه إلا أهل المعرفة التامة والورع البالغ. قال الإمام الذهبي في (سير أعلام النبلاء) [11|82]: «ونحن لا ندعي العصمة في أئمة الجرح والتعديل. لكنهم أكثر الناس صواباً وأندرهم خطأً وأشدهم إنصافاً وأبعدهم عن التحامل. وإذا اتفقوا على تعديلٍ أو جرحٍ، فتمسك به واعضض عليه بناجذيك، ولا تتجاوزه فتندم. ومن شذ منهم فلا عِبْرة به. فخَلِّ عنك العَناء، وأعط القوس باريها. فو الله لولا الحفاظ الأكابر لخطبت الزنادقة على المنابر. ولئن خطب خاطبٌ من أهل البدع، فإنما هو بسيف الإسلام وبلسان الشريعة وبجاه السنة وبإظهار متابعة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، فنعوذ بالله من الخذلان» اهـ.
مراتب النقاد:
قسم العلماءُ أئمةَ الجرح والتعديل بحسب طرائقهم في الحكم إلى أربع طبقات:
المتشددون: كالقطان، وأبي حاتم، والعقيلي، والأزدي… يغلِّظون أحيانًا في الجرح.
المعتدلون مع ميل للتشدد: كالبخاري، ويحيى بن معين، وأبي زرعة، والنسائي.
المعتدلون مع ميل للتساهل: كأحمد بن حنبل، وأبي داود، والدارقطني، والذهبي، وابن حجر.
المتساهلون: كابن خزيمة، وابن حبان (في الثقات)، والحاكم، والعجلي، والترمذي.
وهذا التقسيم ليس على إطلاقه؛ فالنقاد قد يتشددون في موضع، ويتساهلون في آخر، بحسب الحال والقرائن.
ومن هنا قرر الذهبي قاعدةً جامعة فقال في كتابه (ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل) [ص:172]: عن الرواة: « قسم منهم متعنت في الجرح، متثبت في التعديل، يغمز الراوي بالغلطتين والثلاث، ويلين بذلك حديثه، فهذا إذا وثق شخصاً، فعض على قوله بناجذيك، وتمسك بتوثيقه، وإذا ضعف رجلاً فانظر هل وافقه غيره على تضعيفه؟ فإن وافقه ولم يوثق ذاك أحد من الحذاق فهو ضعيف، وإن وثقه أحد فهذا الذي قالوا فيه: لا يقبل تجريحه إلا مفسراً، يعني لا يكفي أن يقول فيه ابن معين مثلاً: هو ضعيف، ولم يوضح سبب ضعفه، وغيره قد وثقه، فمثل هذا يتوقف في تصحيح حديثه، وهو إلى الحسن أقرب. وابن معين، وأبو حاتم، والجوزجاني، متعنتون. » اهـ.
وبيَّن العلامة المعلمي رحمه الله أن وصف الإمام بالتشدد أو التساهل إنما هو قرينة للترجيح عند التعارض، لا قاعدة مطردة تُبطل أقواله. فالعبرة بالنظر الكلي، والاستقراء الدقيق لأحكام النقاد، وربطها بمناهجهم؛ فقال في مقدمة (الفوائد المجموعة): «ما اشتُهر من أن فلانًا من الأئمة مسهِّلٌ وفلانًا متشدد ليس على إطلاقه، فإن منهم من يُسهِّل تارةً ويشدد تارة، بحسب أحوال مختلفة. ومعرفة هذا وغيره من صفات الأئمة التي لها أثر في أحكامهم = لا تحصل إلا باستقراءٍ بالغ لأحكامهم، مع التدبر التام».
وعليه؛ فقد يثير بعض المغرضين شبهةً مفادها: أن الإمام ربيع بن هادي – رحمه الله – متشدد في نقده، وأن هذا التشدد يجعله غير مقبول الأحكام! وهذه دعوى باطلة من وجوه:
1- سبق وبيَّن المعلمي – رحمه الله – أن أوصاف النقاد بالتشدد أو التساهل إنما تُذكر على سبيل القرينة عند التعارض، لا على سبيل الإبطال المطلق. فلو وُصف ناقد بالتشدد، لم يسقط قوله رأسًا، بل يُنظر فيه: فإن وافقه غيره كان قوله حجة، وإن انفرد فالاعتبار يكون بمدى تفسيره للجرح وقيامه على أدلته.
2- انطباق هذا على الإمام ربيع: فالإمام ربيع ليس متشددًا كما يزعمون، بل هو متبعٌ لمنهج الأئمة؛ يقيم حُكمه على الأصول والقواعد، ويذكر الأسباب ويُفصِّل في الأدلة، فلا يصح بحال أن يُتَّهم بالتشدد المطلق. بل الواقع أن كلامه – في الغالب الأعم – مؤيَّد من أقرانه وكبار العلماء، حتى شهد له بذلك ابن باز والألباني وابن عثيمين وغيرهم.
3- وحقيقة الطعن: أنَّ من يلوِّح بهذه التهمة إنما يريد إسقاط أحكامه في رموز الضلال، لا لخللٍ في منهجه، ولكن فرارًا من الحق الذي قرره. وهذه عادة أهل الأهواء، إذا عجزوا عن رد الحجة، لجؤوا إلى الطعن في الناقد نفسه.
سادساً: فصل في التفاضل بين العلماء:
إنَّ من دقائق صَنيع أئمة النقد وعمق نظرهم أنَّهم لم يجعلوا العلم جملةً واحدةً، ولا الرجال فيه سواء، بل وزَّعوا الفضل بحسب أبوابه، فميَّزوا بين العلوم، وأثبتوا لكلّ فنٍّ إمامَه المتقدِّم فيه؛ فابن معين عَلَم في معرفة الرجال، وعليُّ بنُ المديني رأس في العلل، وأحمد جامع بين الفقه والحديث والورع والزهد، والبخاري آية في الحفظ وفقه العلل، والنسائي حافظ زمانه في الرجال، والدارقطني نسيج وحده في العلل، والمِزِّي إمام في الرجال، وابن تيمية سيِّد الحفَّاظ والمتون. وهكذا تناقل الأئمةُ المراتب، كلٌّ في بابه عَلَم، وفي فنِّه أوحد زمانه.
وإذا كان هذا شرف المتقدمين، فإنَّ الله قد حفظ للأمة في هذا العصر إماماً في النقد والجرح والتعديل، وهو شيخنا العلامة ربيع بن هادي المدخلي رحمه الله، الذي جمع صفات الناقد البصير، والمعرفة التامة بأسباب الجرح، مع تمام الورع، حتى غدا رأس هذا الشأن، وإمام النقد في زمانه، يشهد له بذلك أئمة العصر الكبار: ابن باز، والألباني، وابن عثيمين رحمهم الله أجمعين.
وأذكر مثلاً: حيث تجلِّت إمامته في أحكامه المحكمة، ومن أوضحها حكمه البالغ على سيد قطب؛ إذ خالفه العلامة بكر أبو زيد في ذلك، لكن العلماء كافةً أطبقوا على قبول حكم الإمام ربيع، وفنّدوا ما خالفه، فبقي قوله هو القول المعتمد، ورأيه هو الحجة الباقية.
فبهذا صار الإمام ربيع امتداداً حقيقياً لأولئك النقاد الأعلام، وصارت كلمته في الرجال والجماعات المعاصرة عِلْماً يُتلقى بالقبول، وأُسقط عن الأمة به الفرض الكفائي في هذا الباب، فجزاه الله عن الإسلام والسنة خير الجزاء.
سابعاً: الفرق بين خبر العدل والجرح والتعديل (وهو بيت القصيد):
إذا تأمل الناظر بتمعن وتدقيق، واستعرض الأمور بتجرد، رأى أنه لا يوجد فرق جوهري بين خبر العدل والجرح والتعديل ليس من حيث المبدأ العلمي، بل من حيث طبيعة الإدراك وطريقة التحقق؛ لأن النتيجة واحد من حيث القبول، فخبر العدل المحسوس يقبل بلا اجتهاد: هو ما يرويه العدل الثقة عن الراوي؛ وهو نقل مباشر لما علمه بخبرته وملاحظته وحاله من عدالة الراوي وضبطه في الرواية. كأن يقول: «فلان ثقة»، فيُعنى بذلك أنه قد تابعه، وعايشه، وخبره عن قرب، فرَصدَ عدالته وضبطه، فصار نقلاً محضاً عن واقع مُتحقق، فيُقبل على الفور بلا اجتهاد، لأنه مؤيد بالعلم المباشر والمعاينة الواقعية.
لكن الحال قد يختلف إذا كان الراوي قليل الحديث مثلاً، أو لم تتوفر عنه أخبار واسعة، فيستدعي الأمر إلى السبر والتدقيق والمقارنة: يُقارن ما روى من أحاديث مع روايات الثقات، مع إعمال القرائن، وضرب الروايات، حتى يصل إلى حكمٍ دقيق، قد يكون في صورته الأخيرة قريباً من الاجتهاد العلمي في الترجيح، لكنه اجتهاد محكوم بضوابط علمية صارمة، لا مجال فيه للهوى أو الرأي الشخصي.
وهكذا كان دأب أئمة الإسلام في كل عصر، يذبُّون عن حياض السنة، ويحمون حمى الملة، ويزنون الرجال بميزان الشرع لا بميزان الهوى. وفي عصرنا كان الإمام ربيع بن هادي – رحمه الله – عَلَماً في هذا الباب، جمع بين سَعة العلم، ونفاذ البصيرة، ودقة المنهج، وصدق النصيحة، فصار حكمه في الجرح والتعديل مرآة صافية تعكس منهج السلف، ونموذجاً مشهوداً للأمانة والصرامة في نصرة الحق وكشف الباطل.
ومن هنا ندرك أن ترداد السؤال: «هل الجرح والتعديل أمر اجتهادي؟» إنما هو كلمة حقٍّ أريد بها باطل، إذ يُراد بها مساواة اجتهاد الأئمة الراسخين باجتهاد المميِّعين المتعصبين، وتسوية ميزان الحق المبني على البرهان، بميزان الهوى المجرَّد من الدليل. وذلك قلبٌ للحقائق، وردٌّ لأصول السلف، وتشغيبٌ على الأمة في أوضح المسائل.
فالجرح المفسَّر من إمامٍ راسخٍ كالإمام ربيع – رحمه الله – هو امتداد لوظيفة الأئمة المتقدمين، وحلقة من حلقات حماية الدين، وصيانة الشريعة من تحريف الغالين وانتحال المبطلين. فطوبى لمن عرف للعلماء قدرهم، وتمسك بمنهجهم، واهتدى بهديهم.
ثامناً: فصل في كشف التلبيس وخلاص البحث:
إنّ من أعظم صور التلبيس التي يروجها أهل الأهواء في هذا الزمان: زعمُهم أنَّ كلامَ الإمام ربيع بن هادي – رحمه الله – في نقد الرجال والجماعات لا يعدو أن يكون اجتهاداً شخصياً كسائر الاجتهادات الفقهية التي يجوز الأخذ بها أو الإعراض عنها. وهذا تلبيس مكشوف، ومكر مردود، يراد به في الحقيقة إسقاطُ علم الجرح والتعديل من أصله، وتعطيلُ وظيفة النقاد التي بها حُفظت السنة، وصينت الشريعة من تحريف الغالين وانتحال المبطلين.
فالجرح والتعديل ليس رأياً عارضاً، ولا ميلاً شخصياً، وإنما هو خبر علمي اجتهادي مؤصَّل، مبني على القواعد المحكمة والأصول الراسخة التي أرسى دعائمها أئمة الحديث قديماً. فكلام الناقد فيه بمنزلة خبر العدل الضابط؛ خبرٌ مؤسس على نظر عميق، واستقراء دقيق، وموازنة منضبطة بين المرويات، وأحوال الرجال ومناهجهم.
وقد قرر أئمة هذا الشأن شروطاً فيمن يخوضُ غمارَ هذا الباب ويتكلم في الرجال، فقال الذهبي رحمه الله في (ميزان الاعتدال) [3/46]: (والكلام في الرجال لا يجوز إلا لتام المعرفة، تام الورع). اهـ.
وقال في (الموقظة) [ص: 82]: (والكلام في الرواة يحتاج إلى ورع تام، وبراءة من الهوى والميل، وخبرة كاملة بالحديث وعلله، ورجاله) اهـ.
وقال في (تذكرة الحفاظ) [1/4]: (لا سبيل إلى أن يصير العارف الذي يزكي نقلة الأخبار ويجرحهم جهبذا إلا بإدمان الطلب والفحص عن هذا الشأن وكثرة المذاكرة والسهر والتيقظ والفهم مع التقوى، والدين المتين والإنصاف، والتردد إلى مجالس العلماء، والتحري والإتقان) اهـ.
وهذه الشروط كلها قد توفرت في الإمام ربيع - رحمه الله-، فقام في هذا الباب مقام الأئمة المتقدمين، وسار على نهجهم القويم، مطبقاً لقواعدهم، ملتزماً بأصولهم. ولهذا شهد له كبار علماء هذا العصر، وفي طليعتهم الأئمة الأعلام: ابن باز، والألباني، وابن عثيمين رحمهم الله – بأنه حامل لواء السنة، والناقد البصير في هذا الميدان.
فالتقليل من شأن كلامه، أو اعتباره مجرد رأيٍ فقهيٍّ كسائر الأقوال، إنما هو نقض للمنهج السلفي في النقد، وتلبيس لنصرة أهل البدع الذين لا يحتملون أن تُكشف عوراتهم أو تُفضح مناهجهم.
فالواجب على المنصف أن يعلم أنَّ كلام النقاد في أهل الأهواء والفرق المنحرفة ليس ترفاً علمياً ولا اجتهاداً شخصياً، بل هو ذود عن حياض الدين، وجهاد في سبيل الله، به يُحمى حمى الشريعة، ويُميِّز الصف السلفي النقي من صفوف أهل الزيغ والباطل. فمن رام تعطيله أو إضعاف مكانته، فقد رام طمس معالم السنة، وإطفاء نور الحق الذي أضاء الله به قلوب أهلها.
نعم... لقد اجتمعت في شيخنا الإمام ربيع رحمه الله شروطُ الناقدِ الحصيف: تمامُ المعرفة، وكمالُ الورع، والبصرُ بأسباب الجرح والتعديل، مع صفاءِ العقيدة، وسلامةِ المنهج، وشدةِ الخشية لله عز وجل. فكان بحقٍّ ميزاناً دقيقاً صادقاً، يميِّز به بين الغثِّ والسمين، وفرقاناً يفصل به بين الحقِّ والباطل.
قد نازل أهلَ الأهواء، فكشف خفيَّ مكرهم، وأسقط أقنعتَهم، وفضح باطلَهم، وأبان للناس سبيلَ المؤمنين، وحذَّر من سبيل المجرمين. فحمل عن الأمة عبءَ فرض الكفاية في الذبِّ عن العقيدة، والتحذيرِ من الفرقِ المعاصرة والجماعاتِ المنحرفة، التي ما جلبت للأمة إلا الفتنَ والشتاتَ والخراب. فجزاه الله عن الإسلام والسنة خيرَ الجزاء، وأبقى ذكرَه في الصالحين، وجعل عمله خالصاً مباركاً في ميزان حسناته يوم الدين. اللهم آمين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وكتب حامداً مصلياً:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه
الثغر السكندري حرسه الله
الاثنين: 30 / ربيع أول / 1447هـ
[الجرح والتعديل أمر اجتهادي أنموذجًا]
الحمد لله الذي أتمَّ علينا النعمة، وأكمل لنا الدين، وجعل في كل عصرٍ طائفةً منصورةً قائمةً بالبيان، تذبُّ عن حياضه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلوات ربي وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فقد سئلت سؤالاً ونصه: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته حياك الله شيخ، شيخنا نحن في العراق و من المعلوم الآن ما يحدث عندنا وأكثر سؤال توجه إلى طلاب العلم هو: هل ردود الشيخ ربيع رحمه الله اجتهادية أم نصية؟ أفيدونا بارك الله فيكم و جزاكم الله خيرا. ومن أراد الرجوع إلى نص الإجابة فليرجع إلى السؤال رقم [136] على صفحتي في الفيس بوك.
فأجبتُ بأن أصل منهج شيخنا الإمام ربيع رحمه الله رحمة واسعة قائم على نصوص الكتاب والسنة، وفهم السلف الصالح، فهي عمدته في تقرير العقيدة وبيان قواعد المنهج السلفي وذم البدع وأهلها. أما التنزيل على الوقائع والأشخاص فهذا من باب الاجتهاد البشري الذي يخطئ ويصيب، شأنه شأن سائر علماء الأمة. وأردفت أن الفرق بيِّن بين النص الشرعي المعصوم وبين اجتهادات العلماء في التطبيق والتنزيل، فجاء جوابي أنه اجتهادي في مقابلة النصوص الشرعية المعصومة.
غير أنّ بعض الأفاضل – جزاهم الله خيرًا – نبهوا إلى أنَّ تلك الإجابة الموجزة قد تُفهم على غير مقصودها، وربما وجد فيها أهل الأهواء مدخلًا للطعن والتشغيب، فاتخذوها مطيَّةً لبثِّ الشبهات وتلبيس الحقائق. فرأيت أن أُبسِط القول، وأجمع أطراف الجواب، وأُوضِّح المسألة بيانًا شافيًا يَدحض الباطل، ويهتك ستر الملبِّسين، ويقطع دابر الشبهة من أصلها. فأقول - وبالله التوفيق والسداد-:
إن القول بأن أحكام الإمام ربيع رحمه الله على أهل البدع والأهواء والمخالفين لجادة السلف اجتهادية، (كلمة حق أريد بها باطل) وبيان ذلك:
أولاً: البيان إجمالاً:
الجرح والتعديل اجتهادٌ علميٌّ دقيق، يقوم على الاستقراء والسبر وإعمال القواعد، لا على مجرد الحِسِّ والمشاهدة وفقط، فإذا صدر عن إمامٍ عدلٍ متأهلٍ صار خبره في هذا الباب من قبيل خبر الثقة الذي يجب قبوله، فيجتمع فيه معنى الاجتهاد في أصله، ومعنى الخبر الملزم في ثمرته.
ثانياً: التفصيل:
أولاً: ذِكْرُ من صرَّح بهذا:
1- قال الحاكم في (المدخل) [ص: 114]: (وَأَنا مُبين بعون اللَّه وتوفيقه أسامي قوم من الْمَجْرُوحين مِمَّن ظهر لي جرحهم اجْتِهَادًا وَمَعْرِفَة بجرحهم لَا تقليدا فِيهِ لأحد من الْأَئِمَّة وأتوهم أَن رِوَايَة أَحَادِيث هَؤُلَاءِ لاتحل إِلَّا بعد بَيَان حَالهم) اهـ.
قلت: فالحاكم رحمه الله يصرِّح أنّ تجريحه لهؤلاء الرواة لم يكن تقليداً محضاً لأحدٍ من الأئمة، ولا إلهاماً، بل كان ثمرةَ اجتهادٍ وبحثٍ شخصيِّ؛ أي عن طريق جمع مروياتهم ومقابلة أقوالهم وسبر حديثهم، حتى تكوَّن عنده اليقين بوجود الجرح، وهذا شاهد صريح على أن عملية الجرح ثمرةُ معرفةٍ واجتهادٍ، لا مجرد إلهامٍ أو تلقينٍ أو تقليدٍ..
2- وقال القاضي عياض في (إِكمَالُ المُعْلِمِ بفَوَائِدِ مُسْلِم) [1/133]: (وأما تعيين سبب الجرح في الخبر والشهادة، فقد اختلف فيه العلماء من الفقهاء والأصوليين، فأوجبه بعضهم مطلقاً، وهو اختيار الشافعي وبعض أئمتنا، ولم يوجبه آخرون وهو اختيار القاضي أبى بكر وجماعة غيره من أئمتنا، ورأوا قبول الجرح مطلقاً دون ذكر السبب، وذهب بعضُهم إلى أن المُجَرِّحَ إذا كان عالماً بصيراً بوجوه التجريح لم نستفسره وإلا استفسرناه، وهو في الشهادة أضيق، والميل فيها إلى الاستفسار أصوب، إذ قد يُجَرَّحُ الشاهدُ- وإن كان مجرحه بصيراً بوجوه التجريح [بما يعتقد جرحه] - ولعل الحاكم لا يراه لاختلاف الاجتهاد) اهـ.
قلت: فالمعنى الذي أشار إليه القاضي هنا هو نفس ما دلَّ عليه نص الحاكم نفسه الذي أوردتَه أولاً: أن الجرح ليس نقلاً محضًا عن غيره، أو إلهاماً، بل هو ثمرة اجتهاد علمي ينهض على السبر التام والاستقراء الشامل والمقارنة الدقيقة.
3- وقال أبو الوليد الباجي في (التعديل والتجريح لمن خرج له البخاري في الجامع الصحيح) [1/279]: (وسأقدم بَين يَدي ذَلِك أبوابا ومقدمات تعلم بهَا مَنْهَج معرفَة الْجرْح وَالتَّعْدِيل فقد رَأَيْت كثيرا مِمَّن لَا علم لَهُ بِهَذَا الْبَاب يعْتَقد أَن هَذَا من جِهَة التَّقْلِيد وَأَنه لَا يدْرك بِالنّظرِ وَالِاجْتِهَاد وأذكر بعد ذَلِك شَيْئا مِمَّا يتَوَصَّل بِهِ إِلَى معرفَة الصَّحِيح من السقيم إِذْ هُوَ الْمَقْصُود بِعلم الْجرْح وَالتَّعْدِيل) اهـ.
قلت: هذا النص من الباجي رحمه الله صريحٌ في ذمِّ منْ توهَّمَ أن باب الجرح والتعديل مبنيٌّ على التقليد الأعمى، وليس على النظر والاجتهاد.
فهو يصرِّح بأن بعض من لا خبرة لهم اعتقدوا أن هذا الباب "تلقين وتقليد"، بينما الحقيقة أنه علمٌ اجتهادي له منهج، يقوم على أدوات معرفية دقيقة: 1- جمع المرويات. 2- سبر الأحاديث. 3- الموازنة بين الروايات وأحوال الرواة. 4- النظر في القرائن التي تدل على ضبط الراوي أو ضعفه.
ولهذا أكَّد أنه سيضع مقدمات وأبوابًا تبيِّن للطالب كيف يُدرَك الجرح والتعديل بالنظر الصحيح، لا بالتلقين فقط، حتى يُتوصل بذلك إلى الغاية الكبرى من هذا العلم: تمييز الصحيح من السقيم.
فالباجي يوبّخ ويُجهِّل من زعم أن الجرح والتعديل مجرد تقليد، ويؤكد على أنه ثمرة اجتهادٍ علميٍّ محكم.
4- قال أبو عبد الله محب الدين ابن رشيد الفهري في (السَنن الأبيَن والمورد الأمعن في المحاكمة بين الإمامين في السند المعنعن) [1/154]: (وَهَذَا الْمَعْنى الَّذِي قصدته [يقصد الإمام مسلم] إِن عُدَّ مخلصاً بِالنّظرِ إِلَيْك فِيمَا يلزمك التطوق بِهِ حَيْثُ غلب على ظَنك صِحَّته فَلَا يلْزم غَيْرك مِمَّن يجْتَهد فِي الرِّجَال نعم يكون صَحِيحا فِي حق من يَكْتَفِي بتقليدك وَإنَّك لخليق بذلك من الْفُقَهَاء أَو الْمُحدثين مِمَّن لم يبلغ رُتْبَة الِاجْتِهَاد فِي معرفَة الصَّحِيح والسقيم).
قلت: وبذلك يلتقي كلام ابن رشيد مع كلام الحاكم وعياض والباجي في تقرير القاعدة: الجرح والتعديل علمٌ اجتهاديٌّ راسخ، لا محضُ تقليد.
5- وقال الزركشي في النكت3/229-230: " قال ابن الأنباري في شرح البرهان في باب الاجتهاد: قال (أي بعض الأصوليين): " ويبعد في حق الراوي أن يعرف حاله كل من روى له خبرا، فيكتفي بتعديل الأئمة بعد أن يعرف مذهبهم في التعديل مذهب مستقيم، فإن الناس قد اختلفوا فيما يعدل به ويجرح" قال الأنباري: "والصحيح عندنا خلاف ذلك، وهذا تقليد محض ولا يكون المحدث على بصيرة من هذا الحال) اهـ.
قلت: هذا النص من الزركشي ناقلًا عن ابن الأنباري يكمِّل المعنى الذي تتابعت عليه النقول السابقة:
بعض الأصوليين قال: لا يلزم المحدث أن يعرف بنفسه حال كل راوٍ، بل يكفيه أن يعتمد على تعديل الأئمة الثقات، بعد أن يعرف مذهبهم في التعديل والجرح.
لكن ابن الأنباري ردَّ ذلك وقال: "الصحيح خلافه"؛ أي لا يُكتفى بالتقليد المحض، لأن هذا يجعل المحدث يعمل بغير بصيرة.
ثم قرر أن مجرد التقليد لا يورث العلم الراسخ ولا البصيرة الدقيقة التي تُميِّز الصحيح من السقيم، وإنما المطلوب هو الاجتهاد المبني على النظر، والسبر، والاستقراء.
6- وقال الصنعاني في توضيح الأفكار1/307-308 ناقلا عن ابن الوزير: (أما جهل المرسل لجرح من أرسل عنه فليس من مسائل الخلاف فإن إرساله عنه جاهلا لجرحه غير قادح في إرساله وإن كان قدحا في المرسل فما كان يحسن عده مما اختلف فيه كما لا يخفى "فيؤدي" أي قبول مرسل الثقة المجزوم به "إلى تقليد المجتهد" القابل للمرسل "لغيره" وهو المرسل "في مسائل الاجتهاد" كقبول المغفل ونحوه "وبنائه" أي المجتهد "لاجتهاده على تقليد" المرسل والمجتهد لا يجوز له التقليد فإن قلت: قد تقدم للمصنف غير مرة أن قبول خبر العدل ليس تقليدا له قلت: ذلك فيما إذا أخبر العدل عن غير إرسال إذ هو الذي قام الدليل على قبول خبره كما عرفته. إن قلت: هذا بعينه يجري في القدح المطلق والتعديل المطلق لاختلاف العلماء فيما يقدح به وفيما يشترط في العدالة فقابل القدح المطلق والتعديل المطلق ينبغي أن يكون مقلدا لا مجتهدا لأنه يبني اجتهاده على رأي غيره تجريحا وتعديلا. قلت (الصنعاني): لا محيص عن هذا ويأتي بسطه في محله..) اهـ.
قلت: هذا النص عن الصنعاني تأييداً وناقلاً عن ابن الوزير يزيد القضية وضوحًا:
• ابن الوزير يُبيِّن أن المجتهد لا يجوز له التقليد، لأن وظيفته النظر والاجتهاد.
• فإذا اعتمد المجتهد على التجريح أو التعديل المطلق من غير معرفة لسببه، فإنه في الحقيقة يكون مقلِّدًا لا مجتهدًا، لاختلاف العلماء في أسباب القدح والعدالة وشروطهما.
• وبالتالي فبناء اجتهاده على أقوال غيره من غير سبر ولا تفتيش يُفقده صفة الاجتهاد، ويجعله تابعًا في التقليد.
فهذا الكلام يوافق تمامًا ما سبق من نصوص الحاكم، والقاضي عياض، والباجي، وابن رشيد، وابن الأنباري (عند الزركشي):
• أن الجرح والتعديل علم اجتهادي.
• وأن التقليد المحض فيه لا يُثمر بصيرة ولا يُغني عن التحقيق.
• وأن المجتهد لا يسعه إلا الاجتهاد المباشر بالسبر والاستقراء
7- وقال ابن حبان في (الثقات) [1/13]: (وإنما أذكر في هذا الكتاب الشيخ بعد الشيخ، وقد ضعفه بعض أئمتنا، ووثقه بعضهم، فمن صح عندي منهم أنه ثقة بالدلائل النيرة التي بينتها في كتاب "الفصل بين النقلة" أدخلته في هذا الكتاب؛ لأنه يجوز الاحتجاج بخبره، ومن صح عندي منهم أنه ضعيف بالبراهين الواضحة التي ذكرتها في كتاب "الفصل بين النقلة" لم أذكره في هذا الكتاب لكني أدخلته في كتاب الضعفاء بالعلل لأنه لا يجوز الاحتجاج بخبره) اهـ.
قلت: هذا النقل عن ابن حبان شاهد قوي جدًّا في الباب:
يصرّح أنه لا يعتمد في توثيقه وتجريحه على مجرد نقلٍ أو تقليد لأقوال الأئمة؛ بل يعتمد على دلائل نيرة وبراهين واضحة فصلها في كتابه الفصل بين النقلة.
ومن ثَمَّ: من ثبتت عنده أنه ثقة بالبراهين أدخله في الثقات، ومن ثبت ضعفه أدخله في الضعفاء.
وهذا يبيِّن أن ابن حبان - مع كونه متَّهمًا أحيانًا بالتساهل في التوثيق - كان يرى أن حكمه ناتج عن اجتهاد ونظر واستقراء، لا مجرد تقليد للأئمة.
8- وقال الإمام مسلم رحمه الله: (وعلامة المنكر في حديث المحدث، إذا ما عُرِضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضا، خالفت روايته روايتهم، أو لم تكد توافقها، فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك، كان مهجور الحديث، غير مقبولة، ولا مستعمله... لأن حكم أهل العلم، والذي نعرف من مذهبهم في قبول ما يتفرد به المحدث من الحديث: أن يكون قد شارك الثقات من أهل العلم والحفظ في بعض ما رووا، وأمعن في ذلك على الموافقة لهم، فإذا وجد كذلك، ثم زاد بعد ذلك شيئا ليس عند أصحابه؛ قبلت زيادته.
فأما من تراه يعمد لمثل الزهري في جلالته، وكثرة أصحابه الحفاظ المتقنين لحديثه وحديث غيره، أو لمثل هشام بن عروة، وحديثهما عند أهل العلم مبسوط مشترك، قد نقل أصحابهما عنهما حديثهما على الاتفاق منهم في أكثره، فيروي عنهما، أو عن أحدهما العدد من الحديث، مما لا يعرفه أحد من أصحابهما، وليس ممن قد شاركهم في الصحيح مما عندهم، فغير جائز قبول حديث هذا الضرب من الناس). انتهى من (مقدمة صحيح مسلم) [1/6].
وقال رحمه الله تعالى: (فبجمع هذه الروايات ومقابلة بعضها ببعض، تتميز صحيحها من سقيمها، وتتبين رواة ضعاف الاخبار من أضدادهم من الحفاظ) انتهى من (التمييز) [ص: 209].
قلت: وهذا نصٌّ من الإمام مسلم رحمه الله على أن معرفة المنكر من الحديث لا تكون إلا بعرض مرويات الراوي على مرويات الحفاظ، ومقابلة بعضها ببعض؛ فمتى كثر مخالفته لهم دلَّ ذلك على وهنه، ومتى وافقهم في القدر المشترك ثم تفرد بعده قُبلت زيادته. وبيَّن في (التمييز) أن جمع الروايات ومقابلتها هو السبيل لتمييز الصحيح من السقيم ومعرفة الحافظ من الضعيف. وهذا برهان بيِّن على أن منهج النقاد في الجرح والتعديل قائم على الاجتهاد بالسبر والاستقراء، لا على مجرد الحس أو التقليد.
9- وقال الشيخ العلامة عبد الرحمن المعلمي اليماني رحمه الله تعالى: من الأئمة من لا يوثق من تقدمه حتى يُطَّلع على عدة أحاديث له تكون مستقيمة، وتكثر حتى يغلب على ظنه أن الاستقامة كانت ملكة لذاك الراوي، وهذا كله يدل على أن جل اعتمادهم في التوثيق والجرح إنما هو على سبر حديث الراوي، وقد صرح ابن حبان بأن المسلمين على الصلاح والعدالة حتى يتبين منهم ما يوجب القدح، نص على ذلك في "الثقات"، وذكره ابن حجر في "لسان الميزان" (1/14) واستغربه، ولو تدبر لوجد كثيرا من الأئمة يبنون عليه، فإذا تتبع أحدهم أحاديث الراوي، فوجدها مستقيمة، تدل على صدق وضبط، ولم يبلغه ما يوجب طعنا في دينه وثقه، وربما تجاوز بعضهم هذا كما سلف، وربما يبني بعضهم على هذا حتى في أهل عصره " انتهى من (التنكيل) [1/256].
قلت: وقد قرر العلامة عبد الرحمن المعلمي اليماني رحمه الله تقريرًا نفيسًا يجلّي حقيقة منهج النقاد، حيث بيَّن أن كثيرًا من الأئمة لا يُقدِمون على توثيق الراوي إلا بعد أن يقفوا على جملة وافية من مروياته، فإذا وجدوها مستقيمة متقنة غلب على ظنهم أن تلك الاستقامة قد صارت له ملكة، فيحكمون له بالثقة. وهذا المسلك – كما نبَّه – يدل دلالة بيِّنة على أن مدار التوثيق والجرح إنما هو على السبر والاستقراء وإعمال القرائن، لا على مجرد خبر محسوس أو شهادة ظاهرة أو تقليد.
10- قال الإمام الألباني رحمه الله منتقداً سيد سابق كما في (تمام المنة) [ص: 203] : (والخلاصة : أن المؤلف - عفا الله عنا وعنه - لم يستفد شيئا من النقول المتضاربة التي نقلها عن الأئمة في يونس بن بكير هذا ولا هو بين وجه اختياره تضعيفه إياه تقليداً لابن حجر في " التقريب ") اهـ..
قلت: كلام الإمام الألباني رحمه الله شاهد معاصر على نفس القاعدة التي قررها الأئمة المتقدمون.
وبهذا قد تواترت نصوص الأئمة كالحاكم والقاضي عياض والباجي وابن رشيد وابن الأنباري وابن الوزير وابن حبان، وبيَّنها الإمام مسلم، وعضَّدها المتأخرون كالمعلِّمي والألباني ـ على أن الجرح والتعديل علم اجتهادي، يقوم على السبر الدقيق لمرويات الراوي، وجمع الروايات ومقابلتها، واستقراء أحوال النقلة، والموازنة بين أقوال النقاد. ومن ثمراته: كثرة اختلافهم في الراوي الواحد، واشتراط الأهلية والتأهل العلمي للناقد، مما يقطع بأن أحكامهم ليست تقليداً محضاً ولا نقلاً حسياً، بل ثمرة اجتهاد علمي راسخ.
ثانياً: كثرةُ الاختلاف بين النقاد:
فإنك ترى النقاد يختلفون في الحكم على الراوي الواحد، بل قد يختلف الناقد الواحد في الراوي نفسه، فيوثِّقه تارة ويضعِّفه أخرى. ولو كان ذلك من باب الخبر المحسوس - الذي لا مدخل للاجتهاد فيه - لما وقع هذا الاختلاف، ولما تنوَّعت فيه الأنظار.
وإنما وقع هذا الاختلاف وتباينت فيه المواقف، لأنه باب اجتهادي، يقوم على السبر الدقيق للمرويات، واستقراء القرائن، وترجيح بعض وجوه النقد على بعض.
ومن شواهد ذلك اختلافهم في الرواة المشهورين: فقد اختلفت كلمة الأئمة في ابن لهيعة؛ فوثَّقه بعضهم لاعتباراتٍ، وجرَّحه آخرون لفساد حفظه بعد احتراق كتبه. وكذلك اختلفوا في تدليس الأعمش: هل يمرر أو لا؟ أو على تفصيل؟، مع كونه إماماً ثقةً ثبتاً.
بل قد يرجع الإمام عن اجتهاده في الراوي كما نُقل عن يحيى بن معين في أكثر من راوٍ. فهذه التباينات كلها أدلُّ دليلٍ على أن أحكام الجرح والتعديل ليست أخباراً حسية تقطع النزاع، بل هي اجتهادات علمية تقوم على النظر والاستقراء والسبر وإعمال القرائن، ولهذا كثر فيها التعارض كما هو شأن سائر أبواب الاجتهاد.
ثالثاً: اشتراطُ الأهلية:
إنَّ الجرح والتعديل لا يُقبل من كل من عُرف بالعدالة والصدق، بل هو مقصور على المتأهِّلين المتمرِّسين، الذين رسخت أقدامهم في هذا الفن، وأحاطوا بأسبابه ودقائقه.
فالعدالة وحدها لا تكفي في هذا الموضع، وإنما لا بد معها من خبرةٍ واسعة بمرويات الرواة، وبصرٍ نافذ بعلل الأسانيد، ودرايةٍ بمسالك النقاد ومناهجهم في الترجيح.
ولهذا قرر الأئمة أنه لا يُقبل قولٌ في الجرح والتعديل إلا من عارفٍ بأسبابه، قال ابن أبي حاتم: "لا يُقبل في الجرح والتعديل إلا قولُ مَن كان عالمًا بأسبابه، بصيرًا بعلله، خبيرًا بمراتبه"، وقال الخطيب البغدادي: "الجرح لا يُثبت إلا من عالمٍ به، عارفٍ بأسبابه، مميِّزٍ بين مراتبها"، فبيّنا بذلك أن هذا الباب ليس ميدانًا لأقوال عامة المحدثين، فضلاً عن غيرهم من أهل العدالة الذين لم يتخصّصوا فيه. ومن هنا قال الحافظ الذهبي في الموقظة: "لا يقبل قول إلا من عُرِفَ بالتبحّر في هذا الشأن، كابن معين وأحمد وأبي حاتم وأضرابهم". فاشتراط الأهلية إذن ضابطٌ منهجيٌّ عظيم؛ به تُصان أحكام النقاد من الاضطراب، ويُحفظ ميزان هذا العلم من التسيب، ولولاه لجرّأ كل عدلٍ على الجرح والتعديل بغير علم، فاختلط الصحيح بالسقيم، وفُقدت الثقة بأقوال المحدثين. وإنما المعتبر إذن قول العدول المتأهلين المجتهدين، الذين جمعوا بين صدق الديانة، وسعة الرواية، وحِذق الدراية.
قال النووي رحمه الله في (شرح صحيح مسلم) [1/125]: (الثَّانِيَةُ الْجَرْحُ لَا يُقْبَلُ إِلَّا مِنْ عَدْلٍ عَارِفٍ بِأَسْبَابِهِ وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِي الْجَارِحِ وَالْمُعَدِّلِ الْعَدَدُ فِيهِ خِلَافٌ لِلْعُلَمَاءِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ بَلْ يَصِيرُ مَجْرُوحًا أَوْ عَدْلًا بِقَوْلٍ وَاحِدٍ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْخَبَرِ فَيُقْبَلُ فِيهِ الْوَاحِدُ وَهَلْ يُشْتَرَطُ ذِكْرُ سَبَبِ الْجَرْحِ أَمْ لَا اخْتَلَفُوا فِيهِ فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَكَثِيرُونَ إِلَى اشْتِرَاطِهِ لِكَوْنِهِ قَدْ يَعُدُّهُ مَجْرُوحًا بِمَا لَا يَجْرَحُ لِخَفَاءِ الْأَسْبَابِ وَلِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِيهَا وَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْبَاقِلَّانِيِّ فِي آخَرِينَ إِلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ مِنَ الْعَارِفِ بِأَسْبَابِهِ وَيُشْتَرَطُ مِنْ غَيْرِهِ وَعَلَى مَذْهَبِ مَنِ اشْتَرَطَ فِي الْجَرْحِ التَّفْسِيرَ يَقُولُ فَائِدَةُ الْجَرْحِ فِيمَنْ جُرِّحَ مُطْلَقًا أَنْ يُتَوَقَّفَ عَنْ الِاحْتِجَاجِ بِهِ إِلَى أَنْ يُبْحَثَ عَنْ ذَلِكَ الْجَرْحِ ثُمَّ مَنْ وُجِدَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِمَّنْ جَرَّحَهُ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ جَرْحُهُ مُفَسَّرًا بِمَا يَجْرَحُ وَلَوْ تَعَارَضَ جَرْحٌ وَتَعْدِيلٌ قُدِّمَ الْجَرْحُ عَلَى الْمُخْتَارِ الَّذِي قَالَهُ الْمُحَقِّقُونَ وَالْجَمَاهِيرُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَدَدُ الْمُعَدِّلِينَ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ وَقِيلَ إِذَا كَانَ الْمُعَدِّلُونَ أَكْثَرَ قُدِّمَ التَّعْدِيلُ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ الْجَارِحَ اطَّلَعَ عَلَى أَمْرٍ خَفِيٍّ جَهِلَهُ الْمُعَدِّلُ) اهـ.
قلت: مما سبق يتبين أنه يشترط لقَبول الجرح حمسة شروط:
1 - أن يكون من عدل؛ فلا يقبل من فاسق ولا مطعون في دينه.
2 - أن يكون من ضابط؛ فلا يُلتفت إلى قول المغفَّل أو من يغلب عليه الوهم.
3 - أن يكون من عارف بأسبابه؛ إذ لا اعتبار بقول من يجهل القوادح وموجبات الرد.
4 - أن يبيِّن سبب الجرح؛ فلا يُقبل الجرح المبهم المجرد عن ذكر السبب، ويتثنى قبول الجرح مجملا، إذا خلا الراوي من التعديل، بشرط أن يكون خرج من عالم ورع عارف بأسبابه.
5- أن لا يقع الجرح فيمن تواترت عدالته واشتهرت إمامته، كنافع مولى ابن عمر، وشعبة، والثوي، ومالك، والشافعي، والبخاري، وأمثالهم من أعلام الأمة.
رابعاً: فضل علم الجرح والتعديل والرد على الشبهة: (سلِم منكم اليهود والنصارى ولم يسلم منكم إخوانكم المسلمين):
علم الجرح والتعديل من أعظم نعم الله على الأمة، به حُفظ الدين وصينت السنة من تلاعب الكاذبين وتحريف المبطلين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كما في (مجموع الفتاوى) [28/ 232]: (ومثل أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة أو العبادات المخالفة للكتاب والسنة؛ فإن بيان حالهم وتحذير الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين حتى قيل لأحمد بن حنبل: الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحب إليك أو يتكلم في أهل البدع؟ فقال: إذا قام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين هذا أفضل. فبين أن نفع هذا عام للمسلمين في دينهم من جنس الجهاد في سبيل الله؛ إذ تطهير سبيل الله ودينه ومنهاجه وشرعته ودفع بغي هؤلاء وعدوانهم على ذلك واجب على الكفاية باتفاق المسلمين ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب؛ فإن هؤلاء إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعا وأما أولئك فهم يفسدون القلوب ابتداء) اهـ. وقال الإمام الشوكاني رحمه الله كما في (الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني) [11/5583]: (فإنه ما زال سلف هذه الأمة وخلفها يجرحون من يستحق الجرح من رواة الشريعة، ومن الشهود على دماء العباد وأموالهم وأعراضهم، ويعدلون من يستحق التعديل. ولولا هذا لتلاعب بالسنة المطهرة الكذابون، واختلط المعروف بالمنكر، ولم يتبين ما هو صحيح مما هو باطل وما هو ثابت مما هو موضوع، وما هو قوي مما هو ضعيف) اهـ.، وقال الشيخ العلامة محمد أمان الجامي رحمه الله تعالى في (شرحه على الحموية) [ص: 29]: (وجود رجال الجرح والتعديل فضل من الله وحفظ لدينه) اهـ..
قلت: ومن تمام هذا الفضل أن يقيض الله في كل عصر من يقوم بهذا الواجب، وفي عصرنا كان الإمام ربيع بن هادي – رحمه الله– عَلَماً في هذا الباب، وقيامه بالنقد والبيان نعمة من الله يجب شكرها، إذ به تكشف مناهج أهل الأهواء، ويتميز أهل السنة من غيرهم، فالطعن فيه أو في أمثاله طعنٌ في هذا الركن الركين من الدين، وردٌّ لنعمة الله على الأمة.
خامساً: فصل في مناهج أئمة الجرح والتعديل ومراتب النقاد:
قرر الأئمة أن الكلام في الرجال ميزانٌ دقيق لا يتولاه إلا أهل المعرفة التامة والورع البالغ. قال الإمام الذهبي في (سير أعلام النبلاء) [11|82]: «ونحن لا ندعي العصمة في أئمة الجرح والتعديل. لكنهم أكثر الناس صواباً وأندرهم خطأً وأشدهم إنصافاً وأبعدهم عن التحامل. وإذا اتفقوا على تعديلٍ أو جرحٍ، فتمسك به واعضض عليه بناجذيك، ولا تتجاوزه فتندم. ومن شذ منهم فلا عِبْرة به. فخَلِّ عنك العَناء، وأعط القوس باريها. فو الله لولا الحفاظ الأكابر لخطبت الزنادقة على المنابر. ولئن خطب خاطبٌ من أهل البدع، فإنما هو بسيف الإسلام وبلسان الشريعة وبجاه السنة وبإظهار متابعة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، فنعوذ بالله من الخذلان» اهـ.
مراتب النقاد:
قسم العلماءُ أئمةَ الجرح والتعديل بحسب طرائقهم في الحكم إلى أربع طبقات:
المتشددون: كالقطان، وأبي حاتم، والعقيلي، والأزدي… يغلِّظون أحيانًا في الجرح.
المعتدلون مع ميل للتشدد: كالبخاري، ويحيى بن معين، وأبي زرعة، والنسائي.
المعتدلون مع ميل للتساهل: كأحمد بن حنبل، وأبي داود، والدارقطني، والذهبي، وابن حجر.
المتساهلون: كابن خزيمة، وابن حبان (في الثقات)، والحاكم، والعجلي، والترمذي.
وهذا التقسيم ليس على إطلاقه؛ فالنقاد قد يتشددون في موضع، ويتساهلون في آخر، بحسب الحال والقرائن.
ومن هنا قرر الذهبي قاعدةً جامعة فقال في كتابه (ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل) [ص:172]: عن الرواة: « قسم منهم متعنت في الجرح، متثبت في التعديل، يغمز الراوي بالغلطتين والثلاث، ويلين بذلك حديثه، فهذا إذا وثق شخصاً، فعض على قوله بناجذيك، وتمسك بتوثيقه، وإذا ضعف رجلاً فانظر هل وافقه غيره على تضعيفه؟ فإن وافقه ولم يوثق ذاك أحد من الحذاق فهو ضعيف، وإن وثقه أحد فهذا الذي قالوا فيه: لا يقبل تجريحه إلا مفسراً، يعني لا يكفي أن يقول فيه ابن معين مثلاً: هو ضعيف، ولم يوضح سبب ضعفه، وغيره قد وثقه، فمثل هذا يتوقف في تصحيح حديثه، وهو إلى الحسن أقرب. وابن معين، وأبو حاتم، والجوزجاني، متعنتون. » اهـ.
وبيَّن العلامة المعلمي رحمه الله أن وصف الإمام بالتشدد أو التساهل إنما هو قرينة للترجيح عند التعارض، لا قاعدة مطردة تُبطل أقواله. فالعبرة بالنظر الكلي، والاستقراء الدقيق لأحكام النقاد، وربطها بمناهجهم؛ فقال في مقدمة (الفوائد المجموعة): «ما اشتُهر من أن فلانًا من الأئمة مسهِّلٌ وفلانًا متشدد ليس على إطلاقه، فإن منهم من يُسهِّل تارةً ويشدد تارة، بحسب أحوال مختلفة. ومعرفة هذا وغيره من صفات الأئمة التي لها أثر في أحكامهم = لا تحصل إلا باستقراءٍ بالغ لأحكامهم، مع التدبر التام».
وعليه؛ فقد يثير بعض المغرضين شبهةً مفادها: أن الإمام ربيع بن هادي – رحمه الله – متشدد في نقده، وأن هذا التشدد يجعله غير مقبول الأحكام! وهذه دعوى باطلة من وجوه:
1- سبق وبيَّن المعلمي – رحمه الله – أن أوصاف النقاد بالتشدد أو التساهل إنما تُذكر على سبيل القرينة عند التعارض، لا على سبيل الإبطال المطلق. فلو وُصف ناقد بالتشدد، لم يسقط قوله رأسًا، بل يُنظر فيه: فإن وافقه غيره كان قوله حجة، وإن انفرد فالاعتبار يكون بمدى تفسيره للجرح وقيامه على أدلته.
2- انطباق هذا على الإمام ربيع: فالإمام ربيع ليس متشددًا كما يزعمون، بل هو متبعٌ لمنهج الأئمة؛ يقيم حُكمه على الأصول والقواعد، ويذكر الأسباب ويُفصِّل في الأدلة، فلا يصح بحال أن يُتَّهم بالتشدد المطلق. بل الواقع أن كلامه – في الغالب الأعم – مؤيَّد من أقرانه وكبار العلماء، حتى شهد له بذلك ابن باز والألباني وابن عثيمين وغيرهم.
3- وحقيقة الطعن: أنَّ من يلوِّح بهذه التهمة إنما يريد إسقاط أحكامه في رموز الضلال، لا لخللٍ في منهجه، ولكن فرارًا من الحق الذي قرره. وهذه عادة أهل الأهواء، إذا عجزوا عن رد الحجة، لجؤوا إلى الطعن في الناقد نفسه.
سادساً: فصل في التفاضل بين العلماء:
إنَّ من دقائق صَنيع أئمة النقد وعمق نظرهم أنَّهم لم يجعلوا العلم جملةً واحدةً، ولا الرجال فيه سواء، بل وزَّعوا الفضل بحسب أبوابه، فميَّزوا بين العلوم، وأثبتوا لكلّ فنٍّ إمامَه المتقدِّم فيه؛ فابن معين عَلَم في معرفة الرجال، وعليُّ بنُ المديني رأس في العلل، وأحمد جامع بين الفقه والحديث والورع والزهد، والبخاري آية في الحفظ وفقه العلل، والنسائي حافظ زمانه في الرجال، والدارقطني نسيج وحده في العلل، والمِزِّي إمام في الرجال، وابن تيمية سيِّد الحفَّاظ والمتون. وهكذا تناقل الأئمةُ المراتب، كلٌّ في بابه عَلَم، وفي فنِّه أوحد زمانه.
وإذا كان هذا شرف المتقدمين، فإنَّ الله قد حفظ للأمة في هذا العصر إماماً في النقد والجرح والتعديل، وهو شيخنا العلامة ربيع بن هادي المدخلي رحمه الله، الذي جمع صفات الناقد البصير، والمعرفة التامة بأسباب الجرح، مع تمام الورع، حتى غدا رأس هذا الشأن، وإمام النقد في زمانه، يشهد له بذلك أئمة العصر الكبار: ابن باز، والألباني، وابن عثيمين رحمهم الله أجمعين.
وأذكر مثلاً: حيث تجلِّت إمامته في أحكامه المحكمة، ومن أوضحها حكمه البالغ على سيد قطب؛ إذ خالفه العلامة بكر أبو زيد في ذلك، لكن العلماء كافةً أطبقوا على قبول حكم الإمام ربيع، وفنّدوا ما خالفه، فبقي قوله هو القول المعتمد، ورأيه هو الحجة الباقية.
فبهذا صار الإمام ربيع امتداداً حقيقياً لأولئك النقاد الأعلام، وصارت كلمته في الرجال والجماعات المعاصرة عِلْماً يُتلقى بالقبول، وأُسقط عن الأمة به الفرض الكفائي في هذا الباب، فجزاه الله عن الإسلام والسنة خير الجزاء.
سابعاً: الفرق بين خبر العدل والجرح والتعديل (وهو بيت القصيد):
إذا تأمل الناظر بتمعن وتدقيق، واستعرض الأمور بتجرد، رأى أنه لا يوجد فرق جوهري بين خبر العدل والجرح والتعديل ليس من حيث المبدأ العلمي، بل من حيث طبيعة الإدراك وطريقة التحقق؛ لأن النتيجة واحد من حيث القبول، فخبر العدل المحسوس يقبل بلا اجتهاد: هو ما يرويه العدل الثقة عن الراوي؛ وهو نقل مباشر لما علمه بخبرته وملاحظته وحاله من عدالة الراوي وضبطه في الرواية. كأن يقول: «فلان ثقة»، فيُعنى بذلك أنه قد تابعه، وعايشه، وخبره عن قرب، فرَصدَ عدالته وضبطه، فصار نقلاً محضاً عن واقع مُتحقق، فيُقبل على الفور بلا اجتهاد، لأنه مؤيد بالعلم المباشر والمعاينة الواقعية.
لكن الحال قد يختلف إذا كان الراوي قليل الحديث مثلاً، أو لم تتوفر عنه أخبار واسعة، فيستدعي الأمر إلى السبر والتدقيق والمقارنة: يُقارن ما روى من أحاديث مع روايات الثقات، مع إعمال القرائن، وضرب الروايات، حتى يصل إلى حكمٍ دقيق، قد يكون في صورته الأخيرة قريباً من الاجتهاد العلمي في الترجيح، لكنه اجتهاد محكوم بضوابط علمية صارمة، لا مجال فيه للهوى أو الرأي الشخصي.
وهكذا كان دأب أئمة الإسلام في كل عصر، يذبُّون عن حياض السنة، ويحمون حمى الملة، ويزنون الرجال بميزان الشرع لا بميزان الهوى. وفي عصرنا كان الإمام ربيع بن هادي – رحمه الله – عَلَماً في هذا الباب، جمع بين سَعة العلم، ونفاذ البصيرة، ودقة المنهج، وصدق النصيحة، فصار حكمه في الجرح والتعديل مرآة صافية تعكس منهج السلف، ونموذجاً مشهوداً للأمانة والصرامة في نصرة الحق وكشف الباطل.
ومن هنا ندرك أن ترداد السؤال: «هل الجرح والتعديل أمر اجتهادي؟» إنما هو كلمة حقٍّ أريد بها باطل، إذ يُراد بها مساواة اجتهاد الأئمة الراسخين باجتهاد المميِّعين المتعصبين، وتسوية ميزان الحق المبني على البرهان، بميزان الهوى المجرَّد من الدليل. وذلك قلبٌ للحقائق، وردٌّ لأصول السلف، وتشغيبٌ على الأمة في أوضح المسائل.
فالجرح المفسَّر من إمامٍ راسخٍ كالإمام ربيع – رحمه الله – هو امتداد لوظيفة الأئمة المتقدمين، وحلقة من حلقات حماية الدين، وصيانة الشريعة من تحريف الغالين وانتحال المبطلين. فطوبى لمن عرف للعلماء قدرهم، وتمسك بمنهجهم، واهتدى بهديهم.
ثامناً: فصل في كشف التلبيس وخلاص البحث:
إنّ من أعظم صور التلبيس التي يروجها أهل الأهواء في هذا الزمان: زعمُهم أنَّ كلامَ الإمام ربيع بن هادي – رحمه الله – في نقد الرجال والجماعات لا يعدو أن يكون اجتهاداً شخصياً كسائر الاجتهادات الفقهية التي يجوز الأخذ بها أو الإعراض عنها. وهذا تلبيس مكشوف، ومكر مردود، يراد به في الحقيقة إسقاطُ علم الجرح والتعديل من أصله، وتعطيلُ وظيفة النقاد التي بها حُفظت السنة، وصينت الشريعة من تحريف الغالين وانتحال المبطلين.
فالجرح والتعديل ليس رأياً عارضاً، ولا ميلاً شخصياً، وإنما هو خبر علمي اجتهادي مؤصَّل، مبني على القواعد المحكمة والأصول الراسخة التي أرسى دعائمها أئمة الحديث قديماً. فكلام الناقد فيه بمنزلة خبر العدل الضابط؛ خبرٌ مؤسس على نظر عميق، واستقراء دقيق، وموازنة منضبطة بين المرويات، وأحوال الرجال ومناهجهم.
وقد قرر أئمة هذا الشأن شروطاً فيمن يخوضُ غمارَ هذا الباب ويتكلم في الرجال، فقال الذهبي رحمه الله في (ميزان الاعتدال) [3/46]: (والكلام في الرجال لا يجوز إلا لتام المعرفة، تام الورع). اهـ.
وقال في (الموقظة) [ص: 82]: (والكلام في الرواة يحتاج إلى ورع تام، وبراءة من الهوى والميل، وخبرة كاملة بالحديث وعلله، ورجاله) اهـ.
وقال في (تذكرة الحفاظ) [1/4]: (لا سبيل إلى أن يصير العارف الذي يزكي نقلة الأخبار ويجرحهم جهبذا إلا بإدمان الطلب والفحص عن هذا الشأن وكثرة المذاكرة والسهر والتيقظ والفهم مع التقوى، والدين المتين والإنصاف، والتردد إلى مجالس العلماء، والتحري والإتقان) اهـ.
وهذه الشروط كلها قد توفرت في الإمام ربيع - رحمه الله-، فقام في هذا الباب مقام الأئمة المتقدمين، وسار على نهجهم القويم، مطبقاً لقواعدهم، ملتزماً بأصولهم. ولهذا شهد له كبار علماء هذا العصر، وفي طليعتهم الأئمة الأعلام: ابن باز، والألباني، وابن عثيمين رحمهم الله – بأنه حامل لواء السنة، والناقد البصير في هذا الميدان.
فالتقليل من شأن كلامه، أو اعتباره مجرد رأيٍ فقهيٍّ كسائر الأقوال، إنما هو نقض للمنهج السلفي في النقد، وتلبيس لنصرة أهل البدع الذين لا يحتملون أن تُكشف عوراتهم أو تُفضح مناهجهم.
فالواجب على المنصف أن يعلم أنَّ كلام النقاد في أهل الأهواء والفرق المنحرفة ليس ترفاً علمياً ولا اجتهاداً شخصياً، بل هو ذود عن حياض الدين، وجهاد في سبيل الله، به يُحمى حمى الشريعة، ويُميِّز الصف السلفي النقي من صفوف أهل الزيغ والباطل. فمن رام تعطيله أو إضعاف مكانته، فقد رام طمس معالم السنة، وإطفاء نور الحق الذي أضاء الله به قلوب أهلها.
نعم... لقد اجتمعت في شيخنا الإمام ربيع رحمه الله شروطُ الناقدِ الحصيف: تمامُ المعرفة، وكمالُ الورع، والبصرُ بأسباب الجرح والتعديل، مع صفاءِ العقيدة، وسلامةِ المنهج، وشدةِ الخشية لله عز وجل. فكان بحقٍّ ميزاناً دقيقاً صادقاً، يميِّز به بين الغثِّ والسمين، وفرقاناً يفصل به بين الحقِّ والباطل.
قد نازل أهلَ الأهواء، فكشف خفيَّ مكرهم، وأسقط أقنعتَهم، وفضح باطلَهم، وأبان للناس سبيلَ المؤمنين، وحذَّر من سبيل المجرمين. فحمل عن الأمة عبءَ فرض الكفاية في الذبِّ عن العقيدة، والتحذيرِ من الفرقِ المعاصرة والجماعاتِ المنحرفة، التي ما جلبت للأمة إلا الفتنَ والشتاتَ والخراب. فجزاه الله عن الإسلام والسنة خيرَ الجزاء، وأبقى ذكرَه في الصالحين، وجعل عمله خالصاً مباركاً في ميزان حسناته يوم الدين. اللهم آمين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وكتب حامداً مصلياً:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه
الثغر السكندري حرسه الله
الاثنين: 30 / ربيع أول / 1447هـ
