أولاً وصفكم للشيخ نزار عالم كبير نحرير إلى غير ذلك من العبارات فالشيخ حفظه الله إلى الأمس القريب لا يختلف اثنان أنه لا يرتقي إلى درجة…
السؤال: مئتان وأربعة وعشرون:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
شيخنا بلال تابعت كتاباتكم ونصائحكم المتكررة لإخوانكم في اليمن قصد رأب الصدع وجمع الشمل وأيضا ما خطته أناملكم من كتابات في هذه العاصفة الجديدة وآلمني كثيرا كثيرا ما حصل ويحصل بين المشايخ السلفيين مع اتحاد مرجعيتهم وآلمني أكثر انحيازكم لطائفة دون أخرى إن صح التعبير وأنتم المنتظر منكم السعي الحثيث في جمع الكلمة لما علم عنكم وما لوحظ في الآونة الأخيرة من نشاطاتكم وحتى طريقتكم في تمحيص النصح للسلفيين بأسوب جميل وكتابات رائعة لينم عن حب كبير لهذا المنهج وأهله ،وللأسف الجميع يرى ويتابع كيف تطورت الأحداث سبحان الله حتى رأينا الشيخ بلالا يخوض مع الخائضين ومما آسفني كثيرا بعض الأمور التي تخالجني وأريد الإفصاح عنها ليس كرها لأحد أو دفاعا عن أحد وإنما لأزيل الاشتباه عن نفسي وهذه الأمور هي:
أولاً وصفكم للشيخ نزار عالم كبير نحرير إلى غير ذلك من العبارات فالشيخ حفظه الله إلى الأمس القريب لا يختلف اثنان أنه لا يرتقي إلى درجة العالمية وأنه كغيره من المشايخ والطلبة يحيلون القضايا الكبيرة إلى كبار العلماء بدليل أنه في نصحه للسلفيين في التوقف عن الأخذ عن عبد الرزاق ورسلان في الفتنة بسبب عدم وضوحهما وقال: إن التحذير للعلماء وأنا لست من العلماء وأيضا السلفيون كلهم اعتبروا ذلك نصيحة وأن الشيخ لا يرتقي لمقام التحذير زيادة على ذلك أن أغلب السلفيين لم يقبلوا كلامه في عبد الرزاق ورسلان لأنه ليس أهلا لذلك فلو كان السلفيون مجمعون ومعلوم لديهم ومسلَّم أن الشيخ نزاراً عالماً كبيراً في مصاف العلماء الكبار لما قامت تلك الفتنة بخصوص رسلان وعبد الرزاق ولتلقوا تحذيره بالقبول وانتهى الأمر هذا من جهة ومن جهة أخرى من يتتبع سيرة الشيخ نزار يجد أن الشيخ ليس له جهود كبيرة كباقي أقرانه من العلماء في التحقيق وتحرير المسائل على طريقة العلماء فأين مؤلفات الشيخ وأين شروحات الشيخ وأين تحقيقاته وأين دعوته إلى التوحيد والسنة والتحذير من الشرك والبدعة تفصيلا وبيانا وتتبعا لحال أهل بلده كما حال كثير من العلماء وهذا أمر انتقده عليه خصومه منذ زمان طويل أقصد تكريسه الجهود في دحر الشرك والمشركين والصوفية و طرقها فلا تكاد تجد للشيخ إلا نزراً يسيراً من كليمات على خجل فالشيخ منذ فتنة المفرقة وهو مشتغل على أناس على الأقل إن لم يكونوا يشاركونه في المنهج حقا وحقيقة فهم يشاركونه في الأصول العظيمة في العقيدة وكثير من الأمور المنهجية ويخالفون في قليل من الأمور التي لا تعدوا أن تكون خلافاً سائغاً ومع ذلك يشنع على إخوانه السلفيين بأسلوب لا يتناسب مع مقامهم ويرميهم بألقاب وأوصاف لطالما انتظرها أتباع الأخس من الحدادية بل والحدادية بكل فروعها والمميعة وكل عدو للسلفيين الخلص بل وفر عنهم عناءً كبيراً، وأيضا حتى في كلمات الشيخ الارتجالية أو خطبه أو محاضراته لبعض البلدان لا تكاد تجد استدلالات واستشهادات بالوحيين وآثار السلف وترتيباً وتنسيقاً على طريقة العلماء، كذلك تزكيتكم لفواز والثناء عليه ولا أظن يخفى على سلفي متتبع للساحة الدعوية المسلك الذي اختاره الشيخ فواز لنفسه وسلكه من تتبع أحداث العالم السياسية وتتبع الأخبار والنشرات الاخبارية واشتغاله بذلك وتضييع جل وقته فيها ونشر أخبار سياسية مجهولة المصدر إن لم تكن منتقاة من قنوات إخوانية أو كافرة أو رافضية ومعلوم أن السياسة كما لا يخفى على شريف علمكم شيخ بلال أن مبناها على الكذب والدجل والغش والمبالغة ولم يشتغل بها علماؤنا بل نهوا الشباب عن ولوجها، والشيخ فواز ناصحه إخوانه المشايخ قبل مدة منذ ركوبه هذه الموجة بل منهم من كتب كتابات يشير إليه فيها اقصد الشيخ بندر الخيبري وعلى كل حال فإن المعلوم عنكم شيخ بلال أن هذه الأمور لا تخفى عليكم بل تنكرونها وهذا هو الظن بكم ومن تتبع طريقتكم ومنهجكم السليم السوي ولله الحمد ولا أظن أن الشيخ فوازاً يكون أفضل من علماء بلاد السعودية في دفاعهم عن بلدهم ولا علماء البلدان الأخرى في الدفاع عن بلاد التوحيد وذلك بنشر العلم بين الناس وإبراز جهود المملكة والدفاع عنها كلما سنحت لهم الفرصة وقد بارك الله في كلماتهم وكان لها الوقع الكبير في نفوس الكثير ولم يكن ذلك ديدنهم وشغلهم الشاغل ولم يكونوا يأخذون نقولاتهم من المواقع المجهولة ومن الصحفيين ولم يكونوا يثيرون عليهم الغوغاء والإخوان المجرمين بسبب ذلك وكذلك لم يشغلهم دفاعهم عن بلاد التوحيد ذلك عن التدريس التأليف والتحقيق والمحاضرات ، لا كما يفعله فواز ،وهلا رجع فواز لأحد كبار العلماء ليعرض عليه طريقته ؟؟!! هذا ما جال في خاطري شيخ بلال وأردت أن أستشيركم فيه وأنبهكم عليه ولعلكم تبصرونني بما خفي علي وتنصحوني إن جانبت الصواب وجزاكم الله خيراً.
الحمد لله:
أولًا: وقبل كل شيء: أُقرِّر –ديانةً لله تعالى– أن رسالتكم من أرقى ما كُتب إليَّ في هذا الباب؛ إذ خلت من السبِّ، والتهويل، والإسقاط، والتشفِّي، واقتصرت على العرض الهادئ، والاستشكال المنضبط، وطلب البيان، وهذا بعينه هو المنهج السلفي الحق الذي درج عليه أئمة الهدى، ففي (طبقات الشافعيين) لابن كثير [1/19]: قال: (وقد صح عنه - أي الشافعي - من غير وجه، أنه قال: ما ناظرت أحداً على الغلبة، وقال أيضاً: ما عرضت الحجة على أحد فقبلها إلا عظم في عيني، ولا عرضتها على أحد فردها إلا سقط من عيني) اهـ.
فجزاكم الله خيرًا، وبارك فيكم، فإن مثل هذا الأسلوب الرصين لا يزيدني إلا تقديرًا واحترامًا، ولا يحملني على النفور أو الإعراض، بل يدعوني إلى الجواب والبيان، وإيضاح ما أُشكل، ابتغاءً للحق، ونصرةً للمنهج، وتأليفًا للقلوب على الهدى.
ثانيًا: في مسألة وصف الشيخ نزار بـ (العالِم):
هذه المسألة ليست وليدة الساعة، ولا قيلت ردًّا على خصومة، بل قد قررتها مرارًا قبل هذه الأحداث، وبيان ذلك من وجوه:
الوجه الأول: فمفهوم (العالم) عند أهل السُّنَّة:
العلماء في كل عصرٍ هم طائفةٌ من الناس تميَّزوا بالرسوخ في العلم، وصحة الفهم، والعمل بما علموا، فعرفوا الحق بدليله، وأحسنوا تنزيله على الواقع، وكان علمهم نافعًا للأمة، هاديًا إلى الخير، دافعًا للشر والباطل.
وليس العالِم عند أهل السنة من اتسعت معارفه فحسب، ولا من كثر كلامه وتصنيفه، بل من أحاط بعلمٍ ما إحاطةً تمكِّنه من ضبط أصوله وفروعه، والتمييز بين حقه وباطله، مع سلامة المنهج، وحسن الاتباع، و(راجع في ذلك صفحتي على الفيس بوك السؤال: (الحادي والثلاثون) ففيه الشروط والأوصاف، وإذا اجتمعت هذه الأوصاف في رجل، جاز وصفه بأنه من العلماء، ولو لم يُصرِّح أحد من كبار أهل العلم بلقبه، فإن حصل يزيده توثيقًا وطمأنينة، لكنه ليس شرطًا لازمًا لإثبات الوصف. بل بتوفر شروط وانتفاء موانع كما سلف.
قال الإمام أبو محمد البربهاري رحمه الله في (شرح السنة) [ص: 99]: (واعلم – رحمك الله - أن العلم ليس بكثرة الرواية والكتب، إنما العالم من اتبع العلم والسنن، وإن كان قليل العلم والكتب ومن خالف الكتاب والسنة فهو صاحب بدعة، وإن كان كثير العلم والكتب) اهـ.
الوجه الثاني: شهادة أهل العلم للشيخ نزار:
1- تزكية شيخنا المحدِّث العلامة الإمام ربيع بن هادي عمير المدخلي (رحمه الله) قال: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمدُ للهِ والصلاةُ والسلامُ على رسُّولِ اللهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومن اتبع هداه، أما بعد: فإن الأخ/ نزار هاشم عباس السوداني الجنسية من خيرة من خرجتهم الجامعةُ الاسلامية دينا وخُلقاً وعقيدةً ومنهجاً، أحسبه كذلك- والله حسيبه- ولا أزكي على الله أحدًا، وإني لأوصي نفسي وإياه بتقوى الله والثبات على الكتابِ والسُّنة ومنهج السلف الصالح والدعوة إلى ذلك وفق الله الجميع لذلك، كتبه: ربيع بن هادي عمير المدخلي، عضو هيئة التدريس بالجامعة الاسلامية، في 21 / 6 / 1417 هـ.
2- تزكية شيخنا العلامة عبيد الجابري رحمه الله، قال: فإن أخانا الشيخ نزار بن هاشم من السودان صاحب سنة نحسبه كذلك والله حسيبه ولا أزكيه ولا غيره على الله عز وجل، لكني أذكر ما عرفته عنه، وأنا أعرفه منذ سنين عدة، وأنه يؤخذ العلم عنه، وجهوده ولله الحمد في الدعوة إلى الله في بلده السودان مشكورة مباركة، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يسدده في أقواله وأفعاله. انتهى
3- تزكية الشيخ المحدِّث صفي الرحمن المباركفوري (رحمه الله ) بتاريخ:26/5/1417هـ ، قال: الحمد لله رب العالمين .والصلاة والسلام عبده ورسوله محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وبعد: فإنني أعرفُ الأخ نزار هاشم عباس محمد صالح سوداني الجنسية ،والمتخرج في الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية , وقد درس عليّ بعض الكتب وتلقى منّي بعض العلوم، وهو فيما أعرف رجلٌ صالحٌ مستقيمُ السيرةِ والسلوك متمسكٌ بالسنة النبوية على طريقةِ السلف الصالح, وملتزم بالشريعة الإسلامية ، مع الأخلاق الفاضلة, والآداب الحسنة ,هذا " و لا أزكي على الله احدا " وصلى الله على خيرِ خلقِهِ وأشرفَ أنبيائه محمد وعلى آله وصحبه, وبارك وسلم، وكتبه: صفي الرحمن عبد الله المباركفوري
4- وغير ذلك الكثير.
5- وكتب أخي الشيخ سمير بن سعيد القاهري حفظه الله: على صفحته في (الفيس بوك):
مكانة الشيخ نزار بن هاشم السوداني – حفظه الله – عند شيخنا ووالدنا حسن بن عبد الوهاب البنا أمد الله في عمره على عمل صالح:
أمس ونحن جلوس مع الوالد دخل علينا شاب سوداني الجنسية يريد تزكية للجامعة الإسلامية، فأقبل على شيخنا ليعرفه بنفسه، فقال له شيخنا الوالد: أين الله؟، فأجاب الشاب: في السماء يا شيخنا، ثم قال: هل تعرف الشيخ نزار ؟ فقال الشاب: نعم أعرفه ولله الحمد وأثنى عليه، فكتب له شيخنا تزكية للجامعة الإسلامية، بناء على امتحانه بمسألة الفوقية، ثم امتحانه بالشيخ نزار بن هاشم السوداني حفظه الله، وكان ذلك الموقف يوم الأحد: الموافق: 23 / ذو القعدة / 1436هـ، الموافق: 6 / ديسمبر / 2015م بعد صلاة الظهر، وكتب: سمير بن سعيد السلفي القاهري.
6- وحدثني أخي الشيخ مجدي الشحري المصري حفظه الله ليلة أمس الأحد الموافق غرة رجب 1447هـ - مؤكدا كلامه بالقسم - أنه سمع شيخنا العلامة حسن بن عبد الوهاب البنا رحمه الله يقول لشاب بصوت عالٍ: الشيخ نزار عالم والله لا نعلم أحداً من المشايخ السلفيين الخُلَّص في السودان غير الشيخ نزار بن هاشم. اهـ.
الوجه الثالث: أن العلم يُثبَت بالشهادة والواقع، لا بردود الأفعال، ولا بتقلُّبات مواقف الناس في أزمنة الفتن:
فإن عدم قبول بعض السلفيين لكلام الشيخ الفاضل نزار –حفظه الله– في قضية الشيخ عبد الرزاق البدر والشيخ رسلان –على حدِّ زعمك – لا يقدح في علمه، ولا ينقض رسوخه؛ إذ قد جرت سنَّة الله في عباده أن تُرَدَّ أقوالُ بعض العلماء في أزمنتهم، لا لضعفٍ في علمهم، ولكن لاختلافٍ في الاجتهاد، أو لالتباسٍ في الفتن، أو لغلبة الأهواء، ولم يكن ذلك يومًا مسقطًا لرتبتهم العلمية، ولا مزيلًا لإمامتهم.
وقد حفِل تاريخ الأمة بأمثلةٍ كثيرةٍ لعلماء رُدَّت أقوالهم في بعض النوازل، ثم بقيت لهم مكانتهم، وعلوُّ شأنهم، وإجلالُهم عند أهل العلم؛ لأن العالِم إنما يُعرَف بمجموع حاله، واستقامة أصوله، وثبات منهجه، لا بموقفٍ واحد، ولا بزلةٍ عارضة، ولا بفتنةٍ طارئة، فكيف إذا كانت تلك الردود ناشئةً عن سوء فهمٍ تارة، أو فساد طويةٍ تارة، أو جهلٍ بقدر العالم ومقامه؟!
ثم إن الإنصاف –وهو شيمة أهل السنة– يقتضي أن يُقال: إن كلام الشيخ نزار حفظه الله لم يُرفَض مطلقًا –نقول ذلك تنزُّلًا– بل قد قُبِل واعتمد في قضايا أُخر أعظم أثرًا، وأشد ابتلاءً، وعلى رأسها قضية محمد بن هادي (الصعافقة)؛ إذ كان – والجميع يعلم ذلك – من أوائل من فتق الكلام فيها بعلمٍ وتأصيلٍ وبصيرة، فكان الناس له فيها تبعًا، ووافقه وأثنى على تقريره كبارُ العلماء، كشيخنا ربيع المدخلي، وشيخنا عبيد الجابري –رحمه الله– وغيرهما، وهذا وحده كافٍ في الدلالة على رسوخ قدمه في العلم، وحسن نظره في النوازل، ومعرفته بمآلات الأقوال.
وكذلك الشأن في قضية الشيخ السحيمي؛ إذ لم يمنعه سابقُ ثنائه عليه، ولا وصفه له بالعلم، أن يقول كلمة الحق حين ظهر موجب البيان؛ ولو كان ممن يُجامل في الدين، أو يُداهن في المنهج، لكان هذا الموطن أولى بالمجاملة، غير أن الديانة غلبت، والإنصاف تقدَّم، فدلَّ ذلك دلالةً ظاهرة على أن مواقفه ليست وليدة أهواء، ولا أسيرة علاقات، وإنما هي ثمرةُ اجتهادٍ علميٍّ يراه دينًا يَدين اللهَ به.
ثالثًا: في دعوى قلَّة إنتاجه العلمي ومحاربته للشرك:
فأقول: إن هذه الدعوى غير مُسَلَّمةٍ أصلًا، ولا تنهض دليلاً على ما أُريد منها، وبيان ذلك من وجوه:
الوجه الأول: أن قلَّة الظهور، أو ندرة الإنتاج الظاهر، ليست نقصًا في ذاتها، ولا مقياسًا معتبرًا عند أهل العلم؛ فكم من عالمٍ خفيِّ الذكر في بلده، عظيم القدر عند الله، حالت بينه وبين التفرغ عوائق شتى: من فقرٍ، أو تضييق، أو منع، أو ابتلاء، ولم ينقص ذلك من علمه ولا من أثره شيئًا.
الوجه الثاني: أن واقع السودان ليس كغيره من البلاد؛ إذ تجتمع فيه أسباب الإعياء: فقرٌ مزمن، وفتنٌ متراكبة، واضطرابات، ثم حروبٌ طاحنة أذهبت الأمن والاستقرار، فهل يُطالَب رجلٌ في مثل هذه الأحوال بما يُطالَب به عالمٌ في بلدٍ آمنٍ مستقر، متفرغٍ للتدريس والتصنيف؟! إن هذا من أبعد ما يكون عن الإنصاف.
الوجه الثالث: أن توهُّم كون كثرة المؤلفات، أو تعدد الدروس، أو الخطب الرنانة، هي الفارق الحاسم في تمييز العالِم عن غيره، توهُّمٌ يُكذِّبه الواقع، ويبطله النظر؛ إذ ما أكثر دروس ومحاضرات وخطب أهل البدع والأهواء، وما أعظم حشودهم، ومع ذلك لم تثمر إلا زيغًا، وانحرافًا، وضلالًا، حتى قيَّض الله من يكشف باطلهم، ويعرِّي شبهاتهم، ويبيِّن انحرافهم، وكان من هؤلاء – والله حسيبه – الشيخ نزار، الذي أُضعِف شأنه، واستُقلَّ عمله وجهاده - مع عِظَم أثره وثباته - ممن كان الظن بهم مناصرته وتأييده.
ومن أدقِّ ما قيل في هذا الباب، وأجمعه للحق، ما قرره الإمام ابن رجب رحمه الله في كتابه النفيس (بيان فضل علم السلف على علم الخلف) [3/21] إذ قال: « وقد فتن كثير من المتأخرين بهذا، وظنوا أن من كثر كلامه وجداله وخصامه في مسائل الدين فهو أعلم ممن ليس كذلك، وهذا جهل محض. وانظر إِلَى أكابر الصحابة وعلمائهم كأبي بكر، وعمر، وعلي، ومعاذ، وابن مسعود، وزيد بن ثابت كيف كانوا؟ كلامهم أقل من كلام ابن عباس وهم أعلم منه، وكذلك كلام التابعين أكثر من كلام الصحابة، والصحابة أعلم منهم. وكذلك تابعوا التابعين كلامهم أكثر من كلام التابعين، والتابعون أعلم منهم. فليس العِلْم بكثرة الرواية ولا بكثرة المقال، ولكنه نور يقذف في القلب يَفْهَم به العبدُ الحق، ويميز به بينه وبين الباطل، ويعبر عن ذلك بعبارات وجيزة محصلة للمقاصد» اهـ.
وبهذا يتبيََّن أن العبرة بحقيقة العلم وأثره وثبات صاحبه، لا بكثرة الظهور ولا بضجيج الإنتاج، وأن الميزان الحق هو ما كان عليه السلف، لا ما استحدثه المتأخرون.
الوجه الرابع: الشهادة والبيان:
وأشهد –وأتحمَّل مسؤولية هذه الشهادة أمام الله تعالى– أن الشيخ نزاراً من أشدِّ من عرفت في السودان قيامًا بمحاربة الشرك، والدعوة إلى التوحيد، والإنكار على القبورية، والجمعيات الحزبية، والطرق الصوفية، صبرًا واحتسابًا، وبصيرةً وحكمة، لا يُحرِّكه في ذلك هوى، ولا تحكمه مصلحة.
وهذه الشهادة لا أنفرد بها، بل يشاركني فيها آلاف من طلبة العلم والدعاة الذين عايشوا الواقع، وشاهدوا الجهود عن قرب، ووقفوا على أثر دعوته وثباته في الميدان، علمًا وعملاً.
ولا يبعد –في تقديري– أن تكون كثيرٌ من هذه الدعاوى والمغالطات المتداولة في حقه مستقاة من خصوم دعوة التوحيد، من دعاة البدع والأهواء والقبورية، الذين آلمهم قيام هذا الشيخ وطلابه بسدِّ منافذهم، وكشف شبهاتهم، وقطع طرقهم على الناس.
وإنما راجت هذه الشبهات عند بعض من انتسب إلى السلفية لشيءٍ من الجهل بحقيقة الواقع، أو لالتباسٍ في التصوُّر، أو لمداخلة هوى خفيٍّ –نسأل الله السلامة والعافية–، فكان الواجب التثبُّت، والعدل في الحكم، وردُّ الأمر إلى أهله، لا التسليم لما يُروَّج بغير بيِّنة.
وبهذا يتبيَّن أن الإنصاف في الشهادة عبادة، وكتمانها خيانة، وأن الحق أحق أن يُتَّبع، ولو خالف الأهواء أو خالف صخب الساحات.
رابعًا: في مسألة شدَّته على بعض السلفيين:
نعم، الشيخ نزار –حفظه الله– له أسلوبه، شأنه في ذلك شأن سائر العلماء والمشايخ، وإذا أُخذ عليه شيء من حدَّة العبارة أو شدَّة الخطاب في بعض المواطن، فينبغي أن يُنظر إلى القرائن المحتفَّة بذلك؛ فإن الفتن إذا اشتدَّت، والظلم إذا استفحل، اشتدَّ البيان، وخَشُن الردُّ على المخالف، وهذا أمرٌ معهود في تاريخ أهل العلم، وليس خاصًّا به، بل قد وقع من أئمةٍ كبارٍ في مواطن ابتلاء عظيمة.
ومع ذلك، فإن الأصل الذي نعتقده وندعو إليه هو الرفق واللين، كما علَّمنا رسول الله ﷺ، إذ قال: « إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ» رواه مسلم.
غير أن هذا الأصل لا يمنع من الشدَّة في موضعها، ولا من الحزم عند الحاجة، خاصةً إذا اقترن الخلاف بظلمٍ بيِّن، أو بجهلٍ فاضح، أو بسوء أدبٍ ظاهر، فإن المقام حينئذٍ يختلف، والحال يتغيَّر.
خامسًا: في مسألة الشيخ فواز والانشغال بالسياسة:
أولاً: مقدمة لابد منها:
إن مسألة السياسة في الإسلام من المسائل التي وقع فيها الإفراط والتفريط؛ فقومٌ أنكروا أصل علاقتها بالدين، فجعلوا السياسة شيئًا والدين شيئًا آخر، وقومٌ غلَوا فيها غلوًّا شديدًا، فاختزلوا الدين كلَّه في السياسة، وفسَّروا نصوصه ومقاصده تفسيرًا سياسيًا محضًا، وحمَّلوا الشرع ما هو بريء منه.
ولا سبيل إلى رفع هذا الإشكال إلا بردِّه إلى حكم الله ورسوله، ومعرفة السياسة الشرعية التي جاء بها الإسلام، وتمييزها عن السياسة المرفوضة التي تقوم على الأهواء والباطل؛ فالله تعالى أمرنا عند التنازع أن نرجع إليه وإلى رسوله، وجعل ذلك من لوازم الإيمان وصحته، قال تعالى: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) [الشورى:10] وقال- جل وعلا-: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) [النساء:59].
والواجب على كل مسلم أن يعلم أن الإسلام دينٌ شاملٌ كامل، شريعةٌ جاءت لتنظيم شؤون الحياة كلها، عبادةً ومعاملةً، دينًا ودنيا، حكمًا وسياسةً، فلا يعقل أن يبيَّن الدين دقائق الطهارة وآداب الخلاء، ثم يُهمِل قضايا الحكم، والعدل، والسياسة، وتدبير شؤون الأمة.
والناس في موقفهم من السياسة فريقان متقابلان:
فريقٌ غرق في السياسة، فجعلها همه الأكبر، وشغله الشاغل، وتحدَّث بلغة الأخبار والتحليلات، وطوَّع نصوص الدين لخدمة المواقف السياسية، مع أن الواجب هو أن تُخضع السياسة للدين لا أن يُخضع الدين للسياسة؛ إذ السياسة الشرعية جزء من الدين وليست هي الدين كله.
وفريقٌ آخر أنكر علاقة الدين بالسياسة، وهم طائفتان:
إحداهما من العلمانيين المتأثرين بالغرب، الذين قاسوا الإسلام على النصرانية المحرفة، فدعوا إلى فصل الدين عن الدولة والحياة.
والأخرى من بعض المسلمين المغلوبين على أمرهم، الذين رأوا فساد الواقع، فآثروا السلامة، وانكفؤوا عن مدافعة الباطل، ثم انتهوا إلى إنكار السياسة من أصلها، فحصروا الدين في العبادات الفردية، وتركوا شؤون الحكم والتشريع لأهواء البشر.
وهذا الفهم خطأ جسيم وضلال مبين؛ لأنه يصادم نصوص الوحي الصريحة التي تقرر التحاكم إلى شرعه، والرضا بأحكامه، والتسليم لها ظاهرًا وباطنًا، وأن من تمام الإيمان تحكيم رسول الله ﷺ في كل ما شجر بين الناس.
وقد جسَّد النبي ﷺ هذا المعنى واقعًا حيًّا؛ فكان نبيًا ورسولًا، وحاكمًا وقائدًا، وساس الناس بسياسة الإسلام، وقاد الجيوش، وأقام العدل، وربَّى الأمة على العزة والاتباع.
فالسياسة في الإسلام جزءٌ أصيلٌ من الدين، لا يجوز فصلها عنه، ولا اختزال الدين فيها، بل تُضبط بالشرع، وتسير على هدي الوحي، وهذا ما يسعى أعداء الإسلام إلى طمسه؛ بفصل الدين عن الحكم، وإحلال القوانين الوضعية محل شريعة الله، وقد أمرنا الله بالكفر بالطاغوت والإيمان به وحده.
فالواجب على الأمة أن تسير على الوسط العدل:
لا تمييع للدين باسم السياسة، ولا تعطيل للشرع باسم الزهد فيها، بل التزام بالسياسة الشرعية التي تحقق العدل، وتحفظ الدين، وتصون المصالح، وتدرأ المفاسد.
ثانياً: وبخصوص الشيخ الفاضل أبي علي فواز المدخلي –حفظه الله– فأقول وبالله التوفيق:
إن القلوب لها إقبالٌ وإدبار، ونشاطٌ وفتور، وهذه سنَّة ماضية في عموم أهل الخير والدعوة، لا يسلم منها أحد. والشيخ فواز –حفظه الله– معلوم بنشاطه في الدعوة إلى الله، وبذله في تعليم الناس ونشر التوحيد والسنة، يشهد بذلك القاصي والداني، بل قد وصفه بعض المشايخ –ومنهم الشيخ فؤاد الزنتاني وفقه الله – بـالعالِم، وهذا موثَّقٌ مسجَّل، لا مجال لإنكاره.
ثانيًا: أنه مرَّت فترةٌ أكثر فيها الشيخ فواز حفظه الله من تناول بعض القضايا السياسية المتعلقة ببلده - المملكة السلفية - وبعض البلدان الإسلامية، ولم يكن ذلك معهود منه بهذه الكثرة، فكان موقف الناس منه على قسمين:
الأول: قسمٌ أنصف وعدل، فعاتبه محبةً وشفقة، لا طعنًا ولا إسقاطًا، وكان عتبهم من جهة الإكثار لا من جهة المبدأ؛ إذ لم يُعهد عن مشايخنا الأجلاء جعل السياسة هي الغالب على خطابهم، وإن تكلموا في السياسة الشرعية فإنما يتكلمون بقدر الحاجة، وبميزان المصلحة، دون كثرة منفِّرة أو انشغالٍ مُلهٍ. فهؤلاء تمنَّوا له الرجوع إلى ما عُرف به من الاشتغال بنشر التوحيد والسنة، ونفع المسلمين بهما، وناصحوه في ذلك.
وقد استجاب الشيخ –ولله الحمد– لهذا النصح، ورجع إلى ما كان عليه، بل عاد أقوى عزيمةً، وأحسن توجُّهًا، نسأل الله له التوفيق والسداد، ونسأله مزيد التفرغ للدعوة والتعليم، فهذا هو الميدان الذي عُرف به وانتفع به الناس.
الثاني: وقسمٌ آخر اتخذ تلك المرحلة ذريعةً للطعن فيه، والتنقّص من علمه، والنيل من مكانته الدعوية، فجعل خطأً عارضًا –إن سُلِّم بوقوعه على الوجه الذي قرّروه– ميزانًا للحكم على الرجل كلِّه، وهذا مسلكٌ مجافٍ للعدل، بعيدٌ عن منهج أهل السُّنَّة؛ فإنهم لا يُسقطون العلماء بزلة، ولا يهدرون الجهود بخطأ، ولا يجعلون العوارض سببًا لمحو الفضائل والسوابق.
وقد أخطأ هذا القسم من وجهين بيِّنين:
أحدهما: مخالفة هدي السلف في معاملة المخطئ من أهل العلم، إذ كانوا يفرّقون بين الخطأ وصاحبه، ويحفظون لأهل الفضل فضلهم، ويجمعون بين الإنكار والإنصاف.
والثاني: أنهم –من حيث لا يشعرون– كشفوا عن خللٍ في المنهج، وفسادٍ في القصد، إذ لو كان الباعث نصحًا مجردًا، لما جاوزوا حدَّ البيان إلى مسلك التنقّص والإسقاط.
وبهذا يظهر أن العدل في النقد أصلٌ سلفيٌّ راسخ، وأن الانحراف عنه لا يضرُّ المنْتَقَد بقدر ما يضر الناقد نفسه إذا أخل، والله أعلم.
من ضمن (سلسلة الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص)
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
شيخنا بلال تابعت كتاباتكم ونصائحكم المتكررة لإخوانكم في اليمن قصد رأب الصدع وجمع الشمل وأيضا ما خطته أناملكم من كتابات في هذه العاصفة الجديدة وآلمني كثيرا كثيرا ما حصل ويحصل بين المشايخ السلفيين مع اتحاد مرجعيتهم وآلمني أكثر انحيازكم لطائفة دون أخرى إن صح التعبير وأنتم المنتظر منكم السعي الحثيث في جمع الكلمة لما علم عنكم وما لوحظ في الآونة الأخيرة من نشاطاتكم وحتى طريقتكم في تمحيص النصح للسلفيين بأسوب جميل وكتابات رائعة لينم عن حب كبير لهذا المنهج وأهله ،وللأسف الجميع يرى ويتابع كيف تطورت الأحداث سبحان الله حتى رأينا الشيخ بلالا يخوض مع الخائضين ومما آسفني كثيرا بعض الأمور التي تخالجني وأريد الإفصاح عنها ليس كرها لأحد أو دفاعا عن أحد وإنما لأزيل الاشتباه عن نفسي وهذه الأمور هي:
أولاً وصفكم للشيخ نزار عالم كبير نحرير إلى غير ذلك من العبارات فالشيخ حفظه الله إلى الأمس القريب لا يختلف اثنان أنه لا يرتقي إلى درجة العالمية وأنه كغيره من المشايخ والطلبة يحيلون القضايا الكبيرة إلى كبار العلماء بدليل أنه في نصحه للسلفيين في التوقف عن الأخذ عن عبد الرزاق ورسلان في الفتنة بسبب عدم وضوحهما وقال: إن التحذير للعلماء وأنا لست من العلماء وأيضا السلفيون كلهم اعتبروا ذلك نصيحة وأن الشيخ لا يرتقي لمقام التحذير زيادة على ذلك أن أغلب السلفيين لم يقبلوا كلامه في عبد الرزاق ورسلان لأنه ليس أهلا لذلك فلو كان السلفيون مجمعون ومعلوم لديهم ومسلَّم أن الشيخ نزاراً عالماً كبيراً في مصاف العلماء الكبار لما قامت تلك الفتنة بخصوص رسلان وعبد الرزاق ولتلقوا تحذيره بالقبول وانتهى الأمر هذا من جهة ومن جهة أخرى من يتتبع سيرة الشيخ نزار يجد أن الشيخ ليس له جهود كبيرة كباقي أقرانه من العلماء في التحقيق وتحرير المسائل على طريقة العلماء فأين مؤلفات الشيخ وأين شروحات الشيخ وأين تحقيقاته وأين دعوته إلى التوحيد والسنة والتحذير من الشرك والبدعة تفصيلا وبيانا وتتبعا لحال أهل بلده كما حال كثير من العلماء وهذا أمر انتقده عليه خصومه منذ زمان طويل أقصد تكريسه الجهود في دحر الشرك والمشركين والصوفية و طرقها فلا تكاد تجد للشيخ إلا نزراً يسيراً من كليمات على خجل فالشيخ منذ فتنة المفرقة وهو مشتغل على أناس على الأقل إن لم يكونوا يشاركونه في المنهج حقا وحقيقة فهم يشاركونه في الأصول العظيمة في العقيدة وكثير من الأمور المنهجية ويخالفون في قليل من الأمور التي لا تعدوا أن تكون خلافاً سائغاً ومع ذلك يشنع على إخوانه السلفيين بأسلوب لا يتناسب مع مقامهم ويرميهم بألقاب وأوصاف لطالما انتظرها أتباع الأخس من الحدادية بل والحدادية بكل فروعها والمميعة وكل عدو للسلفيين الخلص بل وفر عنهم عناءً كبيراً، وأيضا حتى في كلمات الشيخ الارتجالية أو خطبه أو محاضراته لبعض البلدان لا تكاد تجد استدلالات واستشهادات بالوحيين وآثار السلف وترتيباً وتنسيقاً على طريقة العلماء، كذلك تزكيتكم لفواز والثناء عليه ولا أظن يخفى على سلفي متتبع للساحة الدعوية المسلك الذي اختاره الشيخ فواز لنفسه وسلكه من تتبع أحداث العالم السياسية وتتبع الأخبار والنشرات الاخبارية واشتغاله بذلك وتضييع جل وقته فيها ونشر أخبار سياسية مجهولة المصدر إن لم تكن منتقاة من قنوات إخوانية أو كافرة أو رافضية ومعلوم أن السياسة كما لا يخفى على شريف علمكم شيخ بلال أن مبناها على الكذب والدجل والغش والمبالغة ولم يشتغل بها علماؤنا بل نهوا الشباب عن ولوجها، والشيخ فواز ناصحه إخوانه المشايخ قبل مدة منذ ركوبه هذه الموجة بل منهم من كتب كتابات يشير إليه فيها اقصد الشيخ بندر الخيبري وعلى كل حال فإن المعلوم عنكم شيخ بلال أن هذه الأمور لا تخفى عليكم بل تنكرونها وهذا هو الظن بكم ومن تتبع طريقتكم ومنهجكم السليم السوي ولله الحمد ولا أظن أن الشيخ فوازاً يكون أفضل من علماء بلاد السعودية في دفاعهم عن بلدهم ولا علماء البلدان الأخرى في الدفاع عن بلاد التوحيد وذلك بنشر العلم بين الناس وإبراز جهود المملكة والدفاع عنها كلما سنحت لهم الفرصة وقد بارك الله في كلماتهم وكان لها الوقع الكبير في نفوس الكثير ولم يكن ذلك ديدنهم وشغلهم الشاغل ولم يكونوا يأخذون نقولاتهم من المواقع المجهولة ومن الصحفيين ولم يكونوا يثيرون عليهم الغوغاء والإخوان المجرمين بسبب ذلك وكذلك لم يشغلهم دفاعهم عن بلاد التوحيد ذلك عن التدريس التأليف والتحقيق والمحاضرات ، لا كما يفعله فواز ،وهلا رجع فواز لأحد كبار العلماء ليعرض عليه طريقته ؟؟!! هذا ما جال في خاطري شيخ بلال وأردت أن أستشيركم فيه وأنبهكم عليه ولعلكم تبصرونني بما خفي علي وتنصحوني إن جانبت الصواب وجزاكم الله خيراً.
الحمد لله:
أولًا: وقبل كل شيء: أُقرِّر –ديانةً لله تعالى– أن رسالتكم من أرقى ما كُتب إليَّ في هذا الباب؛ إذ خلت من السبِّ، والتهويل، والإسقاط، والتشفِّي، واقتصرت على العرض الهادئ، والاستشكال المنضبط، وطلب البيان، وهذا بعينه هو المنهج السلفي الحق الذي درج عليه أئمة الهدى، ففي (طبقات الشافعيين) لابن كثير [1/19]: قال: (وقد صح عنه - أي الشافعي - من غير وجه، أنه قال: ما ناظرت أحداً على الغلبة، وقال أيضاً: ما عرضت الحجة على أحد فقبلها إلا عظم في عيني، ولا عرضتها على أحد فردها إلا سقط من عيني) اهـ.
فجزاكم الله خيرًا، وبارك فيكم، فإن مثل هذا الأسلوب الرصين لا يزيدني إلا تقديرًا واحترامًا، ولا يحملني على النفور أو الإعراض، بل يدعوني إلى الجواب والبيان، وإيضاح ما أُشكل، ابتغاءً للحق، ونصرةً للمنهج، وتأليفًا للقلوب على الهدى.
ثانيًا: في مسألة وصف الشيخ نزار بـ (العالِم):
هذه المسألة ليست وليدة الساعة، ولا قيلت ردًّا على خصومة، بل قد قررتها مرارًا قبل هذه الأحداث، وبيان ذلك من وجوه:
الوجه الأول: فمفهوم (العالم) عند أهل السُّنَّة:
العلماء في كل عصرٍ هم طائفةٌ من الناس تميَّزوا بالرسوخ في العلم، وصحة الفهم، والعمل بما علموا، فعرفوا الحق بدليله، وأحسنوا تنزيله على الواقع، وكان علمهم نافعًا للأمة، هاديًا إلى الخير، دافعًا للشر والباطل.
وليس العالِم عند أهل السنة من اتسعت معارفه فحسب، ولا من كثر كلامه وتصنيفه، بل من أحاط بعلمٍ ما إحاطةً تمكِّنه من ضبط أصوله وفروعه، والتمييز بين حقه وباطله، مع سلامة المنهج، وحسن الاتباع، و(راجع في ذلك صفحتي على الفيس بوك السؤال: (الحادي والثلاثون) ففيه الشروط والأوصاف، وإذا اجتمعت هذه الأوصاف في رجل، جاز وصفه بأنه من العلماء، ولو لم يُصرِّح أحد من كبار أهل العلم بلقبه، فإن حصل يزيده توثيقًا وطمأنينة، لكنه ليس شرطًا لازمًا لإثبات الوصف. بل بتوفر شروط وانتفاء موانع كما سلف.
قال الإمام أبو محمد البربهاري رحمه الله في (شرح السنة) [ص: 99]: (واعلم – رحمك الله - أن العلم ليس بكثرة الرواية والكتب، إنما العالم من اتبع العلم والسنن، وإن كان قليل العلم والكتب ومن خالف الكتاب والسنة فهو صاحب بدعة، وإن كان كثير العلم والكتب) اهـ.
الوجه الثاني: شهادة أهل العلم للشيخ نزار:
1- تزكية شيخنا المحدِّث العلامة الإمام ربيع بن هادي عمير المدخلي (رحمه الله) قال: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمدُ للهِ والصلاةُ والسلامُ على رسُّولِ اللهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومن اتبع هداه، أما بعد: فإن الأخ/ نزار هاشم عباس السوداني الجنسية من خيرة من خرجتهم الجامعةُ الاسلامية دينا وخُلقاً وعقيدةً ومنهجاً، أحسبه كذلك- والله حسيبه- ولا أزكي على الله أحدًا، وإني لأوصي نفسي وإياه بتقوى الله والثبات على الكتابِ والسُّنة ومنهج السلف الصالح والدعوة إلى ذلك وفق الله الجميع لذلك، كتبه: ربيع بن هادي عمير المدخلي، عضو هيئة التدريس بالجامعة الاسلامية، في 21 / 6 / 1417 هـ.
2- تزكية شيخنا العلامة عبيد الجابري رحمه الله، قال: فإن أخانا الشيخ نزار بن هاشم من السودان صاحب سنة نحسبه كذلك والله حسيبه ولا أزكيه ولا غيره على الله عز وجل، لكني أذكر ما عرفته عنه، وأنا أعرفه منذ سنين عدة، وأنه يؤخذ العلم عنه، وجهوده ولله الحمد في الدعوة إلى الله في بلده السودان مشكورة مباركة، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يسدده في أقواله وأفعاله. انتهى
3- تزكية الشيخ المحدِّث صفي الرحمن المباركفوري (رحمه الله ) بتاريخ:26/5/1417هـ ، قال: الحمد لله رب العالمين .والصلاة والسلام عبده ورسوله محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وبعد: فإنني أعرفُ الأخ نزار هاشم عباس محمد صالح سوداني الجنسية ،والمتخرج في الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية , وقد درس عليّ بعض الكتب وتلقى منّي بعض العلوم، وهو فيما أعرف رجلٌ صالحٌ مستقيمُ السيرةِ والسلوك متمسكٌ بالسنة النبوية على طريقةِ السلف الصالح, وملتزم بالشريعة الإسلامية ، مع الأخلاق الفاضلة, والآداب الحسنة ,هذا " و لا أزكي على الله احدا " وصلى الله على خيرِ خلقِهِ وأشرفَ أنبيائه محمد وعلى آله وصحبه, وبارك وسلم، وكتبه: صفي الرحمن عبد الله المباركفوري
4- وغير ذلك الكثير.
5- وكتب أخي الشيخ سمير بن سعيد القاهري حفظه الله: على صفحته في (الفيس بوك):
مكانة الشيخ نزار بن هاشم السوداني – حفظه الله – عند شيخنا ووالدنا حسن بن عبد الوهاب البنا أمد الله في عمره على عمل صالح:
أمس ونحن جلوس مع الوالد دخل علينا شاب سوداني الجنسية يريد تزكية للجامعة الإسلامية، فأقبل على شيخنا ليعرفه بنفسه، فقال له شيخنا الوالد: أين الله؟، فأجاب الشاب: في السماء يا شيخنا، ثم قال: هل تعرف الشيخ نزار ؟ فقال الشاب: نعم أعرفه ولله الحمد وأثنى عليه، فكتب له شيخنا تزكية للجامعة الإسلامية، بناء على امتحانه بمسألة الفوقية، ثم امتحانه بالشيخ نزار بن هاشم السوداني حفظه الله، وكان ذلك الموقف يوم الأحد: الموافق: 23 / ذو القعدة / 1436هـ، الموافق: 6 / ديسمبر / 2015م بعد صلاة الظهر، وكتب: سمير بن سعيد السلفي القاهري.
6- وحدثني أخي الشيخ مجدي الشحري المصري حفظه الله ليلة أمس الأحد الموافق غرة رجب 1447هـ - مؤكدا كلامه بالقسم - أنه سمع شيخنا العلامة حسن بن عبد الوهاب البنا رحمه الله يقول لشاب بصوت عالٍ: الشيخ نزار عالم والله لا نعلم أحداً من المشايخ السلفيين الخُلَّص في السودان غير الشيخ نزار بن هاشم. اهـ.
الوجه الثالث: أن العلم يُثبَت بالشهادة والواقع، لا بردود الأفعال، ولا بتقلُّبات مواقف الناس في أزمنة الفتن:
فإن عدم قبول بعض السلفيين لكلام الشيخ الفاضل نزار –حفظه الله– في قضية الشيخ عبد الرزاق البدر والشيخ رسلان –على حدِّ زعمك – لا يقدح في علمه، ولا ينقض رسوخه؛ إذ قد جرت سنَّة الله في عباده أن تُرَدَّ أقوالُ بعض العلماء في أزمنتهم، لا لضعفٍ في علمهم، ولكن لاختلافٍ في الاجتهاد، أو لالتباسٍ في الفتن، أو لغلبة الأهواء، ولم يكن ذلك يومًا مسقطًا لرتبتهم العلمية، ولا مزيلًا لإمامتهم.
وقد حفِل تاريخ الأمة بأمثلةٍ كثيرةٍ لعلماء رُدَّت أقوالهم في بعض النوازل، ثم بقيت لهم مكانتهم، وعلوُّ شأنهم، وإجلالُهم عند أهل العلم؛ لأن العالِم إنما يُعرَف بمجموع حاله، واستقامة أصوله، وثبات منهجه، لا بموقفٍ واحد، ولا بزلةٍ عارضة، ولا بفتنةٍ طارئة، فكيف إذا كانت تلك الردود ناشئةً عن سوء فهمٍ تارة، أو فساد طويةٍ تارة، أو جهلٍ بقدر العالم ومقامه؟!
ثم إن الإنصاف –وهو شيمة أهل السنة– يقتضي أن يُقال: إن كلام الشيخ نزار حفظه الله لم يُرفَض مطلقًا –نقول ذلك تنزُّلًا– بل قد قُبِل واعتمد في قضايا أُخر أعظم أثرًا، وأشد ابتلاءً، وعلى رأسها قضية محمد بن هادي (الصعافقة)؛ إذ كان – والجميع يعلم ذلك – من أوائل من فتق الكلام فيها بعلمٍ وتأصيلٍ وبصيرة، فكان الناس له فيها تبعًا، ووافقه وأثنى على تقريره كبارُ العلماء، كشيخنا ربيع المدخلي، وشيخنا عبيد الجابري –رحمه الله– وغيرهما، وهذا وحده كافٍ في الدلالة على رسوخ قدمه في العلم، وحسن نظره في النوازل، ومعرفته بمآلات الأقوال.
وكذلك الشأن في قضية الشيخ السحيمي؛ إذ لم يمنعه سابقُ ثنائه عليه، ولا وصفه له بالعلم، أن يقول كلمة الحق حين ظهر موجب البيان؛ ولو كان ممن يُجامل في الدين، أو يُداهن في المنهج، لكان هذا الموطن أولى بالمجاملة، غير أن الديانة غلبت، والإنصاف تقدَّم، فدلَّ ذلك دلالةً ظاهرة على أن مواقفه ليست وليدة أهواء، ولا أسيرة علاقات، وإنما هي ثمرةُ اجتهادٍ علميٍّ يراه دينًا يَدين اللهَ به.
ثالثًا: في دعوى قلَّة إنتاجه العلمي ومحاربته للشرك:
فأقول: إن هذه الدعوى غير مُسَلَّمةٍ أصلًا، ولا تنهض دليلاً على ما أُريد منها، وبيان ذلك من وجوه:
الوجه الأول: أن قلَّة الظهور، أو ندرة الإنتاج الظاهر، ليست نقصًا في ذاتها، ولا مقياسًا معتبرًا عند أهل العلم؛ فكم من عالمٍ خفيِّ الذكر في بلده، عظيم القدر عند الله، حالت بينه وبين التفرغ عوائق شتى: من فقرٍ، أو تضييق، أو منع، أو ابتلاء، ولم ينقص ذلك من علمه ولا من أثره شيئًا.
الوجه الثاني: أن واقع السودان ليس كغيره من البلاد؛ إذ تجتمع فيه أسباب الإعياء: فقرٌ مزمن، وفتنٌ متراكبة، واضطرابات، ثم حروبٌ طاحنة أذهبت الأمن والاستقرار، فهل يُطالَب رجلٌ في مثل هذه الأحوال بما يُطالَب به عالمٌ في بلدٍ آمنٍ مستقر، متفرغٍ للتدريس والتصنيف؟! إن هذا من أبعد ما يكون عن الإنصاف.
الوجه الثالث: أن توهُّم كون كثرة المؤلفات، أو تعدد الدروس، أو الخطب الرنانة، هي الفارق الحاسم في تمييز العالِم عن غيره، توهُّمٌ يُكذِّبه الواقع، ويبطله النظر؛ إذ ما أكثر دروس ومحاضرات وخطب أهل البدع والأهواء، وما أعظم حشودهم، ومع ذلك لم تثمر إلا زيغًا، وانحرافًا، وضلالًا، حتى قيَّض الله من يكشف باطلهم، ويعرِّي شبهاتهم، ويبيِّن انحرافهم، وكان من هؤلاء – والله حسيبه – الشيخ نزار، الذي أُضعِف شأنه، واستُقلَّ عمله وجهاده - مع عِظَم أثره وثباته - ممن كان الظن بهم مناصرته وتأييده.
ومن أدقِّ ما قيل في هذا الباب، وأجمعه للحق، ما قرره الإمام ابن رجب رحمه الله في كتابه النفيس (بيان فضل علم السلف على علم الخلف) [3/21] إذ قال: « وقد فتن كثير من المتأخرين بهذا، وظنوا أن من كثر كلامه وجداله وخصامه في مسائل الدين فهو أعلم ممن ليس كذلك، وهذا جهل محض. وانظر إِلَى أكابر الصحابة وعلمائهم كأبي بكر، وعمر، وعلي، ومعاذ، وابن مسعود، وزيد بن ثابت كيف كانوا؟ كلامهم أقل من كلام ابن عباس وهم أعلم منه، وكذلك كلام التابعين أكثر من كلام الصحابة، والصحابة أعلم منهم. وكذلك تابعوا التابعين كلامهم أكثر من كلام التابعين، والتابعون أعلم منهم. فليس العِلْم بكثرة الرواية ولا بكثرة المقال، ولكنه نور يقذف في القلب يَفْهَم به العبدُ الحق، ويميز به بينه وبين الباطل، ويعبر عن ذلك بعبارات وجيزة محصلة للمقاصد» اهـ.
وبهذا يتبيََّن أن العبرة بحقيقة العلم وأثره وثبات صاحبه، لا بكثرة الظهور ولا بضجيج الإنتاج، وأن الميزان الحق هو ما كان عليه السلف، لا ما استحدثه المتأخرون.
الوجه الرابع: الشهادة والبيان:
وأشهد –وأتحمَّل مسؤولية هذه الشهادة أمام الله تعالى– أن الشيخ نزاراً من أشدِّ من عرفت في السودان قيامًا بمحاربة الشرك، والدعوة إلى التوحيد، والإنكار على القبورية، والجمعيات الحزبية، والطرق الصوفية، صبرًا واحتسابًا، وبصيرةً وحكمة، لا يُحرِّكه في ذلك هوى، ولا تحكمه مصلحة.
وهذه الشهادة لا أنفرد بها، بل يشاركني فيها آلاف من طلبة العلم والدعاة الذين عايشوا الواقع، وشاهدوا الجهود عن قرب، ووقفوا على أثر دعوته وثباته في الميدان، علمًا وعملاً.
ولا يبعد –في تقديري– أن تكون كثيرٌ من هذه الدعاوى والمغالطات المتداولة في حقه مستقاة من خصوم دعوة التوحيد، من دعاة البدع والأهواء والقبورية، الذين آلمهم قيام هذا الشيخ وطلابه بسدِّ منافذهم، وكشف شبهاتهم، وقطع طرقهم على الناس.
وإنما راجت هذه الشبهات عند بعض من انتسب إلى السلفية لشيءٍ من الجهل بحقيقة الواقع، أو لالتباسٍ في التصوُّر، أو لمداخلة هوى خفيٍّ –نسأل الله السلامة والعافية–، فكان الواجب التثبُّت، والعدل في الحكم، وردُّ الأمر إلى أهله، لا التسليم لما يُروَّج بغير بيِّنة.
وبهذا يتبيَّن أن الإنصاف في الشهادة عبادة، وكتمانها خيانة، وأن الحق أحق أن يُتَّبع، ولو خالف الأهواء أو خالف صخب الساحات.
رابعًا: في مسألة شدَّته على بعض السلفيين:
نعم، الشيخ نزار –حفظه الله– له أسلوبه، شأنه في ذلك شأن سائر العلماء والمشايخ، وإذا أُخذ عليه شيء من حدَّة العبارة أو شدَّة الخطاب في بعض المواطن، فينبغي أن يُنظر إلى القرائن المحتفَّة بذلك؛ فإن الفتن إذا اشتدَّت، والظلم إذا استفحل، اشتدَّ البيان، وخَشُن الردُّ على المخالف، وهذا أمرٌ معهود في تاريخ أهل العلم، وليس خاصًّا به، بل قد وقع من أئمةٍ كبارٍ في مواطن ابتلاء عظيمة.
ومع ذلك، فإن الأصل الذي نعتقده وندعو إليه هو الرفق واللين، كما علَّمنا رسول الله ﷺ، إذ قال: « إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ» رواه مسلم.
غير أن هذا الأصل لا يمنع من الشدَّة في موضعها، ولا من الحزم عند الحاجة، خاصةً إذا اقترن الخلاف بظلمٍ بيِّن، أو بجهلٍ فاضح، أو بسوء أدبٍ ظاهر، فإن المقام حينئذٍ يختلف، والحال يتغيَّر.
خامسًا: في مسألة الشيخ فواز والانشغال بالسياسة:
أولاً: مقدمة لابد منها:
إن مسألة السياسة في الإسلام من المسائل التي وقع فيها الإفراط والتفريط؛ فقومٌ أنكروا أصل علاقتها بالدين، فجعلوا السياسة شيئًا والدين شيئًا آخر، وقومٌ غلَوا فيها غلوًّا شديدًا، فاختزلوا الدين كلَّه في السياسة، وفسَّروا نصوصه ومقاصده تفسيرًا سياسيًا محضًا، وحمَّلوا الشرع ما هو بريء منه.
ولا سبيل إلى رفع هذا الإشكال إلا بردِّه إلى حكم الله ورسوله، ومعرفة السياسة الشرعية التي جاء بها الإسلام، وتمييزها عن السياسة المرفوضة التي تقوم على الأهواء والباطل؛ فالله تعالى أمرنا عند التنازع أن نرجع إليه وإلى رسوله، وجعل ذلك من لوازم الإيمان وصحته، قال تعالى: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) [الشورى:10] وقال- جل وعلا-: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) [النساء:59].
والواجب على كل مسلم أن يعلم أن الإسلام دينٌ شاملٌ كامل، شريعةٌ جاءت لتنظيم شؤون الحياة كلها، عبادةً ومعاملةً، دينًا ودنيا، حكمًا وسياسةً، فلا يعقل أن يبيَّن الدين دقائق الطهارة وآداب الخلاء، ثم يُهمِل قضايا الحكم، والعدل، والسياسة، وتدبير شؤون الأمة.
والناس في موقفهم من السياسة فريقان متقابلان:
فريقٌ غرق في السياسة، فجعلها همه الأكبر، وشغله الشاغل، وتحدَّث بلغة الأخبار والتحليلات، وطوَّع نصوص الدين لخدمة المواقف السياسية، مع أن الواجب هو أن تُخضع السياسة للدين لا أن يُخضع الدين للسياسة؛ إذ السياسة الشرعية جزء من الدين وليست هي الدين كله.
وفريقٌ آخر أنكر علاقة الدين بالسياسة، وهم طائفتان:
إحداهما من العلمانيين المتأثرين بالغرب، الذين قاسوا الإسلام على النصرانية المحرفة، فدعوا إلى فصل الدين عن الدولة والحياة.
والأخرى من بعض المسلمين المغلوبين على أمرهم، الذين رأوا فساد الواقع، فآثروا السلامة، وانكفؤوا عن مدافعة الباطل، ثم انتهوا إلى إنكار السياسة من أصلها، فحصروا الدين في العبادات الفردية، وتركوا شؤون الحكم والتشريع لأهواء البشر.
وهذا الفهم خطأ جسيم وضلال مبين؛ لأنه يصادم نصوص الوحي الصريحة التي تقرر التحاكم إلى شرعه، والرضا بأحكامه، والتسليم لها ظاهرًا وباطنًا، وأن من تمام الإيمان تحكيم رسول الله ﷺ في كل ما شجر بين الناس.
وقد جسَّد النبي ﷺ هذا المعنى واقعًا حيًّا؛ فكان نبيًا ورسولًا، وحاكمًا وقائدًا، وساس الناس بسياسة الإسلام، وقاد الجيوش، وأقام العدل، وربَّى الأمة على العزة والاتباع.
فالسياسة في الإسلام جزءٌ أصيلٌ من الدين، لا يجوز فصلها عنه، ولا اختزال الدين فيها، بل تُضبط بالشرع، وتسير على هدي الوحي، وهذا ما يسعى أعداء الإسلام إلى طمسه؛ بفصل الدين عن الحكم، وإحلال القوانين الوضعية محل شريعة الله، وقد أمرنا الله بالكفر بالطاغوت والإيمان به وحده.
فالواجب على الأمة أن تسير على الوسط العدل:
لا تمييع للدين باسم السياسة، ولا تعطيل للشرع باسم الزهد فيها، بل التزام بالسياسة الشرعية التي تحقق العدل، وتحفظ الدين، وتصون المصالح، وتدرأ المفاسد.
ثانياً: وبخصوص الشيخ الفاضل أبي علي فواز المدخلي –حفظه الله– فأقول وبالله التوفيق:
إن القلوب لها إقبالٌ وإدبار، ونشاطٌ وفتور، وهذه سنَّة ماضية في عموم أهل الخير والدعوة، لا يسلم منها أحد. والشيخ فواز –حفظه الله– معلوم بنشاطه في الدعوة إلى الله، وبذله في تعليم الناس ونشر التوحيد والسنة، يشهد بذلك القاصي والداني، بل قد وصفه بعض المشايخ –ومنهم الشيخ فؤاد الزنتاني وفقه الله – بـالعالِم، وهذا موثَّقٌ مسجَّل، لا مجال لإنكاره.
ثانيًا: أنه مرَّت فترةٌ أكثر فيها الشيخ فواز حفظه الله من تناول بعض القضايا السياسية المتعلقة ببلده - المملكة السلفية - وبعض البلدان الإسلامية، ولم يكن ذلك معهود منه بهذه الكثرة، فكان موقف الناس منه على قسمين:
الأول: قسمٌ أنصف وعدل، فعاتبه محبةً وشفقة، لا طعنًا ولا إسقاطًا، وكان عتبهم من جهة الإكثار لا من جهة المبدأ؛ إذ لم يُعهد عن مشايخنا الأجلاء جعل السياسة هي الغالب على خطابهم، وإن تكلموا في السياسة الشرعية فإنما يتكلمون بقدر الحاجة، وبميزان المصلحة، دون كثرة منفِّرة أو انشغالٍ مُلهٍ. فهؤلاء تمنَّوا له الرجوع إلى ما عُرف به من الاشتغال بنشر التوحيد والسنة، ونفع المسلمين بهما، وناصحوه في ذلك.
وقد استجاب الشيخ –ولله الحمد– لهذا النصح، ورجع إلى ما كان عليه، بل عاد أقوى عزيمةً، وأحسن توجُّهًا، نسأل الله له التوفيق والسداد، ونسأله مزيد التفرغ للدعوة والتعليم، فهذا هو الميدان الذي عُرف به وانتفع به الناس.
الثاني: وقسمٌ آخر اتخذ تلك المرحلة ذريعةً للطعن فيه، والتنقّص من علمه، والنيل من مكانته الدعوية، فجعل خطأً عارضًا –إن سُلِّم بوقوعه على الوجه الذي قرّروه– ميزانًا للحكم على الرجل كلِّه، وهذا مسلكٌ مجافٍ للعدل، بعيدٌ عن منهج أهل السُّنَّة؛ فإنهم لا يُسقطون العلماء بزلة، ولا يهدرون الجهود بخطأ، ولا يجعلون العوارض سببًا لمحو الفضائل والسوابق.
وقد أخطأ هذا القسم من وجهين بيِّنين:
أحدهما: مخالفة هدي السلف في معاملة المخطئ من أهل العلم، إذ كانوا يفرّقون بين الخطأ وصاحبه، ويحفظون لأهل الفضل فضلهم، ويجمعون بين الإنكار والإنصاف.
والثاني: أنهم –من حيث لا يشعرون– كشفوا عن خللٍ في المنهج، وفسادٍ في القصد، إذ لو كان الباعث نصحًا مجردًا، لما جاوزوا حدَّ البيان إلى مسلك التنقّص والإسقاط.
وبهذا يظهر أن العدل في النقد أصلٌ سلفيٌّ راسخ، وأن الانحراف عنه لا يضرُّ المنْتَقَد بقدر ما يضر الناقد نفسه إذا أخل، والله أعلم.
من ضمن (سلسلة الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص)