الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. الفتاوى

انتشر للشيخ رسلان مقطع صوتي قصير وفيه: (وأقول لكل من شتمني أو اغتابني أو افترى علي : سبحان الذي سخرك لحمل سيئاتي كما سخر البغال والحمير…

١ جمادى الأولى ١٤٤٧ هـ٢٣ أكتوبر ٢٠٢٥
الفتاوىالعقيدة والتوحيدالمنهج والدعوة السلفيةالرقائق والآداب
السؤال: مئتان وأربعة:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حياكم الله شيخنا وبارك فيك...
انتشر للشيخ رسلان مقطع صوتي قصير وفيه: (وأقول لكل من شتمني أو اغتابني أو افترى علي : سبحان الذي سخرك لحمل سيئاتي كما سخر البغال والحمير لحمل متاعي) فهل هذا الكلام مخالف لمنهج السلف، لأني أعلم أن العلماء من شيمهم العفو.
https://www.youtube.com/shorts/uGI19nHRijs

الحمد لله:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، الله يحيك ويبارك فيك:
إن من تمام المروءة العلمية، وكمال السَّمت الدعوي، أن يزن المتكلمُ في العلم كلماته بميزان الشرع والعقل، فيختار من الألفاظ ما يليق بمقامه، ويحفظ بها هيبة العلم ووقار الدعوة. فالكلمة ـ وإن كانت في ذاتها حقًّا ـ قد يكسوها من الأسلوب ما ينقص رونقها، أو يجرُّ على قائلها من اللوم ما يغطي حسن مقصده.
أولاً: مقدمة لابد منها: مقام العفو ... رفعة لا ينالها إلا الكبار:
في رحلة هذه الحياة، لا يسلم إنسان من أذى الناس، ولا يبرأ قلب من جراح الكلمة أو طعنات الظلم، فذاك يبهت، وذاك يغتاب، وآخر يسيء ويتمادى، ومع ذلك، يبقى الامتحان الحقيقي للنفس ليس في قدرتها على الرد، بل في قدرتها على العفو، وهل تملك من سمو الروح ما يجعلها ترتقي فوق الأذى، وترى وراء الظالم قَدَرًا يمتحنها ويزكيها؟

إن العفو ليس ضعفًا ولا استسلامًا، بل قوةٌ تُسكن القلب، وهيبةٌ تُرضي الربَّ، نعم ... العفو مقامٌ لا يصعد إليه إلا من زكَّى نفسه بصفاء الإيمان، وعلِم أن الله أكرم وأعدل، وأنه القائل جلَّ شأنه: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) [الشورى: 40]، ومن كان أجره على الله، فبأيِّ عوضٍ بعد ذلك يُقايَض؟!
انظر كيف رفع الله شأن العافين، فقال سبحانه: (‌وَسارِعُوا ‌إِلى ‌مَغْفِرَةٍ ‌مِنْ ‌رَبِّكُمْ ‌وَجَنَّةٍ ‌عَرْضُهَا ‌السَّماواتُ ‌وَالْأَرْضُ ‌أُعِدَّتْ ‌لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [آل عمران: 133 - 134]. انظر كيف شرَّف الله العافين ورفع ذكرهم، فجعل العفو سِمة المتقين ومفتاح رضوان ربِّ العالمين.
العفو أن تُطفئ نار الغضب في صدرك، وتَكفَّ يدك ولسانك حين تدعوك النفسُ إلى الانتقام، فتختار الصفح على القهر، وتقول بقلبٍ راضٍ مطمئن: «غفرتُ لمن ظلمني، رجاءَ أن يغفر الله لي». عندها يفيض على قلبك سَكَنٌ عجيب، وتغمر روحك طمأنينةٌ لا يعرفها إلا من سامح، وسلامٌ يملأ دنياك قبل آخرتك. فإذا كان يومُ القيامة، جازاك مولاك بعفوك عن الناس بأن تولَّى أجرك بنفسه، وقال سبحانه وعدًا لا يُخلفه: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) [الشورى: 40]
أترى جمال هذا المعنى؟ إنك حين تعفو، تُكتب في سجل الأعزاء الذين أحبهم الله؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: « وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا ‌بِعَفْوٍ ‌إِلَّا ‌عِزًّا » رواه مسلم، فأيُّ عِزٍّ أعظم من عزٍّ وهبه الله لمن ترك الانتصار لنفسه؟
وما أبلغ قوله تعالى: (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) [فصلت:34- 35]، إنها ليست دعوة إلى الضعف، بل إلى السموِّ ؛ ليست هزيمةً للنفس، بل انتصارٌ عليها؛ ولذلك قال بعدها: (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) [فصلت:34- 35]، فالعفو عن المسيء قرارٌ إيمانيٌّ عميق، تُخرِس به الشيطان وتُرضي الرحمن. هو منحة ربانية لا تُعطى لكل أحد، وإنما يُوفق إليها من ذاق لذة القرب من الله، واستشعر قوله جل جلاله: (وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا، فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [التغابن: 14].

لقد وقف رجل بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم يشكو قرابته الذين يقطعونه ويحسن إليهم، فقال له الحبيب صلى الله عليه وسلم: «لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ ‌فَكَأَنَّمَا ‌تُسِفُّهُمُ ‌الْمَلَّ، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ» رواه مسلم، فما أعجب هذا الجزاء! أن يكون الله معك ما دمت تعفو وتُحسن!
ثانياً: ما نُقل عن الشيخ رسلان – عفا الله عنه – : «وأقول لكل من شتمني أو اغتابني أو افترى علي : سبحان الذي سخرك لحمل سيئاتي كما سخر البغال والحمير لحمل متاعي»، فإنه – وإن أراد بها معنىً صحيحًا في الجملة، وهو أن من شتمه أو ظلمه إنما يحمل من سيئاته يوم القيامة، كما قال تعالى: (وَلَيَحْمِلُنَّ ‌أَثْقَالَهُمْ ‌وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ) [العنكبوت: 13] – إلا أن العبارة غير رائقة في لفظها، مستهجنة في ذوقها، وقد خالف بها الأولى والأليق، إذ المقام مقام توجيهٍ وتذكيرٍ لا مقام تقريعٍ وزجرٍ بعباراتٍ خشنة.
فالإنسان كلما علت منزلته، ضاق عليه ما يتسع لغيره، لأن الناس ينظرون إليه بعين القدوة، ويرون في كلماته ترجمانًا للعلم الذي يحمله. وقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم وهو أعلم بخلقه: (فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ ‌لانْفَضُّوا ‌مِنْ ‌حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ) [آل عمران: 159]. فكيف بغيره من العلماء ومن دونهم؟!
إن الرفق زينةُ القول، واللين مفتاحُ القلوب، والكلمة الطيبة صدقة، كما في الحديث، وليس العيبُ في شدَّة الحق، وإنما في غِلظة العبارة التي قد تُغلق باب الانتفاع بالحق.
وقد جرى دأب العلماء الربانيين على أن يجعلوا من الردِّ بابًا للهداية لا بابًا للخصومة، فيغارون للحق دون أن يغلظوا للخلق، ويقمعون الباطل بالحجة لا بالهجاء، فإذا اضطروا إلى الشدة اقتصروا على قدر الحاجة، مع حفظ كرامة الخطاب، وجمال العبارة.

نعم، إذا ضاق صدر المظلوم، واشتد بلاؤه، فليعلم أن الله أباح له الدعاء على ظالمه، فقال سبحانه: (لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا) [النساء: 148]، لكن الله فتح له بابًا أوسع وأجمل فقال عَقِبَها: (إِن تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ، فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا) [النساء: 149].
فالعفو ليس غفلةً عن الحق، بل إيثارٌ لمرضاة الله على هوى النفس، ومن أراد أن يذوق حلاوة العفو، فليتذكر أن خصومته مع الناس موقوتة، أما حسابه عند الله فباقٍ، وأن المظلوم إذا عفا، خرج من الظلم نقيًّا، وخرج ظالمه مُثقلاً بذنبه.
فإذا أردت عزًّا لا يزول، فاعفُ؛ وإن أردت راحة لا تنقطع، فسامح؛ وإن أردت أن ترى فضل الله في حياتك، فاجعل قلبك طاهرًا لا يحمل حقدًا لأحد.

ثالثاً: سماحة عالم (ابن تيمية نموذجاً):
يا لها من دروسٍ ثمينةٍ حفرتْها محنةُ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في صفحات التاريخ! حين انقضت عليه محكمةٌ ظالمةٌ، وأمر ابن مخلوف بأن يُؤخذ إلى السجن في رمضان سنة 705هـ، لم تزدْ نفسَ الإمام إلا نبلاً ورقَّةً. بل إن حواره مع أخيه حين ابتهل ودعا عليهم كشف عن عظيم تسامحه: منعه أن يلعنهم، وبدَّل دعاءَ الانتقامِ بدعاءٍ يهديهم إلى النور والحق. قال له: «بل قل: اللهم هب لهم نورًا يهتدون به إلى الحق ». كما في «ذيل طبقات الحنابلة» [4/512]. فهنا الوجه الحقيقي للعفو: أن يتحوَّل الغَضَبُ إلى رجاءٍ للهداية، وأن يُستبدَل الانتقامُ بدعاءٍ يُطلب فيه صلاح العباد.

وليس هذا موقفاً مرَّ فحسب، بل سلوكٌ متكررٌ في كلامه وسِيرته. لقد كتب في سجنه رسائلَ تدلُّ على نبل نفسه وسموِّ مقصده، يصرِّح فيها أنه من أعظم الناس مساعدةً على إطفاء الشر وإقامة الخير، وأنه لا يكون عونًا على عدوٍّ، وأن نيَّته قائمة على حفظِ الأُخوة وصونِ الجماعة. يقول: « وأنا والله من أعظم الناس معاونة على إطفاء كل شر فيها وفي غيرها وإقامة كل خير، وابن مخلوف لو عمل مهما عمل والله ما أقدر على خير إلا وأعمله معه ولا أعين عليه عدوه قط. ولا حول ولا قوة إلا بالله. هذه نيتي وعزمي، مع علمي بجميع الأمور. فإني أعلم أن الشيطان ينزغ بين المؤمنين ‌ولن ‌أكون ‌عونا ‌للشيطان ‌على ‌إخواني ‌المسلمين. ولو كنت خارجا لكنت أعلم بماذا أعاونه ». كما في (مجموع الفتاوى) [3/271] ثم يؤكد: « ليس غرضي في إيذاء أحد، ولا الانتقام منه، ولا مؤاخذته، وأنا عافٍ عمَّن ظلمني ». كما في (مجموع الفتاوى) [3/266]

ولم يقف العفو عند حدِّ الامتناع عن الأذية، بل تجاوزه إلى بذل الإحسان وتأليف القلوب: «أبذل غاية ما وسعني من الإحسان، وتركِ الانتقام، وتأليفِ القلوب». كما في (مجموع الفتاوى) [3/266] ويقول بعد أن أعيد للسجن مرةً أخرى عن خصومه: (وكم أجد عليهم، وما أدعو عليهم) كما في «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» [5/669]، وبعد خروجه كتب أن من كذبوا وظلموا هم في حلٍّ من ناحيته، فقال: « من ‌آذاني ‌فهو ‌في ‌حِل، ومن آذى الله ورسوله فالله ينتقم منه، وأنا لا أنتصر لنفسي». وهو ما أقرَّ به ابن مخلوف بعد أن انقضت المحنة، فقال كلمته المشهورة: « ما رأينا مثل ابن تيمية، حرضنا عليه، فلم نقدر عليه، وقدِرَ علينا فصفَح عنَّا، وحاجَج عنا» كما في (البدايو النهاية) لتلميذه ابن كثير [18/ 94 - 95].
فهكذا كان علماؤنا: يجمعون بين قوَّة الحجة وسماحة القلب، وبين ثبات المبدأ ورقَّة المعاملة. وإذا كانت الدعوة ميراث الأنبياء، فإنَّ من حملها حقًّا لا يورث الناس غلًّا ولا حقدًا، بل يورثهم خُلق الصفح والعفو، ويغرس فيهم أن طريق الحق لا يُسقى بدم الانتقام، بل بماء الإخلاص والرحمة وعبق الرفق واللين.
فنِعم القدوة أولئك، وجديرٌ بمن حمل همَّ الدعوة أن يسير على نهجهم، ويقتفي أثرهم في الصبر والعفو، والثبات على الحق مع صفاء القلب وحُسن المقصد.
هذه مقامات العلم المشرِّفة: شجاعةٌ على إقامة الحق، وسماحةٌ في مخاطبة الخلق. فالعالم لا يختزل دعوته في لسانٍ قاسٍ أو نَفْسٍ حانقة، بل يجعل مِنهجهُ سبيلاً للهدى لا بابًا للخصومة. ومنهج ابن تيمية في هذه المحنة يعلِّمنا درسًا عمليًا: أن نحمِلَ همَّ الدعوة بأخلاقها، وأن نختار العفو صراحةً لا اضطرارًا، وأن نُثري الساحة بسلوكٍ يُصدِّق القول ويطابق العمل نسأل الله من فضله، والله أعلم.

من ضمن سلسلة (الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص

مواد ذات صلة