الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. المقالات

القِطَّةُ الَّتِي تُرِيدُ أَنْ تُصْبِحَ أَسَدًا!

٤ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ١٧ أغسطس ٢٠٢٦
المقالاتالعقيدة والتوحيدمصرالنوازل والأحداثالرقائق والآداب
مقال الأسبوع:
(القِطَّةُ الَّتِي تُرِيدُ أَنْ تُصْبِحَ أَسَدًا!)

الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

فمن الأمثال العربية الإفريقية التي تحمل في طيَّاتها معنى تربويًّا عميقًا:

««القِطَّةُ الَّتِي تُرِيدُ أَنْ تُصْبِحَ أَسَدًا، عَلَيْهَا أَوَّلًا أَنْ تَتْرُكَ حَيَاةَ الْفِئْرَانِ»»


ومهما يكن أصل هذا المثل وتداوله، فإن معناه من حيث الجملة معنى صحيح في باب التربية وتهذيب النفس؛ فإن من أراد أن ينتقل من حال إلى حال، ومن الضعف إلى القوة، ومن الجهل إلى العلم، ومن البطالة إلى الإنجاز، فلا بد أن يترك الأسباب والعادات التي أبقته في حاله الأولى.

لَيْسَتِ الْمُشْكِلَةُ فِي الطُّمُوحِ، وَإِنَّمَا فِي حَيَاةٍ تُنَاقِضُ الطُّمُوحَ

كثير من الناس يتمنى أن يكون عالمًا، أو طالب علم، أو داعيةً نافعًا، أو صاحب أثر، أو رجلًا قوي الشخصية، ثابتًا عند الفتن، عظيم الهمة، حسن العبادة، قوي الصلة بالله.

لكن الأمنيات وحدها لا تصنع الرجال.

فقد يريد الإنسان أن يكون في مصافِّ المجتهدين، ثم يعيش حياة الكسالى؛ ويتمنى أن يكون من أهل العلم، ثم لا يصبر على كتاب؛ ويريد الثبات عند الفتن، ثم يربّي نفسه على متابعة كل شائعة وكل جدال؛ ويريد صلاح القلب، ثم يملأ وقته باللهو والغفلة.

وهنا يأتي معنى المثل:

«القِطَّةُ الَّتِي تُرِيدُ أَنْ تُصْبِحَ أَسَدًا، عَلَيْهَا أَوَّلًا أَنْ تَتْرُكَ حَيَاةَ الْفِئْرَانِ».

فلا يمكن أن تطلب علوَّ الهمة وأنت مستسلم لعادات أصحاب الهمم الضعيفة، ولا أن تطلب المعالي وأنت مصرٌّ على حياةٍ تُبقيك في السفاسف.

مَنْ أَرَادَ الْقُوَّةَ فَلْيَتْرُكْ أَسْبَابَ الضَّعْفِ

القوة في الإسلام ليست قوة الجسد وحدها، وإنما أعظم منها قوة الإيمان، وقوة العلم، وقوة الإرادة، وقوة الصبر والثبات على الحق.

قال الله تعالى:

﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69].

فالهداية لها طريق، والعلم له طريق، وصلاح النفس له طريق، وبلوغ المعالي له أسباب.

ومن الخطأ أن يريد الإنسان نتائج عظيمة بأسباب هزيلة.

إن أردت العلم: فاترك حياة التسويف.

وإن أردت القرآن: فاترك هجر المصحف.

وإن أردت قيام الليل: فاترك السهر فيما لا ينفع.

وإن أردت قوة الشخصية: فاترك التعلق المفرط برضا الناس.

وإن أردت الثبات على السنة: فاترك التردد عند كل صائح، والتقلب مع كل موجة.

وإن أردت أن تكون صاحب أثر: فاترك حياة الترف والدعة، وابدأ في العطاء.

فالمعالي لا تُنال بالتمنّي، وإنما تُنال -بعد توفيق الله- بالعلم والعمل والصبر والمصابرة.

السَّلَفُ لَمْ يَكُونُوا أَصْحَابَ أَمَانِيَ

ومن تأمل سير أئمة السلف وجد أنهم لم يبلغوا ما بلغوا بالأماني، وإنما بلغوه بالصبر والتحمل والبذل، وطول الملازمة للعلم، ومجاهدة النفس.

فقد رحلوا في طلب الحديث، وحفظوا المتون، وراجعوا العلم، وصبروا على مشقة الطريق، ولم تكن حياة الواحد منهم قائمة على الترف والفراغ والاشتغال بفضول الأمور.

كانوا يعرفون قيمة الوقت، ويعرفون أن العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كُلَّك.

ولهذا فإن طالب العلم الذي يريد أن يبلغ رتبة العلماء لا يكفيه أن يقول: أريد أن أصبح عالمًا؛ بل عليه أن يعيش حياة طالب العلم: قراءةً، وحفظًا، وفهمًا، ومراجعةً، وسؤالًا، وأدبًا، وصبرًا.

لا يكفي أن تتمنى أن تكون شيئًا عظيمًا؛ بل لا بد أن تعيش حياةً تناسب ما تطمح إليه.

لَا تَقُلْ: أُرِيدُ أَنْ أُصْبِحَ طَالِبَ عِلْمٍ، وَانْظُرْ إِلَى يَوْمِكَ!

إذا أردت أن تعرف حقيقة طموحك، فلا تنظر إلى كلامك، بل انظر إلى يومك.

كم ساعةً للقرآن؟

وكم ساعةً للعلم؟

وكم ساعةً للقراءة؟

وكم ساعةً تذهب في الهاتف؟

وكم وقتًا يضيع في الجدل؟

وكم وقتًا يذهب في متابعة أخبار الناس؟

وكم ساعةً تُهدر في النوم والكسل؟

إن يوم الإنسان يكشف حقيقة أهدافه أكثر مما تكشفها كلماته.

ولهذا فليسأل الإنسان نفسه بصدق:

هل نمط حياتي الحالي يقودني فعلًا إلى الهدف الذي أقول إنني أريده؟

فإن كان الجواب: لا؛ فليعلم أن المشكلة ليست في الهدف، وإنما في الطريق الذي يسلكه إليه.

«حَيَاةُ الْفِئْرَانِ» لَهَا صُوَرٌ كَثِيرَةٌ

وليس المقصود بـ«حياة الفئران» في المثل مجرد الجبن والخوف، وإنما يدخل فيها كل نمط من الحياة يصغّر الهمة، ويبدد العمر، ويحول بين الإنسان وبين الغاية الشريفة التي يريد بلوغها.

ومن صور ذلك:

- إدمان الكسل.
- كثرة التسويف.
- الانشغال بما لا ينفع.
- إضاعة الساعات في الهواتف ووسائل التواصل.
- كثرة الكلام وقلة العمل.
- حب الظهور قبل التأهل.
- التعلق بمدح الناس.
- الخوف المفرط من الفشل.
- صحبة ضعيفة الهمة.
- كثرة الأعذار.
- البدء في المشاريع ثم تركها.
- التنقل بين العلوم والكتب دون تأصيل.
- البحث عن النتائج قبل دفع ثمنها.

قال الله تعالى:
﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ۝ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ [النجم: 39-40].

فالعبرة بالسعي، لا بمجرد الدعوى، وبالعمل، لا بمجرد التمنّي.

لَا تَطْلُبْ مَقَامَ الْكِبَارِ بِعَادَاتِ الصِّغَارِ

من أعظم الأخطاء التربوية أن يريد الشاب ثمرةً كبيرة، وهو لا يريد أن يدفع ثمنها.

يريد أن يحفظ القرآن، لكنه لا يريد الالتزام بورد يومي.

يريد أن يكون محدثًا، لكنه لا يريد الصبر على حفظ الحديث وسبر روايات الباب ومراجعة الأسانيد.

يريد أن يكون فقيهًا، لكنه لا يريد دراسة المتون وأصول الفقه.

يريد أن يكون داعيةً مؤثرًا، لكنه لا يريد تزكية نفسه ولا الصبر على التعلم.

يريد أن يكون ثابتًا في الفتن، لكنه يجعل قلبه ملعبًا لكل شبهة، وأذنه مفتوحة لكل ناعق.

وهذه مفارقة لا تستقيم.

فمن أراد أن يصعد جبل الكبار، فلا بد أن يسلك طريق الكبار بهمة الكبار ويترك طريق الدعة والراحة وبنيات الطريق.

قال يحيى بن أبي كثير رحمه الله:

«لا يُستطاع العلم براحة الجسم».


فهذه قاعدة ينبغي أن يفقهها كل طالب للمعالي: الراحة الدائمة لا تصنع أصحاب الهمم العالية.

التَّرْبِيَةُ السَّلَفِيَّةُ تَرْبِيَةُ عِلْمٍ وَعَمَلٍ وَصَبْرٍ

ومن محاسن المنهج السلفي أنه لا يربي الناس على الأحلام المجردة، وإنما يربيهم على العلم والعمل والصبر.

قال الله تعالى:

﴿وَالْعَصْرِ ۝ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ۝ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾.

فتأمل اجتماع الإيمان والعمل والتواصي بالحق والتواصي بالصبر.

فليست القضية أن تقول: سأكون شيئًا عظيمًا.

بل القضية:

ماذا تفعل اليوم لتكون كذلك غدًا؟

اتْرُكْ حَيَاةَ الْفِئْرَانِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُبَ حَيَاةَ الْأُسُودِ

إن أردت أن تكون قويًّا في الحق، فاترك الجبن في نصرة الحق.

وإن أردت أن تكون طالب علم، فاترك حياة اللهو والعبث.

وإن أردت أن تكون صاحب همة، فاترك التسويف.

وَإِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ دَاعِيَةً إِلَى السُّنَّةِ، فَاتْرُكْ التَّصَدُّرَ قَبْلَ التَّأَهُّلِ، وَالْزَمِ الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ وَالْإِخْلَاصَ

وإن أردت أن تكون نافعًا للناس، فاترك الاستغراق في نفسك.

وإن أردت أن تكون من أهل الآخرة، فاترك الاستسلام للدنيا.

وليس معنى ذلك أن يتحول الإنسان إلى شخص غليظ أو متكبر؛ فالقوة التي يريدها الإسلام قوةٌ منضبطة بالشرع، مقرونة بالإيمان والتقوى والرحمة.

قال النبي صلى الله عليه وسلم:

«المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير» رواه مسلم.

فالقوة المطلوبة قوة في الإيمان، وقوة في العلم، وقوة في الإرادة، وقوة في الصبر، وقوة في الثبات على الحق.

والْبِدَايَةُ مِنَ الْيَوْمِ

لا تنتظر أن تتغير حياتك جملة.

* بل ابدأ بخطوة.

* أغلق بابًا من أبواب التضييع.

* افتح كتابًا.

* احفظ حديثًا.

* راجع مسألة.

* اضبط وقتك.

* اختر صحبتك.

* قلل من فضول الكلام.
* نم مبكرًا.

* استيقظ لهدفك.

* حاسب نفسك.

* واستعن بالله.

فإن المداومة على عمل صغير يصنع فارقًا كبيرًا، والأعمال القليلة الدائمة خير من الاندفاع المؤقت الذي سرعان ما ينقطع.

ولا تحتقر البداية؛ فإن الطريق الطويل يبدأ بخطوة، والبناء العظيم يبدأ بلبنة.

فيا أيها الشاب الطامح إلى المعالي:

لا تسأل فقط:

«ماذا أريد أن أصبح؟»

بل اسأل:

«أيُّ حياة ينبغي أن أعيشها حتى أصبح ما أريد؟»

فإن أردت أن تكون أسدًا في ميدان الحق، فلا تعش حياة الفئران في ميدان الباطل.

وإن أردت أن تكون من أهل العلم، فلا تعش حياة الغافلين.

وإن أردت أن تكون من أهل الهمم، فلا تجعل التسويف قائدك.

وإن أردت أن يبلغك الله منازل الصالحين، فاسلك طريقهم، وأحسن الاستعانة برب العالمين.

فليس العيب أن تبدأ ضعيفًا؛ وإنما العيب أن ترضى بالضعف، ثم تحلم بالقوة دون أن تغيّر أسباب ضعفك.

وليس العيب أن تكون في أول الطريق؛ وإنما العيب أن تقضي عمرك واقفًا في مكانك، ثم تتساءل لماذا لم تصل.

فالرجل الذي يرِيدُ أَنْ يصْبِحَ أَسَدًا، عَلَيْه أَوَّلًا أَنْ يتْرُكَ حَيَاةَ الْفِئْرَانِ.

وهذه هي القاعدة:

غَيِّرْ حَيَاتَكَ الَّتِي تَقُودُكَ إِلَى مَا لَا تُرِيدُ، وَابْنِ حَيَاتَكَ الَّتِي تُوَصِّلُكَ إِلَى مَا تُرِيدُ.

نسأل الله أن يرزقنا وإياكم علو الهمة، وصحة القصد، وصلاح العمل، والثبات على الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، وأن يجعلنا مفاتيح للخير، مغاليق للشر. والله أعلم وصل اللهم وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وآله وصحبه أجمعين.

وكتب: أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه
الإسكندرية ٢٥ صفر ١٤٤٨ هجرية

مواد ذات صلة