الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. المقالات

سلسلة تراجم العلماء السلفيين المعاصرين

٨ شعبان ١٤٤٧ هـ٢٧ يناير ٢٠٢٦
المقالاتالمنهج والدعوة السلفيةالصلاة والطهارةالفقه والأحكامتراجم العلماء
سلسلة تراجم العلماء السلفيين المعاصرين:

(3) ترجمة شيخِنا المُحدِّث العلَّامة، الفقيه الأصولي، النحوي محمد بن العلامة علي بن آدم الإتيوبي رحمه الله.

المقدمة
الحمدُ للهِ الذي اختصَّ أهلَ العلمِ بمزيدِ كرامتِه، ورفعهم بصدقِ عبوديتِه، فجعلهم ورثةَ أنبيائِه، وحُرّاسَ وحيِه وشرعِه، ومناراتِ هدايتِه، وأئمَّةَ دلالتِه، وأمناءَ شريعتِه، وحَمَلةَ أمانتِه، القائمين بالقِسطِ والميزان، الداعين إلى الحقِّ ببرهان، السائرين على الصراط المستقيم، الثابتين على منهاج السلف القويم؛ قال سبحانه وتعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: 11]. وقال جلَّ وعلا: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
[آل عمران: 18].
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةَ إخلاصٍ ويقين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، سيِّدُ المرسلين، وإمامُ المتقين، بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وتركها على المحجة البيضاء، ليلُها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثرهم وسار على نهجهم إلى يوم الدين.

أمّا بعد:
فإنَّ من دلائل إنصاف الأمم، وعلاماتِ رشدها، حفظَها لعلمائها، ومعرفتَها لأقدارهم، والقيامَ بحقوقهم، روايةً لآثارهم، وتدوينًا لسيرهم، وإبقاءً لذكرهم؛ إذ بهم تُصان الشريعة، وتُحفظ السُّنَّة، وتُميَّز السُّبل، ويُعرف الحق من الباطل، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: 9].
وقد جاء الشرع بتعظيم أهل العلم وبيان فضلهم، فقال النبي ﷺ: « وَإِنَّ ‌الْعُلَمَاءَ ‌وَرَثَةُ ‌الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ » رواه أبو داود والترمذي وغيرهما، وصححه الإمام الألباني رحمه الله، وفي نفس الحديث قال ﷺ: « وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْمَاءِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ ».

وإن من أعظم الخلل في الأزمنة المتأخرة: غمطَ أقدار العلماء الربانيين، أو التسويةَ بينهم وبين المتعالمين، أو طمسَ آثار أهل التحقيق لحساب أهل التهوُّر والتصدُّر، والمنهج السلفي بريءٌ من ذلك كلِّه؛ إذ هو منهجُ عدلٍ وميزان، يَعرِفُ للعلماء حقهم، ويُنزل الناس منازلهم، بلا غلوٍّ ولا جفاء، ولا إفراطٍ ولا تفريط، قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 143].

ومن هذا الأصل المنهجي، جاءت هذه السلسلة الموسومة بـ «تراجم العلماء السلفيين المعاصرين»؛ تعريفًا بالأئمة، وإحياءً للآثار، وربطًا للأجيال بالمنهج العملي للسلف الصالح، في صورته العلمية والدعوية والخلقية.
وفي هذه الحلقة الثالثة، نترجم لإمامٍ من أئمة الحديث في هذا العصر، وعَلَمٍ من أعلام التحقيق والتأصيل، شيخِنا المُحدِّث العلَّامة، الفقيه الأصولي، لنحوي محمد بن العلامة علي بن آدم الإتيوبي رحمه الله تعالى، الذي أفنى عمره في خدمة السُّنَّة، وبذل وُسعه في نصرة الحديث، وقرن العلم بالعمل، والتحقيق بالتجريد، والاتباع بنبذ التعصُّب، حتى لقي الله وهو على ذلك.

نسأل الله أن يتغمَّده بواسع رحمته، وأن يُعلي درجته في عليِّين، وأن يجعل علمه وآثاره صدقةً جاريةً إلى يوم الدين، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: 120].

أولاً: اسمه ونسبه ومولده:
هو العلَّامة المحدث الفقيه الأصولي النحوي الشيخ محمد بن الشيخ العلامة علي بن آدم بن موسى الإتيوبي الولَّوي، وُلد سنة 1366هـ.

ثانياً: نشأته وطلبه للعلم:
نشأ الشيخ في بيت علمٍ وديانة، فبدأ بحفظ القرآن الكريم على يد والده، ثم سلَّمه إلى الشيخ محمد قَيُّو فأكمل عليه الحفظ.
ثم شرع في قراءة الكتب الدينية المقررة في المدارس الريفية ببلده، وتلقى على والده علومًا جمة، منها:
• كتب العقائد.
• الفقه الحنفي.
• أصول الفقه.
• البلاغة.
• الشاطبية في القراءات السبع مع شرحها.
• علم الحساب والجبر.
• وغير ذلك من العلوم.
كما أخذ العلم عن عدد من المشايخ، من أبرزهم:

1- الشيخ محمد سعيد الدَّري.
2- الشيخ عبد الباسط بن محمد المِنَاسي.
3- المحدث حياة بن علي الدري.
4- وغيرهم كثير.

ثالثاً: تدريسه وهجرته في سبيل الله:
بعد تخرجه صار مدرّسًا، لكنه لقي مضايقات شديدة بسبب غزو النظام الشيوعي لبلده، فهاجر إلى بلاد الحرمين سنة 1401هـ، امتثالًا لمعنى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء: 100].

فالتحق بمعهد الحرم طالبًا، ثم أصبح مدرسًا في معهد دار الحديث، فانتفع به الطلبة، واشتهر علمه، وعُرف رسوخُه وتضلُّعه في علوم الحديث.

تحوُّله العقدي وثباته على المنهج السلفي:
قال الشيخ رحمه الله عن نفسه: (فلما هاجرت إلى مكة وبدأت أدرُس في المعهد الحرم وطالعت كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والشيخ محمد بن عبد الوهاب وجدت فيها ما يناقض ما عليه كتب العقائد المقررة في بلدنا فبدأت أسير على المنهج الذي سلكته سابقا، وهو اتباع ما صح دليله، فوجدت ما في كتب هؤلاء موافقا للنصوص الصحيحة فتركت ما كنت أعتقده مما تلقيته من مشايخي الأشعريين في بلدنا وتخليت عنه…
ثم قال:
فلما رجعت إلى بلدي قال لي بعض المشايخ: إنك صرت وهابيًا! فقلت: لا، بل أنا متبع للنصوص.

وهذا هو منهج السلف الصالح: اتباع الدليل، وترك التعصب للرجال، كما قال الإمام مالك رحمه الله: كلٌّ يؤخذ من قوله ويُرد إلا صاحب هذا القبر صلى الله عليه وسلم.

رابعاً: مؤلفاته وآثاره العلمية:
خلَّف الشيخ آثارًا علمية عظيمة، من أشهرها:
1- البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج. (ويقع في خمسين مجلدا).
2- منظومة تذكرة الطالبين في بيان الموضوع وأصناف الوضاعين.
3- شرح سنن النسائي المسمى «ذخيرة العقبى في شرح المجتبى». (ويقع في 42 مجلدا) (٤٠ والفهارس).
4- شرح أَلْفِيَّةِ السُّيوطي في الحديث المسمى «إسعاف ذوي الوَطَر بشرح نظم الدُّرَر في علم الأثر» في مجلدين.
5- قرة العين في تلخيص تراجم رجال الصحيحين. في مجلد عدد الصفحات: ٥٩٨ .
6- قرة عين المحتاج في شرح مقدمة صحيح مسلم بن الحجاج. في مجلدين.
7- مشارق الأنوار الوهاجة ومطالع الأسرار البهاجة في شرح سنن الإمام ابن ماجه. في ٤ مجلدات.
8- نظم شافية الغلل في ألفية العلل.
9- مزيل الخلل شرح شافية الغلل المذكور.
10- نظم الجوهر النفيس في نظم أسماء ومراتب الموصوفين بالتدليس.
11- الجليس الأنيس في شرح الجوهر النفيس المذكور.
12- تذكرة الطالبين في ذكر الموضوع وأصناف الوضاعين.
13- الجليس الأمين في شرح تذكرة الطالبين المذكور.
14- نظم إتحاف أهل السعادة بمعرفة أسباب الشهادة.
15- رفع الغين في ثبوت زيادة «وبركاته» في التسليم من الجانبين.
16- عمدة المحتاط في نظم أسماء من رُمي من الثقات بالاختلاط.
17- عُدّة أولي الاغتباط في شرح عمدة المحتاط المذكور.
18- بغية طالب السعادة في شرح إتحاف أهل السعادة بمعرفة أسباب الشهادة.
19- إتحاف النبيل بمهمات علم الجرح والتعديل.
20- إيضاح السبيل في شرح إتحاف النبيل.
21- قصيدة في مدخل شرح النسائي.
22- قصيدة في الرد على بكر بن حماد الشاعر المغربي في ذمه علم الحديث وأهله.
23- مختصر مجمع الفوائد، ومنبع العوائد بذكر الأثبات والأسانيد المسمّى «مواهب الصمد لعبده محمد».
24- فتح القريب المجيب شرح مُدني الحبيب نظم مغني اللبيب في النحو، نظم شيخنا عبد الباسط بن محمد، مجلدان.
25- الجليس الصالح النافع شرح الكوكب الساطع في أصول الفقه، مجلد.
26- التحفة المرضية نظم في أصول الفقه على طريقة أهل السنة السنيّة في نحو (3072) ثلاثة آلاف واثنين وسبعين بيتاً.
27- المنحة الرضية في شرح التحفة المرضية، ثلاث مجلدات.
28- نظم مختصر في علم الفرائض.
29- فتح الكريم اللطيف، شرح أرجوزة التصريف، شرحٌ لنظم شيخنا عبد الباسط لكتاب المراح في الصرف.
30- الفوائد السمية في قواعد وضوابط علميّة.
31- قصيدة الرد المُبكي للمجرم الدينماركي.
32- وغيرها من التآليف الجمة النافعة.

خامساً: مؤلفاته التي لم تكتمل:
ومع غزارة إنتاج شيخنا رحمه الله، وسعة اشتغاله، فقد حال الموت دون إتمام جملةٍ من مشروعاته العلمية الكبرى، وكان أشهرَها وأعظمَها نفعًا:
1- شرح جامع الترمذي:
وهو من أجلِّ ما اشتغل به شيخنا في أواخر عمره، وقد طُبع منه واحدٌ وعشرون مجلدًا، وبقيت أربعة مجلدات أُنجزت وهي عند الطابع، وستصدر –بإذن الله–، مع بقاء نحو ثلث الكتاب لم يتمُّه.
وقد بذل الجهد في حياته –حين أثقل عليه المرض– أن يُستعان على إتمامه بجمع كلامه من شروحه الأخرى، وما سبق شرحه من الترمذي، ولا سيما ما يتعلق بالرجال، وما بقي يُستكمل من مصادره، إلا أن الشيخ لم يتحمَّس لذلك، وكان يؤمِّل أن يعاوده نشاطه فيُتمُّه بنفسه.

2- شرحه الكبير على ألفية السيوطي في الحديث (نظم الدرر):
وقد كان ينوي أن يجعله شرحًا مطوَّلًا على نمط فتح المغيث للحافظ السخاوي.
وكان الاسم الأول الذي سمَّاه به قديمًا: «فتح المعطي البرِّ في شرح نظم الدرر في علم الأثر»، ثم عدل عنه إلى الاسم المثبت في ملفاته: «البحر المحيط الأزخر في شرح نظم الدرر في علم الأثر».
وهو من الكتب التي كان يعمل عليها في أواخر أيامه في أثناء فراغه بدار الحديث، وآخر ما وُجد من كلامه فيه شرحه لأنواع التدليس، عند قول السيوطي: 172- وَشَرُّهُ: التَّجْوِيدُ، والتَّسْوِيَةُ … إِسْقاطُ غَيْرِ شَيْخِهِ وَيُثْبِتُ
3- شرح ألفية السيوطي في علم البلاغة (عقود الجمان):
وقد شرع فيه، وكان يعمل عليه أيضًا في أوقات فراغه بدار الحديث، ولم يُتمّ منه سوى الفن الأول.
4- شرح قطعة من كتاب الطهارة من سنن ابن ماجه:
وهو جزء من مشروعه الكبير: «مشارق الأنوار الوهَّاجة، ومطالع الأسرار البهَّاجة، في شرح سنن الإمام ابن ماجه»، وقد طُبع منه شرح المقدمة في أربعة مجلدات، ثم عُثر على شرحه لكتاب الطهارة، وقد بلغ فيه إلى باب: (باب ما جاء في تخليل اللحية)، الحديث رقم (432)، ومجموع ما شُرح فيه (165) حديثًا، ولو طُبع لاستقلَّ في مجلد واحد.

وكان هذا الشرح متزامنًا مع شرحه لصحيح مسلم، إلا أنه –بمشورة سماحة مفتي عام المملكة الشيخ عبد العزيز آل الشيخ حفظه الله– تفرَّغ لشرح صحيح مسلم، فلما أتمَّه أشار عليه أيضًا بشرح جامع الترمذي، كما أخبر الشيخ بذلك.

5- نظم خاتمة كتاب «المصباح المنير» للفيومي.
وقد كان شيخنا رحمه الله شديد العناية بهذا الكتاب، كثير النقل عنه، مما يدل على اهتمامه البالغ به، وخدمته له نظمًا واختصارًا.
6- تفسير للقرآن الكريم.
شرع فيه في 7 رجب 1426هـ، وسماه: (فتح الرحمن الرحيم في تفسير القرآن العظيم)، ثم غيَّر هذه التسمية كما في مقدمته التي قال فيها: «قال العبد الفقير إلى مولاه القدير محمد بن الشيخ العلامة عليّ بن آدم: ابتدأت في كتابة التفسير المسمّى (فتح الرحمن الرحيم في تقريب معاني القرآن الكريم إلى كلِّ من يتلقَّاه بقلب سليم) بعد صلاة العشاء في الليلة الثالثة والعشرين من شهر ذي الحجة من سنة (1433هـ) أسأل الله، أن يمنَّ عليَّ ببلوغ الأمل من هذا الكتاب المبجَّل دون كسل، أو فتور، أو ملل، إنه جواد كريم، وبعباده رؤوف رحيم».
7- الطُّرْفَة مُخْتَصَرُ التُّحْفة.
وهو نظم اختصر فيه منظومته في أصول الفقه المسماة: (التحفة المرضيّة في نظم المسائل الأصوليّة على طريقة أهل السُّنَّة السّنيّة)، وهي في (3072) بيتًا، وشرحها في شرح مطبوع في ثلاث مجلدات، ولو لم يكن في هذا الشرح إلا تحقيقه لمسألة أفعال الرسول ﷺ لكفاه([20]).
فرغب شيخنا في اختصارها، وشرع فيه بتاريخ: 14/12/1426هـ، يقول في أولها:
حَمْدًا لِمَنْ عَلَّمَنا بِالْقَلَمِ ... وَعَلَّمَ الإِنسانَ ما لَمْ يَعْلَمِ.
ثُمَّ الصَّلاةُ والسَّلامُ دائِما ... عَلَى النَّبِيِّ الْمُرْتَقِي مَكارِما.
وَآلِهِ والصَّحْبِ والأَتْباعِ ... سُنَّتَهَ الْغَرّا بِلا ابْتِداعِ.
وَبَعْدُ هَذِهِ اخْتِصارُ (التُّحْفَهْ) ... لِقاصِرٍ سَمَّيْتُها بِـ (الطُّرْفَهْ).
أَخْذْتُ جُلَّ لُبِّها لا سِيَّما ... قَواعِدُ الْأُصُولِ فاقْبَلْ مَغْنَما.
أَسْأَلُهُ سُبْحانَهُ الْقَبُولا ... فَهْوَ الَّذِي يُولِي الْعِبادَ سُولا.
ولم يتم اختصارها، ووصل لمبحث بيان قواعد الحكم الشرعي.
8- نظم العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية.
والذي وُجِد منه أحد عشر بيتًا، في أثناء نظم آيات الصفات، وفيها يقول:
يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما ... يَخْرُجُ مِنْها وَكَذاكَ فِي السَّما.
يَنزِلُ مِنْها أَوْ إِلَيْها يَعْرُجُ ... فَكُلُّها عَنْ عِلْمِهِ لاَ تَخْرُجُ.
وَعِندَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ وَلا ... يَعْلَمُها سِواهُ جَلَّ وَعَلا
يَعْلَمُ ما فِي الَبَرِّ والْبَحْرِ وَما ... تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ فَلْتَعْلَما.
ولم يُعثر -إلى الآن -على أوله بعد، ولا يُدرى هل أتمه أو لا؟
9- إعراب الآجرومية.
ويظهر أن شيخنا كان ينوي تأليفه؛ لأنه سمَّى ملفًّا في الجهاز بهذا الاسم، ثم كتب تاريخًا في أوله كما هي عادته في تآليفه، وهو مؤرخ بتاريخ: 13/5/1427هـ. ولكن لم نعثر على ملفات فيها شيء من هذا الكتاب، والله أعلم.
وكان يقول: «كنا في البلاد نُحفَّظ إعراب الآجرومية حفظًا ونحن صغارًا».

ومما ذكره شيخنا في مؤلفاته ولم يُوقف عليه بعد:
1- مجمع الفوائد ومنبع العوائد في الأسانيد والأثبات، وهو ثبته الكبير الذي اختصر منه (مواهب الصمد).
2- نظم مختصر في علم الفرائض، وذَكر -رحمه الله- أنه مفقود.
3- نظم مقدمة التفسير لابن تيمية.
4- نظم شافية ابن الحاجب.
5- نظم الأحاديث المتواترة.
6- رجز في علمي العروض والقوافي.
7- إتحاف ذوي الهمة بمسائل مهمة.

سادساً: ثناء العلماء عليه:
1- قال الشيخ المحدث العلامة مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله عن كتاب ذخيرة العقبى: (هو على نمط فتح الباري للحافظ ابن حجر، وتطمئن النفس إلى كثير من ترجيحات الشيخ محمد واختياراته لموافقتهما للدليل، وإنني أنصح طلبة العلم أن يحرصوا على اقتناء هذا الكتاب العظيم، فما كل محدث في هذا الزمان يستطيع أن يأتي بمثل هذا الشرح) اهـ. قلت: وهذا الثناء شاهدٌ بعدالته، وعلو كعبه، وإمامته في هذا الفن.
2- قول معالي الشيخ محمد بن عبد الله بن سبيّل إمام وخطيب المسجد الحرام وعضو هيئة كبار العلماء رحمه الله، فقد وصفه بأنه: «عالم جليل، ومحدّث كبير»، وقال: «وقد عرفنا فضيلته، فلمسنا فيه سعة العلم والصلاح والتقوى، والبعد عما لا يعني، والاشتغال بالعلوم الشرعية تدريسًا وتأليفًا؛ على منهج سليم، ومعتقد صحيح، وله مؤلفات كثيرة مهمة ونافعة في فنون متنوعة».
3- ومعالي الشيخ الدكتور صالح بن عبد الرحمن الحصين، رئيس شؤون الحرمين رحمه الله، حيث وصفه بأنه: «شُهر بالعلم الغزير في العلوم الشرعية والعربية، ولا سيما في علم الحديث الذي يعتبر عَلَمًا فيه، وله مؤلفات نافعة ميسرة للطلبة، كما عرف بالخلق الكريم والزهد والورع والعفة، وسلامة التوجه وقبوله ومحبته ممن يلتقي به ويعرفه».
4- وفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد العزيز بن عقيل، رئيس الهيئة الدائمة بمجلس القضاء الأعلى رحمه الله، وقد أثنى عليه بأنه: «غني عن التعريف؛ لما منحه الله من شخصية مرموقة، وما جبله الله عليه من مكارم الأخلاق، وما أعطاه من العلوم الشرعية؛ من التفسير والحديث والفقه وغيرها، وله المؤلفات العديدة، في الفنون المفيدة».
5- وفضيلة الشيخ عبد الله بن محمد بن عبيد، رئيس محكمة التمييز بمكة المكرمة رحمه الله، وقد نعته بالعالم الفاضل «حسن السيرة والسلوك، باذلًا للعلم تدريسًا وتأليفًا، مستقيم الحال، مشهورًا بين طلاب العلم وأهله، يقيم بمكة المكرمة منذ أكثر من اثنين وعشرين عامًا، وخلال هذه الفترة لم يعرف عنه إلا كل خير».
6- وشيخنا الإمام ربيع بن هادي رحمه الله كان يصفه بالعلامة المحدث إذا جاء ذكره وكذلك شيخنا عبيد الجابري رحمه الله، وقد أثنى عليه عدد كبير من علماء .
فهذا غيضٌ من فيض، ونزرٌ يسير من سيرة إمامٍ ربّاني، وعَلَمٍ سنّيٍّ حديثيّ، جمع الله له بين صدق الطلب، وصبر التحصيل، وحسن الاتباع، ودوام البذل؛ فمضى في طريق العلم مبكّرًا، فخالط العلمُ شغافَ قلبه، ورسخ في فكره، واستقرّ في وجدانه، حتى صار له سجيّةً وملكة، لا تزعزعها الأيام، ولا توهنها تقلبات الزمان.

نشأ في حِجْر العلم، وتربَّى في مدرسة الصبر والمكابدة، فقطع الفيافي، وذاق شظف العيش، ولم تصرفه وعورة الطريق، ولا قلة الزاد، ولا مشقة الطلب، عن مقصده الأسمى ومراده الأعلى: تحصيل العلم، وخدمة السنة، والذبِّ عن حياضها.

وبارك الله له في عمره ووقته، فكان آيةً في حفظ الزمن، وجمع الهمِّ، وإيثار العلم على كل شاغل، حتى غدا الوقت عنده رأسَ مالٍ مصونًا، لا يُنفق إلا في نافع، ولا يُبذل إلا في طاعة أو واجب، فاجتمع له من ذلك علمٌ غزير، وحفظٌ عجيب، وضبطٌ محكم، ونظرٌ سديد.

وأما علمه؛ فكان علمَ تحقيقٍ لا تقليد، وبصيرةٍ لا تهوُّر، وتجريدٍ لا تعصُّب، جمع فيه بين الرواية والدراية، والفقه والأثر، واللغة والبيان، فكان شرحه للسنَّة شرحَ فقيهٍ محدِّث، ونظرَ أصوليٍّ لغويٍّ محقِّق، لا يحيد عن الدليل، ولا يقدِّم الرجال على النصوص، ولا تستهويه شهرة ولا تصدُّر.

وقد أعانه على ذلك دوامُ التحصيل إلى آخر عمره، وملازمةُ المراجعة، وكثرةُ المحفوظات، وبكورُ التعليم، فكان التعليم عنده بابَ تثبيتٍ وترسيخ، والتأليف وسيلةَ إحكامٍ وتحرير، فجمع بينهما جمعَ الكُمَّل، حتى خرجت مؤلفاته أصولًا محكمة، ومراجعَ معتمدة، تشهد بعلوِّ كعبه، وسعة اطِّلاعه، وقوة ترجيحه، وسلامة منهجه.

وكان رحمه الله مجتمع الهمِّ، قليل الالتفات إلى زخارف الدنيا، معرضًا عن فضولها، مشغولًا بما ينفعه في آخرته؛ لا يعرف اللهو، ولا يألف الانشغال، همُّه العلم، وأنسه الكتب، وأمنيته تمام الشرح، وبغيته أن يلقى الله وقد أدَّى الأمانة في خدمة السنة.

ثم زاده الله توفيقًا بزوجةٍ صالحةٍ صابرةٍ محتسبة، أعانته على طلب العلم، وهيَّأت له أسباب التفرُّغ، فكان نجاحه ثمرةَ بيتٍ بُني على الصبر والاحتساب، والتجرد والإخلاص.

وأما اتباعه للسُّنَّة؛ فكان أصلًا راسخًا في علمه وعمله، لا يعرف الغلو ولا الجفاء، ولا الإفراط ولا التفريط، يرى أن الخير كلَّه في الاتباع، وأن الشر كلَّه في الابتداع، فلا يقدِّم قول أحدٍ على الدليل، ولا يتقرَّب إلى الله إلا بما صحَّ عن رسوله ﷺ، ويحرص على تطبيق السُّنَّة قبل الدعوة إليها، والعمل بها قبل الدعاء لها.

ثم ختم الله له بخاتمةٍ تشبه سيرته وتُشاكل حياته: صبرٌ على البلاء، وثباتٌ على التعليم، وتعلُّقٌ بالقرآن، وتجريدٌ في العمل، وخوفٌ من الله، ورجاءٌ في رحمته، حتى لقي ربَّه وقد خلَّف علمًا نافعًا، وأثرًا باقيًا، وذكرًا حسنًا في أهل السُّنَّة والحديث.

مرض شيخنا ووفاته:
قال الدكتور سالم بن صالح العماري حفظه الله وهو من خواص طلاب شيخنا رحمه الله: (ابتلي شيخنا -رحمه الله-آخر خمس سنوات من حياته بعدة أمراض، جعَلَتْه ينقطع عن التأليف، لا سيما في الأربع سنوات الأخيرة من عمره، واقتصر فيها على التدريس، وكان يتحسَّر على هذا الانقطاع، ولكنه كان صابرًا محتسبًا، وقد قال لي مرة: «إنَّ وجود المرض الذي لا يقعد الإنسان هذا طيب وفيه أجر».

ودخلت عليه غرفة العناية المركزة – لعملية أجراها- صباح يوم الخميس الخامس من شهر شعبان عام 1437هـ، فتحدَّث عن القدوم على الله، وقال: «أخشى من الذنوب، والقدوم على علّام الغيوب». ثم أتيته يوم السبت، فحاولت أن أسليه فقلت له: «هنيئًا لكم شيخنا، تأتي يوم القيامة وقد شرحتَ ثلاثة من أصول الإسلام، وأرجو أن يشفيكم الله وتكملون الترمذي». فقال: «أرجو أن يغفر الله لي بحبي للقرآن، لا بدروسي ولا بمؤلفاتي؛ فكل هذه قد يدخلها الرياء والسمعة!» ثم استعبر -رحمه الله- ثم قال لي: «إنه دعا الله أن يؤنس وحشته بالقرآن في المستشفى»، وقال: «من العجيب أنني أعددت جهاز جوّال بداخله مصحف لأقرأ فيه هذه الأيام؛ لأن مراجعتي ليست بتلك، ولكني أقرأ هذه الأيام غيبًا، ولا يقف شيء في أثناء تلاوتي له، وهذا عجيب، وما هو إلا من توفيق الله». ثم بكى -رحمه الله-.

ولمَّا كانت سنة الله ماضية مع البَرِّ والفاجر، والعالم والجاهل، والنشيط والكسول، والعَلَمِ والمغمور؛ فقد أصاب شيخَنا ما أصابه من الأمراض التي استدعت دخوله المشفى، ورغم تطمين الطبيب لأهله ومحبيه بأنَّه قد تماثَل للشفاء، والسماح له بالخروج إلى بيته، إلّا أن قضاء الله قد عاجله قبل الخروج، وفُجع الجميع بوفاته وخروج روحه إلى بارئها، وذلك صباح الخميس الموافق للحادي والعشرين من شهر صفر، من عام اثنتين وأربعين وأربعمائة من الهجرة النبوية على صاحبها أزكى الصلاة والسلام (21/2/1442هـ)؛ فإنَّا لله وإنا إليه راجعون) اهـ.
فرحمه الله رحمةً واسعة، وجعل ما قدَّم في ميزان حسناته، ورفع درجته في علِّيِّين، وألحقه بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا) اهـ.

بُشرى ودعوة ...

أُبشِّر إخواني وأحبّتي أنني قطعتُ على نفسي عهدًا أن أُسهم –بعون الله وتوفيقه– في استكمال ما بقي من شرح شيخنا رحمه الله على سنن الترمذي (الجامع)، وقد منَّ الله عليَّ فأنهيتُ مجلدًا كاملًا، وأنا الآن مشتغلٌ بالثاني، أسأل الله الإعانة والتيسير، وأن يبارك في الجهد القليل، ويبلّغ الأمل.

وأسأله سبحانه أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن يجعله صدقةً جارية تجري حسناتها بعد الممات، لي ولشيخي العلامة المحدّث محمد بن علي الإتيوبي رحمه الله، وأن يتقبّل منا بقبولٍ حسن.

كما أني أوجّه دعوةً صادقةً مفتوحة إلى العلماء، والمشايخ، وطلاب العلم المتمكّنين، أن يُسهموا في إحياء ما بقي من تراث شيخنا، وإتمام ما لم يُكتب له الإتمام من كتبه، فإن في ذلك برًّا بالعلم، ووفاءً لأهله، وحفظًا لجهدٍ عظيمٍ أفنى فيه عمره؛ ﴿وَاللَّهُ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: 120].

وكتب حامدًا لله، مُصلِّيًا:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي الأثري – عفا الله عنه –

وقد تشرفتُ بالتتلمذ على شيخنا، وملازمة دروسه في دار الحديث المكِّية وفي مسجده قرابة سنتين كاملتين، وكان ذلك –والله– من أعظم ما امتنِّ الله به عليّ. وقد أجازني شيخنا رحمه الله في جميع مروياته، كما في ثَبَته: «مواهب الصمد»، وذلك مرَّتين، ولكلتيهما قصةٌ لطيفة، وفائدةٌ نفيسة.
وقد ذكرتُ هذه القصة، مع نظائرها من المواقف النبيلة،
والوصايا الجليلة التي تشرفتُ بها من شيخي رحمه الله،
في مقدمة تكملة شرحي لكتاب شيخنا:
«إتحاف الطالب الأحوذي
بشرح
جامع الإمام الترمذي»،
وفاءً للشيخ، ورجاء جريان الأجر العظيم له.
والله من وراء القصد.
الإسكندرية
ليلة الأربعاء 9 شعبان 1447 هـ

مواد ذات صلة