والدي رحمه الله ترك زوجةً وأربعة بنات، ثلاث منهنَّ صبايا، أكبرهن تبلغ من العمر 24 سنة وأصغرهن 15 سنة، بالإضافة إلى شاب واحد وهو أنا،…
السؤال: مئة وأربعة وتسعون:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
حياكم الله شيخنا، ونسأل الله أن تكونوا بصحة وعافية.
بارك الله فيكم، أود أن أطرح عليكم مسألة تؤرقني منذ وفاة والدي رحمه الله قبل عامين.
والدي رحمه الله ترك زوجةً وأربعة بنات، ثلاث منهنَّ صبايا، أكبرهن تبلغ من العمر 24 سنة وأصغرهن 15 سنة، بالإضافة إلى شاب واحد وهو أنا، وعمري 27 سنة.
منذ وفاته رحمه الله وأنا أعاني في توجيه أخواتي إلى طريق الصواب، خاصة فيما يتعلق ببعض الأمور التي فيها معصية ظاهرة، كاستماع الموسيقى ومتابعة المسلسلات وغيرها.
أحاول دائمًا إلزامهن بترك هذه الأمور، أو على الأقل عدم إظهارها أمامي أو أمام الناس.
وأمي – حفظها الله – أحيانًا تتساهل في هذه الأمور بدافع العاطفة، وتقول لي: "لا تبالغ"، رغم علمها بخطورة هذه المعاصي.
ومؤخرًا لاحظت أن أسلوب الشدة والقسوة في الكلام يؤدي إلى نتائج عكسية، حيث يولد عندهن العناد وربما شيئًا من الكراهية، فأصبحت محتارًا في كيفية التعامل الحكيم.
فلب الموضوع هو أن هناك حفل زفاف لصديقة إحدى أخواتي، وقد دعت هذه الصديقة العائلة كلها، ومن ضمنهم أمي. كنت أنا من سيتولى توصيلهم، فسألت أختي عن نوع الحفل، هل فيه موسيقى ومعازف؟
فقالت إن هناك فرقة ستحيي الحفل.
قلت لها: إن كانت الفرقة تستخدم الدفوف والغناء المباح فلا بأس، أما إن كانت تستعمل الطبول والآلات المحرمة فلا يجوز.
فأجابتني بأن فيها آلات موسيقية كاملة.
فقلت حينها: "لن أذهب بكم"، لأن هذا هو المتعارف عليه في البيت، أني لا أوصل أحدًا إلى مكان أعلم بوجود المنكر فيه، مع محاولتي دائمًا النصح بالتي هي أحسن.
لكن للأسف، لا حياة لمن تنادي، فيتدخل عمي أحيانًا ويذهب بهن بدلاً عني.
أما الإشكال الأكبر، فهو مع والدتي – وهي معلمة قرآن – إذ لا أريد لها أن تذهب إلى مثل هذه الأماكن، فهي قدوة، وذهابها يترك أثرًا سلبيًا في نفوس الناس، خاصة طلابها ومن يعرفونها.
وقد كلمتها من قبل، فقلت لها: "يا أمي، هذا الفعل منكر، وأنت قدوة ومعلمة، وماذا سيقول الناس عنك إن حضرتِ مثل هذه الحفلات؟"
فقالت لي حينها: "إذا كان فيها غناء فلن أذهب".
لكن من خلال تصرفاتها أشعر أنها في داخلها تميل إلى إرضاء ابنتها والذهاب معها رغم ذلك، وهذا ما يقلقني.
وأنا لا أريد استعمال العنف أو المنع بالقوة، لأني أدرك أن مثل هذه الأساليب تولِّد البغضاء والحقد في القلوب، خصوصًا بين الإخوة.
فما هو السبيل الأمثل لتوجيههن بالحكمة والموعظة الحسنة؟ وكيف أنصح والدتي برفق لتثبيتها على الموقف الصحيح، دون أن أشعرها بأنني أتعدى حدودي معها؟ جزاكم الله خيرًا، وبارك في علمكم وعملكم.
من فضلك للأهمية شيخي يا ليت الإجابة بأسرع ما يمكن لأن هده المناسبة غدا
الحمد لله:
الجواب المختصر:
أحسن الله إليك أيها الابن المبارك، وجزاك الله خيرًا على غيرتك على أهلك، فإن هذا من تمام الإيمان، وقد قال صلى الله عليه وسلم: « كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مسؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ » (متفق عليه)، وقد أحسنتَ إذ قمت ببيان الحكم الشرعي لهم برفقٍ وصدقٍ، فذلك هو واجبك، وبه تبرأ ذمتك، وما دمتَ قد نصحت لله فلا تبتغِ إلا رضاه.
وجميلٌ منك أنك تجنَّبتَ الغلظة والعنف في النصح، فإن القلوب لا تُفتح بالقسوة، وإنما تفتح باللين والرفق والرحمة والحكمة.
وأمَّا أمُّك، فحقُّها عليك عظيم، فخاطبها بلطفٍ وتوقير، وأظهر لها مكانتها وقدْرَها، وذكِّرها برِفْقٍ بأنها قدوةٌ لغيرها دون أن تُشعرها باللوم أو الضجر، واحذر أن يصدر منك أدنى إساءةٍ أو جفاء لها، وادعُ الله تعالى أن يشرح صدرها ويهدي قلوبها للحقِّ والرشاد.
وأما الذهاب إلى الحفل الذي فيه آلات موسيقية ومعازف، فلا يجوز، لما فيه من حضور المنكر والرضا به.
لكن إن ذهبن رغم نصيحتك، فليس عليك إثم بعد أن بلَّغت، ولا تدخل في صدامٍ أو قطيعة، بل ابقَ ناصحًا رفيقًا، وداعيًا بالخير.
ولا تقلق، واطمئنَّ، فإنك – بإخلاصك في النصح وصدقك في البلاغ – قد أدَّيت ما أوجب الله عليك، ونصحت لله، وكتب الله لك أجر البلاغ وإن لم يُستجَب لك.
فاثبُت على الصبر، وألحَّ في الدعاء لهنَّ، واجعل لسانك رطبًا بسؤال الله لهنَّ الهداية والصلاح، فكم من دعوةٍ خالصةٍ في جوف الليل كانت سببًا في هداية القلوب وفتح الأبواب المغلقة.
نسأل الله أن يُصلح أمَّك وأخواتِك، وأن يبارك فيك، ويجعلك مفتاحًا للخير مغلاقًا للشر، وأن يجمعكم على طاعته في الدنيا والآخرة.
الجواب المفصل:
أولًا: الأصل الشرعي في نصح الأهل:
غَيْرتك على أهلك من علامات الإيمان، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6]. وقد قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ يَغَارُ، وَغيْرَةُ اللهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ» (متفق عليه).
فواجبك –كابن وأخ-النصح والإرشاد، لا إثبات الذات والإكراه. فالهداية بيد الله، وأنت مأمور بالأسباب، لا بالنتائج؛ وقد قال الله لنبيّه صلى الله عليه وسلم: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ [القصص: 56].
ثانيًا: منهج النصح في البيت:
اعلم أن اللين والرفق في الدعوة أقرب إلى القبول من الشدة والعنف، قال صلى الله عليه وسلم: «مَا دَخَلَ الرِّفْقُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا نُزِعَ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ» رواه مسلم.
فغيِّر أسلوبك من المواجهة المباشرة إلى القدوة العملية والموعظة غير المباشرة:
• استعن بالمحبة والاحترام، لا بالصوت المرتفع والأسلوب الفظ.
• استخدم لغة العاطفة بدل لغة الأوامر.
• قدِّم لهن البديل الصالح (كالدروس والمحاضرات والمقاطع الوعظية النافعة).
• ولْيكن هدفك تليين القلوب لا كسرها، فإن النفوس – خاصة النساء – إذا جوبهت بالقسوة، انغلقت وابتعدت.
ثالثًا: في حكم الحضور إلى الحفلات المشتملة على المعازف:
اتفق أهل العلم المعتبرين على تحريم المعازف والموسيقى، قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في (مجموع الفتاوى) [11/577]: (فذهب الأئمة الأربعة: أن آلات اللهو كلها حرام فقد ثبت في صحيح البخاري وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ، يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ، وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ». وذكر أنهم يمسخون « قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ » . و « الْمَعَازِفَ » هي الملاهي كما ذكر ذلك أهل اللغة. جمع معزفة وهي الآلة التي يعزف بها: أي يصوت بها. ولم يذكر أحد من أتباع الأئمة في آلات اللهو نزاعا. إلا أن بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي ذكر في اليراع وجهين بخلاف الأوتار ونحوها؛ فإنهم لم يذكروا فيها نزاعا. وأما العراقيون الذين هم أعلم بمذهبه وأتبع له فلم يذكروا نزاعا لا في هذا ولا في هذا) اهـ, فإذا عُلم أن في العرس آلات موسيقية ومغنين، فلا يجوز الحضور؛ لأن في ذلك إقرارًا للمنكر ومشاركةً فيه، ولو لم يشارك الجسد، فإن الحضور بلا إنكار نوع من الرضا. قال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾ [النساء: 140].
أما إذا اقتصر الحفل على الدفوف والأنشودة المباحة بين النساء فقط، دون اختلاطٍ أو منكرٍ آخر، فلا حرج في حضوره، لما ورد من إقرار النبي صلى الله عليه وسلم للجواري يوم العيد وهن يضربن بالدف ويُنشدن في حدود المباح.
رابعًا: في التعامل مع الأم:
أمك لها مقام كبير ورفيع، وحقها عظيم، فلا ترفع صوتك عليها ولا تشعرها أنك تراقبها أو تضعها موضع الاتهام = بل خاطبها بالرفق واللين والحنوِّ والبرِّ لا بالشدة والتعالي والقسوة، فقل لها مثلًا:
"يا أمي، أنتِ قدوة، والناس ينظرون إليك، وأنا أخاف عليك من أن تُؤذيك نظرة الناس أو أن تُسجَّل عليك زلَّة لا تليق بمعلمة قرآن، أو أن يقتدي بك أحد في ذلك فتحملين وزره إلى وزرك ونحو ذلك، وبهذا الأسلوب تحفظ هيبتها وتغرس في قلبها الإخلاص دون كسرٍ أو مواجهة.
خامسًا: في الموقف العملي من الحفل:
إذا علمتَ أن الحفل فيه منكر ظاهر، فلا يحلُّ لك أن تكون وسيلةً إليه، فلا توصلهن ولا تشارك في التجهيز له، لأن الله قال: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].
لكن لا يمنعك ذلك من حسن المعاملة ولين القول بعد موقفك، حتى لا تتحول النصيحة إلى خصومة.
وإن ذهبن رغم ذلك، فإثم الفعل عليهن، وليس عليك، لأنك قد أنكرت بالتي هي أحسن، والله لا يكلِّف نفسًا إلا وسعها.
سادسًا: الفرق بين الغيرة المحمودة والمذمومة:
الغيرة المحمودة، وهي التي يحبها الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، وتكون عند وجود ريبةٍ أو سببٍ صحيح، تحفظ العرض وتصون الأهل، فعن جابِرِ بنِ عَتيكٍ قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: « إنَّ مِنَ الغَيرَةِ ما يُحِبُّها اللَّهُ، ومِنها ما يُبْغِضُ اللَّهُ، فأَمّا الغَيرَةُ التي يُحِبُّ اللهُ فالغَيرَةُ في الرِّيبَة، وأَمَّا الغَيرَةُ التي يُبْغِضُ فالغَيرَةُ في غَيرِ ريبَةٍ» رواه أحمد والنسائي في الكبرى وأبو داود وغيرهم وحسنه الإمام الألباني رحمه الله في (في صحيح أبي داود) [رقم: 2316]، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في (الاستقامة) [2/7]: « فالغيرة المحبوبة هِيَ مَا وَافَقت غيرَة الله تَعَالَى وَهَذِه الْغيرَة هِيَ ان تنتهك محارم الله وَهِي أن تُؤْتى الْفَوَاحِش الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة لَكِن غيرَة العَبْد الْخَاصَّة هِيَ من أن يشركهُ الْغَيْر فِي أهله فغيرته من فَاحِشَة أهله لَيست كغيرته من زنا الْغَيْر لِأَن هَذَا يتَعَلَّق بِهِ وَذَاكَ لَا يتَعَلَّق بِهِ الا من جِهَة بغضه لمبغضة الله، وَلِهَذَا كَانَت الْغيرَة الْوَاجِبَة عَلَيْهِ هِيَ فِي غيرته على أهله وأعظم ذَلِك امْرَأَته ثمَّ أقاربه وَمن هُوَ تَحت طَاعَته» اهـ.
والثانية: الغيرة المذمومة، وهي التي يكرهها الله، لأنها تكون بلا سببٍ ولا قرينة، وفيها تَخوينٌ وتتبُّع للعثرات، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يطرق الرجلُ أهلَه ليلًا يتخونهم، فعَنْ جَابِرٍ قَالَ: « نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَطْرُقَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ لَيْلًا، يَتَخَوَّنُهُمْ أَوْ يَلْتَمِسُ عَثَرَاتِهِمْ» رواه مسلم في (صحيحه) [6/56 رقم: ٧١٥]، وقال ابن القيم رحمه الله في (الداء والدواء) [ص: 67]: «وَإِنَّمَا الْمَمْدُوحُ اقْتِرَانُ الْغَيْرَةِ بِالْعُذْرِ، فَيَغَارُ فِي مَحِلِّ الْغَيْرَةِ، وَيَعْذُرُ فِي مَوْضِعِ الْعُذْرِ، وَمَنْ كَانَ هَكَذَا فَهُوَ الْمَمْدُوحُ حَقًّا».
وقال أيضاً رحمه الله في (روضة المحبين ونزهة المشتاقين) [ص: 438]: (وملاك الغيرة وأعلاها ثلاثةُ أنواع: غيرةُ العبد لربِّه أن تُنْتهك محارمُهُ، وتُضيَّع حدودُه، وغيرتُه على قلبه أن يسكن إلى غيره، وأن يأْنس بسواه، وغيرتُه على حُرْمتِه أن يتطلَّع إليها غيره. فالغيرةُ التي يحبُّها الله ورسولُه دارت على هذه الأنواع الثلاثة، وما عداها فإما من خُدَع الشيطان، وإما بلوى من الله، كغيرة المرأة على زوجها أن يتزوَّج عليها) اهـ.
فكن غيورًا بحكمة، ناصحًا بعلم، رفيقًا بقلبٍ رحيم، ولا تكن غيورًا بجهلٍ أو اندفاعٍ يُورِث نفوراً أو قسوةً أو ظلمًا.
فكما أن ضعف الغيرة دليل على موت القلب، فإن الإفراط فيها من غير بصيرةٍ دليل على اضطرابه.
فاجعل غيرتك لله، منضبطةً بحكم الشرع، تُوجَّه بعلمٍ وعدلٍ، وبرحمةٍ وحكمةٍ، فبذلك تُصيبُ الحقَّ وتُؤجَر، وتكون سببًا في صلاح من تغار عليه لا في نفوره.
ولْيعلَم الجميع – الأم والابن والأخوات – أن البيوت لا تُبنى إلا على تقوى الله، ولا تُصان إلا بسترٍ ورفقٍ وعدل.
ومتى أقام أهل البيت العدل فيما بينهم، ولزموا تقوى الله في السرِّ والعلن، أعانهم الله على صلاح شأنهم، وأبدلهم خيرًا مما فاتهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2-3].
نسأل الله أن يصلح حالكم، ويهدي قلوبكم، ويبغضكم في المعاصي والآثام، ويؤلِّف بينكم، ويجعل بيتكم عامرًا بالطاعة والمودة، وأن يرزقكم من الصبر والحكمة ما تُقيمون به الدين وتصلحون به ما فسد من الدنيا، اللهم آمين والله أعلى وأعلم.
من ضمن (سلسلة الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص)
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
حياكم الله شيخنا، ونسأل الله أن تكونوا بصحة وعافية.
بارك الله فيكم، أود أن أطرح عليكم مسألة تؤرقني منذ وفاة والدي رحمه الله قبل عامين.
والدي رحمه الله ترك زوجةً وأربعة بنات، ثلاث منهنَّ صبايا، أكبرهن تبلغ من العمر 24 سنة وأصغرهن 15 سنة، بالإضافة إلى شاب واحد وهو أنا، وعمري 27 سنة.
منذ وفاته رحمه الله وأنا أعاني في توجيه أخواتي إلى طريق الصواب، خاصة فيما يتعلق ببعض الأمور التي فيها معصية ظاهرة، كاستماع الموسيقى ومتابعة المسلسلات وغيرها.
أحاول دائمًا إلزامهن بترك هذه الأمور، أو على الأقل عدم إظهارها أمامي أو أمام الناس.
وأمي – حفظها الله – أحيانًا تتساهل في هذه الأمور بدافع العاطفة، وتقول لي: "لا تبالغ"، رغم علمها بخطورة هذه المعاصي.
ومؤخرًا لاحظت أن أسلوب الشدة والقسوة في الكلام يؤدي إلى نتائج عكسية، حيث يولد عندهن العناد وربما شيئًا من الكراهية، فأصبحت محتارًا في كيفية التعامل الحكيم.
فلب الموضوع هو أن هناك حفل زفاف لصديقة إحدى أخواتي، وقد دعت هذه الصديقة العائلة كلها، ومن ضمنهم أمي. كنت أنا من سيتولى توصيلهم، فسألت أختي عن نوع الحفل، هل فيه موسيقى ومعازف؟
فقالت إن هناك فرقة ستحيي الحفل.
قلت لها: إن كانت الفرقة تستخدم الدفوف والغناء المباح فلا بأس، أما إن كانت تستعمل الطبول والآلات المحرمة فلا يجوز.
فأجابتني بأن فيها آلات موسيقية كاملة.
فقلت حينها: "لن أذهب بكم"، لأن هذا هو المتعارف عليه في البيت، أني لا أوصل أحدًا إلى مكان أعلم بوجود المنكر فيه، مع محاولتي دائمًا النصح بالتي هي أحسن.
لكن للأسف، لا حياة لمن تنادي، فيتدخل عمي أحيانًا ويذهب بهن بدلاً عني.
أما الإشكال الأكبر، فهو مع والدتي – وهي معلمة قرآن – إذ لا أريد لها أن تذهب إلى مثل هذه الأماكن، فهي قدوة، وذهابها يترك أثرًا سلبيًا في نفوس الناس، خاصة طلابها ومن يعرفونها.
وقد كلمتها من قبل، فقلت لها: "يا أمي، هذا الفعل منكر، وأنت قدوة ومعلمة، وماذا سيقول الناس عنك إن حضرتِ مثل هذه الحفلات؟"
فقالت لي حينها: "إذا كان فيها غناء فلن أذهب".
لكن من خلال تصرفاتها أشعر أنها في داخلها تميل إلى إرضاء ابنتها والذهاب معها رغم ذلك، وهذا ما يقلقني.
وأنا لا أريد استعمال العنف أو المنع بالقوة، لأني أدرك أن مثل هذه الأساليب تولِّد البغضاء والحقد في القلوب، خصوصًا بين الإخوة.
فما هو السبيل الأمثل لتوجيههن بالحكمة والموعظة الحسنة؟ وكيف أنصح والدتي برفق لتثبيتها على الموقف الصحيح، دون أن أشعرها بأنني أتعدى حدودي معها؟ جزاكم الله خيرًا، وبارك في علمكم وعملكم.
من فضلك للأهمية شيخي يا ليت الإجابة بأسرع ما يمكن لأن هده المناسبة غدا
الحمد لله:
الجواب المختصر:
أحسن الله إليك أيها الابن المبارك، وجزاك الله خيرًا على غيرتك على أهلك، فإن هذا من تمام الإيمان، وقد قال صلى الله عليه وسلم: « كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مسؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ » (متفق عليه)، وقد أحسنتَ إذ قمت ببيان الحكم الشرعي لهم برفقٍ وصدقٍ، فذلك هو واجبك، وبه تبرأ ذمتك، وما دمتَ قد نصحت لله فلا تبتغِ إلا رضاه.
وجميلٌ منك أنك تجنَّبتَ الغلظة والعنف في النصح، فإن القلوب لا تُفتح بالقسوة، وإنما تفتح باللين والرفق والرحمة والحكمة.
وأمَّا أمُّك، فحقُّها عليك عظيم، فخاطبها بلطفٍ وتوقير، وأظهر لها مكانتها وقدْرَها، وذكِّرها برِفْقٍ بأنها قدوةٌ لغيرها دون أن تُشعرها باللوم أو الضجر، واحذر أن يصدر منك أدنى إساءةٍ أو جفاء لها، وادعُ الله تعالى أن يشرح صدرها ويهدي قلوبها للحقِّ والرشاد.
وأما الذهاب إلى الحفل الذي فيه آلات موسيقية ومعازف، فلا يجوز، لما فيه من حضور المنكر والرضا به.
لكن إن ذهبن رغم نصيحتك، فليس عليك إثم بعد أن بلَّغت، ولا تدخل في صدامٍ أو قطيعة، بل ابقَ ناصحًا رفيقًا، وداعيًا بالخير.
ولا تقلق، واطمئنَّ، فإنك – بإخلاصك في النصح وصدقك في البلاغ – قد أدَّيت ما أوجب الله عليك، ونصحت لله، وكتب الله لك أجر البلاغ وإن لم يُستجَب لك.
فاثبُت على الصبر، وألحَّ في الدعاء لهنَّ، واجعل لسانك رطبًا بسؤال الله لهنَّ الهداية والصلاح، فكم من دعوةٍ خالصةٍ في جوف الليل كانت سببًا في هداية القلوب وفتح الأبواب المغلقة.
نسأل الله أن يُصلح أمَّك وأخواتِك، وأن يبارك فيك، ويجعلك مفتاحًا للخير مغلاقًا للشر، وأن يجمعكم على طاعته في الدنيا والآخرة.
الجواب المفصل:
أولًا: الأصل الشرعي في نصح الأهل:
غَيْرتك على أهلك من علامات الإيمان، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6]. وقد قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ يَغَارُ، وَغيْرَةُ اللهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ» (متفق عليه).
فواجبك –كابن وأخ-النصح والإرشاد، لا إثبات الذات والإكراه. فالهداية بيد الله، وأنت مأمور بالأسباب، لا بالنتائج؛ وقد قال الله لنبيّه صلى الله عليه وسلم: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ [القصص: 56].
ثانيًا: منهج النصح في البيت:
اعلم أن اللين والرفق في الدعوة أقرب إلى القبول من الشدة والعنف، قال صلى الله عليه وسلم: «مَا دَخَلَ الرِّفْقُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا نُزِعَ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ» رواه مسلم.
فغيِّر أسلوبك من المواجهة المباشرة إلى القدوة العملية والموعظة غير المباشرة:
• استعن بالمحبة والاحترام، لا بالصوت المرتفع والأسلوب الفظ.
• استخدم لغة العاطفة بدل لغة الأوامر.
• قدِّم لهن البديل الصالح (كالدروس والمحاضرات والمقاطع الوعظية النافعة).
• ولْيكن هدفك تليين القلوب لا كسرها، فإن النفوس – خاصة النساء – إذا جوبهت بالقسوة، انغلقت وابتعدت.
ثالثًا: في حكم الحضور إلى الحفلات المشتملة على المعازف:
اتفق أهل العلم المعتبرين على تحريم المعازف والموسيقى، قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في (مجموع الفتاوى) [11/577]: (فذهب الأئمة الأربعة: أن آلات اللهو كلها حرام فقد ثبت في صحيح البخاري وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ، يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ، وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ». وذكر أنهم يمسخون « قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ » . و « الْمَعَازِفَ » هي الملاهي كما ذكر ذلك أهل اللغة. جمع معزفة وهي الآلة التي يعزف بها: أي يصوت بها. ولم يذكر أحد من أتباع الأئمة في آلات اللهو نزاعا. إلا أن بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي ذكر في اليراع وجهين بخلاف الأوتار ونحوها؛ فإنهم لم يذكروا فيها نزاعا. وأما العراقيون الذين هم أعلم بمذهبه وأتبع له فلم يذكروا نزاعا لا في هذا ولا في هذا) اهـ, فإذا عُلم أن في العرس آلات موسيقية ومغنين، فلا يجوز الحضور؛ لأن في ذلك إقرارًا للمنكر ومشاركةً فيه، ولو لم يشارك الجسد، فإن الحضور بلا إنكار نوع من الرضا. قال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾ [النساء: 140].
أما إذا اقتصر الحفل على الدفوف والأنشودة المباحة بين النساء فقط، دون اختلاطٍ أو منكرٍ آخر، فلا حرج في حضوره، لما ورد من إقرار النبي صلى الله عليه وسلم للجواري يوم العيد وهن يضربن بالدف ويُنشدن في حدود المباح.
رابعًا: في التعامل مع الأم:
أمك لها مقام كبير ورفيع، وحقها عظيم، فلا ترفع صوتك عليها ولا تشعرها أنك تراقبها أو تضعها موضع الاتهام = بل خاطبها بالرفق واللين والحنوِّ والبرِّ لا بالشدة والتعالي والقسوة، فقل لها مثلًا:
"يا أمي، أنتِ قدوة، والناس ينظرون إليك، وأنا أخاف عليك من أن تُؤذيك نظرة الناس أو أن تُسجَّل عليك زلَّة لا تليق بمعلمة قرآن، أو أن يقتدي بك أحد في ذلك فتحملين وزره إلى وزرك ونحو ذلك، وبهذا الأسلوب تحفظ هيبتها وتغرس في قلبها الإخلاص دون كسرٍ أو مواجهة.
خامسًا: في الموقف العملي من الحفل:
إذا علمتَ أن الحفل فيه منكر ظاهر، فلا يحلُّ لك أن تكون وسيلةً إليه، فلا توصلهن ولا تشارك في التجهيز له، لأن الله قال: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].
لكن لا يمنعك ذلك من حسن المعاملة ولين القول بعد موقفك، حتى لا تتحول النصيحة إلى خصومة.
وإن ذهبن رغم ذلك، فإثم الفعل عليهن، وليس عليك، لأنك قد أنكرت بالتي هي أحسن، والله لا يكلِّف نفسًا إلا وسعها.
سادسًا: الفرق بين الغيرة المحمودة والمذمومة:
الغيرة المحمودة، وهي التي يحبها الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، وتكون عند وجود ريبةٍ أو سببٍ صحيح، تحفظ العرض وتصون الأهل، فعن جابِرِ بنِ عَتيكٍ قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: « إنَّ مِنَ الغَيرَةِ ما يُحِبُّها اللَّهُ، ومِنها ما يُبْغِضُ اللَّهُ، فأَمّا الغَيرَةُ التي يُحِبُّ اللهُ فالغَيرَةُ في الرِّيبَة، وأَمَّا الغَيرَةُ التي يُبْغِضُ فالغَيرَةُ في غَيرِ ريبَةٍ» رواه أحمد والنسائي في الكبرى وأبو داود وغيرهم وحسنه الإمام الألباني رحمه الله في (في صحيح أبي داود) [رقم: 2316]، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في (الاستقامة) [2/7]: « فالغيرة المحبوبة هِيَ مَا وَافَقت غيرَة الله تَعَالَى وَهَذِه الْغيرَة هِيَ ان تنتهك محارم الله وَهِي أن تُؤْتى الْفَوَاحِش الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة لَكِن غيرَة العَبْد الْخَاصَّة هِيَ من أن يشركهُ الْغَيْر فِي أهله فغيرته من فَاحِشَة أهله لَيست كغيرته من زنا الْغَيْر لِأَن هَذَا يتَعَلَّق بِهِ وَذَاكَ لَا يتَعَلَّق بِهِ الا من جِهَة بغضه لمبغضة الله، وَلِهَذَا كَانَت الْغيرَة الْوَاجِبَة عَلَيْهِ هِيَ فِي غيرته على أهله وأعظم ذَلِك امْرَأَته ثمَّ أقاربه وَمن هُوَ تَحت طَاعَته» اهـ.
والثانية: الغيرة المذمومة، وهي التي يكرهها الله، لأنها تكون بلا سببٍ ولا قرينة، وفيها تَخوينٌ وتتبُّع للعثرات، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يطرق الرجلُ أهلَه ليلًا يتخونهم، فعَنْ جَابِرٍ قَالَ: « نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَطْرُقَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ لَيْلًا، يَتَخَوَّنُهُمْ أَوْ يَلْتَمِسُ عَثَرَاتِهِمْ» رواه مسلم في (صحيحه) [6/56 رقم: ٧١٥]، وقال ابن القيم رحمه الله في (الداء والدواء) [ص: 67]: «وَإِنَّمَا الْمَمْدُوحُ اقْتِرَانُ الْغَيْرَةِ بِالْعُذْرِ، فَيَغَارُ فِي مَحِلِّ الْغَيْرَةِ، وَيَعْذُرُ فِي مَوْضِعِ الْعُذْرِ، وَمَنْ كَانَ هَكَذَا فَهُوَ الْمَمْدُوحُ حَقًّا».
وقال أيضاً رحمه الله في (روضة المحبين ونزهة المشتاقين) [ص: 438]: (وملاك الغيرة وأعلاها ثلاثةُ أنواع: غيرةُ العبد لربِّه أن تُنْتهك محارمُهُ، وتُضيَّع حدودُه، وغيرتُه على قلبه أن يسكن إلى غيره، وأن يأْنس بسواه، وغيرتُه على حُرْمتِه أن يتطلَّع إليها غيره. فالغيرةُ التي يحبُّها الله ورسولُه دارت على هذه الأنواع الثلاثة، وما عداها فإما من خُدَع الشيطان، وإما بلوى من الله، كغيرة المرأة على زوجها أن يتزوَّج عليها) اهـ.
فكن غيورًا بحكمة، ناصحًا بعلم، رفيقًا بقلبٍ رحيم، ولا تكن غيورًا بجهلٍ أو اندفاعٍ يُورِث نفوراً أو قسوةً أو ظلمًا.
فكما أن ضعف الغيرة دليل على موت القلب، فإن الإفراط فيها من غير بصيرةٍ دليل على اضطرابه.
فاجعل غيرتك لله، منضبطةً بحكم الشرع، تُوجَّه بعلمٍ وعدلٍ، وبرحمةٍ وحكمةٍ، فبذلك تُصيبُ الحقَّ وتُؤجَر، وتكون سببًا في صلاح من تغار عليه لا في نفوره.
ولْيعلَم الجميع – الأم والابن والأخوات – أن البيوت لا تُبنى إلا على تقوى الله، ولا تُصان إلا بسترٍ ورفقٍ وعدل.
ومتى أقام أهل البيت العدل فيما بينهم، ولزموا تقوى الله في السرِّ والعلن، أعانهم الله على صلاح شأنهم، وأبدلهم خيرًا مما فاتهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2-3].
نسأل الله أن يصلح حالكم، ويهدي قلوبكم، ويبغضكم في المعاصي والآثام، ويؤلِّف بينكم، ويجعل بيتكم عامرًا بالطاعة والمودة، وأن يرزقكم من الصبر والحكمة ما تُقيمون به الدين وتصلحون به ما فسد من الدنيا، اللهم آمين والله أعلى وأعلم.
من ضمن (سلسلة الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص)