الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. المقالات

سلسلة تراجم العلماء السلفيين المعاصرين

١٤ شعبان ١٤٤٧ هـ٢ فبراير ٢٠٢٦
المقالاتالمنهج والدعوة السلفيةمصرالنوازل والأحداثتراجم العلماء
سلسلة تراجم العلماء السلفيين المعاصرين:
(4) ترجمة شيخِنا العلَّامة حسن بن عبدالوهاب البنا رحمه الله تعالى
المقدمة
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، الذي مَنَّ على هذه الأمةِ بنورِ العلم بعد ظلماتِ الجهل، وخصَّ أهلَ السنةِ بحفظِ الدِّين وصيانةِ الشرع، فرفع بالعلم أقوامًا، وخفض بالجهل آخرين، وجعل العلماءَ ورثةَ أنبيائِه، وحملةَ وحيِه، وأئمَّةَ هدايتِه، والقائمين بحججِه في أرضِه، الذابِّين عن سنَّة نبيِّه، الصابرين على الأذى في سبيلِه، الثابتين على منهاج السلف الصالح، لا تأخذهم في الله لومةُ لائم.
قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: 11]، وقال جلَّ في علاه: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: 18].
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةَ توحيدٍ وإذعان، وإخلاصٍ وامتثال، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، أرسله الله بالهدى ودين الحق ليُظهره على الدين كلِّه، فبلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حقَّ جهاده، وتركها على المحجَّة البيضاء، ليلُها كنهارِها، لا يزيغ عنها إلا هالك؛ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان، وسار على نهجهم، وتمسَّك بأثرهم إلى يوم الدين.
اسمه ونشأته:
هو فضيلةُ الشيخِ العلَّامة حسن بن عبدالوهاب بن مرزوق البنا رحمه الله تعالى، وُلد بالقاهرة في الثاني والعشرين من شهر أكتوبر سنة 1925م، في بيتٍ عرف بالتَّديُن، ومحبة شعائر الإسلام، ونشأ في أسرةٍ محافظةٍ على أركانه، تعظِّم الشرع، وتجلُّ العلم، وتوقِّر أهله.

وكان والده – رحمه الله – في ابتداء أمره على العقيدة الأشعرية، شأنَ كثيرٍ من منتسبي الأزهر في ذلك العصر، ثم ساقه الله – بفضله ومنِّه – إلى نور التوحيد الخالص، وعقيدةِ السلف الصالح، بدعوةٍ صادقة، ونصحٍ سلفيٍّ أمين، فشرح الله صدره للحق، وأراه سبيلَ المؤمنين، فنبذ التأويل، ولزم الأثر، ومات على السنة، غيرَ مبدِّلٍ ولا مغير؛ نسأل الله أن يجزيه عن ذلك خير الجزاء.

وفي هذه النشأة المباركة، وبين هذه الأجواء التي تعلَّقت فيها القلوبُ بالتوحيد، وتعاظم فيها شأنُ الاتباع، تفتَّح وعيُ الشيخ حسن بن عبد الوهاب البنا، فشبَّ محبًّا للعلم، معظِّمًا للدليل، مائلًا إلى منهج السلف الصالح، متأثرًا بأهل السُّنَّة، فكانت تلك النشأة أساسَ ثباته، وأصلَ استقامته، ومفتاحَ ما هيَّأه الله له بعد ذلك من نصرة السُّنَّة، والدعوة إلى التوحيد، والصبر على طريق أهل الأثر؛ قال تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: 125].
بدايات الهداية والمنهج:
كان الفضلُ – بعد الله تعالى – في توجيه هذه الأسرة إلى التوحيد الخالص، وإخراجها من ظلمات التقليد إلى نور الاتباع، لأخيه فضيلة الشيخ العلامة محمد بن عبدالوهاب البنا رحمه الله، إذ عرَّفه الله بجماعة أنصار السنة المحمدية في عهد إمامها وناشر لوائها الشيخ العلامة محمد بن حامد الفقي رحمه الله، فكان ذلك فتحًا مباركًا، ومفتاحَ خيرٍ عمَّ آثاره الأسرةَ كلَّها، وفي مقدمتهم شيخُنا العلامة حسن بن عبد الوهاب البنا رحمه الله.

ومنذ ذلك الحين تعلَّق قلبُه بعقيدة السلف الصالح، وأشرق صدرُه بأنوار التوحيد، فأقبل على كتب أهل الأثر إقبالَ الطالب الصادق، ولازم مجالس العلماء ملازمةَ المتطلِّب للحق، وحضر دروس كبار أئمة الدعوة السلفية في مصر، فنهل من معينهم، وتشرب منهجهم، وترسَّخ في نفسه ميزانُ الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح، فكان ذلك الأساسَ المتينَ لثباته على المنهج، وحسنِ سيره في طريق الدعوة، والسلامةِ من مزالق الأهواء والبدع؛ قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: 17].

شيوخه:
تشرَّف شيخُنا رحمه الله بلقاء كوكبةٍ من أئمة الدعوة السلفية، ولازم عددًا منهم، وسمع عن قربٍ من آخرين، فكان لذلك الأثرُ البالغ في تكوينه العلمي وترسيخ منهجه، ومن أبرز شيوخه الذين لقيهم ولازمهم وسمع منهم في مصر:
1- الإمام محمد بن حامد الفقي رحمه الله، إمام الدعوة السلفية في عصره، ورافع لواء التوحيد في الديار المصرية.
2- الشيخ العلامة عبدالرازق عفيفي رحمه الله، العالم السلفي الجليل، وعضو هيئة كبار العلماء، وكان وكيلا للشيخ ابن باز في رئاسة الإفتاء والدعوة والإرشاد.
3- الشيخ العلامة عبدالرحمن الوكيل رحمه الله، صاحب الغيرة على السنة، والردود المشهورة على أهل البدع.
4- الشيخ العلامة محمد بن خليل هراس رحمه الله، المحقق المدقق، وناصر عقيدة السلف، وصاحب التصانيف المشهورة.
5- الشيخ محمد صادق عرنوس رحمه الله، الداعية السلفي المعروف، ونائب جماعة أنصار السنة آنذاك.
6- الشيخ عبدالعزيز بن راشد النجدي رحمه الله، العالم السلفي الثابت، والداعية إلى التوحيد الخالص.
7- الشيخ عبدالله بن يابس النجدي رحمه الله، صاحب الجهود الدعوية والردود العقدية المتينة.
ثم لما انتقل إلى المدينة النبوية، ووظف مدرساً بالجامعة الإسلامية، انفتحت له أبواب اللقاء بكبار علماء العصر وأئمة السنة، فاجتمع بهؤلاء الأعلام، وانتفع بعلمهم، وكان على رأسهم:
1- الإمام عبدالعزيز بن عبدالله بن باز رحمه الله.
2- الإمام محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله.
3- الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله.
4- الشيخ حماد بن محمد الأنصاري رحمه الله.
5- الشيخ ربيع بن هادي المدخلي حفظه الله.
6- الشيخ محمد أمان الجامي رحمه الله.
7- الشيخ عبدالمحسن بن حمد العباد حفظه الله، وغيرهم من أهل العلم والسنة.
وقد كانت له مع هؤلاء الأئمة مجالسُ علمٍ، ومجالسةُ فقهٍ وأثر، ومرافقةٌ في الحج والعمرة، ومشاركةٌ في الدعوة والتعليم، مما زاده رسوخًا في العلم، وثباتًا على المنهج، وبصيرةً في التفريق بين السنة والبدعة، والاتباع والهوى، قال الإمام ابن سيرين رحمه الله: «إن هذا العلم دين، فانظروا عمَّن تأخذون دينكم».
عمله في الدعوة والتعليم:
يقول شيخنا عليه سحائب الرحمات: (ثم شاء الله لي أن يطلبني الشيخ/ عبد العزيز بن باز للعمل مدرساً بالجامعة الإسلامية بتوجيه من شقيقي الشيخ/ محمد البنا وتعريفي له وبأنني أدين إلى الله بالمذهب السلفي والحمد لله .
وأثناء وجودي بالمدينة المنورة وأنا أعمل مدرساً بالجامعة الإسلامية التقيت بالشيخ بديع الدين الراشدي السندي من علماء السنة بباكستان وكان قويا في علمه ومحسناً للسنة والمنهج وحضرت له بعض المحاضرات كما سمعت بعض المحاضرات التي كان يلقيها فضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي من كبار العلماء السلفيين وكان يعمل أستاذ بالجامعة الإسلامية .
كما التقيت بالشيخ الدكتور محمد تقي الدين الهلالي الأستاذ بالجامعة الإسلامية وكنت أزوره في بيته ويزورني وتعلمت منه أصول أهل السنه وكنت أسأله ويجيبني فيما لا أعرفه أو لأزداد علماً .
وكنت بعد دراستي الجامعية بمصر أقوم بالتدريس ببعض المعاهد التابعة لوزارة التعليم العالي للدراسات المالية والاقتصادية .
وحصلت على إجازات في الدعوة من جماعة أنصار السنة المحمدية وبأني مارست الدعوة إلى التوحيد والمنهج بمساجد وفروع الجامعة لسنين متتاليتين ووقع عليها أشياخ من الجماعة من السلفيين.
ثم قابلت الشيخ / عبد العزيز بن باز بالمدينة المنورة ورحب بي الشيخ / ابن باز ونصح لي وقمت بتدريس التوحيد والمنهج فضلاً عن التجويد والفقه وكان التركيز على العقيدة السلفية.
ثم مارست العمل بالجامعة الإسلامية في محيط علمي طاهر نقي وكنت أحضر محاضرات الشيخ بن باز في المسجد النبوي وفى الجامعة وأزوره مع أخي بمنزله فكان يبدأ المجلس بمدارسة العلم قبل تناول وجبة الغذاء وكانت هذه أسعد أيام حياتي.
وتعرفت على أشياخ سلفيين بالجامعة وبالدولة السعودية وكنت أحضر محاضراتهم وندواتهم في المسجد النبوي وأزورهم في بيوتهم ويزورونني في بيتي، وعلى رأس هؤلاء العلماء الشيخ الإمام ابن باز وقد حججت معه أكثر من مرة، والشيخ حماد الأنصاري والشيخ عبد المحسن العباد والشيخ ربيع بن هادي المدخلي والشيخ أبو بكر الجزائري والشيخ محمد أمان الجامي.
وتعرفت على الشيخ ناصر الدين الألباني عن طريق أخي وقد حضر إلى مصر وكنت في إجازتي الصيفية من الجامعة حيث أقضيها في مصر وزارني في بيتي بمصر وكنت أرافقه عندما يحضر للحج أو للعمرة وكان يحاضر أحيانا في بيت شقيقي الشيخ محمد البنا بمنزله بجده أو بالمسجد الذي بجوار بيته وحجبت معه أكثر من مرة.
وتعرفت على الشيخ عبد العزيز بن صالح وبكر أبو زيد وعلي عبد الرحمن الحذيفي وكانوا أئمة الحرم بمسجد المدينة. هذا فضلاً عن الكثير من طلاب العلم الذين صاروا بعد ذلك أشياخا ومنهم الدكتور صالح السحيمي ويوسف الدخيل وعبد العزيز بن صالح.
وقد أُخترت لأكون عضواً دعوياً بهيئة التوعية الإسلامية الخاصة برئاسة البحوث والدعوة والإرشاد بالمدينة النبوية في مواسم الحج ثم في قوافل الدعوة التي كانت تجوب القري والنجوع بالمملكة العربية السعودية حول المدينة النبوية وكنت تحت رئاسة الشيخ مرزوق الدوسري.
وكنت أزور أشياخ المدينة كالشيخ عبد العزيز بن صالح وعبد الله الزاحم وعبد الله الخربوش أحياناً في بيوتهم للتعارف وطلب العلم.
ثم شاء الله أن أنهي عملي بالجامعة الإسلامية عام 1985 ورجعت إلى القاهرة ومارست الدعوة في جماعة أنصار السنة المحمدية في خطب الجمعة والمحاضرات بمساجد الجامعة ثم رشحت لمؤتمر القرآن والسنة بولاية ديترويت ورشحني لها الشيخ أسامة القوصي وكان وقتها من دعاة المنهج والعقيدة بمسجد الهدي المحمدي بضاحية عين شمس ثم بعد ذلك اتجه اتجاها آخر مخالفاً للأول نسأل الله لنا وله الهداية والتمسك بالحق والثبات عليه وكان المؤتمر تحت رئاسة الشيخ عبد المنعم أبو رخيص هداه الله وفقه الله
ثم رشحت عام2006 للمحاضرة في دولة الكويت بدعوة من الشيخ الدكتور حمد العثمان الأستاذ بكلية الشريعة بدولة الكويت في مؤتمر بعنوان: (وجوب الإمارة؛ وهل يجوز اتخاذ النساء أمراء؟).
ثم وجهت لي دعوة لإلقاء محاضرات والرد على مسائل للجامعة السلفية بمسجد الرحمة بمدينة نيوجرسى بالولايات المتحدة الأمريكية فاستعنا بالله ومارسنا الدعوة لمدة خمسة عشر يوماً وزرنا خلالها ولاية أوهايو وفيلادلفيا وشيكاغو ومحاضرتنا في العقيدة والمنهج الصحيح اعتباراً من 22/4/2008 ولمدة خمسة شعر يوماً وقمنا بفضل الله بدراسة الأصول الثلاثة وأدلتها وشرحها وتفسير ما يسر الله من جزء عم ( تفسير السعدي )
ثم دعينا لإلقاء محاضرات في العقيدة والمنهج وآداب الإسلام بدولة السويد عند الجماعة السلفية بالسويد وكان بصحبة ابني عبد الوهاب حسن البنا حفظة الله وزوجتي لمدة أسبوعين اعتباراً من 11/4/2011 وألقيت محاضرات عامة في العقيدة والمنهج والرقائق في عدة مساجد بأحياء مدينة ستكهلم العاصمة وخطب الجمعة، ووفقنا للمهمة وقمت بخطب الجمعة.
ثم دعينا لإلقاء محاضرات بالمجمع السلفي بمدينة نايل بالجمهورية التونسية لمدة خمسة عشر يوماً .. السلفيين وذلك اعتباراً من 27/10/2011 وفقنا لقراءة متون الأصول الثلاثة و القواعد الأربعة و الأصول الستة مع الشرح المختصر.
ثم وجهت لنا الدعوة للولايات المتحدة .. مسجد الصاحبة بمدينة كولوميس بولاية أوهايو لمدة شهر اعتباراً من 12/12/2011 حتي12/1/2012 وقمنا بزيارة ولاية شيكاغو وأوهايو وأتلانتا وفيلادلفيا وكان بصحبتي زوجتي وابني الشيخ شهاب الدين بن حسن البنا خريج الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ... والقيام بخطب الجمع أثناء إقامتنا, ووفقت لدراسة كتاب شرح أصول السنة للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله وتفسير سورة النور ( من مختصر تفسير ابن كثير ) ودرَّس الابن شهاب الدين الأصول الثلاثة شرح الشيخ ابن عثيمين وبعض الأحكام المهمة من كتاب سبل السلام وقامت زوجتي بتدريس شرح القواعد الأربعة للإمام محمد بن عبد الوهاب للشيخ صالح الفوزان) انتهى كلامه.
وكان شيخُنا رحمه الله إذا سُئل عن ذكر شيءٍ من سيرته، أكَّد وكرَّر غيرَ ما مرَّة أن الغاية من بسط هذه السيرة ليست المباهاة ولا تزكيةَ النفس، وإنما الاقتداء والاعتبار، والدلالة على طريق أهل السنة والجماعة، ولزوم غرزهم، ومعرفة سبيلهم في العلم والدعوة والثبات على الحق.
وكان يقول في ذلك – معنىً لا لفظًا –: إنما تُذكر السير ليُعرف الحق ويُعرف أهله، ولتكون نبراسًا لطالب العلم، وحافزًا للسائرين في درب التوحيد والسنة، لا ليُشاد بالأشخاص أو تُعلَّق القلوب بغير الدليل.
قال تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: 32]، وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: 111].
صفته ومنهجه:
امتاز شيخُنا رحمه الله بصفاتٍ سلفيةٍ راسخة، ومحاسنَ ظاهرة، تشهد بصدق منهجه وسلامة مقصده، فمن ذلك:
1- الثبات على المنهج السلفي قولًا وعملًا، فلم يُعرَف عنه تلوُّن ولا اضطراب، بل كان مستقيمًا على الأثر، متمسِّكًا بالكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، لا يزيغ مع الأهواء ولا يتبع الدعاوى.
2- محبةُ العلماء وتوقيرُهم، ومعرفةُ أقدارهم، والذبُّ عنهم، وردُّ الأمر إليهم عند النوازل والمشكل، عملًا بسبيل المؤمنين.
3- تعظيمُ شأن التوحيد، وتقديمُه في الدعوة والتعليم، وجعلُه أصلَ الأصول، ومفتاحَ الصلاح، ومحورَ الإصلاح، مع العناية بتقرير توحيد العبادة والأسماء والصفات على منهج السلف.
4- الصبرُ في الدعوة إلى الله، واحتمالُ الأذى في سبيلها، والثباتُ على الحق مع قلَّة الناصر وكثرة المخالف، تأسِّيًا بسلف هذه الأمة.
5- البعدُ عن الرياء والتكلُّف، والتنزُّه عن طلب الشهرة والظهور، وتركُ تزكية النفس، والاقتصارُ على ما ينفع في العلم والعمل.
6- وكان يتميز بنُصح الشباب وطلبة العلم، وتوجيهِهم إلى لزوم غرز العلماء، والتحذيرِ من الاستقلال بالرأي، ومن مسالك الغلو والتفريط، وربطِهم بالأصول لا بالأشخاص.
7- ولقد رأيتُ فيه – رحمه الله – مَصداقَ قولِ الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: 28]؛ إذ كان ملازمًا لأهل العلم والسنة، مؤثرًا مجالس الذكر والعلم على زخرف الدنيا، صابرًا على طريقهم، ثابتًا معهم على الحق، صابرًا على طلبة العلم، محتملًا أذاهم، واسعَ الصدر لأسئلتهم واعتراضاتهم، لا يضيق بجهل الجاهل، ولا يقطع من جاء طالبًا للحق، يحتسب ذلك عند الله، لا يريد به إلا وجهه سبحانه، ولا يلتفت إلى مدح مادح ولا إلى أذى مؤذٍ.
8- وكان شيخُنا رحمه الله حريصًا على التواصل مع طلابه ومحبيه، يسأل عن أحوالهم، وينصحهم ويوجههم بلا كللٍ ولا ملل، لا يكلُّ من بذل الخير، ولا يملُّ من تربية السالكين على درب الحق. ومن تواضعه الجم أنه إذا انشغلت عنه لم ينتظر الاتصال مني، بل هو الذي يبادر بالاتصال ليطمئن على حال الدعوة والإخوة بالإسكندرية بين الفينة والأخرى.
ولما علم بمرض والدتي – رحمها الله – لم يفارق اهتمامه، فكان دائمًا يسأل عن حالها، ويقرئها السلام، وكانت رحمها الله تسعد بذلك، حتى كنت أشغل مكبر الصوت لتسمعه وهو يدعو لها فتفرح وتُسمعه رد السلام؛ وكان دائمًا يسلِّم عليها، ويوصيني بها خيرًا، ولا يُنهِي المكالمة إلا بالتذكير بالتوحيد والنشاط في نشر السنة والدعاء لي بالثبات والسداد، ورأيت فيه التواضع الجم، والحرص الصادق، والعناية بمحبيه وطلبة العلم، وحب الخير لكل من حوله، فكان بذلك قدوة صالحة في الأخلاق، كما كان في العلم والمنهج السلفي الثابت.
9- وكان شيخنا رحمه الله، مع تقدمه في السن، لا يكلُّ ولا يؤول جهده في إلقاء المحاضرات والدروس، وإن دعي إلى محافظة بعيدة أو رحلة شاقة، لبى الدعوة دون تردد، مجاهدًا في سبيل الله حق الجهاد، مستشعرًا قيمة نشر العلم والدعوة إلى التوحيد. وقد كان فعله هذا مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: 69]، فكان بذلك يزرع الهداية في قلوب السامعين، وينشر نور السنة والمنهج الصحيح، مجسِّدًا المعنى الحقيقي للجهاد بالعلم والعمل في سبيل الله.
10- وكان من أبرز صفاته التي يلمسها كل من جالسه: الكرم = فكان شيخنا حسن بن عبد الوهاب البنا رحمه الله من أكرم الناس نفسًا، وأوسعهم يدًا، لا يُرى يردَّ سائلًا ولا يعرض عن محتاج، بل كان يعطي الصغير والكبير، والرجل والمرأة، سرًّا وعلانية، ابتغاء وجه الله. وكان يبادر بالعطاء قبل السؤال، ويستحي أن يُردَّ فقير خائبًا، حتى إذا لم يجد معه مالًا استقرض ليُعطي. وقد شهد له بذلك كل من جالسه وعرفه، فكان كرمه سجيةً لا تكلُّف فيه. وأعظم من ذلك كرمه بعمره؛ إذ أنفق أكثر من سبعين سنة في الدعوة إلى الله، ونشر التوحيد والسنة، حتى آخر أيامه.
• ومن المواقف التي لا تنسى: كان شيخنا رحمه الله إذا قدم إلينا في دار الحديث بالإسكندرية بادر إلى إعطاء الطلبة من ماله، عطاءً بلا عدٍّ ولا حساب، يُخرج ما في جيبه ولا ينظر فيه، كأنما ينفق وهو على يقينٍ بوعد الله. وكان يعرض عليَّ ذلك مرارًا، فأقول له: يا شيخ، أنا مقاول ومعي من المال الكثير، فيضحك ضحكته البريئة المعهودة ويقول باللهجة المصرية: (طيب هات يلاه) ويبتسم ويأبى إلا أن آخذ منه، فكنت آخذ تطييبًا لخاطره، وإجلالًا لنفسه الكريمة، لما عُرف عنه من صدق النية وسلامة القصد رحمه الله.
• ولما مرضت والدتي رحمها الله، اتصل بي شيخنا رحمه الله، وألحَّ عليَّ إلحاح الأب الشفيق أن أرسل له رقم الحساب ليحوِّل لي مالًا، فأبيت ذلك إباءً شديدًا، فما رضي، وقال لي بكلمات لا أنساها: لن أتركك حتى تعدني، إن احتجت مالًا، أن تتصل عليَّ. فكان رحمه الله كريم اليد، عظيم القلب، حاضرًا في الشدَّة كما هو في الرخاء، يجمع بين صدق الأخوة ورحمة الأبوة، جزاه الله عنا خير الجزاء، ورحمه رحمة واسعة.
11- التواضع = وكان شيخنا حسن بن عبد الوهاب البنا رحمه الله مثالًا نادرًا في التواضع وخفض الجناح، يجلُّ الصغير قبل الكبير، ويجلس حيث انتهى به المجلس، ولا يرى لنفسه فضلًا على أحد. يعامل طلابه وإخوانه معاملة الأب الشفيق، يسمع لهم، ويصبر على أذاهم، ويحتمل تقصيرهم، ولا يعرف الكِبر إلى قلبه سبيلًا. وإذا نُصح قَبِل، وإذا خُولف حَلُم، وإذا أُثني عليه نفر من المدح. وكان تواضعه خُلُقًا ثابتًا لا تصنُّع فيه، شهد به كل من عاشره وجالسه، فكان بحق قدوة في الخُلُق كما كان في العلم والمنهج. نسأل الله أن يجزيه عن الإسلام والسنة خير الجزاء، وأن يتقبله في عباده الصالحين.
ومن مواقفه معي التي لا تُنسى: أنه ما ناداني يومًا إلا بكنيتي (أبي العباس)، توقيرًا وتشجيعًا أمام طلابي، وكان إذا سُئل عن حديثٍ صحةً أو ضعفًا وأنا في المجلس، أحال السائل عليَّ، ويقول بلطفه المعهود: اسألوا أبا العباس (المحدث) أو (محدثنا) أو نحو ذلك؛ وكنت أتحرَّج من مثل هذا الوصف، ولا أقبل أن يُنسب إليَّ ما لا أراه في نفسي، معرفةً بقدري، وتأدبًا مع العلم وأهله، لكنه رحمه الله كان يقصد بذلك التشجيع ورفع الهمم، وتربية النفوس، وغرس الثقة في الطلاب.

وكان شيخنا رحمه الله دائم البِشر، طيب المحيَّا، محبًّا للألفة والاجتماع، مبغضًا للتحزِّب والتعصُّب للأشخاص. ولما كنتُ بطبعي لا أميل إلى كثرة الاختلاط، وكان جلُّ همِّي منصرفًا إلى طلب العلم والدعوة إلى الله في دار الحديث الإسكندرانية بين التدريس والتأليف والتحقيق، وكان في الساحة من بعض صغار المشايخ من آثر العزلة، فلم يجتمع بإخوانه في اللقاءات العلمية، ولم يربط طلابه بالعلماء؛ حرصتُ على أن يفهم شيخنا رحمه الله أن هذا المسلك لا أرتضيه ولا أسير عليه، لما قد يفضي إليه من تعلُّق الطلبة بشيخهم والتحزب له.

فأردتُ أن أُفرح شيخنا، وأن أُبيِّن له عمليًا سلامة المقصد، فكنت أحرص على دعوة المشايخ إلى دار الحديث، وكرَّرت دعوة شيخنا العلامة علي حشيش شفاه الله وعافاه غير مرة، فكان شيخنا حسن رحمه الله يفرح بذلك فرحًا ظاهرًا، ويُثني على هذه الخصلة، ويذكرها، ويشجِّعني عليها.

وبيَّنتُ له بوضوح أن مقصودي هو ربط الطلبة بالعلماء، وتربيتهم على الرجوع إلى الأكابر، والحذر من التحزُّب والتعصُّب للمشايخ، فاطمأن لذلك، وكان يدعو لي بالخير دائمًا. وكان من حكمته رحمه الله الجمع بين التشجيع والتوجيه، وبين تربية الطالب وربطه بأهل العلم الكبار، وغير ذلك من الخصال الكثيرة الطيبة، فرحمه الله رحمة واسعة.
موقفه من فتنة المصعفقة:
كان شيخنا العلامة حسن بن عبدالوهاب البنا رحمه الله ثابتًا على الحق، محددًا موقفه الشرعي في الفتن والاختلافات العقدية، ولم يُعتمد على أي بيانات مخالفة لما قرره من قبل إلا بعد تحقق واطلاع.
وقد أحاطت به ملابسات محاولة بعض المخالفين استغلال مرضه لتصويره مؤيدًا لهم، ولفقوا له بيانات وأقوالًا كاذبة ليوهنوا بها مَنْ انتقدوهم وأظهروا عيوبهم، حتى حاولوا أن يستخرجوا من شيخنا تجريحًا لخواص طلابه بإرهاصات كاذبة وتلفيق ملفق، إلى أن طاوعهم رحمه الله - حتى طالني ذلك وابنه البار فضيلة الشيخ شهاب الدين والشيخ سمير بن سعيد القاهري وغيرنا - وهو في حل، والله الموعد بيننا وبينهم، وهو أعدل الحاكمين.
وفي هذا السياق، قال أخي فضيلة الشيخ شهاب الدين – نجل شيخنا رحمه الله – موضحًا موقف والده:
«أحذِّر من المدعو خالد عثمان، المعروف بأبي عبد الأعلى، لاستغلاله مرض والدي العلَّامة حسن بن عبدالوهاب البنا، حيث استخرج منه بيانات تخالف ما كان قد قرَّره سابقًا في شأنه. وقد كان والدي قد حذَّر منه، كما حذَّر منه العلَّامة الشيخ ربيع بن هادي المدخلي. فهو يكذب، ويتلاعب بالألفاظ، واستغلَّ مرض والدي وتأثير الأدوية على ذاكرته، فخدعه بتوضيحات كاذبة ليحقق مآربه» (كتبه بعد صلاة الفجر يوم الجمعة 23 ذو القعدة 1440هـ)
والحمد لله، لم أنثن، ووقفت وقفة رجال – بفضل الله وحوله وقوته - مع بعض مشايخ مصر الذين وقفوا مع كبار العلماء في الحق، مثل شيخنا العلامة علي الوصيفي رحمه الله وغيره، في التعاون والاجتماع بشيخنا حسن رحمه الله، ولم نبالِ بما صدر منه من جرحٍ، لعلمنا ويقيننا بملابساته وظروفه وقتها، حتى وفق الله شيخنا حسن بن عبد الوهاب البنا رحمه الله للثبات على القول بكلام الأكابر في هذه الفتنة - والفضل لله وحده لا شريك له - وهذا آخر ما كان من موقف شيخنا رحمه الله أنه مع كبار العلماء في فتنة محمد بن هادي، مؤيدًا للحق، ثابتًا على المنهج، ملتزمًا بسلوك أهل السنة والجماعة، محافظًا على نصرة الحق وإظهار الحقيقة دون ميلٍ لأهواء المخالفين.
وفاته:
توفي شيخنا العلامة حسن بن عبد الوهاب بن مرزوق البنا المصري، في 22 أغسطس 2020م (3 محرم 1442هـ)، بعد حياة حافلة بالعطاء في العلم والدعوة، مدَّ يده للخير، ولم يبخل على طالب علم أو داعية، فكان بحق نموذجًا للعالم العامل، والمربي الصادق، والداعية الأمين. وقد لُقّب بـ "الشيخ الوالد" لصدق محبته وحرصه على تربية الطلاب والدعاة، ولتقديره ورعايته لكل من سار على درب الحق.

وقد نعاه العديد من العلماء والمشايخ، مُجمعين على فضله وصدقه وثباته على المنهج السلفي القويم، بعد رحلة طويلة من الجد والعمل في سبيل الله، رحلة لم تعرف الكسل ولا المباهاة، بل كانت كلها إخلاصًا لله عز وجل – نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحداً- ، سعيًا لنصرة السنة، وصيانة الدين، ونشر العلم الشرعي الصافي.

وهذه الترجمة شاهدة على حياةٍ أنفقت في نصرة السنة، والدعوة إلى التوحيد، والصبر على طريق السلف الصالح، حياة تمتلئ بالعلم والعمل، والحلم والتواضع، والدعوة للخير دون رياء ولا تكلف. نسأل الله أن يتقبله في عباده الصالحين، ويجازيه عن الإسلام والسنة خير الجزاء، ويجعل سيرته نورًا يهتدي به طلاب العلم والدعاة في كل زمان ومكان، وأن يحيي على يديه محبَّة العلم والمنهج الحق في قلوب من اتبع الحق بإحسان، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكتب حامداً مصلياً:
تلميذه المقصر في بره: أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي الأثري - عفا الله عنه –
الثغر السكندري – حرسه الله – من الديار المصرية –حفظها الله من كل سوء وسائر بلاد المسلمين -
ليلة الخميس: 10 / شعبان / 1447 هـ.

مواد ذات صلة