الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. الردود

كثرةُ الدروسِ لا تُزكِّي انحرافًا... عرفات الثَّعلب المكَّار نموذجاً

٢٩ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ١٦ مايو ٢٠٢٦
الردودالمقالاتالرد على عرفات المحمديالمنهج والدعوة السلفية
مقال بعنوان: (كثرةُ الدروسِ لا تُزكِّي انحرافًا... عرفات الثَّعلب المكَّار نموذجاً)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فليسَتِ العِبرةُ - يا قوم - بكثرةِ الدروسِ، ولا بطولِ القوائمِ، ولا بضجيجِ المنابرِ، ولا بتكديسِ المحاضراتِ والخُطَبِ الرنَّانة؛ فإنَّ الباطلَ قد يلبسُ ثوبَ الكثرة، وقد يركبُ صهوةَ الشهرة، وقد يعلو صوتُه في الآفاق، ثم لا يزنُ عند الله جناحَ بعوضة!
فما هذا المنطقُ الأعوجُ الذي صار عند بعضِ المفتونين؟! إذا قيل لهم: عرفات الكذاب عنده انحرافٌ منهجي حزبيٌّ، ومسلكٌ انتقاليٌّ خبيث، ومواقفُ تخالفُ أصولَ السلفية؛ قالوا لك: (لكن عنده ألفُ درسٍ ومحاضرة!)
وكأنَّ الحقَّ يُعرفُ بعددِ المقاطع! أو كأنَّ المنهجَ يُوزنُ بعددِ الساعات! أو كأنَّ أهلَ البدعِ والضلالِ لم يكونوا أصحابَ تصدُّرٍ وكلامٍ ووعظٍ وتأثير!
يا أخي… إبليسُ نفسُه دعا إلى باطلِه منذُ آلافِ السنين، أفصارَ طولُ دعوتِه حجةً له؟!
إنَّ الحقَّ لا يُعرفُ بالكثرة، وإنما يُعرفُ بموافقةِ الكتابِ والسنةِ وفهمِ السلفِ الصالح، بل إنَّ الكثرةَ في نفسها ليست ميزانًا للحق، وقد ذمَّ اللهُ الاغترارَ بها في مواضعَ كثيرةٍ من كتابه، فقال تعالى: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَاّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَاّ يَخْرُصُونَ ﴾ [الأنعام: 116]. وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: 103]. وقال جلَّ وعلا: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: 13]. وقال سبحانه: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 187]. وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: 63]. وقال جلَّ شأنه: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام: 111]. فالعبرةُ - يا أهلَ السُّنَّة - ليست بكثرةِ المتابعين، ولا بضخامةِ الأرشيفات الصوتية، ولا بعددِ الدروسِ والمحاضرات؛ وإنما العبرةُ بصحةِ المنهج، وسلامةِ المعتقد، والثباتِ على الأثر، ولزومِ غرزِ العلماءِ الراسخين.

ولو كانت كثرةُ المحاضراتِ دليلاً على السلامةِ وصحةِ المنهج؛ لكانَ أولى الناسِ بذلك طوائفُ الحركيين والخطباءِ الجماهيريين الذين ملؤوا الدنيا صياحًا وضجيجًا، ثم انتهى أمرُ كثيرٍ منهم إلى الطعنِ في أصولِ السلفية ثم الى مزبلة التاريخ.
فعندنا في مصر: كان لمحمد حسان آلافُ المحاضرات، بل تجاوزت - فيما يُقال - عشرةَ آلافِ درسٍ وخطبة، وكذلك محمد حسين يعقوب، وياسر برهامي، ومحمد إسماعيل المقدم ومحمد عبد المقصود الملقب عندهم بفقيه المصريين؛ ومع ذلك لم تكن كثرةُ الأشرطةِ والدروسِ مانعةً من وقوعِ المخالفاتِ المنهجية، ولا جعلتْ تلك الأخطاءَ حقًّا، ولا صيَّرتِ الانحرافَ سنةً تُتَّبع.
وفي الجزائر: كم سمع الناسُ لفركوس، وجمعة، ولزهر سنيقرة وغيرِهم، ثم وقعتِ الفتنُ والاختلافاتُ والانحرافاتُ التي يعرفها أهلُ العلمِ والبصيرة وطلابهم.
وفي اليمن: أبو الحسن المأربي، ويحيى الحجوري، ومحمد بن عبد الله الإمام وغيرُهم ممن كانت لهم دروسٌ ومحاضراتٌ وأتباعٌ وضجيجٌ إعلامي؛ فهل نفعتهم كثرةُ الكلامِ حين خالفوا أصولَ السلفية؟! كلا والله.

وكذلك عبد الرحمن عبد الخالق، وعلي الحلبي، وسليم الهلالي، ومشهور حسن، والمغراوي، وغيرُهم كثيرٌ ممن ملؤوا الدنيا دروسًا ومحاضراتٍ وتصنيفاتٍ وخطبًا، وكان لهم أتباعٌ ومريدون، ومنابرُ وأشرطةٌ ومراكزُ، ثم لمَّا ظهرتِ المخالفاتُ المنهجيةُ، وبرزتِ الانحرافاتُ الحزبيةُ والتمييعُ لأصولِ السلفية؛ لم تنفعهم هذه الكثرةُ من الدروس والخطب والمحاضرات، ولا ضخامةُ الأرشيف، ولا صخبُ الأتباع.

لقد نبذ العلماءُ تلك الانحرافات، وحذَّروا من مسالكِها، وبيَّنوا خطرَها على الشبابِ السلفي، ولم تغترَّ بها طلابُ العلمِ الراسخون الذين عرفوا أنَّ العبرةَ بالحقِّ لا بالرجال، وبالاتباعِ لا بالأتباع، ولا بكثرةِ الدروسِ والمحاضرات.

فكم من رجلٍ علا صوتُه، وكثرَتْ مقاطعُه، وطارتْ أشرطتُه في الآفاق، ثم لم يزده ذلك عند أهلِ البصيرةِ إلا سقوطًا حين خالفَ الجادةَ، وانحرفَ عن سبيلِ السلف؛ لأنَّ أهلَ السنةِ لا يزنون الرجالَ بكثرةِ التصدر، وإنما يزنونهم بميزانِ الاتباعِ والاستقامةِ على الأثر.
وكم من صاحبِ صوتٍ جهوريٍّ، ولسانٍ خطيبٍ، وأسلوبٍ مؤثر؛ كان في الحقيقةِ معولَ هدمٍ لأصولِ السلفية، يلبسُ الحقَّ بالباطل، ويدسُّ السمَّ في العسل، ويغرسُ الحزبيةَ في ثيابِ النصيحة!
فلا يغرَّنكم كثرةُ المقاطع، ولا وفرةُ التسجيلات، ولا عباراتُ التهويل: (عنده ألفُ درس!) فإنَّ الجهمَ تكلم، والمعتزلةَ كتبوا، والخوارجَ خطبوا، وأهلَ الأهواءِ ملؤوا الدنيا تصنيفًا وجدالًا… ثم كانوا - عند أهلِ السنة - أهلَ ضلالٍ وانحراف.
قال الإمام البربهاري رحمه الله في (شرح السنة) [ص: 99]: (واعلم أنَّ العلمَ ليس بكثرةِ الروايةِ والكتب، ولكنَّ العالمَ من اتَّبع الكتابَ والسنةَ وإن كان قليلَ العلمِ والكتب، ومن خالف الكتابَ والسنةَ فهو صاحبُ بدعةٍ وإن كان كثيرَ الروايةِ والكتب) اهـ.
وقال الإمام الأوزاعي رحمه الله كما في (المدخل إلى السنن الكبرى) للبيهقي [1/99 رقم: 233]: «عَلَيْكَ بِآثَارِ مَنْ سَلَفَ وَإِنْ رَفَضَكَ النَّاسُ ، وَإِيَّاكَ وَرَأْي الرِّجَالِ ، وَإِنْ زَخْرَفُوهُ بِالْقَوْلِ ، فَإِنَّ الْأَمْرَ يَنْجَلِي وَأَنْتَ مِنْهُ عَلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ» اهـ.
واعلموا - رحمكم الله - أنَّ أهلَ الأهواءِ عبرَ التاريخِ ما سقطوا بسببِ قلَّةِ الكلام أو كثرته، وإنما سقطوا حين وُزنوا بميزانِ الوحيِ والاتباع؛ فكم من متصدرٍ دوَّختْ أشرطتُه الأسماع، وملأتْ خُطبُه الآفاق، وتعلقتْ به العامةُ والغوغاء، ثم لمَّا انكشفَ امتحانُ المنهج تبيَّن أنَّ تحتَ البهرجةِ خللًا، وتحتَ الرنينِ دخنًا، وتحتَ الشعاراتِ الحماسيةِ حزبيةً مقيتةً تُفرِّقُ أهلَ السنةِ وتُميعُ أصولَها.
فليسَتِ السلفيةُ بكثرةِ الدروس والله، ولا بارتفاعِ المشاهدات، ولا بتضخمِ الأرشيفات الصوتية؛ وإنما السلفيةُ صدقُ اتباعٍ، وسلامةُ معتقدٍ، وتعظيمٌ للسُّنَّة، ووقوفٌ عند آثارِ السلف، وثباتٌ عند الفتنِ والمحن.
وما أكثرَ من جمعَ الأتباعَ ثم تفرَّقوا عنه، وملأ الدنيا كلامًا ثم صارَ كلامُه هباءً؛ لأنَّه لم يُبنَ على أصلٍ متين، ولم يُؤسَّس على جادةِ السلفِ المبين.
وقال السيوطي في (تدريب الراوي) [1/94]: «وَقَدْ صَنَّفَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ بِالْمَدِينَةِ مُوَطَّأً أَكْبَرَ مِنْ مُوَطَّأِ مَالِكٍ، حَتَّى قِيلَ لِمَالِكٍ: مَا الْفَائِدَةُ فِي تَصْنِيفِكَ؟ قَالَ: مَا كَانَ لِلَّهِ بَقِيَ» اهـ. تأمل كلام الإمام مالك .....
فتأمَّل - رحمك الله - كلامَ الإمامِ مالكٍ، إمامِ دارِ الهجرة، كيف لم يغترَّ بكثرةِ الأوراق، ولا بضخامةِ المصنفات، ولا بمسابقةِ الناسِ في حجمِ التأليف؛ لأنه يعلمُ أنَّ البركةَ ليست في الكثرةِ المجردة، وإنما في الإخلاصِ والاتباعِ والصدقِ مع الله.

فأين اليومَ الموطآتُ التي كانت أكبرَ حجمًا؟! وأين تلك المصنفاتُ الضخمةُ التي ملأتِ الدنيا ثم طواها النسيان؟! وبقي موطأُ مالك، تتناقله الأمةُ جيلًا بعد جيل، وتشدُّ إليه الرحال، وتلهجُ به الألسن؛ لأنَّه قام على السنةِ والاتباع، ونحسبُه قام - كذلك - على الإخلاصِ والصدقِ مع الله، فما كان للهِ بقي، وما كان لغيرِ اللهِ اضمحلَّ وفني.
وهكذا شأنُ الحقِّ دائمًا: قد يكونُ قليلَ الأتباعِ في أولِ أمره، خافتَ الصوت، لكنه ثابتٌ راسخٌ مبارك؛ بينما الباطلُ قد يعلو صخبُه، وتكثرُ منصاتُه، وتنتشرُ مقاطعُه، ثم لا يلبثُ أن يذبلَ ويضمحلَّ؛ لأنَّه لم يُبنَ على أصلٍ متين.

فالعبرةُ - يا أهلَ السنة - بثباتِ الرجلِ على الحقِّ عند الفتن، وبسلامةِ أصولِه، وصحةِ معتقدِه، وصدقِ اتباعِه، لا بكثرةِ منشوراتِه، ولا بتضخمِ أرشيفِه، ولا بعددِ مقاطعِه ومحاضراتِه.
ثم إنَّ أهلَ البصيرةِ لا تخدعهم مثل هذه التُّرَّاهات، ولا تنطلي عليهم تجارةُ كثرة الدروس والدورات؛ لأنَّ أهلَ البدعِ قديمًا وحديثًا كانوا أقدرَ الناسِ على الحشدِ والتهويلِ والتكثير، لكنَّ أهلَ السنةِ ينظرون إلى حقيقةِ المنهج، لا إلى زينةِ المشهد.
فالميزانُ الحقُّ: هل الرجلُ معظمٌ للسنة؟ هل هو ثابتٌ على أصولِ السلف؟ هل يُوالي أهلَ السنةِ ويُعادي أهلَ الأهواءِ؟ هل يحذر من الحزبيات أم يتحزب وينشئ حزب جديد؟ هل يردُّ الناسَ إلى العلماءِ الكبار أم يصنعُ لنفسه زعامةً وجماعةً وولاءات؟
أمَّا عدُّ الدروسِ والمحاضرات؛ فهذه حجةُ المفلسين، الذين عجزوا عن إقامةِ الدليلِ الشرعي، فهربوا إلى لغةِ الأرقامِ والضجيجِ الإعلامي.
فاثبتوا يا طلاب العلم ويا أهل السنة على الأثر، واعتصموا بالوحي، وإياكم والانبهارَ بالمكثرين؛ فإنَّ الحقَّ قد يكونُ مع الواحد، والباطلَ قد تملأُ جموعُه الآفاق. والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه
الإسكندرية من الديار المصرية حرسها الله وسائر بلاد المسلمين
السبت: 29 ذو القعدة 1447 هـ
كثرةُ الدروسِ لا تُزكِّي انحرافًا... عرفات الثَّعلب المكَّار نموذجاً

مواد ذات صلة