خطر الصوفية على العقيدة – السيد البدوي نموذجًا
مقال الأسبوع:
(خطر الصوفية على العقيدة – السيد البدوي نموذجًا)
مقدمة:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن اهتدى بهداه، وبعد:
في كل عصرٍ تُطلُّ على الأمة بدعٌ تلبس لبوس الولاية، وتخفي تحت ستارها انحرافًا عن جوهر التوحيد وصفائه، وكان التصوف – في كثيرٍ من طرائقه – بوابةً لتلك الانحرافات.
ومن بين رموزه الذين شُيِّد لهم المجد على حساب العقيدة: السيد البدوي، الذي تحوَّل قبره إلى مزارٍ تُنتهك فيه حدود التوحيد باسم المحبة والكرامة.
فكان لزامًا على الغيورين على دين الله أن يكشفوا الغطاء عن هذا الباطل، ويحذروا الأمة من خطره الداهم على عقيدتها ووحدتها.
أولًا: حقيقة التصوف وانحرافه:
كان التصوف في مبدأ أمره زهدًا مشروعًا، ورغبةً في صفاء القلب من شوائب الدنيا، يلوذ به قوم صدقوا في التقلُّل من حطامها، واتخذوا من الورع درعًا يحميهم من الفتن. غير أن ما بدأ نيةً صافية وسلوكًا محمودًا، لم يلبث أن تحوَّل مع مرور الزمن إلى مذهبٍ قائمٍ بذاته، تحيط به البدع من كل جانب، ويتسلَّل إليه الانحراف من أبوابه المتفرقة، حتى صار يُخالط العقيدة ويشوِّه معاني الإيمان.
لقد لبس التصوف على الناس لباس الطهر والعفاف، فظنُّوا أنه طريق الخاصة إلى الله، وأن وراء الشريعة حقيقةً لا يدركها إلا من تجرد عن العلم وترك الدليل. وهكذا بدأ الانحراف من حيث ظنوا التقرُّب، ووقع الغلو باسم الزهد، واستبدلوا بعبادة الله على بصيرة عبادةً على الذوق والوجد، فكانت الخطوة الأولى في طريق الانحراف عن منهج النبوة.
تسلل الفكر الصوفي إلى الأمة حين ضعف سلطان العلم، وابتعد الناس عن هدي القرآن والسُّنَّة، فصار الوعظ ذوقًا، والعبادة خيالًا، والمعرفة إشراقًا لا يقوم على برهان. وبدل أن يكون التزكية تزكيةً للنفس بالاتباع، غدت رياضةً بدعيةً قائمةً على الخلوات والأوراد المحدثة، والذكر الجماعي المبتدع، والألفاظ الغامضة التي لا تمت إلى الهدي النبوي بصلة.
ومع مرور القرون، انتقل التصوف من الزهد الفردي إلى التنظيم الطُرُقي، فظهرت الطرق والأسماء، وتكاثرت المذاهب والمشايخ، حتى صار لكل طائفة شيخ يُطاع طاعةً عمياء، يُرفع فوق مقام الأنبياء، ويُظن أن له تصرفًا في الكون، وأن بينه وبين الله سرًّا لا يعلمه أحد! فابتُذلت الولاية، وغابت معاني الاتباع، وصار الطريق إلى الله في زعمهم لا يمر بالوحي، بل بالشيخ، ولا يُنال بالعلم، بل بالذوق والكشف والإلهام، حتى قال بعضهم: أنتم تأخذون عن عبد الرزاق ونحن نأخذ عن الخلاق).
وهكذا تحوَّل التصوف من وسيلةٍ للإخلاص إلى وسيلةٍ للشرك، ومن دعوةٍ إلى الزهد إلى دعوةٍ إلى الانقياد الأعمى، حتى قيل في بعض طرائقهم ما لا يُقال إلا في حق الله تعالى، فصار بعضهم يقول بالحلول والاتحاد ووحدة الوجود، ويزعم أن الله في كل شيء، وأن العبد إذا وصل سقطت عنه التكاليف، فكانوا أضرَّ على العقيدة من السيف المسلول.
إن من تأمل حال التصوف في امتداده التاريخي علم أن حقيقته انحرافٌ عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ومروقٌ عن التوحيد الخالص الذي بعث الله به رسله، وأن ما فيه من خيرٍ ـ إن وُجد ـ فهو مأخوذ من الشريعة، وما فيه من شرٍّ وغلوٍّ فهو من الهوى والشيطان وطقوس اليهود والنصارى والمجوس.
ثانيًا: السيد البدوي نموذجاً:
يُعَدُّ ما جرى في شأن السيد أحمد البدوي مثالًا صارخًا لما يفضي إليه التصوف حين يُترك بلا زمام علم ولا قيد شريعة. فقد نشأ الرجل في بيئةٍ تعلو فيها رايات الزهد والكرامات، وتختلط فيها مقامات الصالحين بأساطير الغابرين، حتى غدا اسمه بعد موته عَلَمًا على طريقةٍ تُقدِّس القبور وتستغيث بالمقبورين، وتُقيم المواسم والمواكب والطبول باسم الولاية والكرامة، وهي في حقيقتها بوابة إلى الشرك والابتداع.
لم يكن البدوي نبيًا ولا رسولًا، بل رجلًا من الناس، أصاب وأخطأ، مات كما يموت سائر البشر، ولكنَّ غلوَّ أتباعه رفعه إلى مصافِّ الأولياء المعصومين، وجعل له من دون الله جاهًا يُدعى به، وسلطانًا يُستغاث به في الشدائد، حتى غدت طنطا ـ حيث ضريحه ـ قبلةً لجموعٍ من العامة، يأتونها من كل صوبٍ وحدب، يطوفون بالضريح كما يُطاف بالكعبة، وينحرون القرابين، ويرقصون على الأنغام، في مشهدٍ يختلط فيه الجهل بالعقيدة، والهوى بالعبادة.
لقد صُنع للبدوي تاريخٌ مزيَّف، نُسج من الخرافة أكثر مما نُسج من الحقيقة؛ نسبوا إليه الكرامات التي لا يقدر عليها إلا رب الأرض والسماوات، وقالوا إنه يعلم الغيب، ويحضر مجالس الدنيا والآخرة، وأن له مددًا لا ينقطع، وأن (سيدهم) يفرِّج الكروب، ويغيث الملهوف، ويشفي المريض، ويعطي الولد للعاقر، وكلُّها دعاوى لو قيلت في نبي لكانت غلوًا، فكيف تقال في ميتٍ لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا؟!
إن ما يفعله الناس عند قبر البدوي اليوم من الاستغاثة به، والطواف حول ضريحه، والتبرك بترابه، والنذر له، والدعاء باسمه، كلِّها مظاهر للشرك الأكبر الذي بعث الله الرسل لتحطيمه إذ هو من لوازم توحيده سبحانه وإفراده بالعبادة، قال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا) [النحل: 36]، وقَالَ تَعَالَى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء: 25] = وهكذا تحوَّل قبر البدوي من شاهدٍ على فناء الإنسان إلى صنمٍ تُرفع إليه الأكف، وتُبذل له الأموال، ويُتقرَّب إليه بما لا يُتقرب به إلا إلى الله وحده.
إن ظاهرة (مولد السيد البدوي) لم تكن حدثًا عابرًا في تاريخ مصر، بل صارت رمزًا للانحراف الصوفي، حيث اختلط الدين بالخرافة، والولاية بالوثنية، والزهد بالرقص والبدع، حتى غُيِّب التوحيد في غياهب الموالد والمواسم.
فصار من الواجب على أهل العلم والدعوة أن يرفعوا الصوت ببيان الحق، وأن يجلوا للناس حقيقة أولئك المقبورين الذين عُبدوا من دون الله، ليعلم الناس أن الدين لا يقوم على الأساطير، بل على الاتباع، وأن الطريق إلى الجنة لا يُعبَّد بالطبول والمواسم، بل بتوحيد رب العالمين واتباع رسوله الأمين صلى الله عليه وسلم.
ثالثًا: مظاهر الغلو عند أتباعه:
لقد تجاوز أتباع السيد البدوي الحدَّ المشروع في تعظيم الصالحين حتى بلغوا به منزلةً لا تليق إلا برب العالمين، فغلا فيه الغالون، وابتدعوا من صور التعظيم ما لم يُنزِّل الله به سلطانًا. ومن أبرز مظاهر غلوِّهم ما يلي:
1- دعاؤه والاستعانة والاستغاثة به من دون الله:
يجوِّز أتباعه ومريديه الاستغاثة والاستعانة بالأموات، ويدعونهم من دون الله، وهذا شركٌ أكبر بنصِّ الكتاب والسنة وإجماع المسلمين، وهو عينُ دينِ المشركين الأولين الذين قال الله فيهم: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى).
وقد بيَّن سبحانه بطلان فعلهم في مواضع كثيرة، فقال: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الدعاء هو العبادة»، فمن صرف نوعًا من العبادة لغير الله فقد أشرك، ومن جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويرجوهم فقد وقع في شرك الجاهلية الأولى التي بعث الله الرسل لهدمها وإخلاص الدين له وحده.
2- الطواف حول ضريحه والتبرك بترابه:
يُقبِّلون الأعتاب، ويمسحون الجدران، ويأخذون من غباره ما يزعمون أنه شفاء ووقاية، وقد جعلوا من القبر قبلةً تؤمُّها القلوب قبل الأبدان، حتى صار ضريحه عندهم أقدس من المساجد التي تُرفع فيها كلمة التوحيد.
3- النذر له والذبح عند قبره:
ينذرون له النذور، ويذبحون باسمه القرابين، ويُقدِّمون له الأطعمة والأموال رجاء البركة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ» رواه مسلم.
4- المواسم والموالد المبتدعة:
جعلوا لمولده موسمًا يُحتفل به كل عام، تجتمع فيه الحشود، وتختلط فيه الطاعات بالمنكرات، حتى تحوَّل (مولد السيد) إلى مهرجان للرقص والغناء، تضيع فيه الصلوات وتُهان فيه الحرمات، ويُقال فيه من الشرك ما تنكره الفطرة السليمة؛ فعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ). متفق عليه.
5- ادعاء الكرامات والخوارق:
نسبوا إليه أنه يطير في الهواء، ويعلم الغيب، وأنه يأتي بالأسرى فيمتدحون هذه الكرامة!! بقولهم: (الله الله يا بدوي جا بالأسرى) ويقضي الحاجات، ويكشف الضرَّ عن العباد، بل زعم بعضهم أنه حاضر في كل مكان يسمع دعاء الداعين، وهذه صفاتٌ لا تليق إلا بالله العلي الكبير.
6- تقديمه على العلماء والأنبياء:
رفعوه فوق منزلة الأئمة والعلماء، بل جاوز بعضهم الحد حتى فضَّلوه على بعض الأنبياء! وتلك مقالةٌ منكرة تهدم أصل الدين، قال الإمام الطحاوي رحمه الله في (العقيدة الطحاوية) [ص: 83]: (وَلَا نُفَضِّلُ أَحَدًا مِنَ الْأَوْلِيَاءِ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عليهم السلام وَنَقُولُ: نَبِيٌّ وَاحِدٌ أفضل من جميع الأولياء) اهـ.
7- محاربة دعاة التوحيد:
صار بعض أتباعه أشدَّ الناس عداوةً لدعاة السُّنَّة، يرمونهم بالنصب [بأنهم ينصبون العداء للأولياء] والجفاء، ويُشيعون عنهم الأكاذيب، لأنهم بيَّنوا للناس خطر الشرك الذي أوقعهم فيه تعظيمهم المفرط.
إن هذا الغلو في البدوي وأمثاله هو صورة من صور الجاهلية الأولى التي بُعث النبي صلى الله عليه وسلم ليكسر أغلالها، وليعيد القلوب إلى ربها خالصةً من شوائب الشرك والبدع. فدين الله لا يُبنى على القبور، ولا تُرفع رايات الإيمان على أضرحة الأموات، وإنما تُرفع بقول لا إله إلا الله، واتباع سنة من أُرسل رحمة للعالمين صلى الله عليه وسلم.
رابعًا: الولاية الحقيقية:
الولاية ليست بالخوارق ولا بالأضرحة، وإنما بالإيمان والتقوى، قال الله تعالى:
(إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلا الْمُتَّقُونَ) [الأنفال: 34]، وقال تعالى: (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) قال ابن زيد: أولياءُ اللَّهِ: هم الَّذين وصفَهم اللَّه في الآية الثَّانية: (الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) [يونس: 63].
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كما في (مجموع الفتاوى) [10/8]: (فحد أولياء الله: هم المؤمنون المتقون ولكن ذلك ينقسم: إلى ( عام ) وهم المقتصدون، و (خاص) وهم السابقون وإن كان السابقون هم أعلى درجات كالأنبياء والصديقين. وقد ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( القسمين ) في الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ). وأما الظالم لنفسه من أهل الإيمان: فمعه من ولاية الله بقدر إيمانه وتقواه كما معه من ضد ذلك بقدر فجوره إذ الشخص الواحد قد يجتمع فيه الحسنات المقتضية للثواب والسيئات المقتضية للعقاب حتى يمكن أن يثاب ويعاقب وهذا قول جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة الإسلام وأهل السنة والجماعة الذين يقولون: إنه لا يخلد في النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان وأما القائلون بالتخليد: كالخوارج والمعتزلة القائلين إنه لا يخرج من النار من دخلها من أهل القبلة وإنه لا شفاعة للرسول ولا لغيره في أهل الكبائر لا قبل دخول النار ولا بعده؛ فعندهم لا يجتمع في الشخص الواحد ثواب وعقاب؛ وحسنات وسيئات. بل من أثيب لا يعاقب ومن عوقب لم يثب. ودلائل هذا الأصل من الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة كثير ليس هذا موضعه) اهـ.
خامسًا: خطر التصوف على الأمة:
لقد كان التصوف في نشأته الأولى زهدًا مشروعًا وورعًا محمودًا، ثم ما لبث أن انحرف عن جادة الكتاب والسنة، حتى غدا بابًا من أبواب الضلال والبدع، بل صار في كثير من صوره طريقًا إلى الشرك بالله العظيم.
لقد تسلَّل التصوف إلى جسد الأمة كما يتسلل الداء الخفي إلى الجسد الصحيح، يضعف قواه شيئًا فشيئًا، حتى ينهار عوده وتخور قواه. لقد لبَّس أهله – وللأسف في زماننا هم مِنْ ذوي الشهادات العليا والمناصب الرفيعة – لبسوا على الناس باسم المحبة والذكر، فغشَّوا عيون البسطاء ببريق الألفاظ، وملأوا قلوبهم بخرافات الكرامات والأحلام. رفعوا شعار القرب من الله، وتركوا متابعة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وتغنُّوا بالعشق الإلهي، ونزَّهوا أنفسهم عن الشريعة بزعم الحقيقة، فكانوا كما قال الله تعالى: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) [الكهف: 104].
إن خطر التصوف لا يقف عند حدود الانحراف العقدي، بل تجاوزه إلى تعطيل العقول، وإماتة الهمم، وإضعاف روح الجهاد والإصلاح في الأمة؛ إذ ربَّى أتباعه على الاستسلام والرضا بالذُّل، وزيَّن لهم الخمول والتواكل باسم الزهد والرضا بالقضاء، حتى أصبح كثير من المسلمين أسرى للخرافة، يلوذون بالأضرحة، ويستنصرون بالأموات، ويتبركون بقبور الأولياء كما كانت الجاهلية تفعل مع أصنامها.
لقد عطَّل التصوف العقول، وأطفأ أنوار العلم، وجعل الكرامة في ترك الأسباب، والإيمان في الغفلة والرقص والوجد، حتى صار الدين عند كثير من الناس طقوسًا بدعية لا روح فيها، ولا هدي فيها من سنة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم.
ولئن كان أعداء الإسلام قد سعوا إلى تفريق الأمة بالسيف والفكر والسياسة، فإن التصوف المنحرف قد فعل أكثر من ذلك، إذ فرَّقها باسم الدين، وأبعدها عن التوحيد باسم المحبة، وجعلها تركع على أعتاب القبور، وتستغيث بالمقبورين وتستنصر بهم من دون الله.
فويلٌ لأمةٍ غُيِّب فيها التوحيد باسم الذكر، واستُبدل فيها الاتباع بالابتداع، وصار الخشوع خرافة، والعبادة طقوسًا جوفاء، والولاية طريقًا إلى الغلو والشرك والضياع.
وإن الواجب على العلماء والدعاة وطلاب العلم أن يُحيوا من جديد نداء الأنبياء: (اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ) [الْأَعْرَاف: 58] ؛ ليعود للأمة صفاؤها، وللقلوب نورها، وللتوحيد سلطانه الذي لا يعلوه شيء، والله هو المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على عبدك ورسولك محمد وآله وصحبه أجمعين.
وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي الأثري – عفا الله عنه –
الثغر السكندري – حرسه الله – من الديار المصرية – حفظها الله من كل مكروه وسوء وسائر بلاد المسلمين.
الثلاثاء: 29 / ربيع الآخر / 1447 هـ.
(خطر الصوفية على العقيدة – السيد البدوي نموذجًا)
مقدمة:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن اهتدى بهداه، وبعد:
في كل عصرٍ تُطلُّ على الأمة بدعٌ تلبس لبوس الولاية، وتخفي تحت ستارها انحرافًا عن جوهر التوحيد وصفائه، وكان التصوف – في كثيرٍ من طرائقه – بوابةً لتلك الانحرافات.
ومن بين رموزه الذين شُيِّد لهم المجد على حساب العقيدة: السيد البدوي، الذي تحوَّل قبره إلى مزارٍ تُنتهك فيه حدود التوحيد باسم المحبة والكرامة.
فكان لزامًا على الغيورين على دين الله أن يكشفوا الغطاء عن هذا الباطل، ويحذروا الأمة من خطره الداهم على عقيدتها ووحدتها.
أولًا: حقيقة التصوف وانحرافه:
كان التصوف في مبدأ أمره زهدًا مشروعًا، ورغبةً في صفاء القلب من شوائب الدنيا، يلوذ به قوم صدقوا في التقلُّل من حطامها، واتخذوا من الورع درعًا يحميهم من الفتن. غير أن ما بدأ نيةً صافية وسلوكًا محمودًا، لم يلبث أن تحوَّل مع مرور الزمن إلى مذهبٍ قائمٍ بذاته، تحيط به البدع من كل جانب، ويتسلَّل إليه الانحراف من أبوابه المتفرقة، حتى صار يُخالط العقيدة ويشوِّه معاني الإيمان.
لقد لبس التصوف على الناس لباس الطهر والعفاف، فظنُّوا أنه طريق الخاصة إلى الله، وأن وراء الشريعة حقيقةً لا يدركها إلا من تجرد عن العلم وترك الدليل. وهكذا بدأ الانحراف من حيث ظنوا التقرُّب، ووقع الغلو باسم الزهد، واستبدلوا بعبادة الله على بصيرة عبادةً على الذوق والوجد، فكانت الخطوة الأولى في طريق الانحراف عن منهج النبوة.
تسلل الفكر الصوفي إلى الأمة حين ضعف سلطان العلم، وابتعد الناس عن هدي القرآن والسُّنَّة، فصار الوعظ ذوقًا، والعبادة خيالًا، والمعرفة إشراقًا لا يقوم على برهان. وبدل أن يكون التزكية تزكيةً للنفس بالاتباع، غدت رياضةً بدعيةً قائمةً على الخلوات والأوراد المحدثة، والذكر الجماعي المبتدع، والألفاظ الغامضة التي لا تمت إلى الهدي النبوي بصلة.
ومع مرور القرون، انتقل التصوف من الزهد الفردي إلى التنظيم الطُرُقي، فظهرت الطرق والأسماء، وتكاثرت المذاهب والمشايخ، حتى صار لكل طائفة شيخ يُطاع طاعةً عمياء، يُرفع فوق مقام الأنبياء، ويُظن أن له تصرفًا في الكون، وأن بينه وبين الله سرًّا لا يعلمه أحد! فابتُذلت الولاية، وغابت معاني الاتباع، وصار الطريق إلى الله في زعمهم لا يمر بالوحي، بل بالشيخ، ولا يُنال بالعلم، بل بالذوق والكشف والإلهام، حتى قال بعضهم: أنتم تأخذون عن عبد الرزاق ونحن نأخذ عن الخلاق).
وهكذا تحوَّل التصوف من وسيلةٍ للإخلاص إلى وسيلةٍ للشرك، ومن دعوةٍ إلى الزهد إلى دعوةٍ إلى الانقياد الأعمى، حتى قيل في بعض طرائقهم ما لا يُقال إلا في حق الله تعالى، فصار بعضهم يقول بالحلول والاتحاد ووحدة الوجود، ويزعم أن الله في كل شيء، وأن العبد إذا وصل سقطت عنه التكاليف، فكانوا أضرَّ على العقيدة من السيف المسلول.
إن من تأمل حال التصوف في امتداده التاريخي علم أن حقيقته انحرافٌ عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ومروقٌ عن التوحيد الخالص الذي بعث الله به رسله، وأن ما فيه من خيرٍ ـ إن وُجد ـ فهو مأخوذ من الشريعة، وما فيه من شرٍّ وغلوٍّ فهو من الهوى والشيطان وطقوس اليهود والنصارى والمجوس.
ثانيًا: السيد البدوي نموذجاً:
يُعَدُّ ما جرى في شأن السيد أحمد البدوي مثالًا صارخًا لما يفضي إليه التصوف حين يُترك بلا زمام علم ولا قيد شريعة. فقد نشأ الرجل في بيئةٍ تعلو فيها رايات الزهد والكرامات، وتختلط فيها مقامات الصالحين بأساطير الغابرين، حتى غدا اسمه بعد موته عَلَمًا على طريقةٍ تُقدِّس القبور وتستغيث بالمقبورين، وتُقيم المواسم والمواكب والطبول باسم الولاية والكرامة، وهي في حقيقتها بوابة إلى الشرك والابتداع.
لم يكن البدوي نبيًا ولا رسولًا، بل رجلًا من الناس، أصاب وأخطأ، مات كما يموت سائر البشر، ولكنَّ غلوَّ أتباعه رفعه إلى مصافِّ الأولياء المعصومين، وجعل له من دون الله جاهًا يُدعى به، وسلطانًا يُستغاث به في الشدائد، حتى غدت طنطا ـ حيث ضريحه ـ قبلةً لجموعٍ من العامة، يأتونها من كل صوبٍ وحدب، يطوفون بالضريح كما يُطاف بالكعبة، وينحرون القرابين، ويرقصون على الأنغام، في مشهدٍ يختلط فيه الجهل بالعقيدة، والهوى بالعبادة.
لقد صُنع للبدوي تاريخٌ مزيَّف، نُسج من الخرافة أكثر مما نُسج من الحقيقة؛ نسبوا إليه الكرامات التي لا يقدر عليها إلا رب الأرض والسماوات، وقالوا إنه يعلم الغيب، ويحضر مجالس الدنيا والآخرة، وأن له مددًا لا ينقطع، وأن (سيدهم) يفرِّج الكروب، ويغيث الملهوف، ويشفي المريض، ويعطي الولد للعاقر، وكلُّها دعاوى لو قيلت في نبي لكانت غلوًا، فكيف تقال في ميتٍ لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا؟!
إن ما يفعله الناس عند قبر البدوي اليوم من الاستغاثة به، والطواف حول ضريحه، والتبرك بترابه، والنذر له، والدعاء باسمه، كلِّها مظاهر للشرك الأكبر الذي بعث الله الرسل لتحطيمه إذ هو من لوازم توحيده سبحانه وإفراده بالعبادة، قال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا) [النحل: 36]، وقَالَ تَعَالَى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء: 25] = وهكذا تحوَّل قبر البدوي من شاهدٍ على فناء الإنسان إلى صنمٍ تُرفع إليه الأكف، وتُبذل له الأموال، ويُتقرَّب إليه بما لا يُتقرب به إلا إلى الله وحده.
إن ظاهرة (مولد السيد البدوي) لم تكن حدثًا عابرًا في تاريخ مصر، بل صارت رمزًا للانحراف الصوفي، حيث اختلط الدين بالخرافة، والولاية بالوثنية، والزهد بالرقص والبدع، حتى غُيِّب التوحيد في غياهب الموالد والمواسم.
فصار من الواجب على أهل العلم والدعوة أن يرفعوا الصوت ببيان الحق، وأن يجلوا للناس حقيقة أولئك المقبورين الذين عُبدوا من دون الله، ليعلم الناس أن الدين لا يقوم على الأساطير، بل على الاتباع، وأن الطريق إلى الجنة لا يُعبَّد بالطبول والمواسم، بل بتوحيد رب العالمين واتباع رسوله الأمين صلى الله عليه وسلم.
ثالثًا: مظاهر الغلو عند أتباعه:
لقد تجاوز أتباع السيد البدوي الحدَّ المشروع في تعظيم الصالحين حتى بلغوا به منزلةً لا تليق إلا برب العالمين، فغلا فيه الغالون، وابتدعوا من صور التعظيم ما لم يُنزِّل الله به سلطانًا. ومن أبرز مظاهر غلوِّهم ما يلي:
1- دعاؤه والاستعانة والاستغاثة به من دون الله:
يجوِّز أتباعه ومريديه الاستغاثة والاستعانة بالأموات، ويدعونهم من دون الله، وهذا شركٌ أكبر بنصِّ الكتاب والسنة وإجماع المسلمين، وهو عينُ دينِ المشركين الأولين الذين قال الله فيهم: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى).
وقد بيَّن سبحانه بطلان فعلهم في مواضع كثيرة، فقال: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الدعاء هو العبادة»، فمن صرف نوعًا من العبادة لغير الله فقد أشرك، ومن جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويرجوهم فقد وقع في شرك الجاهلية الأولى التي بعث الله الرسل لهدمها وإخلاص الدين له وحده.
2- الطواف حول ضريحه والتبرك بترابه:
يُقبِّلون الأعتاب، ويمسحون الجدران، ويأخذون من غباره ما يزعمون أنه شفاء ووقاية، وقد جعلوا من القبر قبلةً تؤمُّها القلوب قبل الأبدان، حتى صار ضريحه عندهم أقدس من المساجد التي تُرفع فيها كلمة التوحيد.
3- النذر له والذبح عند قبره:
ينذرون له النذور، ويذبحون باسمه القرابين، ويُقدِّمون له الأطعمة والأموال رجاء البركة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ» رواه مسلم.
4- المواسم والموالد المبتدعة:
جعلوا لمولده موسمًا يُحتفل به كل عام، تجتمع فيه الحشود، وتختلط فيه الطاعات بالمنكرات، حتى تحوَّل (مولد السيد) إلى مهرجان للرقص والغناء، تضيع فيه الصلوات وتُهان فيه الحرمات، ويُقال فيه من الشرك ما تنكره الفطرة السليمة؛ فعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ). متفق عليه.
5- ادعاء الكرامات والخوارق:
نسبوا إليه أنه يطير في الهواء، ويعلم الغيب، وأنه يأتي بالأسرى فيمتدحون هذه الكرامة!! بقولهم: (الله الله يا بدوي جا بالأسرى) ويقضي الحاجات، ويكشف الضرَّ عن العباد، بل زعم بعضهم أنه حاضر في كل مكان يسمع دعاء الداعين، وهذه صفاتٌ لا تليق إلا بالله العلي الكبير.
6- تقديمه على العلماء والأنبياء:
رفعوه فوق منزلة الأئمة والعلماء، بل جاوز بعضهم الحد حتى فضَّلوه على بعض الأنبياء! وتلك مقالةٌ منكرة تهدم أصل الدين، قال الإمام الطحاوي رحمه الله في (العقيدة الطحاوية) [ص: 83]: (وَلَا نُفَضِّلُ أَحَدًا مِنَ الْأَوْلِيَاءِ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عليهم السلام وَنَقُولُ: نَبِيٌّ وَاحِدٌ أفضل من جميع الأولياء) اهـ.
7- محاربة دعاة التوحيد:
صار بعض أتباعه أشدَّ الناس عداوةً لدعاة السُّنَّة، يرمونهم بالنصب [بأنهم ينصبون العداء للأولياء] والجفاء، ويُشيعون عنهم الأكاذيب، لأنهم بيَّنوا للناس خطر الشرك الذي أوقعهم فيه تعظيمهم المفرط.
إن هذا الغلو في البدوي وأمثاله هو صورة من صور الجاهلية الأولى التي بُعث النبي صلى الله عليه وسلم ليكسر أغلالها، وليعيد القلوب إلى ربها خالصةً من شوائب الشرك والبدع. فدين الله لا يُبنى على القبور، ولا تُرفع رايات الإيمان على أضرحة الأموات، وإنما تُرفع بقول لا إله إلا الله، واتباع سنة من أُرسل رحمة للعالمين صلى الله عليه وسلم.
رابعًا: الولاية الحقيقية:
الولاية ليست بالخوارق ولا بالأضرحة، وإنما بالإيمان والتقوى، قال الله تعالى:
(إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلا الْمُتَّقُونَ) [الأنفال: 34]، وقال تعالى: (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) قال ابن زيد: أولياءُ اللَّهِ: هم الَّذين وصفَهم اللَّه في الآية الثَّانية: (الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) [يونس: 63].
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كما في (مجموع الفتاوى) [10/8]: (فحد أولياء الله: هم المؤمنون المتقون ولكن ذلك ينقسم: إلى ( عام ) وهم المقتصدون، و (خاص) وهم السابقون وإن كان السابقون هم أعلى درجات كالأنبياء والصديقين. وقد ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( القسمين ) في الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ). وأما الظالم لنفسه من أهل الإيمان: فمعه من ولاية الله بقدر إيمانه وتقواه كما معه من ضد ذلك بقدر فجوره إذ الشخص الواحد قد يجتمع فيه الحسنات المقتضية للثواب والسيئات المقتضية للعقاب حتى يمكن أن يثاب ويعاقب وهذا قول جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة الإسلام وأهل السنة والجماعة الذين يقولون: إنه لا يخلد في النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان وأما القائلون بالتخليد: كالخوارج والمعتزلة القائلين إنه لا يخرج من النار من دخلها من أهل القبلة وإنه لا شفاعة للرسول ولا لغيره في أهل الكبائر لا قبل دخول النار ولا بعده؛ فعندهم لا يجتمع في الشخص الواحد ثواب وعقاب؛ وحسنات وسيئات. بل من أثيب لا يعاقب ومن عوقب لم يثب. ودلائل هذا الأصل من الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة كثير ليس هذا موضعه) اهـ.
خامسًا: خطر التصوف على الأمة:
لقد كان التصوف في نشأته الأولى زهدًا مشروعًا وورعًا محمودًا، ثم ما لبث أن انحرف عن جادة الكتاب والسنة، حتى غدا بابًا من أبواب الضلال والبدع، بل صار في كثير من صوره طريقًا إلى الشرك بالله العظيم.
لقد تسلَّل التصوف إلى جسد الأمة كما يتسلل الداء الخفي إلى الجسد الصحيح، يضعف قواه شيئًا فشيئًا، حتى ينهار عوده وتخور قواه. لقد لبَّس أهله – وللأسف في زماننا هم مِنْ ذوي الشهادات العليا والمناصب الرفيعة – لبسوا على الناس باسم المحبة والذكر، فغشَّوا عيون البسطاء ببريق الألفاظ، وملأوا قلوبهم بخرافات الكرامات والأحلام. رفعوا شعار القرب من الله، وتركوا متابعة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وتغنُّوا بالعشق الإلهي، ونزَّهوا أنفسهم عن الشريعة بزعم الحقيقة، فكانوا كما قال الله تعالى: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) [الكهف: 104].
إن خطر التصوف لا يقف عند حدود الانحراف العقدي، بل تجاوزه إلى تعطيل العقول، وإماتة الهمم، وإضعاف روح الجهاد والإصلاح في الأمة؛ إذ ربَّى أتباعه على الاستسلام والرضا بالذُّل، وزيَّن لهم الخمول والتواكل باسم الزهد والرضا بالقضاء، حتى أصبح كثير من المسلمين أسرى للخرافة، يلوذون بالأضرحة، ويستنصرون بالأموات، ويتبركون بقبور الأولياء كما كانت الجاهلية تفعل مع أصنامها.
لقد عطَّل التصوف العقول، وأطفأ أنوار العلم، وجعل الكرامة في ترك الأسباب، والإيمان في الغفلة والرقص والوجد، حتى صار الدين عند كثير من الناس طقوسًا بدعية لا روح فيها، ولا هدي فيها من سنة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم.
ولئن كان أعداء الإسلام قد سعوا إلى تفريق الأمة بالسيف والفكر والسياسة، فإن التصوف المنحرف قد فعل أكثر من ذلك، إذ فرَّقها باسم الدين، وأبعدها عن التوحيد باسم المحبة، وجعلها تركع على أعتاب القبور، وتستغيث بالمقبورين وتستنصر بهم من دون الله.
فويلٌ لأمةٍ غُيِّب فيها التوحيد باسم الذكر، واستُبدل فيها الاتباع بالابتداع، وصار الخشوع خرافة، والعبادة طقوسًا جوفاء، والولاية طريقًا إلى الغلو والشرك والضياع.
وإن الواجب على العلماء والدعاة وطلاب العلم أن يُحيوا من جديد نداء الأنبياء: (اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ) [الْأَعْرَاف: 58] ؛ ليعود للأمة صفاؤها، وللقلوب نورها، وللتوحيد سلطانه الذي لا يعلوه شيء، والله هو المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على عبدك ورسولك محمد وآله وصحبه أجمعين.
وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي الأثري – عفا الله عنه –
الثغر السكندري – حرسه الله – من الديار المصرية – حفظها الله من كل مكروه وسوء وسائر بلاد المسلمين.
الثلاثاء: 29 / ربيع الآخر / 1447 هـ.