ما شاء الله، لا قوة إلا بالله، تحريرٌ سلفيٌّ أثريٌّ متينُ السَّبك، قويُّ الحُجَّة، يلوح عليه نورُ الاتباع، وتفوح منه رائحةُ الآثار، وقد…
ما شاء الله، لا قوة إلا بالله، تحريرٌ سلفيٌّ أثريٌّ متينُ السَّبك، قويُّ الحُجَّة، يلوح عليه نورُ الاتباع، وتفوح منه رائحةُ الآثار، وقد وُفِّق كاتبُه أخونا أنس بن ناصر — فيما نحسب — إلى تحريرٍ مُحكم، وجمعٍ نافع، وتأصيلٍ رصين.
ومما زاد المقالَ جمالًا وبهاءً: ما تضمَّنه من نقولٍ نفيسةٍ عن أئمة الحديث والعلماء، في بيانِ الفرقِ بين الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم والكذب في حديث الناس، وما قرَّروه من أحكام الرواة في ذلك، وبيانِ من تُقبل روايتُه إذا تاب وحسنت توبتُه، على طريقة أهل السنة والحديث، لا على مسالك أهل الغلو والأهواء.
إذ محلُّ الخلافِ عند أهلِ الحديث ليس في التائبِ من الكذبِ في حديثِ الناس؛ فإنَّ جمهورَهم على قبولِ روايتِه إذا حسنت توبتُه، وإنما الخلافُ فيمن تعمَّد الكذبَ على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم: هل تُقبل روايتُه بعد التوبة أم لا؟ على قولين، والراجحُ المنعُ.
وهذه المسألةُ قليلةُ الوقوعِ جدًّا في كتبِ الجرحِ والتعديل، حتى إنَّ الباحثَ لا يكادُ يقف — بعد التتبُّع — إلا على نفرٍ يسيرٍ من الرواة وُصفوا بالكذب ثم ذُكرت عنهم التوبة.
فجزى الله كاتبَه خير الجزاء، وبارك في علمه وقلمه، ووفقه لمزيدٍ من خدمة السنة والذبِّ عنها، ونفع بهذا التحرير المختصر الرصين طلابَ العلم ومحبي الآثار.
وكتب:
بلال بن عبدالغني السالمي
وإلى الاستفادة من المقال:
👇
بسم الله الرحمن الرحيم ولا حول ولا قوة إلا بالله
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن من نتائج فتنة هذا الحزب الجديد الذي ركن إلى الذين ظلموا من أهل الأحزاب لنيل عرض من الدنيا قليل؛ أنه عمد إلى الأصول السلفية والقواعد الشرعية فحرفها وخالفها، فلم يكتفوا بمخالفة ولي الأمر وزعم أن ذلك موافق للأصول السلفية كما تفوه به كنتوش العدني، بل عمدوا إلى قواعد أهل الحديث كقاعدة الأخذ عن التائب من الكذب، فعمموا الحكم وذكروا بإطلاق أنه لا يؤخذ عن الكذاب هكذا، بلا تفصيل ولا تحرير.
والذي حملهم على ذلك حقدهم الشديد، فأطلقوا سفائهم في حملة شرسة على مشايخ السنة لا يرقبون فيهم إلا ولا ذمة.
وهذا القول بهذا الإطلاق قول خطأ وفاسد، وليس مما قاله السلف، فإن علماء الحديث فرقوا بين قبول رواية التائب من الكذب في حديث الناس وبين التائب من الكذب في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وتفريقهم هذا مبني على نص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه الإمام البخاري في صحيحه من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن كذبا علي ليس ككذب على أحد، من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار". [البخاري برقم 1291]
فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يفرق بين الكذب عليه والكذب على غيره، فكيف تساوي هذه الشرذمة بين الاثنين، وتشنع بذلك على أهل السنة؟ فيتهمون التائب ويردون قوله معيرين إياه بالكذب، ويتهمون من يثني عليه بأنه يثني على الكذابين، فنعوذ بالله من سوء الطوية وفساد الأخلاق.
قال الخطيب البغدادي في (الكفاية): "باب في أن الكذب في غير حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ترد روايته.
وقد ذكرنا آنفا قول مالك بن أنس في ذلك ويجب أن يُقبل حديثه إذا ثبتت توبته، فأما الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضع الحديث وادعاء السماع فقد ذكر غير واحد من أهل العلم أنه يوجب رد الحديث أبدا وإن تاب فاعله".
وقال الحافظ ابن كثير في اختصار علوم الحديث: "مسألة: التائب من الكذب في حديث الناس تُقبل روايته خلافا لأبي بكر الصيرفي"
علق عليه العلامة أحمد شاكر فقال: "قال ابن الصلاح في كتاب (علوم الحديث) ص 128: "وأطلق الإمام الصيرفي الشافعي فيما وجدت له في شرحه لرسالة الشافعي فقال: كل من أسقطنا خبره من أهل النقل بكذب وجدناه عليه، لم نعد لقبوله بتوبة تظهر. ومن ضعفنا نقله لم نجعله قويا بعد ذلك، وذكر أنه مما افترقت فيه الرواية والشهادة".
قال العراقي في شرحه (ص151): "والظاهر أن الصيرفي أطلق الكذب وإنما أراد الكذب في الحديث، بدليل قوله: "من أهل النقل" وقد قيده بالمحدث فيما رأيته في كتابه المسمى بالدلائل والأعلام فقال: وليس يُطعن على المحدث إلا أن يقول: تعمدت الكذب فهو كاذب في الأول، ولا يُقبل خبره بعد ذلك".
وقال الحافظ السخاوي في فتح المغيث: "وقال المصنف: إن الظاهر أن الصيرفي إنما أراد الكذب في الحديث النبوي خاصة، يعني: فلا يشمل الكذب في غيره من حديث سائر الناس، فإن ذلك كغيره من المفسقات تُقبل رواية التائب منه، لا سيما وقوله -كما قال المصنف- "من أهل النقل- قرينة في التقييد".
ومما زاد المقالَ جمالًا وبهاءً: ما تضمَّنه من نقولٍ نفيسةٍ عن أئمة الحديث والعلماء، في بيانِ الفرقِ بين الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم والكذب في حديث الناس، وما قرَّروه من أحكام الرواة في ذلك، وبيانِ من تُقبل روايتُه إذا تاب وحسنت توبتُه، على طريقة أهل السنة والحديث، لا على مسالك أهل الغلو والأهواء.
إذ محلُّ الخلافِ عند أهلِ الحديث ليس في التائبِ من الكذبِ في حديثِ الناس؛ فإنَّ جمهورَهم على قبولِ روايتِه إذا حسنت توبتُه، وإنما الخلافُ فيمن تعمَّد الكذبَ على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم: هل تُقبل روايتُه بعد التوبة أم لا؟ على قولين، والراجحُ المنعُ.
وهذه المسألةُ قليلةُ الوقوعِ جدًّا في كتبِ الجرحِ والتعديل، حتى إنَّ الباحثَ لا يكادُ يقف — بعد التتبُّع — إلا على نفرٍ يسيرٍ من الرواة وُصفوا بالكذب ثم ذُكرت عنهم التوبة.
فجزى الله كاتبَه خير الجزاء، وبارك في علمه وقلمه، ووفقه لمزيدٍ من خدمة السنة والذبِّ عنها، ونفع بهذا التحرير المختصر الرصين طلابَ العلم ومحبي الآثار.
وكتب:
بلال بن عبدالغني السالمي
وإلى الاستفادة من المقال:
👇
بسم الله الرحمن الرحيم ولا حول ولا قوة إلا بالله
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن من نتائج فتنة هذا الحزب الجديد الذي ركن إلى الذين ظلموا من أهل الأحزاب لنيل عرض من الدنيا قليل؛ أنه عمد إلى الأصول السلفية والقواعد الشرعية فحرفها وخالفها، فلم يكتفوا بمخالفة ولي الأمر وزعم أن ذلك موافق للأصول السلفية كما تفوه به كنتوش العدني، بل عمدوا إلى قواعد أهل الحديث كقاعدة الأخذ عن التائب من الكذب، فعمموا الحكم وذكروا بإطلاق أنه لا يؤخذ عن الكذاب هكذا، بلا تفصيل ولا تحرير.
والذي حملهم على ذلك حقدهم الشديد، فأطلقوا سفائهم في حملة شرسة على مشايخ السنة لا يرقبون فيهم إلا ولا ذمة.
وهذا القول بهذا الإطلاق قول خطأ وفاسد، وليس مما قاله السلف، فإن علماء الحديث فرقوا بين قبول رواية التائب من الكذب في حديث الناس وبين التائب من الكذب في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وتفريقهم هذا مبني على نص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه الإمام البخاري في صحيحه من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن كذبا علي ليس ككذب على أحد، من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار". [البخاري برقم 1291]
فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يفرق بين الكذب عليه والكذب على غيره، فكيف تساوي هذه الشرذمة بين الاثنين، وتشنع بذلك على أهل السنة؟ فيتهمون التائب ويردون قوله معيرين إياه بالكذب، ويتهمون من يثني عليه بأنه يثني على الكذابين، فنعوذ بالله من سوء الطوية وفساد الأخلاق.
قال الخطيب البغدادي في (الكفاية): "باب في أن الكذب في غير حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ترد روايته.
وقد ذكرنا آنفا قول مالك بن أنس في ذلك ويجب أن يُقبل حديثه إذا ثبتت توبته، فأما الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضع الحديث وادعاء السماع فقد ذكر غير واحد من أهل العلم أنه يوجب رد الحديث أبدا وإن تاب فاعله".
وقال الحافظ ابن كثير في اختصار علوم الحديث: "مسألة: التائب من الكذب في حديث الناس تُقبل روايته خلافا لأبي بكر الصيرفي"
علق عليه العلامة أحمد شاكر فقال: "قال ابن الصلاح في كتاب (علوم الحديث) ص 128: "وأطلق الإمام الصيرفي الشافعي فيما وجدت له في شرحه لرسالة الشافعي فقال: كل من أسقطنا خبره من أهل النقل بكذب وجدناه عليه، لم نعد لقبوله بتوبة تظهر. ومن ضعفنا نقله لم نجعله قويا بعد ذلك، وذكر أنه مما افترقت فيه الرواية والشهادة".
قال العراقي في شرحه (ص151): "والظاهر أن الصيرفي أطلق الكذب وإنما أراد الكذب في الحديث، بدليل قوله: "من أهل النقل" وقد قيده بالمحدث فيما رأيته في كتابه المسمى بالدلائل والأعلام فقال: وليس يُطعن على المحدث إلا أن يقول: تعمدت الكذب فهو كاذب في الأول، ولا يُقبل خبره بعد ذلك".
وقال الحافظ السخاوي في فتح المغيث: "وقال المصنف: إن الظاهر أن الصيرفي إنما أراد الكذب في الحديث النبوي خاصة، يعني: فلا يشمل الكذب في غيره من حديث سائر الناس، فإن ذلك كغيره من المفسقات تُقبل رواية التائب منه، لا سيما وقوله -كما قال المصنف- "من أهل النقل- قرينة في التقييد".
وقال الحافظ ابن حجر في نزهة النظر -في مبحث الطعن في الراوي وأسبابه-: "لكذب الراوي في الحديث النبوي: بأن يروي عنه صلى الله عليه وسلم ما لم يقله متعمدا لذلك.
أو تهمته بذلك: بأن لا يُروى ذلك الحديث إلا من جهته، ويكون مخالفا للقواعد المعلومة، وكذا من عُرِف بالكذب في كلامه، وإن لم يظهر منه وقوع ذلك في الحديث النبوي، وهذا دون الأول".
وقال العلامة محمد بن علي آدم الإثيوبي رحمه الله في شرحه على ألفية السيوطي في الحديث المسمى ب(إسعاف ذوي الوطر بشرح الدرر في علم الأثر): " (أو كذب الحديث) بالجر عطفا على فسقه أي من يتب عن الكذب في الحديث النبوي مطلقا في الفضائل أو الأحكام أو غيرهما بأن وضع أو ركب سندا صحيحا لمتن ضعيف، ونحو ذلك، ولو مرة واحدة.
وقيد بالكذب في الحديث النبوي احترازا من الكذب في حديث الناس فإنه داخل في المسألة السابقة فيُقبل إذا تاب توبة صحيحة".
وكذا كل ما ورد عن السلف في عدم الأخذ عن الذي يكذب في حديث الناس فإنما يعنون به من لم يتب من ذلك، وأما من تاب فإنهم قد أجازوا الأخذ بروايته وشهادته، لأن ذلك من جملة المفسقات التي يُقبل حديث وشهادة من تاب منها وأقلع عنها.
فلا يغرنكم تشدقهم بألفاظ أئمة الحديث وهم ينزلونها منزلا غير الذي أراده أولئك الأئمة، كقولهم: "توبته بينه وبين ربه ولا نقبل روايته" فهذا فيمن كذب في رواية الحديث، إلى غير ذلك من القواعد التي يتشدقون بها وهم من أجهل الناس بحقائقها ومقاصد أصحابها، فالحمد لله الذي عافانا مما ابتلاهم به وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلا، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
كتبه أنس بن ناصر الحمد
عصر الجمعة 14 ذو القعدة 1447
أو تهمته بذلك: بأن لا يُروى ذلك الحديث إلا من جهته، ويكون مخالفا للقواعد المعلومة، وكذا من عُرِف بالكذب في كلامه، وإن لم يظهر منه وقوع ذلك في الحديث النبوي، وهذا دون الأول".
وقال العلامة محمد بن علي آدم الإثيوبي رحمه الله في شرحه على ألفية السيوطي في الحديث المسمى ب(إسعاف ذوي الوطر بشرح الدرر في علم الأثر): " (أو كذب الحديث) بالجر عطفا على فسقه أي من يتب عن الكذب في الحديث النبوي مطلقا في الفضائل أو الأحكام أو غيرهما بأن وضع أو ركب سندا صحيحا لمتن ضعيف، ونحو ذلك، ولو مرة واحدة.
وقيد بالكذب في الحديث النبوي احترازا من الكذب في حديث الناس فإنه داخل في المسألة السابقة فيُقبل إذا تاب توبة صحيحة".
وكذا كل ما ورد عن السلف في عدم الأخذ عن الذي يكذب في حديث الناس فإنما يعنون به من لم يتب من ذلك، وأما من تاب فإنهم قد أجازوا الأخذ بروايته وشهادته، لأن ذلك من جملة المفسقات التي يُقبل حديث وشهادة من تاب منها وأقلع عنها.
فلا يغرنكم تشدقهم بألفاظ أئمة الحديث وهم ينزلونها منزلا غير الذي أراده أولئك الأئمة، كقولهم: "توبته بينه وبين ربه ولا نقبل روايته" فهذا فيمن كذب في رواية الحديث، إلى غير ذلك من القواعد التي يتشدقون بها وهم من أجهل الناس بحقائقها ومقاصد أصحابها، فالحمد لله الذي عافانا مما ابتلاهم به وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلا، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
كتبه أنس بن ناصر الحمد
عصر الجمعة 14 ذو القعدة 1447