إذ يتساهل في الاستدانة، بل يستدين من عدة أشخاص.
السؤال مئتان وستة وخمسون:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
فضيلة الشيخ، وفقكم الله ونفع بكم هل من نصيحة لمن فتح الله عليه بالرزق، ومع ذلك يكون دائما في حال دين لا يكاد يخلو من الديون، مع أن مسؤولياته خفيفة وراتبه الشهري جيد؟
إذ يتساهل في الاستدانة، بل يستدين من عدة أشخاص.
وأحيانا إذا وضع أحدٌ عنده أمانة من مال، يأخذ منها دون إذن، ثم إذا جاء الراتب أعاد المال، لكن دون إخبار صاحب الأمانة بما حدث.
جزاكم الله خيراً ونفع بعلمكم.
الحمد لله:
أولاً: الجواب المختصر:
ما جاء في السؤال خطير، ويدل على خلل في بابين عظيمين: الدَّين والأمانة.
فالواجب على من ابتُلي بذلك أن يتقي الله، وأن يمسك عن الاستدانة إلا لحاجة، وأن يحفظ الأمانات، ولا يجوز له أن يأخذ منها شيئًا بغير إذن صاحبها ولو كان سيُعيده.
وعليه بالتوبة الصادقة، ورد الحقوق، وتنظيم نفقاته، فإن الدَّين همٌّ بالليل وذلٌّ بالنهار، وقد كان النبي ﷺ يستعيذ منه.
ثانياً: الجواب المفصل:
هذه المسألة تجمع بين التساهل في الدَّين والخيانة في الأمانة، وهما بابان عظيمان من أبواب الفتن.
أولاً: خطر التوسع في الدَّين بلا حاجة:
الأصل في الدَّين المنع أو الكراهة إلا عند الحاجة؛ لما فيه من التبعة والذل.
وقد ثبت أن النبي ﷺ كان يُكثر أن يقول:
«اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم»
كما روى البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو في الصلاة، "اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات. اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم. فقال قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم؟ فقال: إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف.
قال الحافظ ابن حجر : المأثم والمغرم بفتح الميم فيهما وكذا الراء المثلثة وسكون الهمزة والغين المعجمة، والمأثم: ما يقتضي الإثم، والمغرم: ما يقتضي الغرم.
وقال أيضاً: المغرم أي الدين، يقال: غرم بكسر الراء أي أدان. قيل: والمراد به ما يستدان فيما لا يجوز وفيما يجوز ثم يعجز عن أدائه. ويحتمل أن يراد به ماهو أعم من ذلك. (فتح الباري) [2/371، 11/180]
بل جاء التشديد العظيم في أمره، حتى قال ﷺ:
«نفسُ المؤمنِ معلقةٌ بدَيْنِه حتى يُقضى عنه» رواه الترمذي وابن ماجه وغيرهما وصححه الألباني رحمه الله.
فمن فتح على نفسه باب الاستدانة بلا ضرورة، مع وجود دخل يكفيه، فهذا من سوء التدبير وقلة الورع، وقد يجره إلى محرمات أخرى.
ثانياً: أخذ المال من الأمانة دون إذن:
هذا الفعل خيانة صريحة، ولو كان بنية الإرجاع؛ لأن الأمانة لا يجوز التصرف فيها إلا بإذن صاحبها.
قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾
وقال سبحانه:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾
وقال ﷺ:
«أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك».
فكونه يأخذ ثم يُرجع لا يُبيح له ذلك، بل هو داخل في الخيانة؛ لأن الإذن شرط، وليس مجرد الإرجاع مسوغًا للفعل.
ثالثًا: اجتماع الذنبين يزيد الأمر خطورة:
اجتماع كثرة الديون مع التعدي على الأمانات يدل على خلل في:
تعظيم حقوق العباد
ومراقبة الله
وحسن التدبير المالي
وقد يُفضي هذا المسلك إلى أكل أموال الناس بالباطل، أو التسويف في السداد، أو الوقوع في الكذب والمماطلة.
وعليه؛
أنصح هذا الشخص بما يلي:
١- توبة صادقة
بالإقلاع فورًا عن أخذ الأمانات بغير إذن، والندم على ما مضى.
٢- ردّ الحقوق
فإن كان قد أخذ من أمانات، فالواجب ردها كاملة، والأحوط أن يُخبر أصحابها إن ترتب على فعله نقص أو شبهة.
٣- إغلاق باب الدَّين إلا لضرورة
فلا يستدين إلا عند الحاجة الملجئة.
٤- تنظيم المال
بوضع ميزانية واضحة، وتقليل الكماليات، وضبط المصروفات.
٥- تعظيم شأن الأمانة
واستحضار أنها من صفات المؤمنين، وأن خيانتها من صفات المنافقين.
٦- الإكثار من الدعاء
كما كان النبي ﷺ يقول:
«اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمّن سواك».
نسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين، وأن يرزقنا وإياكم الأمانة والديانة وحسن التصرف، والله أعلم.
من ضمن (سلسلة الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص)
٢١ شوال ١٤٤٧
٩ أبريل ٢٠٢٦
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
فضيلة الشيخ، وفقكم الله ونفع بكم هل من نصيحة لمن فتح الله عليه بالرزق، ومع ذلك يكون دائما في حال دين لا يكاد يخلو من الديون، مع أن مسؤولياته خفيفة وراتبه الشهري جيد؟
إذ يتساهل في الاستدانة، بل يستدين من عدة أشخاص.
وأحيانا إذا وضع أحدٌ عنده أمانة من مال، يأخذ منها دون إذن، ثم إذا جاء الراتب أعاد المال، لكن دون إخبار صاحب الأمانة بما حدث.
جزاكم الله خيراً ونفع بعلمكم.
الحمد لله:
أولاً: الجواب المختصر:
ما جاء في السؤال خطير، ويدل على خلل في بابين عظيمين: الدَّين والأمانة.
فالواجب على من ابتُلي بذلك أن يتقي الله، وأن يمسك عن الاستدانة إلا لحاجة، وأن يحفظ الأمانات، ولا يجوز له أن يأخذ منها شيئًا بغير إذن صاحبها ولو كان سيُعيده.
وعليه بالتوبة الصادقة، ورد الحقوق، وتنظيم نفقاته، فإن الدَّين همٌّ بالليل وذلٌّ بالنهار، وقد كان النبي ﷺ يستعيذ منه.
ثانياً: الجواب المفصل:
هذه المسألة تجمع بين التساهل في الدَّين والخيانة في الأمانة، وهما بابان عظيمان من أبواب الفتن.
أولاً: خطر التوسع في الدَّين بلا حاجة:
الأصل في الدَّين المنع أو الكراهة إلا عند الحاجة؛ لما فيه من التبعة والذل.
وقد ثبت أن النبي ﷺ كان يُكثر أن يقول:
«اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم»
كما روى البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو في الصلاة، "اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات. اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم. فقال قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم؟ فقال: إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف.
قال الحافظ ابن حجر : المأثم والمغرم بفتح الميم فيهما وكذا الراء المثلثة وسكون الهمزة والغين المعجمة، والمأثم: ما يقتضي الإثم، والمغرم: ما يقتضي الغرم.
وقال أيضاً: المغرم أي الدين، يقال: غرم بكسر الراء أي أدان. قيل: والمراد به ما يستدان فيما لا يجوز وفيما يجوز ثم يعجز عن أدائه. ويحتمل أن يراد به ماهو أعم من ذلك. (فتح الباري) [2/371، 11/180]
بل جاء التشديد العظيم في أمره، حتى قال ﷺ:
«نفسُ المؤمنِ معلقةٌ بدَيْنِه حتى يُقضى عنه» رواه الترمذي وابن ماجه وغيرهما وصححه الألباني رحمه الله.
فمن فتح على نفسه باب الاستدانة بلا ضرورة، مع وجود دخل يكفيه، فهذا من سوء التدبير وقلة الورع، وقد يجره إلى محرمات أخرى.
ثانياً: أخذ المال من الأمانة دون إذن:
هذا الفعل خيانة صريحة، ولو كان بنية الإرجاع؛ لأن الأمانة لا يجوز التصرف فيها إلا بإذن صاحبها.
قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾
وقال سبحانه:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾
وقال ﷺ:
«أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك».
فكونه يأخذ ثم يُرجع لا يُبيح له ذلك، بل هو داخل في الخيانة؛ لأن الإذن شرط، وليس مجرد الإرجاع مسوغًا للفعل.
ثالثًا: اجتماع الذنبين يزيد الأمر خطورة:
اجتماع كثرة الديون مع التعدي على الأمانات يدل على خلل في:
تعظيم حقوق العباد
ومراقبة الله
وحسن التدبير المالي
وقد يُفضي هذا المسلك إلى أكل أموال الناس بالباطل، أو التسويف في السداد، أو الوقوع في الكذب والمماطلة.
وعليه؛
أنصح هذا الشخص بما يلي:
١- توبة صادقة
بالإقلاع فورًا عن أخذ الأمانات بغير إذن، والندم على ما مضى.
٢- ردّ الحقوق
فإن كان قد أخذ من أمانات، فالواجب ردها كاملة، والأحوط أن يُخبر أصحابها إن ترتب على فعله نقص أو شبهة.
٣- إغلاق باب الدَّين إلا لضرورة
فلا يستدين إلا عند الحاجة الملجئة.
٤- تنظيم المال
بوضع ميزانية واضحة، وتقليل الكماليات، وضبط المصروفات.
٥- تعظيم شأن الأمانة
واستحضار أنها من صفات المؤمنين، وأن خيانتها من صفات المنافقين.
٦- الإكثار من الدعاء
كما كان النبي ﷺ يقول:
«اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمّن سواك».
نسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين، وأن يرزقنا وإياكم الأمانة والديانة وحسن التصرف، والله أعلم.
من ضمن (سلسلة الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص)
٢١ شوال ١٤٤٧
٩ أبريل ٢٠٢٦