الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. المقالات

وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ

٣٠ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ١٧ مايو ٢٠٢٦
المقالاتالرقائق والآداب
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

ما أعظمها من آيةٍ لو استقرَّ معناها في شغاف القلوب، ولانطفأت بها حرائقُ الجزع، ولسكنت بها عواصفُ القلق، ولاطمأنَّت بها نفوسٌ أضناها الترقب، وأتعبها التفكير، وأقلقها تدبيرُ المستقبل المجهول.
إنها آيةُ التسليم، وآيةُ الرضا، وآيةُ التفويض، وآيةُ الانكسار بين يدي العزيز الجبار.
آيةٌ تُعلِّم العبد أن وراء الأقدار ربًّا حكيمًا، لا يقدِّر شيئًا عبثًا، ولا يقضي أمرًا سُدًى، بل كلُّ ما يجري في هذا الكون فإنما يجري بعلمٍ محيط، وحكمةٍ بالغة، ورحمةٍ واسعة.
فيا عبدَ الله…
كم دعوتَ بأمرٍ تمنَّيته، وبكيتَ على تأخره، ولو أُعطيتَه لكان فيه هلاكُ دينك أو دنياك!
وكم حزنتَ على أمرٍ فاتك، ولو وقع لك لكان سببَ شقائك وبلائك!
وكم ضاقت بك السبل حتى ظننتَ أن الفرج قد انقطع، ثم ساق الله لك من رحماته ما أنساك مرارةَ الطريق!
﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
يا لها من بردٍ على أفئدة المكدودين، ويا لها من سلوى للمحزونين، ويا لها من نورٍ يبدد ظلمات الحيرة والاعتراض!
إن العبدَ ينظر إلى اللحظة الحاضرة، وربُّه ينظر إلى العواقب كلها.
والعبدُ يرى ظاهرَ الأمر، وربُّه يعلم السرائرَ والمصائر.
والعبدُ يريد الشيءَ لعاجل لذةٍ أو راحة، وربُّه يريد له الخيرَ الأبدي، والنجاةَ السرمدية.
فسبحان مَن وسع علمُه دبيبَ النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، لا تخفى عليه خافية، ولا يغيب عن علمه مثقال ذرةٍ في الأرض ولا في السماء.
أيها المهموم…
إذا أبطأ عنك الفرج، فلا تظن أن الله نسيك.
وإذا طال البلاء، فلا تظن أن الله أبغضك.
وإذا انكسرتَ، فلا تظن أن الله أهملك.
كلا والله!
بل قد يكون الله يسوقك بالبلاء إليه، ويطهرك بالمحنة، ويرفعك بالدمعة، ويقرِّبك بالانكسار.
ألم تسمع قوله سبحانه:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾؟
وقال جل وعلا:
﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾.
وكم لله من لطفٍ خفيٍّ لا تدركه الأبصار!
ربما أُغلِق في وجهك بابٌ رحمةً بك، وفاتك أمرٌ حفظًا لدينك، وتأخر عنك مطلوبٌ لأن الله أراد أن يسمع تضرعك، ويرى انكسارك، ويكتب لك من الأجر ما لا تناله في حال الرخاء.
وفي الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال:
«عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له».
فالمؤمن يعيش بين نعمةٍ يشكر، وبليةٍ يصبر، وذنبٍ يستغفر، وفي كل أحواله هو رابحٌ مع الله.
يا من أرهقك التفكير…
كم أتعبتَ قلبك في تدبير ما لم يُكتب لك!
وكم أحرقتَ روحك خوفًا من مستقبلٍ لم يأتِ بعد!
ولو أنك أخذت بالأسباب المتيسرة وفوَّضت أمرك إلى الله حقَّ التفويض، لذقتَ من راحة القلب ما لا يعرفه أهلُ الدنيا.
قال تعالى:
﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾.
أي: كافيه، حافظه، ناصره، مؤنسه، ومُغنيه.
فاللهُ يعلم ضعفك حين تقوى عليك الأحزان.
ويعلم دمعتك التي تخفيها عن الناس.
ويعلم خوفك الذي لا يطَّلع عليه أحد.
ويعلم حاجتك، وكسرتك، ووحدتك، وتقلُّب قلبك.
فكيف يضيِّعك وهو أرحم بك من أمك؟!
وفي الصحيح أن النبي ﷺ قال:
«لَلَّهُ أرحمُ بعباده من هذه بولدها».
فيا عبدَ الله…
إذا نزل القضاءُ، فاستقبلْه بالإيمان لا بالاعتراض، وبالرضا لا بالسخط، وبالافتقار لا بالكبرياء.
فإن الله إذا أحب عبدًا ابتلاه، ليسمع دعاءه، ويرى تضرعه، ويرفع درجته، ويكفِّر خطيئته.
وربَّ محنةٍ في طيَّاتها مِنَح، وربَّ دمعةٍ أعقبت فرحة، وربَّ ضيقٍ كان بوابةَ سعة، وربَّ كسرٍ أورث صاحبه قربًا من الله ما كان ليناله بكثرة الطاعات المجردة.
فلا تعترض على ربك إذا أخَّر، ولا تتهم حكمته إذا منع، ولا تظن أن تدبيرك لنفسك خيرٌ من تدبيره لك.
بل قف على باب العبودية ذليلًا منكسرًا، وقل بقلبٍ موقن:
يا رب…
إن خفيت عليَّ الحكمةُ، فلن يخفى عليَّ أنك حكيم.
وإن جهلتُ وجهَ الخير، فلن أجهل أنك أرحم الراحمين.
وإن ضاقت بي الأرض، فبابك لا يُغلق، ورحمتك لا تنقطع، ولطفك لا يغيب.
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
آيةٌ لو عاش القلبُ في ظلالها، لتحول قلقُه سكينة، وخوفُه طمأنينة، واضطرابُه يقينًا، ولسار إلى الله راضيًا مطمئنًّا، يعلم أن اختيار الله له خيرٌ من اختياره لنفسه.
فاللهم ارزقنا قلوبًا راضية، ونفوسًا مطمئنة، ويقينًا صادقًا، وتوكلًا كاملًا عليك، واجعلنا ممن إذا أُعطوا شكروا، وإذا ابتُلوا صبروا، وإذا أذنبوا استغفروا، وإذا قضى الله عليهم بقضاء رضوا، إنك وليُّ ذلك والقادر عليه.
والحمد لله رب العالمين.
وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه الإسكندرية من الديار المصرية حفظها الله وسائر بلاد المسلمين من كل مكروه وسوء.
صباح الخميس ٢٧ ذو القعدة ١٤٤٧ هجرية

مواد ذات صلة