الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. المقالات

سلسلة تراجم العلماء السلفيين المعاصرين

٢٦ ربيع الآخر ١٤٤٧ هـ١٨ أكتوبر ٢٠٢٥
المقالاتالعقيدة والتوحيدالمنهج والدعوة السلفيةتراجم العلماءالرقائق والآداب
سلسلة تراجم العلماء السلفيين المعاصرين:

(1) ترجمة شيخنا العلَّامة علي بن السيد الوصيفي رحمه الله رحمة واسعة
مقدمة:
الحمدُ للهِ الذي رفعَ منارَ العقيدةِ السلفيَّة، وأعلى شأنَها في العالمين، وجعلَ على حراستِها رجالًا صادقين، صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فقاموا بالبيانِ حين صمتَ المتكلمون، وأوضحوا السبيلَ حين التبسَ على كثيرٍ من السالكين.

ساروا على المنهج القويم على بصيرة، ودعوا إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، فكانوا كالمصابيح في الليالي الحالكة، يهتدي بسناهم الحائرون، ويأنس بذكرهم الصادقون، لا تأخذهم في الله لومةُ لائم، ولا تُزلزلهم الفتنُ العاصفةُ عن طريق الحقِّ المستبين.

نصروا التوحيدَ حين خفتَ صوته، وردُّوا البدعَ حين طغتْ راياتُها، وبيَّنوا السُّنَّةَ حين اندرستْ معالمُها، فكانوا أركانَ الدين، وأوتادَ الأرض، يثبِّتون به أقدامَ المؤمنين، ويُحيون في القلوبِ نورَ اليقين.
أولئك هم حراسُ الوحي، وحَمَلةُ ميراثِ النُّبوة، يُحْيون بعلومهم القلوبَ بعد مواتها، وينشرون السُّنةَ بعد اندراسها، ويذودون عنها بالعلم والبيان، كما يذودُ الفارسُ عن حياضِه بسيفٍ لا يكلُّ ولا يلين.
فالحمدُ لله الذي أبقى في الأمة طائفةً ظاهرةً على الحق، لا يضرُّها من خالفها ولا من خذلها، يُقيم بها الحجة، ويُظهر بها المحجة، لتبقى السُّنَّةُ مرفوعةَ اللواء، ظاهرةَ النور، محفوظةَ الأثر، ما دام في الأمة مَنْ يذبُّ عنها ويحملُ رايتها على نهج السلف الصالح الأولين.

وصلى اللهُ وسلَّمَ وبارك على من أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، مبلِّغًا عن ربِّه رسالةَ التوحيد، مؤدِّيًا أمانةَ البلاغ، الداعي إلى الله على بصيرة، وعلى آله وصحبِه وأتباعِه إلى يوم الدين.

أما بعدُ، فهذه نبذةٌ من سيرةِ علمٍ من أعلام العقيدة السلفية في هذا العصر، العلَّامةِ علي بن السيد الوصيفي رحمه الله، أحدِ الدعاةِ إلى المنهجِ الحقِّ، الذين نصروا التوحيدَ بالبيان، ودافعوا عن السنة بالحجةِ والبرهان، وخلَّفوا علمًا نافعًا ومنهجًا واضحًا يُقتفى أثرُه جيلاً بعد جيل.

اسمه ونشأته:
هو الشيخ العلَّامة علي بن السيد الوصيفي – رحمه الله -، أحد أبرز دعاة المنهج السلفي في أرض الكنانة، ومن العلماء الذين جمعوا بين سلامة المعتقد، وقوة الحجة، ووضوح المنهج.
نشأ – رحمه الله – في بيئة محبة للعلم، محاطة بأجواء الدعوة إلى السُّنَّة، فشبَّ على تعظيم الوحيين، وتقدير العلماء، والتمسك بالحق حيث كان.

طلبه للعلم:
منذ نعومة أظفاره اتجه إلى العلم الشرعي، فنهل من كتب السلف الصالح، واعتنى بدراسة العقيدة دراسةً وافيةً، حتى برع فيها وفاق أقرانه.
وكان شديد العناية بكلام أئمة السُّنَّة، متين الصلة بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، فظهر أثر ذلك في دقته في تقرير العقيدة، ونقاء عبارته في بيان منهج السلف.

عقيدته ومنهجه:
تميَّز الشيخ – رحمه الله – بثباته على العقيدة السلفية الصافية، ودعوته إلى التوحيد الخالص، ورده على المخالفين بالحكمة والبرهان، وكان لا تأخذه في الله لومة لائم.
جمع بين العلم والعمل، والزهد والبيان، وكان شديد الغيرة على السُّنَّة، ينهى عن البدع والضلالات، ويذبُّ عن منهج السلف قولًا وكتابةً، مؤصِّلًا ومبيِّنًا، رادًّا على أهل الانحراف والافتراق.

إسهاماته العلمية ومؤلفاته:
خلَّف الشيخ تراثًا علميًا زاخرًا، يشهد له بسعة الاطلاع، وقوة الفهم، وحسن التأصيل، ومن أبرز مصنفاته:
1- المنحة الإلهية في أدلة الصفات الربانية – وهو من أجلِّ كتبه، قرر فيه مذهب السلف في باب الأسماء والصفات، وردَّ شبهات المتكلمين بالأدلة النقلية والعقلية.
2- والقضاء والقدر عند السلف – بيَّن فيه وسطية أهل السنة في هذا الباب العظيم، وردَّ فيه على القدرية والجبرية بعبارة رصينة ودليل متين.
3- وحوار مع صوفي.
4- وموازين الصوفية في ضوء الكتاب والسنة – عرض فيه بأسلوب علمي رفيع حقيقة التصوف المنحرف، وكشف مخالفاته لأصول التوحيد والسنة.
5- وحوار مع شيعي رافضي.
6- وجاء دور الروافض.
7- والمناظرة الجلية بين أهل السنة والشيعة الروافض الاثني عشرية – أبطل في هذه الكتب الثلاثة أباطيل الرافضة وفضح انحرافاتهم العقدية.
8- والإخوان المسلمون بين الابتداع الديني والإفلاس السياسي.
9- والإخوان المسلمون أوهام ومؤامرات.
10- الإخوان المسلمون من هم؟ وماذا يريدون؟ – كشف في هذه الكتب الثلاثة حقيقة الجماعة ومنهجها الحركي المنحرف، محذرًا من مخالفتها لمنهج السلف.
11- إلجام الأسكات والمهاوييش رسالة الاثريين إلى مايسمى بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
12- ومن آخر ما كتب: كتابه الموسوم بـ «رد الإشكالات وكشف المبهمات»، جمع فيه بين تأصيلاتٍ راسخةٍ وردودٍ علميةٍ قويةٍ على الفرقة الحدادية الجديدة (المصعفقة)، الذين خالفوا منهج السلف في النقد والولاء والبراء والأخلاق، فكان هذا الكتابُ بحقٍّ مرجعًا هاديًا، ومنارًا مستنيرًا لمن أراد الحقَّ في تلك الفتن المدلهمَّة، يشهد بتمكُّنه من العلم، وحكمته في الرد، وحسن تقريره لمسائل المنهج بأدبٍ علميٍّ رصين.
13- وهذه المصنفات وغيرها من المقالات والبحوث التي أثْرت المكتبة الإسلامية، وبيَّنت للناس معالم الحق في زمنٍ كثر فيه الخلط والتمييع والاضطراب.

شيوخه وتلاميذه ومكانته بين العلماء:
تلقَّى الشيخ علي بن السيد الوصيفي – رحمه الله – العلم عن نخبة من أهل السنة المعروفين بالتمسك بالحديث والأثر، فكان ملازمًا لمجالسهم، ناهلاً من معينهم، مقتديًا بأخلاقهم ومنهجهم في الفهم والدعوة.
وقد تتلمذ على عددٍ من علماء الدعوة السلفية في مصر وخارجها، وحضر مجالس للعلامة الإمام ابن باز وابن عثيمين واللحيدان رحمهم الله والفوزان حفظه الله، وكان يشيِّدُ بعلمه، وغيرهم من علماء المملكة العربية السعودية حفظها الله وسائر بلاد المسلمين، وعكف على كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله حتى صارا كشيوخه الأوائل، وأخذ العلم عن أكابر علماء مصر مثل العلامة محمد بن عبد الوهاب البنا وأخيه العلامة حسن بن عبد الوهاب البنا – وشاركه في الدعوة إلى الله السنين الطوال وكان كثير الثناء عليه -، والعلامة سعد ندا رحمهم الله جميعاً، إلى أن صار من مشايخ جمعية أنصار السنة المحمدية، يدرِّس ويحاضر فيها، وينشر عقيدة السلف بين طلابها وروَّادها، داعيًا إلى التصفية والتربية، وإلى الرجوع بالناس إلى الوحيين بفهم سلف الأمة.
غير أنه – رحمه الله – لما رأى ما أصاب الجمعية في السنوات الأخيرة من مخالفة للمنهج السلفي الذي أسس عليه الرعيل الأول كالعلاَّمة حامد الفقي والشيخ خليل هراس وعبد الرزاق عفيفي وغيرهم، صدع بالنصح، ووجَّه القائمين عليها إلى ضرورة العودة إلى الأصل الذي قامت عليه، فلم يجد منهم أذنًا صاغية ولا قلبًا منيبًا، فآثر الاعتزال عنها محافظةً على صفاء المنهج ووضوح الطريق.

وقد أثنى عليه جماعة من العلماء وأهل الفضل، لما عرفوه فيه من صدقٍ وديانة، وثباتٍ على الحق، منهم شيخنا العلَّامة حسن بن عبد الوهاب البنا – رحمه الله –، وكان يلقبه بـ (الشيخ العلَّامة) ، وكذلك شيخنا الإمام ربيع بن هادي المدخلي – رحمه الله – الذي عرف له قدره وفضله وثناءه على صراحته في المنهج، ونصرته للسنة وأهلها.

أما تلاميذه فهم كُثُر في محافظات مصر وخارجها، انتشروا دعاةً ومعلِّمين، يحملون علمه، وينشرون كتبه، ويقتبسون من هديه وأدبه، فكان بحقٍّ من أئمة الدعوة السلفية في هذا العصر، الذين أحيا الله بهم معالم السُّنَّة في القلوب، ورفع بهم راية الاتباع والبيان.

صفاته وأخلاقه:
كان الشيخ – رحمه الله – سمحًا في طبعه، متواضعًا في علمه، قويًّا في حجته، لا يُجارى في بيان الدليل ولا يُستدرج في الجدل العقيم.
يحترم العلماء، ويكرم طلابه، ويغرس فيهم حب الدليل ورفض التقليد، ويحذرهم من الغلو في الأشخاص، داعيًا إلى الاعتصام بالكتاب والسنة بفهم السلف الصالح.

آثاره في الدعوة والتعليم:
نشر العلم بين طلابه في محافظات مصر، وكان بيته ومجالسه مأوى لطالبي العلم، يسمعون منه البيان الصحيح للعقيدة، والمنهج القويم في الفهم، والغيرة على السنة، والثبات على الحق.
وكان كثير النصح، شديد التحذير من الانحرافات الفكرية والحركية، داعيًا إلى لزوم منهج العلماء الربانيين.

وفاته وثناء الناس عليه:
وفي يوم الاثنين السادس والعشرين من شهر رمضان المبارك سنة 1444هـ، طوى الشيخُ – رحمه الله – صفحةً من صفحات الدعوة السلفية في مصر، بعد أن ابتُلي بمرض السرطان في الكبد، فصبر على البلاء سنين عدداً، محتسبًا الأجر عند الله، راضيًا بقضائه، ثابتًا على منهجه، صابرًا محتسبًا لا يُسمع منه إلا الحمد والثناء.
رحل الشيخ العلامة علي بن السيد الوصيفي – رحمه الله – بعد حياةٍ حافلةٍ بالعلم والتعليم، والدعوة إلى التوحيد والسنة، والذبِّ عن حياض العقيدة، ففقدت الدعوة السلفية علمًا من أعلامها، وركنًا من أركانها، ومربِّيًا من خِيار رجالها.
خلَّف آثارًا باقيةً، ومؤلفاتٍ ناطقةً بعلمه ومنهجه، وطلابًا شهدوا له بالفضل والتواضع وحسن الخلق، نحسبه كذلك، ولا نزكِّي على الله أحدًا.

رحمه الله رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجعل قبره روضةً من رياض الجنة، اللهم تقبَّله في عداد الشهداء، وارفع درجته في عليين، واجعل ما خلَّفه من علمٍ نافعٍ صدقةً جاريةً له إلى يوم الدين.
وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي الأثري – عفا الله عنه –
الثغر السكندري – حرسه الله – من الديار المصرية – حفظها الله وسائر بلاد المسلمين من كل مكروه وسوء.
السبت: 26 / ربيع الآخر / 1447 هـ.

مواد ذات صلة