رحيلُ الكبارِ… وعلى آثارِهم تُزهرُ بقيَّةُ حُماةِ الآثار
مقال الأسبوع: رحيلُ الكبارِ… وعلى آثارِهم تُزهرُ بقيَّةُ حُماةِ الآثار
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، القائلِ في محكمِ تنزيله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾، لهُ الحمدُ أولًا وآخرًا، ظاهرًا وباطنًا، على آلائه التي لا تُحصى، ونِعَمه التي لا تُستقصى، أحمده سبحانه حمدَ عبدٍ مقرٍّ بفضله، معترفٍ بتقصيره، مستغفرٍ من ذنبه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةَ توحيدٍ وإخلاصٍ وتفويض، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، المبعوثَ رحمةً للعالمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعدُ:
فما أعظمَ الثُّلَمَ التي تُصيبُ الأمةَ بموتِ علمائها الأكابر! وما أشدَّ الوحشةَ التي تستولي على القلوب حين يُطوى بساطُ عالمٍ ربانيٍّ كان للناس إمامَ هدى، ومصباحَ دجى، وملجأً عند الفتن والملمَّات! فإن موتَ العلماء ليس فقدَ أشخاصٍ فحسب، بل هو ذهابُ علمٍ، وخفوتُ نورٍ، وانكسارُ حصنٍ كانت تتحصن به الأمة من غوائل الجهل والبدع والأهواء.
وقد صحَّ عن النبي ﷺ أنه قال: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا، اتَّخَذَ النَّاسُ رؤوسا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» متفق عليه؛ فكان موت العلماء نذيرَ خطر، وعلامةَ بلاء، وثُلمةً لا يسدُّها شيءٌ بسهولة.
وكم شعرت القلوبُ بالحزن والأسى وهي ترى أفذاذَ العلماء يتتابعون إلى الدار الآخرة؛ رجالًا قامت بهم السُّنَّة، وذُبَّ بهم عن حياض العقيدة، وحُفظت بهم معالمُ المنهج السلفي الصافي؛ كانوا إذا تكلَّموا أناروا، وإذا بيَّنوا أبانوا، وإذا حذَّروا كشفوا الشبهات وفضحوا التلبيسات، فلا تكاد تنزل نازلةٌ إلا وجد الناس عندهم علمًا وحكمةً وبصيرة.
لقد كان وجودُ العلماء الكبار أمانًا للأمة بعد الله، وكانت هيبتُهم تقمع أهل الأهواء، ويكفي في الرد على كثيرٍ من الباطل أن يُقال: هذا خلاف ما عليه فلانٌ من أئمة السُّنَّة؛ فإذا تكلموا سكنت الفتن، وإذا بيَّنوا انخنس المبطلون، وإذا حذَّروا ارتدع المتلاعبون بالدين.
غير أن المؤمن لا يقنط، ولا ييأس من روح الله؛ فإن من سنن الله الجارية أن هذا الدين محفوظ، وأن الحق لا تزال له طائفةٌ قائمة، كما قال النبي ﷺ: « «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَذَلِكَ».
ومن البشريات التي تُثلج الصدور، وتبعث في النفوس الرجاء بعد الألم، أن ترى - في زمن كثرت فيه الفتن، وارتفعت فيه أصوات المميعين وأهل الانحراف - جمعًا من المشايخ الفضلاء، وكثيرًا من طلاب العلم النجباء، قد شمَّروا عن ساعد الجد، وقاموا لله بالحق، يذبُّون عن السُّنَّة، ويكشفون الانحراف، ويردُّون الباطل بالدليل الناصع، والبرهان الواضح، لا تحركهم العصبيات، ولا تسوقهم الأهواء، وإنما يحملهم على ذلك ديانةٌ وغيرةٌ على هذا المنهج المبارك.
تراهم يواجهون من انحرف عن جادة السلفية بالحجة والبيان، لا بالظلم والعدوان، ولا بالفحش والبذاء، بل بأدبٍ سلفيٍّ رفيع، وإنصافٍ ظاهر، وحرصٍ على هداية الخلق، مع ثباتٍ عجيبٍ وصبرٍ جميل؛ يُؤذَون فلا يهنون، ويُشغَّب عليهم فلا يتراجعون، ويُرمَون بالتهم فلا يزيدهم ذلك إلا تمسكًا بالحق وقيامًا به.
فيا لها من بشارةٍ تسرُّ أهل السُّنَّة! أن ترى شبابًا نشأوا على كتب السلف، وربَّتهم كلمات العلماء، فتشرَّبوا تعظيم الدليل، واحترام العلماء، والنصح للأمة، والذبَّ عن العقيدة والمنهج. لا يبيعون الحقَّ بالتصفيق، ولا يتركون البيان خوفًا من اللائمين، بل يستميتون في نصرة الحق ليلَ نهار، كتابةً وتعليمًا، وتحذيرًا وبيانًا.
وهذا - والله - من أعلام الخير، فإن الأرض لا تخلو من قائمٍ لله بحجة، كما قال تعالى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ ، وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ «[البقرة: 143]» ، وقال سبحانه: ﴿ فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾ [التوبة: 122].
فالواجبُ على أهلِ السُّنَّةِ والاتباع أن يشكروا اللهَ على هذه النعمة، نعمةِ بقاءِ الطائفةِ الظاهرة، وأن يلتفُّوا حول العلماءِ الربانيين، والمشايخ وطلابِ العلمِ الصادقين، وأن يلهجوا لهم بالدعاء والثبات والتسديد، وألا يكونوا معاولَ هدمٍ في أيدي أهلِ الأهواء، بالتخذيلِ تارة، والطعنِ واللمزِ أخرى؛ فإنَّ لحومَ أهلِ السُّنَّةِ مسمومة، وعادةَ اللهِ في منتقصيهم معلومة، والطعنَ في حملةِ الحقِّ خذلان، والوقيعةَ في أهلِ الأثرِ حرمان.
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، القائلِ في محكمِ تنزيله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾، لهُ الحمدُ أولًا وآخرًا، ظاهرًا وباطنًا، على آلائه التي لا تُحصى، ونِعَمه التي لا تُستقصى، أحمده سبحانه حمدَ عبدٍ مقرٍّ بفضله، معترفٍ بتقصيره، مستغفرٍ من ذنبه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةَ توحيدٍ وإخلاصٍ وتفويض، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، المبعوثَ رحمةً للعالمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعدُ:
فما أعظمَ الثُّلَمَ التي تُصيبُ الأمةَ بموتِ علمائها الأكابر! وما أشدَّ الوحشةَ التي تستولي على القلوب حين يُطوى بساطُ عالمٍ ربانيٍّ كان للناس إمامَ هدى، ومصباحَ دجى، وملجأً عند الفتن والملمَّات! فإن موتَ العلماء ليس فقدَ أشخاصٍ فحسب، بل هو ذهابُ علمٍ، وخفوتُ نورٍ، وانكسارُ حصنٍ كانت تتحصن به الأمة من غوائل الجهل والبدع والأهواء.
وقد صحَّ عن النبي ﷺ أنه قال: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا، اتَّخَذَ النَّاسُ رؤوسا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» متفق عليه؛ فكان موت العلماء نذيرَ خطر، وعلامةَ بلاء، وثُلمةً لا يسدُّها شيءٌ بسهولة.
وكم شعرت القلوبُ بالحزن والأسى وهي ترى أفذاذَ العلماء يتتابعون إلى الدار الآخرة؛ رجالًا قامت بهم السُّنَّة، وذُبَّ بهم عن حياض العقيدة، وحُفظت بهم معالمُ المنهج السلفي الصافي؛ كانوا إذا تكلَّموا أناروا، وإذا بيَّنوا أبانوا، وإذا حذَّروا كشفوا الشبهات وفضحوا التلبيسات، فلا تكاد تنزل نازلةٌ إلا وجد الناس عندهم علمًا وحكمةً وبصيرة.
لقد كان وجودُ العلماء الكبار أمانًا للأمة بعد الله، وكانت هيبتُهم تقمع أهل الأهواء، ويكفي في الرد على كثيرٍ من الباطل أن يُقال: هذا خلاف ما عليه فلانٌ من أئمة السُّنَّة؛ فإذا تكلموا سكنت الفتن، وإذا بيَّنوا انخنس المبطلون، وإذا حذَّروا ارتدع المتلاعبون بالدين.
غير أن المؤمن لا يقنط، ولا ييأس من روح الله؛ فإن من سنن الله الجارية أن هذا الدين محفوظ، وأن الحق لا تزال له طائفةٌ قائمة، كما قال النبي ﷺ: « «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَذَلِكَ».
ومن البشريات التي تُثلج الصدور، وتبعث في النفوس الرجاء بعد الألم، أن ترى - في زمن كثرت فيه الفتن، وارتفعت فيه أصوات المميعين وأهل الانحراف - جمعًا من المشايخ الفضلاء، وكثيرًا من طلاب العلم النجباء، قد شمَّروا عن ساعد الجد، وقاموا لله بالحق، يذبُّون عن السُّنَّة، ويكشفون الانحراف، ويردُّون الباطل بالدليل الناصع، والبرهان الواضح، لا تحركهم العصبيات، ولا تسوقهم الأهواء، وإنما يحملهم على ذلك ديانةٌ وغيرةٌ على هذا المنهج المبارك.
تراهم يواجهون من انحرف عن جادة السلفية بالحجة والبيان، لا بالظلم والعدوان، ولا بالفحش والبذاء، بل بأدبٍ سلفيٍّ رفيع، وإنصافٍ ظاهر، وحرصٍ على هداية الخلق، مع ثباتٍ عجيبٍ وصبرٍ جميل؛ يُؤذَون فلا يهنون، ويُشغَّب عليهم فلا يتراجعون، ويُرمَون بالتهم فلا يزيدهم ذلك إلا تمسكًا بالحق وقيامًا به.
فيا لها من بشارةٍ تسرُّ أهل السُّنَّة! أن ترى شبابًا نشأوا على كتب السلف، وربَّتهم كلمات العلماء، فتشرَّبوا تعظيم الدليل، واحترام العلماء، والنصح للأمة، والذبَّ عن العقيدة والمنهج. لا يبيعون الحقَّ بالتصفيق، ولا يتركون البيان خوفًا من اللائمين، بل يستميتون في نصرة الحق ليلَ نهار، كتابةً وتعليمًا، وتحذيرًا وبيانًا.
وهذا - والله - من أعلام الخير، فإن الأرض لا تخلو من قائمٍ لله بحجة، كما قال تعالى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ ، وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ «[البقرة: 143]» ، وقال سبحانه: ﴿ فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾ [التوبة: 122].
فالواجبُ على أهلِ السُّنَّةِ والاتباع أن يشكروا اللهَ على هذه النعمة، نعمةِ بقاءِ الطائفةِ الظاهرة، وأن يلتفُّوا حول العلماءِ الربانيين، والمشايخ وطلابِ العلمِ الصادقين، وأن يلهجوا لهم بالدعاء والثبات والتسديد، وألا يكونوا معاولَ هدمٍ في أيدي أهلِ الأهواء، بالتخذيلِ تارة، والطعنِ واللمزِ أخرى؛ فإنَّ لحومَ أهلِ السُّنَّةِ مسمومة، وعادةَ اللهِ في منتقصيهم معلومة، والطعنَ في حملةِ الحقِّ خذلان، والوقيعةَ في أهلِ الأثرِ حرمان.
وإنَّ مما يبعثُ الأسى، ويُؤلمُ أهلَ الغيرةِ والنهى، أن ترى أقوامًا انتسبوا إلى السلفيةِ، ثم خالفوا أصولَها، فزلَّت بهم الأقدامُ في مزالقِ السياسة، ومالوا مع عواصفِ الحماسة، يُهيِّجون العواطف، ويُؤصِّلون للفرقةِ والمخالفة، ويُزكُّون المشاريعَ الحزبيةَ والدعواتِ المناطقية الانفصالية، التي تمزِّق الجماعة، وتُحيي أسبابَ النزاعِ والمنازعة، مع أنَّ منهجَ السلفِ قائمٌ على جمعِ الكلمة، ولزومِ الجماعة، وتحريمِ الخروجِ وشقِّ العصا، والتحذيرِ من مسالكِ الفتنِ والهوى.
وما زالت الفتنُ — قديمًا وحديثًا — تبدأُ بشعاراتٍ برَّاقة، وكلماتٍ خداعة، ثم لا تلبثُ أن تخلِّف دماءً تُراق، وصفوفًا تتصدع، وديارًا تضطرب وتتشرذم، وأمنًا يزول، حتى يندمَ المتحمِّسون حين لا ينفعُ الندم، ويتبيَّنَ للناسِ أن العاطفةَ إذا انفلتت من قيدِ الشرع أحرقت أهلَها قبل غيرهم.
ولهذا كان أهلُ العلمِ الراسخون يزنون المواقفَ بميزانِ الوحي، لا بميزانِ التصفيقِ والتهييج، ولا بميزانِ شهرةِ الشيخِ الفلاني، ولا بهيبةِ المرجعية التي تُقدَّمُ على الدليلِ والبرهان؛ بل يعرضون النوازلَ على أصولِ السلف، لا على رغباتِ الجماهير وتقلباتِ الواقع؛ فلا يحملهم ضغطُ الناس على تمييعِ الأصول، ولا خوفُ اللائمين على كتمانِ الحق، بل يقولون بالعلم، ويحكمون بالعدل، ويقفون عند حدودِ الشرع، لأنهم يعلمون أن سلامةَ المنهجِ مقدَّمةٌ على ضجيجِ الشعارات، وأن العاقبةَ لأهلِ السنةِ والآثار، ولو طال ليلُ الفتنِ واشتدَّ غبارُها.
فيا أهلَ السُّنَّةِ، اثبتوا على الجادَّةِ ولا تلتفتوا إلى صخبِ أهلِ الأهواءِ والفتن، فإنَّهم ما فتئوا يرمون الشبهات، ويُثيرون الشكوك، ويُحاولون النيلَ من مشايخِ السُّنَّةِ وطلابِ العلمِ الثابتين؛ ليُطفئوا نورَ الحقِّ بأفواههم، ويصدُّوا الناسَ عن سبيلِ أهلِ الأثر، ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾.
فالزموا غرزَ علمائكم ومشايخكم الربانيين، واعرفوا لأهلِ الثباتِ قدرَهم، ولا تغترُّوا بزخارفِ الملبِّسين، فإنَّ أهلَ الباطلِ وإن كثرت حيلُهم، واشتدَّ مكرُهم، فمآلُهم إلى خيبة، ويبقى الحقُّ ظاهرًا وأهلُه منصورين، ما داموا معتصمين بالكتابِ والسُّنَّةِ بفهمِ السلفِ الصالح.
نسأل الله أن يرحم علماء السنة الذين مضوا، وأن يرفع درجاتهم في المهديين، وأن يجزيهم عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وأن يحفظ من بقي من علمائنا، وأن يبارك في المشايخ وطلاب العلم الصادقين، وأن يجعلهم مفاتيح للخير مغاليق للشر، وأن يرزقهم الإخلاص والثبات حتى الممات، اللهم آمين؛ والحمد لله رب العالمين.
وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه.
الثغر السكندري حرسه الله وسائر بلاد المسلمين.
الثلاثاء: 25 ذو القعدة 1447 هـ
وما زالت الفتنُ — قديمًا وحديثًا — تبدأُ بشعاراتٍ برَّاقة، وكلماتٍ خداعة، ثم لا تلبثُ أن تخلِّف دماءً تُراق، وصفوفًا تتصدع، وديارًا تضطرب وتتشرذم، وأمنًا يزول، حتى يندمَ المتحمِّسون حين لا ينفعُ الندم، ويتبيَّنَ للناسِ أن العاطفةَ إذا انفلتت من قيدِ الشرع أحرقت أهلَها قبل غيرهم.
ولهذا كان أهلُ العلمِ الراسخون يزنون المواقفَ بميزانِ الوحي، لا بميزانِ التصفيقِ والتهييج، ولا بميزانِ شهرةِ الشيخِ الفلاني، ولا بهيبةِ المرجعية التي تُقدَّمُ على الدليلِ والبرهان؛ بل يعرضون النوازلَ على أصولِ السلف، لا على رغباتِ الجماهير وتقلباتِ الواقع؛ فلا يحملهم ضغطُ الناس على تمييعِ الأصول، ولا خوفُ اللائمين على كتمانِ الحق، بل يقولون بالعلم، ويحكمون بالعدل، ويقفون عند حدودِ الشرع، لأنهم يعلمون أن سلامةَ المنهجِ مقدَّمةٌ على ضجيجِ الشعارات، وأن العاقبةَ لأهلِ السنةِ والآثار، ولو طال ليلُ الفتنِ واشتدَّ غبارُها.
فيا أهلَ السُّنَّةِ، اثبتوا على الجادَّةِ ولا تلتفتوا إلى صخبِ أهلِ الأهواءِ والفتن، فإنَّهم ما فتئوا يرمون الشبهات، ويُثيرون الشكوك، ويُحاولون النيلَ من مشايخِ السُّنَّةِ وطلابِ العلمِ الثابتين؛ ليُطفئوا نورَ الحقِّ بأفواههم، ويصدُّوا الناسَ عن سبيلِ أهلِ الأثر، ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾.
فالزموا غرزَ علمائكم ومشايخكم الربانيين، واعرفوا لأهلِ الثباتِ قدرَهم، ولا تغترُّوا بزخارفِ الملبِّسين، فإنَّ أهلَ الباطلِ وإن كثرت حيلُهم، واشتدَّ مكرُهم، فمآلُهم إلى خيبة، ويبقى الحقُّ ظاهرًا وأهلُه منصورين، ما داموا معتصمين بالكتابِ والسُّنَّةِ بفهمِ السلفِ الصالح.
نسأل الله أن يرحم علماء السنة الذين مضوا، وأن يرفع درجاتهم في المهديين، وأن يجزيهم عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وأن يحفظ من بقي من علمائنا، وأن يبارك في المشايخ وطلاب العلم الصادقين، وأن يجعلهم مفاتيح للخير مغاليق للشر، وأن يرزقهم الإخلاص والثبات حتى الممات، اللهم آمين؛ والحمد لله رب العالمين.
وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه.
الثغر السكندري حرسه الله وسائر بلاد المسلمين.
الثلاثاء: 25 ذو القعدة 1447 هـ
