رجل تزوج حديثا بامرأة ثانية ويسأل كيف يكون العدل ما المقصود بالعدل فهل إذا بات عند هذه أسبوعا يجب عليه أن يبيت عند الثانية أسبوعا علما…
السؤال: مئتان وثلاثة وستون:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
حياك الله وبياك شيخنا أبا العباس كيف حالك وحال الاهل والأولاد وحال الإخوة جميعًا أسأل الله أن تكون بخير وعافية.
شيخنا عندي سؤال بارك الله فيك لو سمحت:
رجل تزوج حديثا بامرأة ثانية ويسأل كيف يكون العدل ما المقصود بالعدل فهل إذا بات عند هذه أسبوعا يجب عليه أن يبيت عند الثانية أسبوعا علما بأنه لم يبن للثانية بيتا إلى الآن وهل إذا أراد السفر هل يجوز له أن يصطحبها معه علما بأنه يمكث في سفره شهراً وشهرين.
الحمد لله:
أولًا: الجواب المختصر:
العدل الواجب بين الزوجتين يكون في القَسْم (المبيت) والنفقة والمعاشرة الظاهرة، لا في ميل القلب.
لا يجب أن يكون أسبوعًا بأسبوع، بل أي تقسيم متساوٍ جائز.
لا يُعذر بترك العدل لعدم تجهيز بيت للثانية.
في السفر: يُشرع الإقراع، ومن سافر بواحدة قضى للأخرى.
ثانيًا: الجواب المفصَّل:
المسألة الأولى: حدُّ العدل الواجب:
العدل المأمور به في التعدد هو العدل في الأمور المقدور عليها ظاهرًا، دون ما لا يُملك كميل القلب.
الدليل:
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ قال ابن العربي رحمه الله تعالى في "أحكام القرآن" (1/313): قال علماؤنا: معناه في القسم بين الزوجات والتسوية في حقوق النكاح، وهو فرض" انتهى.
وقوله: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾، فحُمل على عدل المحبة، وبقي عدل القَسْم والنفقة واجبًا، وكل حقٍّ يمكن ضبطه وتقديره وجب فيه التسوية.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ) رواه أبو داود(2133)، والترمذي(1141)، والنسائي (3942)، وابن ماجه(1969)، وصححه الإمام الألباني رحمه الله في (إرواء الغليل) (7 /80–81).، وقال: " وقال الحاكم: " صحيح على شرط الشيخين "، ووافقه الذهبي ، وابن دقيق العيد كما نقله الحافظ في " التلخيص " (3 / 201) وأقره... " انتهى.
وحقيقة القَسْم الواجب:
القَسْم حقٌّ لازم للزوجات، وعماده البيتوتة ليلًا.
لأن الليل:
• زمن السكن.
• ومحل الإيواء.
• ومظنة الاستمتاع.
فكان هو محل التسوية الواجبة، والنهار تبع له.
قال ابن حزم رحمه الله تعالى في "مراتب الإجماع" (ص65): " وأجمعوا أن العدل في القسمة بين الزوجات واجب.
واختلفوا في كيفية العدل، إلا أنهم اتفقوا في المساواة بين الليالي في الحرائر المسلمات العاقلات غير الناشزات ما لم يكن فيهن متزوجة مبتدأة البناء" انتهى.
المسألة الثانية: كيفية القَسْم:
الأصل: القَسْم بالليالي لا بالأيام.
ويجوز: ليلة/ليلة، ليلتان/ليلتان، أسبوع/أسبوع.
ولا تتعين صورة، بل المعتبر تحقيق التسوية.
جاء في "الموسوعة الفقهية الكويتية" (33/193):
" الأصل في القسم وعماده الليل، وذلك باتفاق الفقهاء؛ لأنهم قالوا: التسوية الواجبة في القسم تكون في البيتوتة؛ ولأن الليل للسكن والإيواء، يأوي فيه الرجل إلى منزله، ويسكن إلى أهله، وينام في فراشه مع زوجته عادة...
والنهار يدخل في القسم تبعا لليل، لما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي وفي يومي)، وإنما قبض النبي صلى الله عليه وسلم نهارا، ويتبع اليوم الليلة الماضية أي التي سبقت ذلك اليوم.
وإن أحب الزوج أن يجعل النهار في القسم لزوجاته مضافا إلى الليل الذي بعده جاز له ذلك؛ لأنه لا يتفاوت، والغرض العدل بين الزوجات وهو حاصل بذلك" انتهى.
المسألة الثالثة: حق الزوجة الجديدة:
القاعدة:
تُختصُّ الجديدة بحقٍّ في الابتداء ثم يُستأنف القَسْم.
التفصيل:
1- إن كانت بكرًا: فلها سبع ليالٍ.
2- وإن كانت ثيبًا: فلها ثلاث.
ثم بعد ذلك:
يجب الاستئناف بالتسوية، ولا يُبنى على ما سبق من الاختصاص.
المسألة الرابعة: عدم وجود سكن للثانية:
السكنى حقٌّ لازم لكل زوجة على حدة.
فيجب عليه أن يُوفِّر لكل واحدة مسكنًا لائقًا بحسب وسعه.
ولا يسقط القَسْم بالعجز عن السكن المستقل.
تنزيل المسألة:
فإن لم يُنشئ بيتًا للثانية:
لا يجوز أن يُخلَّ بحقها في المبيت.
بل يُساوي بحسب الإمكان (إما بالمبيت عندها في موضع مناسب، أو بتقسيم منضبط).
ضابط مهم: (العجز عن بعض الواجب لا يُسوِّغ ترك باقيه).
المسألة الخامسة: السفر بإحدى الزوجتين:
الأصل: العدل في السفر يكون بالإقراع.
والدليل: فعل النبي ﷺ أنه كان إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه.
فإن أقرع: سقط الحرج.
وإن خصَّ إحداهما بلا قرعة:
جاز مع الكراهة عند جماعة من العلماء، ويلزمه القضاء للأخرى.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
حياك الله وبياك شيخنا أبا العباس كيف حالك وحال الاهل والأولاد وحال الإخوة جميعًا أسأل الله أن تكون بخير وعافية.
شيخنا عندي سؤال بارك الله فيك لو سمحت:
رجل تزوج حديثا بامرأة ثانية ويسأل كيف يكون العدل ما المقصود بالعدل فهل إذا بات عند هذه أسبوعا يجب عليه أن يبيت عند الثانية أسبوعا علما بأنه لم يبن للثانية بيتا إلى الآن وهل إذا أراد السفر هل يجوز له أن يصطحبها معه علما بأنه يمكث في سفره شهراً وشهرين.
الحمد لله:
أولًا: الجواب المختصر:
العدل الواجب بين الزوجتين يكون في القَسْم (المبيت) والنفقة والمعاشرة الظاهرة، لا في ميل القلب.
لا يجب أن يكون أسبوعًا بأسبوع، بل أي تقسيم متساوٍ جائز.
لا يُعذر بترك العدل لعدم تجهيز بيت للثانية.
في السفر: يُشرع الإقراع، ومن سافر بواحدة قضى للأخرى.
ثانيًا: الجواب المفصَّل:
المسألة الأولى: حدُّ العدل الواجب:
العدل المأمور به في التعدد هو العدل في الأمور المقدور عليها ظاهرًا، دون ما لا يُملك كميل القلب.
الدليل:
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ قال ابن العربي رحمه الله تعالى في "أحكام القرآن" (1/313): قال علماؤنا: معناه في القسم بين الزوجات والتسوية في حقوق النكاح، وهو فرض" انتهى.
وقوله: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾، فحُمل على عدل المحبة، وبقي عدل القَسْم والنفقة واجبًا، وكل حقٍّ يمكن ضبطه وتقديره وجب فيه التسوية.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ) رواه أبو داود(2133)، والترمذي(1141)، والنسائي (3942)، وابن ماجه(1969)، وصححه الإمام الألباني رحمه الله في (إرواء الغليل) (7 /80–81).، وقال: " وقال الحاكم: " صحيح على شرط الشيخين "، ووافقه الذهبي ، وابن دقيق العيد كما نقله الحافظ في " التلخيص " (3 / 201) وأقره... " انتهى.
وحقيقة القَسْم الواجب:
القَسْم حقٌّ لازم للزوجات، وعماده البيتوتة ليلًا.
لأن الليل:
• زمن السكن.
• ومحل الإيواء.
• ومظنة الاستمتاع.
فكان هو محل التسوية الواجبة، والنهار تبع له.
قال ابن حزم رحمه الله تعالى في "مراتب الإجماع" (ص65): " وأجمعوا أن العدل في القسمة بين الزوجات واجب.
واختلفوا في كيفية العدل، إلا أنهم اتفقوا في المساواة بين الليالي في الحرائر المسلمات العاقلات غير الناشزات ما لم يكن فيهن متزوجة مبتدأة البناء" انتهى.
المسألة الثانية: كيفية القَسْم:
الأصل: القَسْم بالليالي لا بالأيام.
ويجوز: ليلة/ليلة، ليلتان/ليلتان، أسبوع/أسبوع.
ولا تتعين صورة، بل المعتبر تحقيق التسوية.
جاء في "الموسوعة الفقهية الكويتية" (33/193):
" الأصل في القسم وعماده الليل، وذلك باتفاق الفقهاء؛ لأنهم قالوا: التسوية الواجبة في القسم تكون في البيتوتة؛ ولأن الليل للسكن والإيواء، يأوي فيه الرجل إلى منزله، ويسكن إلى أهله، وينام في فراشه مع زوجته عادة...
والنهار يدخل في القسم تبعا لليل، لما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي وفي يومي)، وإنما قبض النبي صلى الله عليه وسلم نهارا، ويتبع اليوم الليلة الماضية أي التي سبقت ذلك اليوم.
وإن أحب الزوج أن يجعل النهار في القسم لزوجاته مضافا إلى الليل الذي بعده جاز له ذلك؛ لأنه لا يتفاوت، والغرض العدل بين الزوجات وهو حاصل بذلك" انتهى.
المسألة الثالثة: حق الزوجة الجديدة:
القاعدة:
تُختصُّ الجديدة بحقٍّ في الابتداء ثم يُستأنف القَسْم.
التفصيل:
1- إن كانت بكرًا: فلها سبع ليالٍ.
2- وإن كانت ثيبًا: فلها ثلاث.
ثم بعد ذلك:
يجب الاستئناف بالتسوية، ولا يُبنى على ما سبق من الاختصاص.
المسألة الرابعة: عدم وجود سكن للثانية:
السكنى حقٌّ لازم لكل زوجة على حدة.
فيجب عليه أن يُوفِّر لكل واحدة مسكنًا لائقًا بحسب وسعه.
ولا يسقط القَسْم بالعجز عن السكن المستقل.
تنزيل المسألة:
فإن لم يُنشئ بيتًا للثانية:
لا يجوز أن يُخلَّ بحقها في المبيت.
بل يُساوي بحسب الإمكان (إما بالمبيت عندها في موضع مناسب، أو بتقسيم منضبط).
ضابط مهم: (العجز عن بعض الواجب لا يُسوِّغ ترك باقيه).
المسألة الخامسة: السفر بإحدى الزوجتين:
الأصل: العدل في السفر يكون بالإقراع.
والدليل: فعل النبي ﷺ أنه كان إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه.
فإن أقرع: سقط الحرج.
وإن خصَّ إحداهما بلا قرعة:
جاز مع الكراهة عند جماعة من العلماء، ويلزمه القضاء للأخرى.
المسألة السادسة: حكم مدة السفر الطويلة:
الزمن الذي تنفرد به إحدى الزوجات يُعتبر من القَسْم.
فإذا سافر شهرًا أو شهرين: فهو محتَسَب لها، ويجب بعد الرجوع أن يقضي للأخرى مثل تلك المدة.
تنبيه:
هذا إذا لم تكن خرجت بالقرعة على وجهٍ يُسقط المطالبة عند بعض أهل العلم، لكن القضاء أحوط وأبرأ للذمة.
هذا... واتقوا الله في نسائكم، وأقيموا القِسْم على ميزان الشرع، ولا تميلوا مع الهوى فتجوروا في الحكم والقِسَم؛ فإن القَسْمَ حقٌّ مُؤكَّد، وعدلٌ مُتعيِّن، به تستقيم البيوت، وتأتلف القلوب، وتندفع الخصومات.
ألا وإنَّ الهوى إذا غلب أفسد، وإذا حَكَم أضلَّ وأبعد، ومن جعله ميزانه جار، ومن جعل الشرع ميزانه عدل واستقام واستنار.
فزنوا أعمالكم بميزان العدل، واضبطوا حقوقكم بحبل الشرع، واعلموا أن الله سائلكم عن القليل والكثير، والحقير واليسير.
فمن اتقى الله في نسائه أصلح الله له شأنه، وبارك له في أهله وبنيه، ومن جار وتعدَّى، خسر دنياه وأخراه، وجاء يوم القيامة من الظالمين، عياذاً بالله.
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وراقِبوه في السرِّ والعلَن، واعلموا أن الحقوق مؤدَّاة، وأن المظالم مُستوفاة، ﴿ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ﴾ ، والله أعلم.
من ضمن(سلسلة الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص ).
١٦-١١-١٤٤٧
الزمن الذي تنفرد به إحدى الزوجات يُعتبر من القَسْم.
فإذا سافر شهرًا أو شهرين: فهو محتَسَب لها، ويجب بعد الرجوع أن يقضي للأخرى مثل تلك المدة.
تنبيه:
هذا إذا لم تكن خرجت بالقرعة على وجهٍ يُسقط المطالبة عند بعض أهل العلم، لكن القضاء أحوط وأبرأ للذمة.
هذا... واتقوا الله في نسائكم، وأقيموا القِسْم على ميزان الشرع، ولا تميلوا مع الهوى فتجوروا في الحكم والقِسَم؛ فإن القَسْمَ حقٌّ مُؤكَّد، وعدلٌ مُتعيِّن، به تستقيم البيوت، وتأتلف القلوب، وتندفع الخصومات.
ألا وإنَّ الهوى إذا غلب أفسد، وإذا حَكَم أضلَّ وأبعد، ومن جعله ميزانه جار، ومن جعل الشرع ميزانه عدل واستقام واستنار.
فزنوا أعمالكم بميزان العدل، واضبطوا حقوقكم بحبل الشرع، واعلموا أن الله سائلكم عن القليل والكثير، والحقير واليسير.
فمن اتقى الله في نسائه أصلح الله له شأنه، وبارك له في أهله وبنيه، ومن جار وتعدَّى، خسر دنياه وأخراه، وجاء يوم القيامة من الظالمين، عياذاً بالله.
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وراقِبوه في السرِّ والعلَن، واعلموا أن الحقوق مؤدَّاة، وأن المظالم مُستوفاة، ﴿ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ﴾ ، والله أعلم.
من ضمن(سلسلة الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص ).
١٦-١١-١٤٤٧
الحلقة الرابعة: من (سلسلة التربية والأخلاق السلفية)
[عالم النًَقْرات]
النقرة الثالثة: (نقرة الصحبة الصالحة) [اختيار الأصدقاء على مواقع التواصل الاجتماعي]:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبِه ومن والاه وبعد:
الصحبة الصالحة منحة ربانية، ونفحة رحمانية، يختصّ الله بها من شاء من عباده، فتكون له في طريقه نورًا، وفي غربته أُنسًا، وفي ضعفه قوّة، وفي فتنته عصمة. فإن القلوب - وإن تظاهرت بالقوة - سريعة التأثر، رقيقة المشارب، تتلوّن بما يجاورها، وتتشكل بما يخالطها؛ ولهذا لم يكن عجبًا أن يجعل الشرع للصحبة قدرًا عظيمًا، وأن يربط بين صلاح المرء وصلاح جليسه، فقال سبحانه: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾، إشارةً إلى أن ملازمة الأخيار عبادة، وأن صحبتهم قربة.
وليست الصحبة اجتماع صورٍ وأجساد، ولا تلاقي وجوهٍ وأحاديث، بل هي امتزاج أسرار، وتآلف أرواح، وسريان خفيّ يتسلل إلى القلب كما يتسلل النسيم إلى الأغصان، فيحرّكها وإن لم تره العيون. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير»، فالصالح إمّا أن يُعطيك، وإمّا أن يُحسن إليك، وإمّا أن تجد منه ريحًا طيبة، فتنصرف وقد علِق بك من أثره ما يزكّي روحك، ويهذّب طبعك، ويوقظ قلبك.
والصحبة الصالحة لا تُنال بالدعاوى، ولا تُعرف بالمظاهر، بل لها سيماء تُرى، وآثار تُجنى؛ فمن علاماتها صفاء العقيدة، واستقامة المنهج، وحسن السمت، ولين الجانب، وكثرة الذكر، وصدق النصح. صاحبٌ إذا ذكرتَ الله عنده أعانك، وإذا غفلتَ ذكّرك، وإذا زللتَ قوّمك، لا يراك على معصية فيسكت، ولا على طاعة فيثبّط، بل يرفعك إذا ضعفت، ويشدّك إذا فترت، كأنه مرآة صادقة ترى فيها عيبك قبل أن يراك الناس.
وما أعظم ثمرتها! فإنها تثبّت القلوب إذا اضطربت، وتجمع الشمل إذا تفرّق، وتحيي الهمم إذا خمدت. بها يستقيم السائر، ويقوى الضعيف، ويأنس الغريب، وتُزكّى الأخلاق من غير تكلّف، إذ المرء يقتبس من حال صاحبه قبل مقاله، ويتخلّق بخلقه قبل أن يتعلّم من لفظه. ومن هنا كان الرجاء عظيمًا في حسن خاتمة من عاش بين الأخيار، فإن من ألف الطاعة سهلت عليه، ومن سهلت عليه عاش بها ومات عليها.
وعلى النقيض، فإن صحبة السوء داءٌ دفين، وبلاءٌ مبين، تبدأ يسيرةً في ظاهرها، ثم لا تلبث أن تستحكم في أثرها، حتى تجرّ صاحبها من تساهلٍ إلى تساهل، ومن غفلةٍ إلى غفلة، حتى يفيق - إن أفاق - على ندمٍ لا ينفع، وقد قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾. فكم من مستقيمٍ أفسدته صحبة، وكم من قلبٍ أظلم بعد صفاء، وكم من طريقٍ انحرف بصاحبه حين ركن إلى من لا يخاف الله.
فالصحبة الصالحة ليست ترفًا يُستحسن، بل ضرورةٌ تُلتمس، وسفينةُ نجاةٍ يُتمسّك بها، ودرعٌ يقي من غوائل الفتن. والطيّبون تُعرف سيماهم؛ في وجوههم سكينة، وفي مجالسهم وقار، وفي كلامهم نور، وإذا دنوتَ منهم سكن قلبك، وانشرح صدرك، كأنك تأوي إلى ظلٍّ بعد لفح، أو ترد ماءً بعد ظمأ. أولئك هم غنيمة الأعمار، وعدّة الأسفار، وزاد السائرين إلى دار القرار؛ فمن رزقه الله صحبتهم فليعضّ عليها بالنواجذ، وليحمد الله سرًّا وجهرًا، فإنها نعمة إن ذهبت عُرف قدرها، وإن بقيت عُلم فضلها، ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ والحمدللهربالعالمين.
وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه.
الثغر السكندري - حرسه الله-
صباح الاثنين ١٧ ذو القعدة ١٤٤٧ هجرية.
يتبع ... إن شاء الله
[عالم النًَقْرات]
النقرة الثالثة: (نقرة الصحبة الصالحة) [اختيار الأصدقاء على مواقع التواصل الاجتماعي]:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبِه ومن والاه وبعد:
الصحبة الصالحة منحة ربانية، ونفحة رحمانية، يختصّ الله بها من شاء من عباده، فتكون له في طريقه نورًا، وفي غربته أُنسًا، وفي ضعفه قوّة، وفي فتنته عصمة. فإن القلوب - وإن تظاهرت بالقوة - سريعة التأثر، رقيقة المشارب، تتلوّن بما يجاورها، وتتشكل بما يخالطها؛ ولهذا لم يكن عجبًا أن يجعل الشرع للصحبة قدرًا عظيمًا، وأن يربط بين صلاح المرء وصلاح جليسه، فقال سبحانه: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾، إشارةً إلى أن ملازمة الأخيار عبادة، وأن صحبتهم قربة.
وليست الصحبة اجتماع صورٍ وأجساد، ولا تلاقي وجوهٍ وأحاديث، بل هي امتزاج أسرار، وتآلف أرواح، وسريان خفيّ يتسلل إلى القلب كما يتسلل النسيم إلى الأغصان، فيحرّكها وإن لم تره العيون. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير»، فالصالح إمّا أن يُعطيك، وإمّا أن يُحسن إليك، وإمّا أن تجد منه ريحًا طيبة، فتنصرف وقد علِق بك من أثره ما يزكّي روحك، ويهذّب طبعك، ويوقظ قلبك.
والصحبة الصالحة لا تُنال بالدعاوى، ولا تُعرف بالمظاهر، بل لها سيماء تُرى، وآثار تُجنى؛ فمن علاماتها صفاء العقيدة، واستقامة المنهج، وحسن السمت، ولين الجانب، وكثرة الذكر، وصدق النصح. صاحبٌ إذا ذكرتَ الله عنده أعانك، وإذا غفلتَ ذكّرك، وإذا زللتَ قوّمك، لا يراك على معصية فيسكت، ولا على طاعة فيثبّط، بل يرفعك إذا ضعفت، ويشدّك إذا فترت، كأنه مرآة صادقة ترى فيها عيبك قبل أن يراك الناس.
وما أعظم ثمرتها! فإنها تثبّت القلوب إذا اضطربت، وتجمع الشمل إذا تفرّق، وتحيي الهمم إذا خمدت. بها يستقيم السائر، ويقوى الضعيف، ويأنس الغريب، وتُزكّى الأخلاق من غير تكلّف، إذ المرء يقتبس من حال صاحبه قبل مقاله، ويتخلّق بخلقه قبل أن يتعلّم من لفظه. ومن هنا كان الرجاء عظيمًا في حسن خاتمة من عاش بين الأخيار، فإن من ألف الطاعة سهلت عليه، ومن سهلت عليه عاش بها ومات عليها.
وعلى النقيض، فإن صحبة السوء داءٌ دفين، وبلاءٌ مبين، تبدأ يسيرةً في ظاهرها، ثم لا تلبث أن تستحكم في أثرها، حتى تجرّ صاحبها من تساهلٍ إلى تساهل، ومن غفلةٍ إلى غفلة، حتى يفيق - إن أفاق - على ندمٍ لا ينفع، وقد قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾. فكم من مستقيمٍ أفسدته صحبة، وكم من قلبٍ أظلم بعد صفاء، وكم من طريقٍ انحرف بصاحبه حين ركن إلى من لا يخاف الله.
فالصحبة الصالحة ليست ترفًا يُستحسن، بل ضرورةٌ تُلتمس، وسفينةُ نجاةٍ يُتمسّك بها، ودرعٌ يقي من غوائل الفتن. والطيّبون تُعرف سيماهم؛ في وجوههم سكينة، وفي مجالسهم وقار، وفي كلامهم نور، وإذا دنوتَ منهم سكن قلبك، وانشرح صدرك، كأنك تأوي إلى ظلٍّ بعد لفح، أو ترد ماءً بعد ظمأ. أولئك هم غنيمة الأعمار، وعدّة الأسفار، وزاد السائرين إلى دار القرار؛ فمن رزقه الله صحبتهم فليعضّ عليها بالنواجذ، وليحمد الله سرًّا وجهرًا، فإنها نعمة إن ذهبت عُرف قدرها، وإن بقيت عُلم فضلها، ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ والحمدللهربالعالمين.
وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه.
الثغر السكندري - حرسه الله-
صباح الاثنين ١٧ ذو القعدة ١٤٤٧ هجرية.
يتبع ... إن شاء الله