الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. الفتاوى

وزاد على ذلك أنه في أوقات فراغه قد يضيع كثيرًا من وقته في تصفح مواقع التواصل الاجتماعي، كالفيسبوك وغيره، حتى يجرُّه ذلك أحيانًا إلى…

٢٩ ربيع الآخر ١٤٤٧ هـ٢١ أكتوبر ٢٠٢٥
الفتاوىالصلاة والطهارةالفقه والأحكامالرقائق والآداب
السؤال مئة وتسعة وتسعون:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته شيخنا المبارك، نفع الله بكم ورفع قدركم، كيف حالكم وحال الأسرة أسأل الله أن تكونوا بصحة وعافية.
شيخنا هناك رجل نعرفه نحسبه – والله حسيبه – من أهل الخير والصلاح، وكان من روّاد المسجد وطلبة حلقات العلم، محبًّا للقرآن وملازمًا لحلق الذكر، إلا أن مشاغل الحياة وضغوطها مع الأهل والعمل أثّرت عليه، فضعف حفظه وقلّ نشاطه، وأصبح يراجع القرآن على فترات متقطعة، ومع ذلك لا يزال قلبه متعلقًا بالمسجد والكتّاب، حريصًا على الخير، لكنه يعاني من فتور الهمة وضعف العزيمة، وتغلبه نفسه أحيانًا فيقصر في طلب العلم والطاعة.
وزاد على ذلك أنه في أوقات فراغه قد يضيع كثيرًا من وقته في تصفح مواقع التواصل الاجتماعي، كالفيسبوك وغيره، حتى يجرُّه ذلك أحيانًا إلى مشاهدة المسلسلات والمقاطع التي تشتمل على التبرج أو ما لا يرضي الله، وربما تضعف نفسه أكثر فيقع في النظر إلى المقاطع المحرّمة ويمارس العادة السرّية – نسأل الله له العافية والهداية –.
وهو يعترف بخطئه ويشعر بالندم، لكنه يجد نفسه ضعيف الإرادة، سريع الانجراف، تغلبه الشهوة ويغلبه الهوى، وكان قد ترك تدخين الحشيش منذ أربعة سنوات والأن نفسه تتوق جدا اليه مع العلم انه قد ترك صحبة رفاق السوء منذ ذاك الوقت
وهو يتابعكم يا شيخنا ويتأثر بما تكتبون وتنشرون من الخير، لكنه استحيا أن يراسلكم بهويته الشخصية، وطلب منّا أن نرفع إليكم حاله راجيًا من الله أن يجعل على أيديكم هدايته، وأن يكون ما تكتبونه سببًا في عودته الصادقة إلى الله، وفي ثباته على طريق الطاعة والقرآن.
مع العلم أنه محافظ على الصلوات في المسجد ورواتبها .
وزد على ذلك ما أسباب هذه الانتكاسة وكيف السبيل إلى اجتناب مثل ما وقع فيه هذا الأخ وهل مجرد تذكر المعاصي القديمة فيها والحنين إليها قد تفتح باب شر وماحكم التحدث في مثل هذه الأمور (أي المعاصي الذي تاب منها على سبيل الذكريات ) وجزاكم الله خيرا.

الحمد لله:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبا بك أخي الحبيب، وبارك الله فيك على حرصك على نصح أخيك، وجزاك الله خيرا على غيرتك عليه، وهذا من الوفاء والمروءة، فـ « الْمُؤْمِنُ مَرْآةُ أَخِيهِ، وَالْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ؛ يَكُفُّ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ، ‌وَيَحُوطُهُ ‌من ‌ورائه » كما قال صلى الله عليه وسلم.

أولًا: الجواب المختصر:
أبشِر فإن باب الله مفتوح، والله أرحم بعبده من الأم بولدها، ومن صدق مع الله صدق الله معه.
هذا الأخ على خيرٍ كثير، وما وقع فيه من فتورٍ إنما هو عارضٌ بشريٌّ، والدواء في تجديد التوبة، ومجاهدة النفس، والبعد عن أسباب الفتنة.
وليُعلم أن النظر للماضي بمعصية أو حنين إليها خطرٌ عظيم، إذ يُحرِّك الشهوة ويضعف القلب، فليستعذ بالله منها وليجاهد خواطرها، وليبدلها بذكر نعم الله عليه إذ أنقذه منها.
وأسباب الانتكاس غالبها ثلاثة:
1- ضعف الصلة بالصلاة والقرآن.
2- الخلطة غير المنضبطة ومواقع الفتنة.
3- الغفلة عن الدعاء والاستعانة بالله.
فليجتهد في تجديد عهده مع الله، وليكثر من الدعاء في السجود، ولينظر فيمن يُصحبه ويخالطه، وليغلق أبواب الشر قبل أن تفتح عليه، فإن القلوب إذا تذوقت لذة الطاعة صغرت في عينها لذات المعصية.

ثانيًا: التفصيل:
أولاً: حال الأخ وبشائر الخير فيه:
ما وصفتَه يدل على أن الأخ ما زال في قلبه حياةٌ وإيمانٌ، إذ يشعر بالندم، ويحافظ على الصلوات، ويحب القرآن، ويكره المعصية، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: « ‌مَنْ ‌سَرَّتْهُ ‌حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ» رواه أحمد والترمذي وغيرهما. وصححه الإمام الألباني رحمه الله في (الإرواء) [6/215 رقم: ١٨١٣]، فهذا الندم هو لبُّ التوبة، وإنَّما ضعفُ الإرادة ابتلاء يحتاج إلى صبر ومجاهدة.

ثانياً: أسباب الفتور والانتكاسة:
أغلب ما يورِث مثل هذا الفتور يعود إلى:
• الغفلة التدريجية: ترك الأذكار، تقليل حضور الحلقات، ضعف قراءة القرآن، ترك بعض الصلوات في جماعة ثم ترك الجماعة والصلاة في البيت.
• الانشغال بالمباحات حتى تصير مضيعةً، ومواقع التواصل اليوم من أعظم أبواب الغفلة.
• الخلطة غير النافعة، وإن لم تكن محرمة.
• قلة الاستعانة بالله: فمن وكل إلى نفسه هلك، ومن استند إلى حوله وقوَّته ضعف.
• الفراغ، وهو أصل البلاء، فإن القلب إن لم يُشغَل بالطاعة شُغِل بالباطل. ورحم الله ابن القيم إذ يقول في (الوابل الصيب) [ص: 198]: (‌فهي ‌النفسُ ‌إن ‌لم ‌تَشْغَلْها ‌بالحق ‌وإلا ‌شَغَلَتْكَ بالباطل، وهو القلب إنْ لم تَسْكُنه محبةُ الله عز وجل، سَكَنَتْهُ محبة المخلوقين ولابُدَّ، وهو اللسان إنْ لم تشغله بالذكر شغلك باللغو، وهو عليك ولابُدَّ، فاختر لنفسك إحدى الخُطَّتين، وأَنْزِلْها في إحدى المنزلتين) اهـ.

ثالثاً: علامات قبول التوبة والحنين إلى المعصية بعد التوبة:
قال الله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ [الشورى: 25]. من علامات قبول التوبة:
1- بغض المعصية وكره العودة إليها: فيكره التائب الذنب ولا يتمنى تكراره، ويشعر بالضيق إذا تذكره.
2- الاستقامة على الطاعة والإقبال على الله: يظهر أثر التوبة في زيادة الإيمان وحب العبادات، والمواظبة على الطاعة بعد الذنب.
3- الندم الصادق على المعصية: فيشتد حزنه على ما اقترف، ويخاف من العودة إليه، دليلها حديث النبي صلى الله عليه وسلم: « ‌النَّدَمُ ‌تَوْبَةٌ » رواه أحمد وغيره وصححه الإمام الألباني في (السلسلة الضعيفة) تحت الحديث الضعيف (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) [2/82 رقم: 615]، وهذه فائدة حديثية خاصة بكتب الإمام الألباني رحمه الله لمن تأمل.
4- الانكسار والخشوع بين يدي الله: فيعيش التائب حالة من الذِّلَّةِ لله، يرجو رحمته ويخاف عذابه.
5- ظهور بركة التوبة في الحياة: يجد بركة في الرزق، والأهل، والعمل، مع طمأنينةٍ وسكينةٍ في القلب.
6- حب الصالحين وكراهية صحبة أهل المعصية: فيميل قلبه إلى مجالس الذكر وأهل الطاعة، وينفر من رفقة السوء.
7- المداومة على الدعاء والاستغفار: فيسأل الله القبول والثبات، ويكثر من الاستغفار لدوام صفاء القلب.
أما الحنين إلى المعصية بعد التوبة فعلى تفصيل:
1- مرور الخاطر المجرد لا يؤاخذ به العبد: فإذا خطر في قلبه تذكُّرُ المعصية بغير قصدٍ ولا لذة، ثم دفعه واستعاذ بالله، فلا إثم عليه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم" إِنَّ اللَّهَ عز وجل تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي ‌عَمَّا ‌حَدَّثَتْ ‌بِهِ ‌أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَكَلَّمْ بِهِ" (متفق عليه).
2- استدعاء الذكريات عمداً على سبيل اللذة أو الحنين مكروه وقد يصل إلى الحرام: لأن ذلك يحرِّك الشهوة، ويفتح باب الشيطان، ويضعف الكراهية للذنب في القلب، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوا إِذا مَسَّهُم طائِفٌ مِنَ الشَّيطانِ تَذَكَّروا فَإِذا هُم مُبصِرونَ) [الأعراف: 201].
3- التحدث عن المعاصي الماضية على وجه التفاخر أو المزاح حرام: يدخل في المجاهرة بالذنب، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: « «‌كُلُّ ‌أُمَّتِي ‌مُعَافًى ‌إِلَّا ‌الْمُجَاهِرِينَ » (متفق عليه).
4- التذكُّر بقصد العِظة والعِبرة محمود: فإذا ذكر العبد ذنبه ليحمد الله أن أنقذه منه ويزداد شكرًا وتواضعًا، فهذا من علامات صحة التوبة. كما تقدم.
وعلاج الحنين إلى الماضي السَّيء هو:
• الاستعاذة بالله عند مرور الخاطر.
• شغل القلب بالطاعة والذكر حتى لا يجد فراغًا للوساوس.
• تذكُّر سوء عاقبة الذنب والظلمة التي كانت بعده.
• ترك أرض المعاصي.
• مصاحبة الأخيار والصالحين.
• مداومة الدعاء: فعن عَبْداللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهم أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، كَقَلْبٍ وَاحِدٍ، يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (اللهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ، صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ)؛ رواه مسلم.

رابعاً: السبيل إلى الثبات ودوام التوبة:
1- تجديد النِّية والعزم على حفظ القرآن ولو باليسير، فإن بركة القرآن تعيد للقلب حياته.
2- قطع أسباب الفتنة الرقمية: حذف الصفحات التي تجر إلى المعصية، أو استخدام برامج الحجب، ومجاهدة النفس على ترك الفضول.
3- الصحبة الصالحة ولو عبر الهاتف، أو المشاركة في المجموعات السلفية على هذه المنصات، وملازمة الدروس والمحاضرات.
4- التدرج في بناء نفسه إيمانياً: فلا ينتقل من الغفلة إلى الاجتهاد الكامل دفعة واحدة، لأن ذلك أدعى للانتكاس.
5- يكثر من الذكر والدعاء والاستغفار في الخلوة، فهي زاد المخلصين، وليكثر من هذا الدعاء النبوي: «اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» «اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها».
خامساً: في شأن الحنين للمخدر:
كون نفسه تتوق أحيانًا إلى مخدر الحشيش بعد تركه أربعة أعوام لا يضره ما دام لا يعمل به، فإن الوساوس لا تضر مع المجاهدة؛ لكن عليه أن:
• يفرَّ من مواضع الذكرى.
• لا يخلو بنفسه وقت الفراغ الطويل.
• يجدد كل يوم شكر الله على أن أنقذه منها، فإن الشكر يثبت النعمة، قال الله تعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) [سورة إبراهيم: 7] فالله سبحانه وتعالى يُخبر أنه وعد من يشكره على نعمه بالزيادة، ووعد من يكفرها بالجحود والمعصية بالعذاب الشديد.
سادساً: كلمة أخيرة لهذا الأخ المبتلى:
يا أخي الحبيب، لو علمتَ كيف يفرح الله بتوبتك، لذابت نفسك خجلاً من رحمته، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: « ‌لَلَّهُ ‌أَشَدُّ ‌فَرَحًا ‌بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ، وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي، وَأَنَا رَبُّكَ أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ .» (متفق عليه).
فلا تيأس من نفسك وإن تكررت السقطات، فإن الله تعالى يقول: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا) [الزمر: 53]
واعلم أن العجب ليس في الوقوع في الذنب، فكل ابن آدم خطَّاء، ولكن العجب ممن يعلم أن ربه يحب التوابين ثم لا يتوب، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) [البقرة: 222]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ ‌وَخَيْرُ ‌الْخَطَّائِينَ ‌التَّوَّابُونَ» رواه الترمذي وابن ماجه وغيرهما وحسنه الإمام الألباني رحمه الله في (صحيح الجامع) [رقم: 4391].
فيا أخي... لا تنظر إلى عِظَمِ ذنبك، ولكن انظر إلى عِظَمِ ربِّك، وابدأ الآن صفحةً جديدة، صفحةً ناصعةَ البياض بتوبةٍ صادقة، تجد الله عندها غفورًا رحيمًا؛ واستعن في طريقك بالصلاة في جماعة وبقراءة القرآن، فهما دواء كل قلبٍ ضعيفٍ مريض، قال تعالى: (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) [العنكبوت: 45]، وقال سبحانه: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ) [الإسراء: 82].
فأكثِر من ذكر الله، وصاحِب أهل الطاعة، وابتعد عن كل ما يجرُّك إلى المعصية، وكن واثقًا أن الله لن يردَّ من رجع إليه صادقًا، أسأل الله أن يشرح صدرك للتوبة، ويثبِّتك على الطاعة، ويحبِّب إليك الإيمان ويزيِّنه في قلبك، ويكرِّه إليك الكفر والفسوق والعصيان، ويجعلك من الراشدين، اللهم آمين. والله أعلم

من ضمن (سلسلة الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص)

مواد ذات صلة