التحذير من الثورات والخروج على ولاة الأمور: رسالة إلى أهل المغرب
مقال الأسبوع:
التحذير من الثورات والخروج على ولاة الأمور: رسالة إلى أهل المغرب:
الحمد لله رب العالمين، أمر بسمع ولاة الأمور وطاعتهم في المعروف، ونهى عن شق عصا الطاعة والخروج بالسيف، لما في ذلك من الفتن العظيمة والفساد الكبير، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
أيها الأحبة في المغرب الأقصى:
من أعظم النعم التي يمتن الله بها على عباده نعمة الأمن والاستقرار، قال الله تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ • الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: 3-4].
فتأملوا ـ رحمكم الله ـ كيف جمع الله بين رزق الأبدان وأمن البلدان، وجعل الأمن قرين الرغد والطمأنينة.
لقد ابتليت بعض بلاد المسلمين بثوراتٍ عارمة تحت شعارات براقة كـ "الحرية والكرامة"؛ فانقلبت حياتهم إلى خوف واضطراب، وسالت دماؤهم، ونهبت خيراتهم، وذهبت ريحهم، ولا يخفى على عاقل ما جرى في بعض دول الجوار من خراب ودمار وفتن لا يعلم مداها إلا الله.
عقيدة أهل السنة في السمع والطاعة:
أهل السنة والجماعة متفقون على وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين في المعروف، وعدم الخروج عليهم وإن جاروا وظلموا، ما لم نرَ كفراً بواحاً عندنا فيه من الله برهان.
فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَــالَ: مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِر، فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَــــاهِلِيَّـــــةً. متفق عليه، وعَنْ وائل بن حجر - رضي الله عنه - قَالَ: سَأَلَ سَلَمَةُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ :يَا نَبِيَّ الله، أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا فَمَا تَأْمُرُنَا، فَأَعْرَضَ عَنْهُ؟ ثُمَّ سَأَلَهُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ؟ ثُمَّ سَأَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ، فَجَذَبَهُ الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، وَقَالَ: اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّـمَـا عَلَيْهِمْ مَـا حُــمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُـــمِّـــلْــتُمْ. رواه مسلم في (صحيحه) [رقم: 1846]، وعن عَوْف بْنَ مَالِكٍ الأشْجَعِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُـحِبُّونَهُمْ وَيُــحِبُّونَكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ ،وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ، قَالُوا: قُلْنَا يَا رَسُولَ الله، أَفَلا نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ؟، قَالَ: لا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ. رواه مسلم في (صحيحه) [رقم: 1856] و عن حذيفة -رضي الله عنه - قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:
يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لا يَـهْتَدُونَ بِـهُدَايَ، وَلا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُـثْمَــانِ إِنْسٍ، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟، قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ؛ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ. رواه مسلم في (صحيحه) [رقم: 1847]
وقال الإمام أحمَدُ بنُ حَنبَلٍ رحمه الله: (من خَرجَ على إمامٍ من أئِمَّةِ المُسلِمينَ، وقد كانوا اجتَمَعوا عليه، وأقَرُّوا لَهُ بالخِلافةِ بأيِّ وجهٍ كان، بالرِّضا أو بالغَلَبةِ، فقد شَقَّ هذا الخارِجُ عَصا المُسلِمين، وخالَفَ الآثارَ عن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فإنْ ماتَ الخارِجُ عليه مات مِيتةً جاهِليَّةً، ولا يَحِلُّ قِتالُ السُّلطانِ، ولا الخُروجُ عليه لأحَدٍ من النَّاسِ، فمن فعلَ ذلك فهو مُبتَدِعٌ على غَيرِ السُّنَّة والطَّريقِ) انتهى من كتاب (أصول السنة) [ص: 45].
وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ: (أمَّا أهلُ الحَقِّ، وهم أهلُ السُّنَّة، فقالوا: هذا هو الاختيارُ؛ أن يَكونَ الإمامُ فاضِلًا عَدلًا مُحسِنًا، فإنْ لم يَكُنْ، فالصَّبرُ على طاعةِ الجائِرينَ من الأئِمةِ أَولَى من الخُروجِ عليه؛ لأنَّ في مُنازَعَتِه والخُروجِ عليه استِبدالَ الأمنِ بالخَوفِ، ولِأنَّ ذلك يَحمِلُ على هِراقِ الدِّماءِ، وشَنِّ الغاراتِ، والفَسادِ في الأرضِ، وذلك أعظَمُ من الصَّبرِ على جَورِه وفِسقِه، والأصولُ تَشهدُ والعَقلُ والدِّينُ أنَّ أعظَمَ المَكروهينِ أَولاهما بالتَّركِ.
وكُلُّ إمامٍ يُقيمُ الجُمُعةَ والعيدَ، ويُجاهِدُ العَدُوَّ، ويُقيمُ الحُدودَ على أهلِ العَداءِ، ويُنصِفُ النَّاسَ من مَظالِمِهم بَعضِهم لبَعضٍ، وتَسكُنُ لَهُ الدَّهماءُ، وتَأمَنُ به السُّبلُ، فواجِبٌ طاعَتُه في كُلِّ ما يَأمُرُ به من الصَّلاحِ أو من المُباحِ) انتهى من (التمهيد) [23/ 279].
وقال الإمام ابن باز رحمه الله: (ليس من منهج السلف التشهير بعيوب الولاة، وذكر ذلك على المنابر؛ لأن ذلك يفضي إلى الفوضى وعدم السمع والطاعة في المعروف، ويفضي إلى الخوض الذي يضر ولا ينفع، ولكن الطريقة المتبعة عند السلف: النصيحة فيما بينهم وبين السلطان، والكتابة إليه، أو الاتصال بالعلماء الذين يتصلون به حتى يوجه إلى الخير). انتهى كما في (مجموع الفتاوى) [8/210].
وقال الإمام الألباني رحمه الله:
أي حاكم اليوم من حكام المسلمين الذين لم يظهر منهم الكفر الصريح فلا يجوز الخروج عليه، ولو لم يكن بويع مبايعة بالشروط التي سبق ذكرها آنفا.
فنقول نحن: أي حاكم اليوم مسلم لم يعلن الكفر البواح الصريح؛ لا يجوز لطائفة المسلمين أن يخرجوا عليه، ذلك أنه وقع في التاريخ الإسلامي أن كثيرا من البغاة بغوا على الحكام المبايعين، ثم لما استقر لهم الحكم مع بغيهم وعدوانهم؛ لم يجز علماء المسلمين الخروج عليهم؛ وذلك كله من باب المحافظة على دماء المسلمين أن تسفك - هكذا - هدرا.
بل أنا أقول اليوم: حتى لو كان هناك حاكم مسلم - ولو جغرافيا أو في شهادة النفوس - فرأيي الشخصي: أنه لا يجوز الخروج عليه إلا بشروط كثيرة جدا. (سلسلة الهدى والنور).
وقال شيخنا الإمام ابن عثيمين رحمه الله:
(فإن بعض الناس ديدنه في كل مجلس يجلسه؛ الكلام في ولاة الأمور، والوقوع في أعراضهم، ونشر مساوئهم وأخطائهم، معرضا بذلك عما لهم من محاسن أو صواب، ولا ريب أن سلوك هذا الطريق والوقوع في أعراض الولاة لا يزيد الأمر إلا شدة فإنه لا يحل مشكلا ولا يرفع مظلمة، وإنما يزيد البلاء بلاء، ويوجب بغض الولاة وكراهتهم وعدم تنفيذ أوامرهم التي يجب طاعتهم فيها، ولا نشك أن ولاة الأمر قد يسيئون وقد يخطئون كغيرهم من بني آدم؛ فإن كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون، ولا نشك أيضا أنه لا يجوز لنا أن نسكت على أي إنسان ارتكب خطأ حتى نبذل ما نستطيعه من واجب النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، فإذا كان كذلك؛ فإن الواجب علينا إذا رأينا خطأ من ولاة الأمور أن نتصل بهم شفويا أو كتابيا ونناصحهم، سالكين بذلك أقرب الطرق في بيان الحق لهم وشرح خطئهم، ثم نعظهم ونذكرهم فيما يجب عليهم من النصح لمن تحت أيديهم ورعاية مصالحهم ورفع الظلم عنهم، ونذكرهم بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله: " اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه "، وقوله: " ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة "، ثم إن اتعظ بواعظ القرآن والحديث فذلك هو المطلوب، وإن لم يتعظ بواعظ الحديث والقرآن وعظناه بواعظ السلطان؛ بأن نرفع الأمر إلى من فوقه ليصلح من حاله، فإذا بلغنا الأمر إلى أهله الذين ليس فوقهم ولي من المخلوقين فقد برئت بذلك الذمة، ولم يبق إلا أن نرفع الأمر إلى رب العالمين، ونسأله إصلاح أحوال المسلمين وأئمتهم). انتهى من كتاب (الضياء اللامع) [2/226].
قلت: وإن من نتائج وويلات الثورات ما يلي:
• الفوضى وضياع الأمن، وفتح باب السلب والنهب والقتل.
• سفك الدماء وإزهاق الأرواح بغير حق.
• تمكين أعداء الأمة من التدخل والهيمنة.
• خراب الأوطان وضياع مقدَّراتها.
• تشتُّت الكلمة وتفرق الصف، فيضعف المجتمع عن مواجهة الأخطار.
• تفشي الجهل والفقر نتيجة انقطاع الخدمات وتعطل مؤسسات الدولة.
• انهيار الاقتصاد وقلَّة القوت وفرار المستثمرين، فيزداد الفقراء فقراً والأغنياء فراراً.
• تشريد الآمنين وتهجير الأسر، وزيادة أعداد المشردين واللاجئين.
• استغلال التطرف والفكر المتطرِّف لتوسيع رقعته وسط الفوضى.
• تدمير البُنى التحتية من طرق ومستشفيات ومدارس، وتأخرُ أجيال كاملة في التعليم والصحة.
• إضعاف منظومة القضاء والعدالة، فتُستحِل الحقوق ويُستبدَل القانون بالانتقام وتصفية الحسابات.
• تردي الأخلاق في مهالك الانحلال والفتنة، وانعدامُ الأمن والطمأنينة.
• إطالة أمد المعاناة؛ فتصل إلى سنوات من الإصلاحات لإعادة البناء على مثل ما كان أو أقل.
• وقلَّ أن يتولَّى بعد الثورة من هو خيرٌ ممن كان قبلها، بل الغالب أن يأتي شرٌّ منه، ولذلك قال الحسن البصري رحمه الله: (اعلم- عافاك الله- أن جور الملوك نقمة من نقم الله تعالى، ونقم الله لا تلاقى بالسيوف، وإنما تُتقى وتُستَدفع بالدعاء والتوبة والإنابة والإقلاع عن الذنوب، إن نقم الله متى لقيت بالسيف كانت هي أقطع. وقيل: سمع الحسن رجلا يدعو على الحجاج، فقال: لا تفعل- رحمك الله- إنكم من أنفسكم أوتيتُم، (إنما نخاف إِن عُزلَ الحجاجُ أو مات أن تليكم القردة والخنازير) انتهى من (آداب الحسن البصري) لابن الجوزي [ص: 119].
• وكل بندٍ من هذه البنود لا يظلُّ مجرد أثرٍ مؤقت، بل يتداخل مع غيره فيزيد الخراب، ولذلك كان الواجب الشرعي والأخلاقي أن نتجنَّب الفتن ونحتكم إلى السبل الشرعية للإصلاح، وأن نحفظ دماء الأمة وأعراضها ومقدَّراتها.
نصيحة لأهلنا أهل المغرب:
يا أهل المغرب، الزموا غرز علمائكم، وكونوا على حذر من دعاة الفتن الذين يزينون للناس الخروج والثورات، فإنهم يفسدون أكثر مما يصلحون. واعلموا أن صلاح الحاكم إنما يكون بالنصيحة الشرعية، لا بالثورات والاعتصامات. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْصَحَ لِذِي سُلْطَانٍ فَلَا يُبْدِهِ لَهُ عَلَانِيَةً، وَلَكِنْ لِيَأْخُذْ بِيَدِهِ فَيَخْلُو بِهِ فَإِنْ قَبِلَ مِنْهُ فَذَاكَ وَإِلَّا فَقَدْ أَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ» صَحِيحٌ. رواه ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ في (السُّنَّةُ) [2 / 521 رقم: ١٠٩٦].
وفي الختام... فلنحمد الله على نعمة الأمن والاستقرار في المغرب، ولنحذر أشد الحذر من دعاة الفتنة الذين يزينون الباطل ويخفون عاقبته المظلمة؛ فما جرت الثورات على بلاد المسلمين إلا الويل والثبور، وسفك الدماء، وضياع الأوطان، وتسلط الأعداء.
وإن وحدة الصف حول ولي الأمر، والسمع والطاعة في المعروف، هي الصراط الآمن إلى حفظ الدين والدنيا، أما الخروج والتمرد فبابٌ للشر المستطير، لا يعود على الأمة إلا بالخراب والدمار.
فلنلزم جماعة المسلمين، ولندعُ لولاة أمورنا بالصلاح والهداية والتوفيق، فإن صلاحهم صلاحٌ للرعية، وفي استقامتهم أمان للأمة كلها.
اللهم احفظ المغرب وسائر بلاد المسلمين من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأدم عليهم نعمة الأمن والإيمان، ووفق ولاة أمورهم لما تحب وترضى، واجعلهم هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه
الثغر السكندري حفظه الله وسائر بلاد المسلمين
الأربعاء: 9 / ربيع الآخر / 1447هـ.
التحذير من الثورات والخروج على ولاة الأمور: رسالة إلى أهل المغرب:
الحمد لله رب العالمين، أمر بسمع ولاة الأمور وطاعتهم في المعروف، ونهى عن شق عصا الطاعة والخروج بالسيف، لما في ذلك من الفتن العظيمة والفساد الكبير، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
أيها الأحبة في المغرب الأقصى:
من أعظم النعم التي يمتن الله بها على عباده نعمة الأمن والاستقرار، قال الله تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ • الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: 3-4].
فتأملوا ـ رحمكم الله ـ كيف جمع الله بين رزق الأبدان وأمن البلدان، وجعل الأمن قرين الرغد والطمأنينة.
لقد ابتليت بعض بلاد المسلمين بثوراتٍ عارمة تحت شعارات براقة كـ "الحرية والكرامة"؛ فانقلبت حياتهم إلى خوف واضطراب، وسالت دماؤهم، ونهبت خيراتهم، وذهبت ريحهم، ولا يخفى على عاقل ما جرى في بعض دول الجوار من خراب ودمار وفتن لا يعلم مداها إلا الله.
عقيدة أهل السنة في السمع والطاعة:
أهل السنة والجماعة متفقون على وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين في المعروف، وعدم الخروج عليهم وإن جاروا وظلموا، ما لم نرَ كفراً بواحاً عندنا فيه من الله برهان.
فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَــالَ: مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِر، فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَــــاهِلِيَّـــــةً. متفق عليه، وعَنْ وائل بن حجر - رضي الله عنه - قَالَ: سَأَلَ سَلَمَةُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ :يَا نَبِيَّ الله، أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا فَمَا تَأْمُرُنَا، فَأَعْرَضَ عَنْهُ؟ ثُمَّ سَأَلَهُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ؟ ثُمَّ سَأَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ، فَجَذَبَهُ الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، وَقَالَ: اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّـمَـا عَلَيْهِمْ مَـا حُــمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُـــمِّـــلْــتُمْ. رواه مسلم في (صحيحه) [رقم: 1846]، وعن عَوْف بْنَ مَالِكٍ الأشْجَعِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُـحِبُّونَهُمْ وَيُــحِبُّونَكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ ،وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ، قَالُوا: قُلْنَا يَا رَسُولَ الله، أَفَلا نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ؟، قَالَ: لا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ. رواه مسلم في (صحيحه) [رقم: 1856] و عن حذيفة -رضي الله عنه - قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:
يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لا يَـهْتَدُونَ بِـهُدَايَ، وَلا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُـثْمَــانِ إِنْسٍ، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟، قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ؛ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ. رواه مسلم في (صحيحه) [رقم: 1847]
وقال الإمام أحمَدُ بنُ حَنبَلٍ رحمه الله: (من خَرجَ على إمامٍ من أئِمَّةِ المُسلِمينَ، وقد كانوا اجتَمَعوا عليه، وأقَرُّوا لَهُ بالخِلافةِ بأيِّ وجهٍ كان، بالرِّضا أو بالغَلَبةِ، فقد شَقَّ هذا الخارِجُ عَصا المُسلِمين، وخالَفَ الآثارَ عن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فإنْ ماتَ الخارِجُ عليه مات مِيتةً جاهِليَّةً، ولا يَحِلُّ قِتالُ السُّلطانِ، ولا الخُروجُ عليه لأحَدٍ من النَّاسِ، فمن فعلَ ذلك فهو مُبتَدِعٌ على غَيرِ السُّنَّة والطَّريقِ) انتهى من كتاب (أصول السنة) [ص: 45].
وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ: (أمَّا أهلُ الحَقِّ، وهم أهلُ السُّنَّة، فقالوا: هذا هو الاختيارُ؛ أن يَكونَ الإمامُ فاضِلًا عَدلًا مُحسِنًا، فإنْ لم يَكُنْ، فالصَّبرُ على طاعةِ الجائِرينَ من الأئِمةِ أَولَى من الخُروجِ عليه؛ لأنَّ في مُنازَعَتِه والخُروجِ عليه استِبدالَ الأمنِ بالخَوفِ، ولِأنَّ ذلك يَحمِلُ على هِراقِ الدِّماءِ، وشَنِّ الغاراتِ، والفَسادِ في الأرضِ، وذلك أعظَمُ من الصَّبرِ على جَورِه وفِسقِه، والأصولُ تَشهدُ والعَقلُ والدِّينُ أنَّ أعظَمَ المَكروهينِ أَولاهما بالتَّركِ.
وكُلُّ إمامٍ يُقيمُ الجُمُعةَ والعيدَ، ويُجاهِدُ العَدُوَّ، ويُقيمُ الحُدودَ على أهلِ العَداءِ، ويُنصِفُ النَّاسَ من مَظالِمِهم بَعضِهم لبَعضٍ، وتَسكُنُ لَهُ الدَّهماءُ، وتَأمَنُ به السُّبلُ، فواجِبٌ طاعَتُه في كُلِّ ما يَأمُرُ به من الصَّلاحِ أو من المُباحِ) انتهى من (التمهيد) [23/ 279].
وقال الإمام ابن باز رحمه الله: (ليس من منهج السلف التشهير بعيوب الولاة، وذكر ذلك على المنابر؛ لأن ذلك يفضي إلى الفوضى وعدم السمع والطاعة في المعروف، ويفضي إلى الخوض الذي يضر ولا ينفع، ولكن الطريقة المتبعة عند السلف: النصيحة فيما بينهم وبين السلطان، والكتابة إليه، أو الاتصال بالعلماء الذين يتصلون به حتى يوجه إلى الخير). انتهى كما في (مجموع الفتاوى) [8/210].
وقال الإمام الألباني رحمه الله:
أي حاكم اليوم من حكام المسلمين الذين لم يظهر منهم الكفر الصريح فلا يجوز الخروج عليه، ولو لم يكن بويع مبايعة بالشروط التي سبق ذكرها آنفا.
فنقول نحن: أي حاكم اليوم مسلم لم يعلن الكفر البواح الصريح؛ لا يجوز لطائفة المسلمين أن يخرجوا عليه، ذلك أنه وقع في التاريخ الإسلامي أن كثيرا من البغاة بغوا على الحكام المبايعين، ثم لما استقر لهم الحكم مع بغيهم وعدوانهم؛ لم يجز علماء المسلمين الخروج عليهم؛ وذلك كله من باب المحافظة على دماء المسلمين أن تسفك - هكذا - هدرا.
بل أنا أقول اليوم: حتى لو كان هناك حاكم مسلم - ولو جغرافيا أو في شهادة النفوس - فرأيي الشخصي: أنه لا يجوز الخروج عليه إلا بشروط كثيرة جدا. (سلسلة الهدى والنور).
وقال شيخنا الإمام ابن عثيمين رحمه الله:
(فإن بعض الناس ديدنه في كل مجلس يجلسه؛ الكلام في ولاة الأمور، والوقوع في أعراضهم، ونشر مساوئهم وأخطائهم، معرضا بذلك عما لهم من محاسن أو صواب، ولا ريب أن سلوك هذا الطريق والوقوع في أعراض الولاة لا يزيد الأمر إلا شدة فإنه لا يحل مشكلا ولا يرفع مظلمة، وإنما يزيد البلاء بلاء، ويوجب بغض الولاة وكراهتهم وعدم تنفيذ أوامرهم التي يجب طاعتهم فيها، ولا نشك أن ولاة الأمر قد يسيئون وقد يخطئون كغيرهم من بني آدم؛ فإن كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون، ولا نشك أيضا أنه لا يجوز لنا أن نسكت على أي إنسان ارتكب خطأ حتى نبذل ما نستطيعه من واجب النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، فإذا كان كذلك؛ فإن الواجب علينا إذا رأينا خطأ من ولاة الأمور أن نتصل بهم شفويا أو كتابيا ونناصحهم، سالكين بذلك أقرب الطرق في بيان الحق لهم وشرح خطئهم، ثم نعظهم ونذكرهم فيما يجب عليهم من النصح لمن تحت أيديهم ورعاية مصالحهم ورفع الظلم عنهم، ونذكرهم بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله: " اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه "، وقوله: " ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة "، ثم إن اتعظ بواعظ القرآن والحديث فذلك هو المطلوب، وإن لم يتعظ بواعظ الحديث والقرآن وعظناه بواعظ السلطان؛ بأن نرفع الأمر إلى من فوقه ليصلح من حاله، فإذا بلغنا الأمر إلى أهله الذين ليس فوقهم ولي من المخلوقين فقد برئت بذلك الذمة، ولم يبق إلا أن نرفع الأمر إلى رب العالمين، ونسأله إصلاح أحوال المسلمين وأئمتهم). انتهى من كتاب (الضياء اللامع) [2/226].
قلت: وإن من نتائج وويلات الثورات ما يلي:
• الفوضى وضياع الأمن، وفتح باب السلب والنهب والقتل.
• سفك الدماء وإزهاق الأرواح بغير حق.
• تمكين أعداء الأمة من التدخل والهيمنة.
• خراب الأوطان وضياع مقدَّراتها.
• تشتُّت الكلمة وتفرق الصف، فيضعف المجتمع عن مواجهة الأخطار.
• تفشي الجهل والفقر نتيجة انقطاع الخدمات وتعطل مؤسسات الدولة.
• انهيار الاقتصاد وقلَّة القوت وفرار المستثمرين، فيزداد الفقراء فقراً والأغنياء فراراً.
• تشريد الآمنين وتهجير الأسر، وزيادة أعداد المشردين واللاجئين.
• استغلال التطرف والفكر المتطرِّف لتوسيع رقعته وسط الفوضى.
• تدمير البُنى التحتية من طرق ومستشفيات ومدارس، وتأخرُ أجيال كاملة في التعليم والصحة.
• إضعاف منظومة القضاء والعدالة، فتُستحِل الحقوق ويُستبدَل القانون بالانتقام وتصفية الحسابات.
• تردي الأخلاق في مهالك الانحلال والفتنة، وانعدامُ الأمن والطمأنينة.
• إطالة أمد المعاناة؛ فتصل إلى سنوات من الإصلاحات لإعادة البناء على مثل ما كان أو أقل.
• وقلَّ أن يتولَّى بعد الثورة من هو خيرٌ ممن كان قبلها، بل الغالب أن يأتي شرٌّ منه، ولذلك قال الحسن البصري رحمه الله: (اعلم- عافاك الله- أن جور الملوك نقمة من نقم الله تعالى، ونقم الله لا تلاقى بالسيوف، وإنما تُتقى وتُستَدفع بالدعاء والتوبة والإنابة والإقلاع عن الذنوب، إن نقم الله متى لقيت بالسيف كانت هي أقطع. وقيل: سمع الحسن رجلا يدعو على الحجاج، فقال: لا تفعل- رحمك الله- إنكم من أنفسكم أوتيتُم، (إنما نخاف إِن عُزلَ الحجاجُ أو مات أن تليكم القردة والخنازير) انتهى من (آداب الحسن البصري) لابن الجوزي [ص: 119].
• وكل بندٍ من هذه البنود لا يظلُّ مجرد أثرٍ مؤقت، بل يتداخل مع غيره فيزيد الخراب، ولذلك كان الواجب الشرعي والأخلاقي أن نتجنَّب الفتن ونحتكم إلى السبل الشرعية للإصلاح، وأن نحفظ دماء الأمة وأعراضها ومقدَّراتها.
نصيحة لأهلنا أهل المغرب:
يا أهل المغرب، الزموا غرز علمائكم، وكونوا على حذر من دعاة الفتن الذين يزينون للناس الخروج والثورات، فإنهم يفسدون أكثر مما يصلحون. واعلموا أن صلاح الحاكم إنما يكون بالنصيحة الشرعية، لا بالثورات والاعتصامات. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْصَحَ لِذِي سُلْطَانٍ فَلَا يُبْدِهِ لَهُ عَلَانِيَةً، وَلَكِنْ لِيَأْخُذْ بِيَدِهِ فَيَخْلُو بِهِ فَإِنْ قَبِلَ مِنْهُ فَذَاكَ وَإِلَّا فَقَدْ أَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ» صَحِيحٌ. رواه ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ في (السُّنَّةُ) [2 / 521 رقم: ١٠٩٦].
وفي الختام... فلنحمد الله على نعمة الأمن والاستقرار في المغرب، ولنحذر أشد الحذر من دعاة الفتنة الذين يزينون الباطل ويخفون عاقبته المظلمة؛ فما جرت الثورات على بلاد المسلمين إلا الويل والثبور، وسفك الدماء، وضياع الأوطان، وتسلط الأعداء.
وإن وحدة الصف حول ولي الأمر، والسمع والطاعة في المعروف، هي الصراط الآمن إلى حفظ الدين والدنيا، أما الخروج والتمرد فبابٌ للشر المستطير، لا يعود على الأمة إلا بالخراب والدمار.
فلنلزم جماعة المسلمين، ولندعُ لولاة أمورنا بالصلاح والهداية والتوفيق، فإن صلاحهم صلاحٌ للرعية، وفي استقامتهم أمان للأمة كلها.
اللهم احفظ المغرب وسائر بلاد المسلمين من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأدم عليهم نعمة الأمن والإيمان، ووفق ولاة أمورهم لما تحب وترضى، واجعلهم هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه
الثغر السكندري حفظه الله وسائر بلاد المسلمين
الأربعاء: 9 / ربيع الآخر / 1447هـ.