الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. المقالات

ثأرُ الشيطان بعد رمضان… ومعركةُ القلوب بين الزلّة واليأس

٢١ شوال ١٤٤٧ هـ٩ أبريل ٢٠٢٦
المقالاتالصيام ورمضانالفقه والأحكامالرقائق والآداب
مقال الأسبوع:
(ثأرُ الشيطان بعد رمضان… ومعركةُ القلوب بين الزلّة واليأس)

الحمد لله الذي شرع لعباده مواسم الخيرات، وجعل فيها تطهير القلوب ورفعة الدرجات، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، الذي دلَّ أمته على كل خير، وحذَّرها من كل شر، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.

أما بعد:
فإن من فقه العبد في دينه أن يعلم أن المعركة مع الشيطان ليست موسمية، ولا تهدأ بانقضاء شهرٍ من شهور الطاعة، بل هي حرب ممتدة ما دامت الروح في الجسد، قال الله تعالى:
﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾.
رمضان كان ميدانَ انتصارٍ عظيم، أُصفدت فيه الشياطين، وخفَتت فيه الأصوات، وسكنت فيه العواصف، فارتفعت الأرواح إلى مواطن القرب، وتطهرت القلوب من أدرانها، وأبصر العبد نفسه على حقيقتها: قادرًا على الطاعة، منيبًا إلى ربه، منكسِرًا بين يديه.
لكن بانقضاء هذا الموسم، تعود الشياطين لا عودةَ السكون، بل عودةَ من حُبس طويلًا، فاشتد حقده، وتضاعف كيده، واستجمع قواه ليعوض ما فاته.
غير أن الخطر الأعظم — عباد الله — ليس في المعصية ذاتها، فإن العبد خُلق ضعيفًا، وقد قال النبي ﷺ: «كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون».
ولكن الخطر كل الخطر في أن يُصاب القلب بداءٍ مهلك: داء القنوط واليأس.
إن الشيطان لا يفرح بمجرد زلةٍ تقع، بل يترقب ما بعدها؛ فإن رأى قلبًا منكسرًا لله، نادمًا على ذنبه، علم أن هذه الزلة ستكون سببًا في رفعة درجته.
وإن رأى قلبًا قد استسلم لليأس، وألقى سلاح الرجاء، وانسحب من ميدان الطاعة، هنالك يضحك الشيطان ملء شدقيه، فقد ظفر بالصيد الثمين.
ولهذا قال ربنا جل وعلا:
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾
ثم قال بعدها مباشرة:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾.
فأي بابٍ للرجاء أعظم من هذا؟!
وأي قيدٍ لليأس أشد من هذا البيان؟!
يا عبد الله، إن من علامات قبول العمل: أن يتلوه عمل، ومن أمارات حياة القلب: أن يتألم عند الذنب، فإن الميت لا يحس بجراحه.
فإذا زلت القدم — ولا بد أن تزل — فإياك أن تقعد، وإياك أن تُسلِّم راية قلبك لعدوك.
بل بادر إلى التوبة، وجدِّد العهد، وارجع إلى مولاك رجوع عبدٍ علم أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ به.
واعلم أن الله سبحانه قال:
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾
فطاعتك في رمضان ليست سرابًا، ودمعتك في جوف الليل ليست هباءً، وقيامك وقراءتك ليست سدى، بل هي ذخيرة باقية، وأثرٌ راسخ، ونورٌ في قلبك إن أحسنت حفظه.
فاثبت — رحمك الله — ثبات الجبال، ولا تكن ممن قال الله فيهم:
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا﴾.
واعلم أن أعظم ما يُغِيظ الشيطان:
أن تقع ثم تقوم،
أن تذنب ثم تتوب،
أن تُجرح ثم تداوي جرحك بذكر الله.
فاثبت على وردك من القرآن، ولو قل،
وحافظ على صلاتك، فإنها عمود دينك،
وأدم الاستغفار، فإنه مفتاح الفرج،
واصحب الصالحين، فإنهم عونٌ لك على نفسك.
ولا تنسَ أن الطريق ليس طريق معصومين، بل طريق تائبين صادقين.
وفي الختام:
تذكَّر دائمًا أن المحارب لا يُهزم حين يسقط،
ولكنه يُهزم حين يرضى بالبقاء على الأرض.
نسأل الله أن يثبتنا وإياكم على الطاعة، وأن يجعلنا من التوابين الأوابين، وأن لا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه
الإسكندرية
السبت: ٢ شوال ١٤٤٧هجرية

مواد ذات صلة