الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. المقالات

سلسلة: (تصحيحُ المفاهيم، ولزومُ النهجِ القويم)

٢١ شوال ١٤٤٧ هـ٩ أبريل ٢٠٢٦
المقالاتالعقيدة والتوحيدالمنهج والدعوة السلفيةمصرالنوازل والأحداث
سلسلة: (تصحيحُ المفاهيم، ولزومُ النهجِ القويم)

الحلقة الأولى:
بين حقائق التاريخ وثبات العقيدة في مصر


الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فإنَّ الحديث عن الإصلاح العقدي في هذا الزمان أصبح ضرورةً لا غنى عنها، لكثرة ما التبس على الناس من مفاهيم، واختلط عليهم من حقٍّ وباطل، حتى صار بعضهم ينفر من الحق لا لذاته، ولكن لما علق في ذهنه من صورٍ غير دقيقة عنه.

ومن ذلك: ما يظنه بعض العامة في الدعوة السلفية، حيث تُصوَّر أحيانًا على غير حقيقتها، فتُربط بالشدَّة أو التنفير، أو تُفهم على أنها تضييقٌ على الناس، مع أنها في أصلها ليست إلا دعوةً إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، بفهم السلف الصالح، قائمة على الرحمة، والعدل، والبيان.
وليس المقصود من هذا الطرح الجدل ولا الانتصار للنفس، ولا تتبُّع الناس أو تصنيفهم، وإنما المقصود الإصلاح والبيان، وإزالة ما علق في الأذهان من لبس، وبيان الحق الذي دلَّ عليه الوحي، بأسلوبٍ يجمع بين الوضوح والعدل، وبين الحزم والرفق.
قال تعالى:﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: 125].
فالحكمة في الدعوة لا تعني التنازل عن الحق، كما أن الحزم في البيان لا يعني الغلظة، بل الحق وسطٌ بين ذلك، وهو هدي النبي ﷺ الذي جمع بين كمال البيان وحسن الخلق.
ومن هنا كانت هذه السلسلة: محاولةً صادقةً في بيان منهج السلف، وتصحيح المفاهيم، وكشف التلبيس، بأسلوبٍ يقصد الهداية لا المغالبة، والإصلاح لا الإفساد، والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

أولًا: قراءةٌ منصفة في تاريخ مصر الفاطمية:

لا ريب أنَّ دخول الدولة الفاطمية إلى مصر سنة (358هـ / 969م) كان تحوُّلًا عظيمًا في المسار السياسي والعقدي؛ إذ قامت دولةٌ باطنية تنتسب إلى التشيع، وسعت إلى فرض معتقدها ونشره عبر مؤسسات الدولة الرسمية، ومن أبرز ذلك إنشاء الجامع الأزهر ليكون حينئذٍ منبرًا لبثِّ دعوتهم ونشر أصولهم.

وقد نقل المؤرخون أن بعض خلفائهم أظهروا شعائر تخالف ما كان عليه أهل السنة والجماعة، ووقعت في بعض العهود مظاهر من الطعن في خيار الصحابة رضي الله عنهم، بل تعدّى الأمر إلى التعرض لأمهات المؤمنين، وهي جرائم عقدية عظيمة، لا تصدر إلا عن انحرافٍ عن منهج النبوة، ولا يقرّها مسلمٌ يعرف قدر الصحابة ومكانتهم التي أثنى الله عليهم بها في كتابه، فقال سبحانه: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: 29].
وقال النبي ﷺ محذرًا: ‌‌«‌لَا ‌تَسُبُّوا ‌أَصْحَابِي، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَوْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» (متفق عليه).
فكلُّ طعنٍ فيهم إنما هو طعنٌ في الدين الذي نقلوه، وتشكيكٌ في الشريعة التي بلَّغوها، وهذا من أعظم أبواب الضلال والانحراف، نسأل الله السلامة والثبات.

ثانيًا: تسلسلٌ تاريخيٌّ لأحداث المرحلة الفاطمية في مصر:

بدأ ظهور المذهب الشيعي في مصر ظهورًا رسميًا منظَّمًا مع دخول الدولة الفاطمية سنة (358هـ / 969م)، بقيادة جوهر الصقلي، وذلك في عهد المعز لدين الله الفاطمي، حيث تحولت مصر إلى مركزٍ رئيسيٍّ لدعوتهم، واستمر ذلك قرابة قرنين من الزمان، إلى سقوط دولتهم سنة (567هـ / 1171م).

وخلال هذه الحقبة، أُنشئ الجامع الأزهر، وكان في بداياته منبرًا لنشر المعتقد الفاطمي وبثِّ أصوله، حتى غدا مركزًا علميًّا لدعوتهم، يقصده طلاب هذا المذهب من مختلف الأقطار.

ثم في سنة (395هـ / 1005م)، وفي عهد الحاكم بأمر الله الفاطمي، بلغت بعض المظاهر العقدية المنحرفة ذروتها؛ إذ أُمر بإظهار اللعن العلني على خيار الصحابة رضي الله عنهم، كأبي بكر وعمر وعثمان، وعلى أمهات المؤمنين كعائشة وحفصة رضي الله عنهن، وهي سابقة خطيرة تدل على مدى الانحراف العقدي الذي سعت السلطة إلى فرضه، موافقةً لما عليه غلاة الشيعة من الطعن في خيار الأمة.

ومع ما كان للدولة من سطوةٍ وقوة، فإن هذه الممارسات لم تكن تعبيرًا عن قبولٍ عام، بل فُرضت فرضًا، وبقي في نفوس كثيرٍ من أهل مصر نفورٌ منها، بل سُرعان ما خفَّت هذه المظاهر وزالت في كثيرٍ من صورها، مما يدل على رسوخ أصل محبة الصحابة وتعظيمهم في قلوب المسلمين، وهو الأصل الذي لا يقوم الدين إلا به.
ثالثًا: ثبات أهل مصر على السنة رغم سطوة الدولة:
ومع ما بلغته الدولة الفاطمية من قوةٍ وسلطان، فإنَّ الحق الذي ينبغي أن يُسطَّر بماء الذهب: أنَّ عامة أهل مصر لم يكونوا يومًا راضين عن تلك الانحرافات العقدية، ولا منقادين لها عن قناعة، بل فُرضت عليهم فرضًا بقوة السلطان، وبقيت قلوبهم عامرةً بتعظيم الصحابة رضي الله عنهم، مملوءةً بمحبتهم، نافرةً من سبِّهم والطعن فيهم نفور الصحيح من السقم، والمؤمن من الكفر.
وهذا من أعظم دلائل حفظ الله لهذا الدين؛ فإن العقائد التي تُغرس في القلوب بالإيمان لا تقتلعها سطوة سلطان، ولا تمحوها دعايات، لأنَّ محبة الصحابة رضي الله عنهم ليست قضية تاريخية، بل هي دينٌ يُدان الله به، وعقيدةٌ يُتقرب بها إليه، وهي من صميم الإيمان وعلاماته الظاهرة.
كيف لا؟! وهم حملة هذا الدين، ونقلة هذا الوحي، وخيرة هذه الأمة، اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ، وزكّاهم في كتابه فقال: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: 29].
فهذه شهادةٌ ربانيةٌ من فوق سبع سماوات، تزكيةٌ لجيل الصحابة رضي الله عنهم في عبادتهم، وأخلاقهم، وجهادهم، وصدقهم مع ربهم، أفبعد هذا يجرؤ متجرّئٌ على الطعن فيهم؟! أم بعد ثناء الله يلتفت مؤمنٌ إلى قول طاعنٍ أو حاقد؟!
إنها آيةٌ تقطع دابر كل شبهة، وتُسقط كل طعن، وتُعلن بوضوح أنَّ القوم الذين زكّاهم الله لا يضرهم قدحُ من خالفهم، ولا ينقص من قدرهم افتراء المفترين، بل يبقى فضلهم راسخًا، ومكانتهم عالية، إلى يوم الدين.
وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: 18].
فهذه شهادةٌ إلهيةٌ عظيمة – أيضاً -، ووسامُ شرفٍ لا يدانيه شرف، إذ أخبر الله برضاه عن أصحاب بيعة الرضوان، وهم صفوة الصحابة وخيارهم، ورضا الله صفةٌ عظيمة إذا تعلَّقت بقومٍ دلَّت على كمال إيمانهم وعلوِّ منزلتهم.
فأيُّ مقامٍ بعد رضا الله؟! وأيُّ تزكيةٍ بعد هذه التزكية؟!
أفيُعقل بعد ذلك أن يُتَّهموا في دينهم، أو يُطعن في عدالتهم، أو تُنال أعراضهم؟!
إن الطعن فيمن رضي الله عنهم طعنٌ في هذا الرضا، واعتراضٌ على اختيار الله لهم، وهذا من أعظم الضلال وأقبح الانحراف.
فحبُّهم قربة، والترضي عنهم دين، ومعرفة قدرهم من أصول أهل السُّنَّة، نسأل الله أن يحيينا على محبتهم، ويميتنا على ولايتهم.
وقال النبي ﷺ مبينًا منزلتهم ومحذرًا من التعرض لهم: «لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أُحدٍ ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه» (متفق عليه).
فحبُّهم دينٌ وإيمان، وبغضهم نفاقٌ وخذلان، والطعن فيهم طعنٌ في الشريعة نفسها؛ لأنهم هم الذين نقلوها وبلَّغوها، فمتى سقطوا سقط الدين في زعم الطاعنين، وهذا من أبطل الباطل وأعظمه خطرًا.

ولهذا بقي أهل مصر - رغم الإكراه - على أصلهم، يترضَّون عن الصحابة، ويعرفون لهم قدرهم، ويستمسكون بما كان عليه السلف، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: 10].

فهي عقيدةٌ باقية، وسُنَّةٌ ظاهرة، لا يضرها من خالفها، ما دام أهلها قائمين بها، متمسكين بهدي نبيهم ﷺ، معظمين لأصحابه الكرام رضي الله عنهم أجمعين.
رابعًا: أصلٌ عظيم؛ الجمع بين حبِّ الصحابة وآل البيت:
من أصول أهل السنة والجماعة الراسخة التي تميَّزوا بها عن سائر الفرق: الجمعُ بين محبة الصحابة جميعًا، ومحبة آل بيت النبي ﷺ، جمعًا قائمًا على العدل والاتباع، بلا غلوٍّ ولا جفاء، ولا إفراطٍ ولا تفريط.
فهم لا يغلون في آل البيت حتى يرفعوهم فوق منزلتهم التي أنزلهم الله، ولا يجفون عنهم فيبخسونهم حقهم، بل يحبونهم حبًّا شرعيًّا قائمًا على الاتباع لا الابتداع، كما يحبون الصحابة جميعًا، ويترضَّون عنهم، ويعرفون لكلٍّ قدره وفضله، على وفق ما جاء به الكتاب والسنة.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: 33].
فهذه آيةٌ عظيمةٌ في بيان فضل أهل بيت النبي ﷺ، حيث أخبر الله بإرادته الشرعية في تطهيرهم ورفع قدرهم، وهي دلالةٌ على شرفهم ومكانتهم، ووجوب محبتهم وتعظيمهم.
لكن هذه الفضيلة لا تُفهم على غير وجهها، فلا تُتَّخذ ذريعةً للغلوِّ فيهم، ولا يُرفعون إلى ما لا يليق إلا بالله، كما لا يجوز أن تُجعل سُلَّمًا للطعن في أصحاب النبي ﷺ أو أزواجه، فإن السياق نفسه يدلُّ دلالةً ظاهرة على أن أزواج النبي ﷺ داخلاتٌ في هذا الخطاب، وهنَّ من أهل بيته بنص القرآن.
فمن أحبَّ آل البيت حقًّا أحبَّ أمهات المؤمنين، وأحبَّ الصحابة الكرام، وسار على هديهم، ولم يجعل المحبة شعارًا يُخالف به نصوص الوحي، بل يزنها بميزان الكتاب والسنة، ويقف عند حدود الله لا يتجاوزها.
وهذا هو منهج أهل السنة والجماعة: محبةٌ بلا غلو، وتعظيمٌ بلا انحراف، واتباعٌ بلا ابتداع.
وأما من جعل محبة آل البيت ذريعةً للطعن في الصحابة، أو سلَّمًا للوقيعة في أمهات المؤمنين، فقد جمع بين بدعتين عظيمتين: غلوٍّ في جانب، وجفاءٍ في جانب آخر، فهدم الأصلين معًا، وخالف سبيل المؤمنين، وسلك مسلك أهل الأهواء والضلال.
وكيف يُتصوَّر حبٌّ صادقٌ لآل البيت مع بغض أصحاب النبي ﷺ، وهم أزكى الناس قلوبًا، وأعلمهم بقدر الصحابة، وأشدهم توقيرًا لهم؟!
بل كيف يُدَّعى حبهم مع الطعن في أزواج النبي ﷺ، وهن أمهات المؤمنين بنص القرآن، الطاهرات المبرَّآت من فوق سبع سماوات؟!
وقد قال النبي ﷺ: « وَأَهْلُ بَيْتِي، ‌أُذَكِّرُكُمُ ‌اللهَ ‌فِي ‌أَهْلِ ‌بَيْتِي، ‌أُذَكِّرُكُمُ ‌اللهَ ‌فِي ‌أَهْلِ ‌بَيْتِي، ‌أُذَكِّرُكُمُ ‌اللهَ ‌فِي ‌أَهْلِ ‌بَيْتِي» (رواه مسلم)، كما قال أيضًا: « لَا ‌تَسُبُّوا ‌أَصْحَابِي …» (متفق عليه).

فجمع ﷺ بين الوصيتين العظيمتين: وصيةٍ بأهل بيته، ووصيةٍ بأصحابه، فدلَّ ذلك على أنَّ الحق لا يكون إلا باجتماعهما، وأنَّ التفريق بينهما انحرافٌ عن الصراط المستقيم، وزيغٌ عن سبيل المؤمنين.

فأهل السُّنَّة وسطٌ في هذا الباب: يحبون الجميع، ويعرفون الفضل لأهله، ويترضَّون عن الجميع، ويمسكون عمَّا شجر بينهم، ويسيرون على نهجٍ مستقيمٍ لا اعوجاج فيه، وهو النهج الذي كان عليه السلف الصالح رضي الله عنهم أجمعين، ومن سلك سبيلهم فقد اهتدى، ومن حاد عنه ضلَّ وغوى.

خامسًا: خطورة التلبيس بشعار "محبة آل البيت":

ومن أخطر ما يُتداول في هذا الزمان: التلبيس على العامة بشعار "محبة آل البيت"، وهو شعارٌ حقٌّ في أصله، لكن يُراد به عند بعض الطوائف باطلٌ عظيم؛ إذ يُتَّخذ ستارًا لتمرير عقائد منحرفة، أو جسرًا للطعن في الصحابة الكرام رضي الله عنهم، وتشويه منهج السلف الصالح.

وآل البيت رضي الله عنهم برآء من كل من سبَّ أصحاب النبي ﷺ، أو طعن في أزواجه، بل هم أعلم الناس بفضل الصحابة، وأشدُّهم توقيرًا لهم، وأحرصهم على لزوم جماعتهم، فكيف يُنسب إليهم ما هم منه براء؟! وكيف تُجعل محبتهم مطيَّةً لمخالفة هديه ﷺ؟!
وقد قال تعالى في أمهات المؤمنين: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: 6]، فجعل الله لهن حرمة الأمومة لجميع المؤمنين، ورفع قدرهن فوق سائر النساء، فسبُّهن طعنٌ في مقام النبوة، وقدحٌ في عرض النَّبي ﷺ، وتنقّصٌ لجنابه الشريف، والعياذ بالله.
وقد برّأ الله أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها من فوق سبع سماوات، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ...﴾ [النور: 11]، إلى أن قال:
﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ...﴾ [النور: 26]، فكانت براءةً خالدة، وشهادةً باقية إلى يوم الدين.

فأيُّ جرأةٍ بعد هذا على الطعن أو السب؟! وأيُّ ضلالٍ أعظم ممن يخالف نصوص القرآن ثم يدَّعي محبة آل البيت؟!

إن المحبة الصادقة لآل البيت لا تكون بالشعارات، ولا بالمخالفات، بل تكون باتباعهم فيما كانوا عليه من تعظيم الصحابة، ولزوم السُّنَّة، والبعد عن الأهواء والبدع.
فمن صدق في محبته، وافقهم في منهجهم، ومن خالفهم في أصولهم، فدعواه مردودةٌ عليه، ولو رفع ألف شعارٍ وزيَّن ألف عبارة.

سادسًا: الحلم الشيعي ومغازلة التصوف:

هذه هي عقدةُ الموضوع ولبُّه: أنَّ التمدُّد الشيعي في البيئات السُّنِّيَّة لا يقوم في الغالب على المواجهة الصريحة، بل على التدرُّج والمداخلة، ومن أخطر أبوابه: مغازلة بعض مسالك التصوف المنحرف، واتخاذها جسرًا للعبور إلى قلوب الناس وعقولهم.

فترى الداعية إلى ذلك لا يرفع شعاراته الحقيقية ابتداءً، بل يلبس ثوب المحبة، ويُكثِر من ذكر آل البيت، ويتحدَّث عن الكرامات والمقامات، ويخاطب العاطفة الدينية بلغةٍ مؤثرة، حتى يألفه السامع ويطمئن إليه، فإذا استقرَّ القبول، بدأ يُمرِّر الأصول الفاسدة شيئًا فشيئًا، حتى ينقلب الميزان، ويختلط الحق بالباطل.

وهذه طريقةٌ قديمة لأهل الأهواء: لا يطرحون الباطل عريانًا، بل يكسونه ثوب الحق، ولا يهدمون الأصول دفعةً واحدة، بل ينخرونها بالتدرُّج، حتى إذا تمكَّنوا أظهروا ما كانوا يخفون.
ومن هنا كانت مغازلة التصوف - لا سيما ما دخله الغلوُّ في الأشخاص، وتعظيم القبور، والتعلُّق بالمشايخ - بيئةً خصبةً لهذا التسرُّب؛ إذ يجتمع فيها تعظيم الأشخاص، وقبول الحكايات، وتقديم الذوق على الدليل، وهي مداخل يسهل النفاذ منها لمن أراد بثَّ الانحراف.
ولهذا وجب البيان الصريح:
فليس كل ما يُسمَّى تصوفًا محمودًا، بل منه ما هو زهدٌ وسلوكٌ مشروع موافق للسُّنَّة، ومنه ما هو بدعٌ وغلوٌّ وانحراف، وهو الذي يُتَّخذ مطيَّةً لتمرير العقائد الفاسدة.
فالواجب ردُّ الأمور إلى ميزان الوحي، لا إلى العاطفة ولا إلى الأذواق، قال تعالى:
﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام: 153]. وقال النبي ﷺ: «إِنِّي ‌تَرَكْتُ ‌فِيكُمْ ‌مَا ‌إِنْ ‌تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي».
فكلُّ دعوةٍ تُخالف هذا الميزان، وتُضعف جانب الصحابة، أو تُعظِّم الأشخاص بما لا يليق إلا بالله، أو تُدخل الناس في مسالك الغلوِّ، فهي دعوةٌ باطلة، وإن تزيَّنت بألف شعار، ورفعت راية "محبة آل البيت".
فالحق لا يُعرف بالشعارات، وإنما يُعرف بالاتباع، ومن صدق في محبة آل البيت لزم طريقهم، وكان أول ذلك: تعظيم الصحابة، والوقوف عند حدود السُّنَّة، والحذر من مسالك الأهواء.

سابعاً: الفرق بين تصوف الأوائل وتصوف أهل زماننا:

الصوفية الأوائل كانوا مستقيمين على منهج أهل السُّنَّة والجماعة في الجملة، محافظين على الكتاب والسنة، مقيدين علمهم بالشرع، سائرين على هدي النَّبِّي ﷺ والصحابة والتابعين. وإن كان الواحد منهم لا يخلو من بعض الملاحظات البسيطة، فإنهم بذلك بعيدون كل البعد عن البدع والشطط.

أما متصوفة أهل زماننا، فغالبهم قد انحرف عن هذا المنهج، فتارة يظهرون شعارات براقة، وتارة يدَّعون الكرامات والطرق الباطلة، ويقيمون الموالد والطواف حول الأضرحة، ويخالفون الكتاب والسُّنَّة في كثير من أقوالهم وأفعالهم، فصاروا بعيدين عن التصوف الحق الذي يقوده العلم والعمل الصالح والزهد في الدنيا، إلى التصوف المنحرف الذي يضل به الناس ويشتت قلوبهم.

فالفرق واضح وجلي: الصوفية الأوائل كانوا قدوة في الورع والالتزام الشرعي، وأهل زماننا كثير منهم منحرف عن هذا المسار المستقيم.
لذلك ينبغي أن نفرق بين مدح تصوف الأوائل وبعض أفراده المشهورين بالزهد والعبادة ممن نسبوا إليه، مثل الجنيد بن محمد، وأبي سليمان الداراني، وأحمد بن أبي الحواري، وعبد القادر الجيلاني وغيرهم وبين مدح التصوف على سبيل العموم أو الحث على الانتساب إليه.
فهؤلاء الأفراد يُذكرون بما عرف عنهم من الورع والعبادة، مادام لم يتلبس أحدهم ببدعة ظاهرة أو بدعة يدعو إليها، كما كان حال أهل التصوف الأول الذين قيدوا علمهم بالكتاب والسُّنَّة، ووفِّقوا إلى طريق النبي ﷺ والصحابة.

قال الجنيد بن محمد: "علمنا مضبوط بالكتاب والسُّنَّة، من لم يحفظ الكتاب ويكتب الحديث ولم يتفقه لا يُقتدى به" (تاريخ الإسلام 22/73).
وقال أيضًا: "الطريق إلى الله مسدودة على خلق الله تعالى إلا على المقتفين آثار رسول الله ﷺ والتابعين لسنته كَمَا قَالَ اللَّه عز وجل: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) " (تلبيس إبليس ص12).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله،: " وَهَؤُلَاءِ الْمَشَايِخُ ‌لَمْ ‌يَخْرُجُوا ‌فِي ‌الْأُصُولِ ‌الْكِبَارِ ‌عَنْ ‌أُصُولِ " أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ " بَلْ كَانَ لَهُمْ مِنْ التَّرْغِيبِ فِي أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالدُّعَاءِ إلَيْهَا وَالْحِرْصِ عَلَى نَشْرِهَا وَمُنَابَذَةِ مَنْ خَالَفَهَا مَعَ الدِّينِ وَالْفَضْلِ وَالصَّلَاحِ مَا رَفَعَ اللَّهُ بِهِ أَقْدَارَهُمْ وَأَعْلَى مَنَارَهُمْ، وَغَالِبُ مَا يَقُولُونَهُ فِي أُصُولِهَا الْكِبَارِ جَيِّدٌ مَعَ أَنَّهُ لَا بُدَّ وَأَنْ يُوجَدَ فِي كَلَامِهِمْ وَكَلَامِ نُظَرَائِهِمْ مِنْ الْمَسَائِلِ " (مجموع الفتاوى 3/377).
وأيضًا الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، بيَّن أن هدف الإسلام جامع للعلم والعمل، وأن التصوف الحقيقي هو ما كان على هدي النبي ﷺ من تهذيب النفس والزهد في الدنيا، لا ما وصل إليه المتأخرون من بدع وشطط، فقد قال رحمه الله:
" بعث الله سبحانه وتعالى محمدًا صلى الله عليه وسلم بالهدى الذي هو : العلم النافع ، ودين الحق الذي هو : العمل الصالح ؛ إذ كان من ينتسب إلى الدين: منهم من يتعانى العلم والفقه ويقول به كالفقهاء ، ومنهم من يتعانى العبادة وطلب الآخرة كالصوفية ، فبعث الله نبيه بهذا الدين الجامع للنوعين " انتهى من " فتاوى ومسائل " (ص 31) .
حقاً ... إن أهل التصوف الأوائل كانوا أقرب إلى الكتاب والسُّنَّة، وإن اختلف بعضهم في بعض الأمور الفقهية أو الزهدية، كما حذر منهم أئمة السَّلف؛ فقد صح عن النبي ﷺ التنبيه على من يبالغ في العبادة وأنكر على من أراد هذا من أصحابه ، فقال أحدهم: " أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا ، [يعني : لا ينام من الليل] ، وَقَالَ آخَرُ : أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ . وَقَالَ آخَرُ : أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا . وَقَالَ آخر : أَنَا لَا آكُلُ اللَّحْمَ " . فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ ، فَقَالَ : ( أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا ! أَمَا وَاللَّهِ ، إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ ، وَأَتْقَاكُمْ لَهُ ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ) متفق عليه.
وكذلك حذر الإمام أحمد من الحارث المحاسبي وسري السقطي، وحذر الإمام مالك من بعض المتأخرين الذين زعموا التصوف وابتدعوا طرقًا مخالفة، كما أشار القرطبي والذهبي وغيرهم.
وقال أبو الحسين النوري الزاهد لبعض أصحابه: من رأيته يدّعي مع الله عز وجل حالة تخرجه ‌عن ‌حدّ ‌علم ‌الشّرع، ‌فلا ‌تقربنّه، ومن رأيته يدّعي حالة لا يدلّ عليها دليل، ولا يشهد لها حفظ ظاهر، فاتّهمه على دينه.
وعن الجريري قال: أمرنا هذا كلّه مجموع على فضل واحد، هو أن تلزم قلبك المراقبة، ويكون العلم على ظاهرك قائما.
وعن أبي جعفر قال: من لم يزن أقواله، وأفعاله، وأحواله بالكتاب والسُّنَّة، ولم يتَّهم خاطره، فلا تعدُّه في ديوان الرِّجال. انتهى من (تلبيس إبليس) اهـ [ص: 245].

أما واقع بعض المتصوفة في زماننا، فصار واضحًا انحراف كثير منهم عن منهج أهل السُّنَّة: فالتمسح بالمقامات، والطواف حول الأضرحة، وإقامة الموالد والاحتفالات التي لم يأت بها الشرع، والتكالب على الدنيا بالحب والشهوة والمال، وادعاء الكرامات بلا دليل، والغيبة والتحدث عن الباطن دون نصوص من الكتاب والسُّنَّة، كلها أمور تخالف التصوف الأصيل الذي يربط الزهد بالعلم والاتباع. وهذا ما جعل كثيرًا من علمائنا المعاصرين يحذرون من تقليد هؤلاء أو الاعتداد بما يدعون.

ثامناً: رجاء المحب الواثق في قيادته وعلماء أمته:
نتمنى من قيادتنا الرشيدة المؤمنة، ذات المذهب السُّنِّي، أن تحافظ على عقيدتنا ومذهبنا، وأن تكون حاميةً للبلاد من كل فكر منحرف يختبئ وراء شعارات براقة، لا تحمل إلا الضلال والانحراف.

ونرجو من علماء الأزهر الأجلاء، حفظهم الله، أن يكونوا واضحين وضوح الشمس، مفصِّلين لكل مسلم الحقَّ عن الباطل، ويفرقوا بين التصوف الحق القائم على الكتاب والسُّنَّة، وبين الزحف الشيعي المتخفي والمتقمص والمتزين بمحبة آل البيت، فإن آل البيت أنفسهم برآء من كل من يسب ويلعن أصحاب النبي ﷺ، وأزواجه الطاهرات، وأمهات المؤمنين.
فكيف يُتصوَّر أن يرضى الحسين رضي الله عنه بمن يلعن أم المؤمنين عائشة أو حفصة رضي الله عنهما، أو يطعن في الصديق رضي الله عنه الذي صاحب جده ﷺ في الغار، أو يسبَّ الفاروق رضي الله عنه الذي وافق القرآن مواقفه ووفَّقه الله لكل خير؟!
وبعد أن برأ الله سبحانه أمهات المؤمنين من فوق سبع سماوات، كيف يُقبل الطعن فيهن؟ وكيف يُقال إن من يلعن زوجات النبي ﷺ وأصحابه الأخيار (إخواننا)؟!
هذا أمرٌ لا يقرُّه عقل سليم، ولا يرضاه قلبُ مؤمنٍ صادقٍ محبٍ لله ورسوله، بل هو انحراف صريح عن منهج الحق، وتعدٍّ على حقائق الدين التي أراد الله أن تبقى راسخة في قلوب الأمة.
وعليه، وبعون الله تعالى، لن تتشيع مصر، ولن يحل حب آل البيت في قلب من يسبَّ زوجات النبي ﷺ، بل سيبقى المحبُّ الحقُّ هو من يجمع بين محبة الصحابة وآل البيت على صراط مستقيم، بلا غلوٍّ ولا طعنٍ، وعلى هدي النبي ﷺ.

اللهم اجعلنا على المحجة البيضاء التي تركها لنا رسولك ﷺ، ليلها كنهارها، واجعل قلوبنا عامرة بحبك، وحب من يحبك، وحب رسولك ﷺ، وحب آل بيته، وأمتنا على التوحيد الخالص، واسترنا ولا تفضحنا، وأكرمنا ولا تهنا.
اللهم يا حي يا قيوم، ثبتنا على السنة، وأحيِ قلوبنا بمحبة الصحابة وآل البيت، واجعلنا من المتبعين غير المبتدعين، ونجِّنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
اللهم إنا نسألك التوحيد الخالص، والاتباع الصادق، والثبات حتى الممات، ونسألك أن تجمع قلوب المسلمين على الحق، وأن تردَّهم إلى دينك ردًّا جميلًا.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه
الإسكندرية
ليلة الخميس 7 شوال 1447 هـ.

يتبع ... إن شاء الله

مواد ذات صلة