طلاب العلم السلفيون بين الحق والافتراء: دعوة للإنصاف والرفق
مقال الأسبوع: (طلاب العلم السلفيون بين الحق والافتراء: دعوة للإنصاف والرفق)
الحمد لله ، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
فقد ابتُلي بعض المشايخ وطلاب العلم السلفيون - في هذا الزمان الذي كثر فيه الجدل، وضعف فيه سلطان العلم - بمن يرمونهم بألقاب منفِّرة وأحكام جائرة، تارة بوصفهم أصحاب فراغ، وتارة بأنهم فرقة متعصبة، وتارة بأنهم طائشون متعجلون، وتارة بأنهم مجاهيل العين والحال، والغاية من ذلك: إسقاط أثرهم، وتشويه دعوتهم، وتثبيط الناس عن منهج السلف الصالح الحق.
والمتأمل في هذه التهم يجد أن القائلين بها لا يملكون برهانًا ولو من بعيد، بل هي دعاوى تُقال للتنفير لا للتقرير، وللهدم لا للبناء، والله المستعان على ما يصفون.
أولاً: لمزهم بـ (أصحاب الفراغ أو عندهم فراغ):
وهذه تهمة واهية من جهات عدة:
• فالاشتغال بطلب العلم ليس فراغًا، بل هو أشرف ما تُقضى فيه الأعمار، وهو ميراث النبوة الذي لا يُعطى إلا لمن صدق في الطلب واحتسب. ولو كان الاشتغال بالعلم فراغًا -كما يزعمون - لكان سلف الأمة الذين باعوا أعمارهم في مجالس العلم أولى بهذه السهام! وهذا مما تعضله العقول، وترده الفِطَر السليمة.
• ثم إن الواقع شاهد ناطق بأن كثيرًا من الشباب السلفيين يجمعون بين العمل والكسب والوظائف، وبين حضور الدروس وبذل الوقت في الطلب، فهم يُقسمون أوقاتهم بين معاشٍ يقومون به، وعلمٍ يرتقون معه. فكيف يُرمى هؤلاء بالفراغ؟ بل الأنصاف: أن يُشكروا على مجاهدتهم أنفسهم، لا أن يُلصق بهم ما هم منه براء.
• فمثل هذه الكلمة (أصحاب فراغ) ليست طعنًا في الأشخاص بقدر ما هي طعنة في قيمة العلم ذاته، ورغبة خفية في إخماد جذوة الطلب في نفوس الشباب، وتثبيطهم عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وردِّ الباطل خاصة إذا استشرى شره.
• وإيَّاك - أيها المنصف - أن تحمل هذه الكلمة على غير وجهها، فتقول: إن القصد بها الجهَّال المتسكعين على المواقع لا المشايخ وطلبة العلم، فإن الجاهل يُعلَّم، ولا يُقمع، ويُؤخذ بيده إلى الحق، ولا يُزجر بما يزيده نفورًا. والمنهج النبوي في ذلك بيِّنٌ كالشمس؛ فقد جاء الأعرابي فبال في المسجد، فكان موقف النبي ﷺ تعليمًا بالرِّفق، وتدرُّجًا في البيان، ورحمةً جعلت الجاهل مُقبلاً لا مُدبرًا؛ وهكذا ينبغي أن تكون أخلاق الدعاة وطلاب العلم مع من جهل: حكمةٌ تهدي، ورحمةٌ تجذب، وصبرٌ يثمر، وأدبٌ يرفع.
• وأما رمي الناس بالألقاب، وتعميم الأحكام، والطعن في المقاصد؛ فليس ذلك من هدي أهل العلم، ولا من ميراث السلف، ولا من سمات أهل الحق. بل إن المتأمل يرى أن مثل هذه الأوصاف يُراد بها في الحقيقة إسكات طلاب العلم عن ردِّ الباطل، وتمرير هوى النفوس دون منازع؛ فهي سهام لا تُطلق للإصلاح، بل لتكميم الأفواه، وإضعاف صوت النقد العلمي.
٢- وسمهم بأنهم (فرقة متعصبة):
وأما اتهام بعض المشايخ وطلاب العلم السلفيين بأنهم فرقة متعصِّبة؛ فهذه فرية لا تثبت عند أدنى نظر، ولا يقوم عليها برهان. فالانتماء إلى منهج السلف ليس تعصبًا، بل هو عين الاتباع؛ اتِّباعٌ للكتاب والسنة، واقتداءٌ بفهم الصحابة والتابعين، وسيرٌ خلف الأدلة حيثما دارت، من غير التواءٍ وغمغمة ولا تحيُّزٍ لاسمٍ أو جماعة أو شيخ.
والتعصُّب المذموم هو: أن تنصر قولًا أو شخصًا بلا برهان، وتميل مع الهوى فتردَّ الحقَّ بعد ظهوره لمجرَّد موافقة الانتماء أو المذهب؛ وهذا - بحمد الله - مما يبرأ منه المنهج السلفي براءة الشمس من الظلام.
فالسلفيون يعرفون للعلماء أقدارهم، ويحفظون مراتبهم، ويعظمون كلامهم ما قام عليه الدليل، ومع ذلك لا يقدِّسون أحدًا، ولا يجعلون لأحد عصمة، بل يجتمعون على القاعدة الذهبية التي ورثوها عن الأئمة: (كلٌّ يؤخذ من قوله ويُرد، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم).
وهذا هو العدل الذي قامت عليه السلفية، وهذا هو الوسط الذي ضاقت به صدور أهل الفتن والأهواء وبعض الضعفاء المنتسبين للمنهج، فسمَّوه تعصبًا لما لم يطيقوه، ولقّبوه غلوًا لما لم يحتملوه؛ إذ الحق ثقيل، والوضوح مزعج لمن اعتاد الاضطراب والغمغمة، وثبات السلفيين على الدليل يغيظ من كانت البراهين تهدُّ بنيان أقواله.
فالمنهج السلفي منهج بصيرةٍ لا حماسة، وبرهانٍ لا ادعاء، واتباعٍ لا ابتداع؛ ومن عَدَلَ وتَأَمَّلَ، علم أن السلفية هي أبعد الناس عن التعصب، وأقربهم إلى الحق وقبول الحجة، حيثما وُجدت، ومع أيِّ أحد جاءت.
٣- اتهامهم بالطَّيش والعجلة:
وهذه التهمة من أضعف ما يُقال، إذ هي تعميم بلا بينة، وظلم ظاهر، والله الموعد لكل متجاوز وظالم.
إنَّ وقوع بعض الأخطاء أو التصرفات التي فيها استعجال أو حدَّة من بعض المنتسبين إلى السلفية ليست قاعدة ولا يُحتج بها على المنهج وأتباعه، بل هي أحداث فردية، والإنصاف يقتضي معالجة الخطأ عند وقوعه، وتصحيح المسار بالحق والحكمة، لا وصم الكل أو الأغلب بما وقع من البعض.
فالمنهج السلفي قائم على التدرُّج في بناء الشخصية، والحزم مع الرفق، والثبات على الحق مع ضبط النفس واللسان، وليس منه التهور الذي يُعمم على جميع المنتسبين.
ولذلك يظل الخطأ الفردي مدخلاً للتنبيه والتقويم، لا سببًا للقدح العام أو التعميم، فإن الحكم على طائفة من المنتسبين ينبغي أن يكون مدارًا على دليل ثابت، وأعمال متتالية، لا على شذوذات متفرقة أو انفعالات عابرة.
٤- وصفهم بأنهم (مجاهيل العين والحال):
وهذه التهمة من أعجب ما يُقال!؛ مجهول العين: لغةً، هو ما لم يُعرف وصفه أو حاله على وجه الدقة. واصطلاحًا، هو من لم يروَ عنه إلا راوٍ واحد ولم يُوثَّق، أو من لم يشتهر بطلب العلم، ولم يُعرف حديثه إلا من جهة راوٍ واحد.
مجهول الحال: هو من روى عنه راوِيان، ولم يُوثَّق، ولم ينصّ أحدٌ من أهل الجرح والتعديل على توثيقه أو ضعفه. فهو معروف العين؛ لكن حاله في العدالة والضبط، ظاهرًا وباطنًا، مجهولة، مع كونه روى عنه راويان على الأقل كما هو في الاصطلاح، وعليه = فإن طلاب العلم اليوم معروفون بأعيانهم، وبمنهجهم، ودروسهم، وبمشايخهم الذين أخذوا عنهم العلم، ومنهم من شهد له كبار العلماء بثباته وعلمه، ومنهم من له مشاركات علمية واضحة ومعلومة. وإنَّ إطلاق مثل هذا الوصف عليهم، فهو التلاعب بالمصطلحات الشرعية وتحريف لها عن موضعها الصحيح، ليُستعمل كأداة في الخصومات، وإسكات الناصحين، لا لبيان ونصرة الحق المبين.
٥- وأخيرًا: دعوة للتصالح والتحلي بالحكمة:
فإن الواجب على كل منصف أن يميز بين الحق والهوى، وأن يحذر الانجرار وراء الشنشنات والتحريشات التي تهدف إلى بث الفرقة، وتشويش النفوس، وإشغال العامة عن الحق، فليكن القلب صافياً واللسان رقيقًا، والكلام متروياً بالأدلة المحفوفة بالرفق واللين سيما ونحن أصحاب منهج واحد.
إن طلاب العلم السلفيين هم دعائم للهداية والرشاد، وسواعد نصرة الحق، ومرشدون إلى الإصلاح بالحق والرفق = فينبغي على من سبقهم الأخذ بأيديهم وتهذيبهم بالرفق واللين والرحمة فعَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: « إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ » رواه مسلم، كلمة (شَيْءٍ) نكره في سياق النفي تفيد العموم.
وما تُروِّج له هذه الشنشنات إلا لإيغال الصدور، أو محاولات لإسكات الناصحين، أو لتمرير هوى النفس عند البعض؛ فلنكن على بصيرة، ولنعمل جميعًا على جمع الكلمة، وتصحيح المفاهيم، والتعاون على البر والتقوى، ولنتذكر أن الاختلاف في الرأي لا يكون سببًا للإيذاء، ولا للتعميم بالباطل، ولا لسبِّ الناس أو وصمهم بما ليس فيهم، وإنما يُعالَج بالعلم الشرعي، والبيان الحسن، والأدلة المحكمة.
وخير سبيل للتصالح، وأصل في الإصلاح، هو الاعتراف بالخطأ والتوبة منه والبيان، كما قال الله تعالى: (إِلَاّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة: 160]، والنصيحة باللين والرفق، والحوار المبني على الأدلة، وترك التجريح والتشهير، مع التسامح والصبر على المخالفين بالمعروف. فإن هذا سبيل السلف الصالح، ودرع ثبات الدعوة، ودوام أثرها، ونصرة للحق بالهدى والرحمة. ونسأل الله أن يوفقنا لما فيه الخير والصلاح، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وآله وصحبه أجمعين.
وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي الأثري - عفا الله عنه –
الثغر السكندري – حرسه الله –
الأحد: 25 / جمادى الأولى / 1447 هـ.
الحمد لله ، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
فقد ابتُلي بعض المشايخ وطلاب العلم السلفيون - في هذا الزمان الذي كثر فيه الجدل، وضعف فيه سلطان العلم - بمن يرمونهم بألقاب منفِّرة وأحكام جائرة، تارة بوصفهم أصحاب فراغ، وتارة بأنهم فرقة متعصبة، وتارة بأنهم طائشون متعجلون، وتارة بأنهم مجاهيل العين والحال، والغاية من ذلك: إسقاط أثرهم، وتشويه دعوتهم، وتثبيط الناس عن منهج السلف الصالح الحق.
والمتأمل في هذه التهم يجد أن القائلين بها لا يملكون برهانًا ولو من بعيد، بل هي دعاوى تُقال للتنفير لا للتقرير، وللهدم لا للبناء، والله المستعان على ما يصفون.
أولاً: لمزهم بـ (أصحاب الفراغ أو عندهم فراغ):
وهذه تهمة واهية من جهات عدة:
• فالاشتغال بطلب العلم ليس فراغًا، بل هو أشرف ما تُقضى فيه الأعمار، وهو ميراث النبوة الذي لا يُعطى إلا لمن صدق في الطلب واحتسب. ولو كان الاشتغال بالعلم فراغًا -كما يزعمون - لكان سلف الأمة الذين باعوا أعمارهم في مجالس العلم أولى بهذه السهام! وهذا مما تعضله العقول، وترده الفِطَر السليمة.
• ثم إن الواقع شاهد ناطق بأن كثيرًا من الشباب السلفيين يجمعون بين العمل والكسب والوظائف، وبين حضور الدروس وبذل الوقت في الطلب، فهم يُقسمون أوقاتهم بين معاشٍ يقومون به، وعلمٍ يرتقون معه. فكيف يُرمى هؤلاء بالفراغ؟ بل الأنصاف: أن يُشكروا على مجاهدتهم أنفسهم، لا أن يُلصق بهم ما هم منه براء.
• فمثل هذه الكلمة (أصحاب فراغ) ليست طعنًا في الأشخاص بقدر ما هي طعنة في قيمة العلم ذاته، ورغبة خفية في إخماد جذوة الطلب في نفوس الشباب، وتثبيطهم عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وردِّ الباطل خاصة إذا استشرى شره.
• وإيَّاك - أيها المنصف - أن تحمل هذه الكلمة على غير وجهها، فتقول: إن القصد بها الجهَّال المتسكعين على المواقع لا المشايخ وطلبة العلم، فإن الجاهل يُعلَّم، ولا يُقمع، ويُؤخذ بيده إلى الحق، ولا يُزجر بما يزيده نفورًا. والمنهج النبوي في ذلك بيِّنٌ كالشمس؛ فقد جاء الأعرابي فبال في المسجد، فكان موقف النبي ﷺ تعليمًا بالرِّفق، وتدرُّجًا في البيان، ورحمةً جعلت الجاهل مُقبلاً لا مُدبرًا؛ وهكذا ينبغي أن تكون أخلاق الدعاة وطلاب العلم مع من جهل: حكمةٌ تهدي، ورحمةٌ تجذب، وصبرٌ يثمر، وأدبٌ يرفع.
• وأما رمي الناس بالألقاب، وتعميم الأحكام، والطعن في المقاصد؛ فليس ذلك من هدي أهل العلم، ولا من ميراث السلف، ولا من سمات أهل الحق. بل إن المتأمل يرى أن مثل هذه الأوصاف يُراد بها في الحقيقة إسكات طلاب العلم عن ردِّ الباطل، وتمرير هوى النفوس دون منازع؛ فهي سهام لا تُطلق للإصلاح، بل لتكميم الأفواه، وإضعاف صوت النقد العلمي.
٢- وسمهم بأنهم (فرقة متعصبة):
وأما اتهام بعض المشايخ وطلاب العلم السلفيين بأنهم فرقة متعصِّبة؛ فهذه فرية لا تثبت عند أدنى نظر، ولا يقوم عليها برهان. فالانتماء إلى منهج السلف ليس تعصبًا، بل هو عين الاتباع؛ اتِّباعٌ للكتاب والسنة، واقتداءٌ بفهم الصحابة والتابعين، وسيرٌ خلف الأدلة حيثما دارت، من غير التواءٍ وغمغمة ولا تحيُّزٍ لاسمٍ أو جماعة أو شيخ.
والتعصُّب المذموم هو: أن تنصر قولًا أو شخصًا بلا برهان، وتميل مع الهوى فتردَّ الحقَّ بعد ظهوره لمجرَّد موافقة الانتماء أو المذهب؛ وهذا - بحمد الله - مما يبرأ منه المنهج السلفي براءة الشمس من الظلام.
فالسلفيون يعرفون للعلماء أقدارهم، ويحفظون مراتبهم، ويعظمون كلامهم ما قام عليه الدليل، ومع ذلك لا يقدِّسون أحدًا، ولا يجعلون لأحد عصمة، بل يجتمعون على القاعدة الذهبية التي ورثوها عن الأئمة: (كلٌّ يؤخذ من قوله ويُرد، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم).
وهذا هو العدل الذي قامت عليه السلفية، وهذا هو الوسط الذي ضاقت به صدور أهل الفتن والأهواء وبعض الضعفاء المنتسبين للمنهج، فسمَّوه تعصبًا لما لم يطيقوه، ولقّبوه غلوًا لما لم يحتملوه؛ إذ الحق ثقيل، والوضوح مزعج لمن اعتاد الاضطراب والغمغمة، وثبات السلفيين على الدليل يغيظ من كانت البراهين تهدُّ بنيان أقواله.
فالمنهج السلفي منهج بصيرةٍ لا حماسة، وبرهانٍ لا ادعاء، واتباعٍ لا ابتداع؛ ومن عَدَلَ وتَأَمَّلَ، علم أن السلفية هي أبعد الناس عن التعصب، وأقربهم إلى الحق وقبول الحجة، حيثما وُجدت، ومع أيِّ أحد جاءت.
٣- اتهامهم بالطَّيش والعجلة:
وهذه التهمة من أضعف ما يُقال، إذ هي تعميم بلا بينة، وظلم ظاهر، والله الموعد لكل متجاوز وظالم.
إنَّ وقوع بعض الأخطاء أو التصرفات التي فيها استعجال أو حدَّة من بعض المنتسبين إلى السلفية ليست قاعدة ولا يُحتج بها على المنهج وأتباعه، بل هي أحداث فردية، والإنصاف يقتضي معالجة الخطأ عند وقوعه، وتصحيح المسار بالحق والحكمة، لا وصم الكل أو الأغلب بما وقع من البعض.
فالمنهج السلفي قائم على التدرُّج في بناء الشخصية، والحزم مع الرفق، والثبات على الحق مع ضبط النفس واللسان، وليس منه التهور الذي يُعمم على جميع المنتسبين.
ولذلك يظل الخطأ الفردي مدخلاً للتنبيه والتقويم، لا سببًا للقدح العام أو التعميم، فإن الحكم على طائفة من المنتسبين ينبغي أن يكون مدارًا على دليل ثابت، وأعمال متتالية، لا على شذوذات متفرقة أو انفعالات عابرة.
٤- وصفهم بأنهم (مجاهيل العين والحال):
وهذه التهمة من أعجب ما يُقال!؛ مجهول العين: لغةً، هو ما لم يُعرف وصفه أو حاله على وجه الدقة. واصطلاحًا، هو من لم يروَ عنه إلا راوٍ واحد ولم يُوثَّق، أو من لم يشتهر بطلب العلم، ولم يُعرف حديثه إلا من جهة راوٍ واحد.
مجهول الحال: هو من روى عنه راوِيان، ولم يُوثَّق، ولم ينصّ أحدٌ من أهل الجرح والتعديل على توثيقه أو ضعفه. فهو معروف العين؛ لكن حاله في العدالة والضبط، ظاهرًا وباطنًا، مجهولة، مع كونه روى عنه راويان على الأقل كما هو في الاصطلاح، وعليه = فإن طلاب العلم اليوم معروفون بأعيانهم، وبمنهجهم، ودروسهم، وبمشايخهم الذين أخذوا عنهم العلم، ومنهم من شهد له كبار العلماء بثباته وعلمه، ومنهم من له مشاركات علمية واضحة ومعلومة. وإنَّ إطلاق مثل هذا الوصف عليهم، فهو التلاعب بالمصطلحات الشرعية وتحريف لها عن موضعها الصحيح، ليُستعمل كأداة في الخصومات، وإسكات الناصحين، لا لبيان ونصرة الحق المبين.
٥- وأخيرًا: دعوة للتصالح والتحلي بالحكمة:
فإن الواجب على كل منصف أن يميز بين الحق والهوى، وأن يحذر الانجرار وراء الشنشنات والتحريشات التي تهدف إلى بث الفرقة، وتشويش النفوس، وإشغال العامة عن الحق، فليكن القلب صافياً واللسان رقيقًا، والكلام متروياً بالأدلة المحفوفة بالرفق واللين سيما ونحن أصحاب منهج واحد.
إن طلاب العلم السلفيين هم دعائم للهداية والرشاد، وسواعد نصرة الحق، ومرشدون إلى الإصلاح بالحق والرفق = فينبغي على من سبقهم الأخذ بأيديهم وتهذيبهم بالرفق واللين والرحمة فعَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: « إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ » رواه مسلم، كلمة (شَيْءٍ) نكره في سياق النفي تفيد العموم.
وما تُروِّج له هذه الشنشنات إلا لإيغال الصدور، أو محاولات لإسكات الناصحين، أو لتمرير هوى النفس عند البعض؛ فلنكن على بصيرة، ولنعمل جميعًا على جمع الكلمة، وتصحيح المفاهيم، والتعاون على البر والتقوى، ولنتذكر أن الاختلاف في الرأي لا يكون سببًا للإيذاء، ولا للتعميم بالباطل، ولا لسبِّ الناس أو وصمهم بما ليس فيهم، وإنما يُعالَج بالعلم الشرعي، والبيان الحسن، والأدلة المحكمة.
وخير سبيل للتصالح، وأصل في الإصلاح، هو الاعتراف بالخطأ والتوبة منه والبيان، كما قال الله تعالى: (إِلَاّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة: 160]، والنصيحة باللين والرفق، والحوار المبني على الأدلة، وترك التجريح والتشهير، مع التسامح والصبر على المخالفين بالمعروف. فإن هذا سبيل السلف الصالح، ودرع ثبات الدعوة، ودوام أثرها، ونصرة للحق بالهدى والرحمة. ونسأل الله أن يوفقنا لما فيه الخير والصلاح، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وآله وصحبه أجمعين.
وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي الأثري - عفا الله عنه –
الثغر السكندري – حرسه الله –
الأحد: 25 / جمادى الأولى / 1447 هـ.