الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. الفتاوى

السؤال: مئة وسبعة وأربعون السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

٢٩ ربيع الأول ١٤٤٧ هـ٢١ سبتمبر ٢٠٢٥
الفتاوىالعقيدة والتوحيدالمنهج والدعوة السلفيةالرقائق والآداب
السؤال: مئة وسبعة وأربعون:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أحسن الله اليكم شيخنا لو سمحتم التكرم بالإجابة على هذا السؤال:
شيخنا -حفظكم الله- عندما نبين ونحذر من فتنة المصعفقة الأخس من الحدادية يخرج علينا بعض الناس بمثل هذا التعليق يقول: إن الفتن إذا مضت وذهب أهلها وجب أن تطوى ولا تروى وأن يغلق بابها ولا يعاد فتحه، وقد مضت فتنة المصعفقة وما تبعها فلا معنى أن نجددها ونعيش في أجوائها من جديد وقد انشغل العلماء وطلبة العلم الصادقون اليوم بنشر التوحيد والسنة والعلم النافع والنصيحة لن تبلغ ثمرتها إلا إذا استثمرناها في التوجه إلى طلب العلم ونشر التوحيد لا بإعادة بث الفتن القديمة. هل هذا التعليق يوافق كلام أن العلم في فتنة المصعفقة.؟ جزاكم الله خيرا شيخنا ونفع الله بكم.
الحمد لله:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
هذا التعليق الذي يروِّج له بعض الناس، ومفاده أن الفتن إذا مضت وجب أن تطوى ولا تروى، لا يوافق الحق في مسألة فتنة المصعفقة؛ بل هو من جنس الأقوال التي يلبِّس بها أهل الباطل وأتباعهم، يريدون من ورائها التغطية على باطلهم، وستر انحرافهم، وإسكات أهل السنة عن التحذير منهم.
أولاً: ينبغي أن يعلم أنَّ منهج السلف قائم على أصلين عظيمين:
الأول: نشر الحق: بتقرير العقيدة الصحيحة، وبث العلم النافع، وترسيخ معالم التوحيد والسنة، وتربية الناس على الهدي المستقيم.
الثاني: التحذير من الباطل وأهله: بكشف شبهاتهم، وفضح مخططاتهم، وبيان عوارهم، صيانةً للسنة، وحمايةً للصف السلفي من التلوث والاختلاط.
وهذان الأصلان هما ما يعبِّر عنه علماؤنا الكبار بـ «التصفية والتربية» أو «التخلية والتحلية»، إذ كيف يُرتجى صفاء التصفية إذا تُركت الشوائب تعبث في أوساطها؟ وكيف تُؤمَّل تربية راشدة إذا تُرك الجدار بلا حارس يتسلل عبره المفسدون؟! بل المنهج السلفي الحق أن يُزال الباطل كما يُثبت الحق، ويُحسم الزيف كما يُغرس الأصيل.
كما قال تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ} [البقرة: ٢٥٦]» قال العلامة عبد الرحمن بن حسن رحمه الله كما في (الدرر السنية) [11/545]: «أجمع العلماء سلفًا وخلفًا من الصحابة، والتابعين، والأئمة، وجميع أهل السنَّة، أن المرء لا يكون مسلمًا، إلاَّ بالتجرُّد من الشرك الأكبر، والبراءة منه وممن فعله، وبغضهم ومعاداتهم بحسب الطاقة والقدرة، وإخلاص الأعمال كلها لله، كما في حديث معاذ الذي في الصحيحين: «فإنَّ حقَّ الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا» اهـ.
فمن رام الاقتصار على نشر الحق دون رد الباطل، فقد ترك شطر المنهج، وبتر نصف الدين، وخالف سبيل الأئمة المتقدمين، الذين ملؤوا كتبهم ردًّا على المخالفين كما ملؤوها تقريرًا للأصول، بل ربما قُدِّم الرد على أهل البدع على غيره من وجوه التصنيف؛ لما فيه من حفظ للدين، وصيانة لعقائد المسلمين من أن تعبث بها أيدي المبطلين.
ثانيًا: هل فتنة المصعفقة طويت وانتهت؟
الجواب: كلا ثم كلا، بل الحق أن نارها ما زالت متقدة، وأهلها لم يُعلنوا توبة ولا رجوعًا ولا إصلاحًا ولا أدنى تصحيح لمواقفهم، وإنما استمروا في مسلكهم الفاسد، مصرِّين على باطلهم.
فهم اليوم كما كانوا بالأمس: يثيرون الشبهات، ويشوِّشون على السلفيين في كل مكان، ويفتنون الشباب الساذج، ويشغبون على العلماء الربانيين.
ومناهجهم المنحرفة ما زالت قائمة لم تنطمس، وأفكارهم لم تندثر، بل تجددت في أثواب أخرى عند بعض الأتباع، غير أن اللبيب البصير يعرفهم من أول وهلة، ويكشفهم من تعليقاتهم المأفونة على كتاباتنا، ومن جنس هذا التعليق الماثل في السؤال!
فكيف يُقال بعد هذا: (انتهت الفتنة)؟!
إن هذا القول ليس إلا تبرئةً للباطل وأهله، وتضليلًا للناس، ومحاولةً خسيسة لإسكات الناصحين، وهو قول عارٍ من الإنصاف، بعيد عن الحق، لا يقوله إلا من جهل المنهج أو أراد التلبيس على أهله.
وقد قرر أئمة السلف أن التحذير من أهل الأهواء والبدع لا ينقطع ما دام لهم وجود وأثر؛ وهم عندنا أخس من الحدادية، وكان الإمام أحمد يحذر من الجهمية والقدرية وغيرهم، مع أن رؤوسهم قد ماتوا، لكن مقالاتهم لم تمت.
فمن زعم أن فتنة المصعفقة قد مضت وانتهت فقد ناقض منهج السلف، وخالف سبيل الأئمة، وسعى - عن قصد أو عن غير قصد - إلى حماية الباطل وتمكينه، وما ذلك إلا خذلان مبين.
ثالثاً: إذا كان أئمة الإسلام – رحمهم الله – لم يزالوا عبر القرون يُحذِّرون من أصول البدع الكبرى، كالإرجاء والاعتزال والتشيع، ويُفنِّدون شبهاتها جيلاً بعد جيل، مع أن دعاتها الأوائل قد بادوا منذ مئات السنين؛ فكيف يُستنكَر اليوم على السلفيين أن يقفوا بالمرصاد لفتنةٍ لم يَتبرأ أصحابها، ولم يُعلنوا توبة ولا رجوعاً، بل لا تزال سيوفهم مسلَّطة على الدعوة السلفية والسلفيين، وأفكارهم ناشرة سمومها في أوساط الشباب؟!
بل التحذير من الفتن والبدع عينُ نشر التوحيد والسنة، إذ لا يُصان التوحيد إلا بهدم ما ينقضه، ولا تحفظ السنة إلا بكشف ما يضادها من إحداث المحدثين المبتدعين، فأما الاقتصار على بث العلم المجرد دون دفع الباطل فليس منهج السلف.
رابعاً: أما حقيقة هذا التعليق:
فهو وإن كان قائله يريد به الخير، إلا أن مآله إلى التمييع، وإضعاف مكانة علمائنا الذين جاهدوا في كشف هذه الفتنة وبيان حقيقتها. كما أن فيه موافقة – من حيث لا يقصد – لمقاصد أهل الأهواء الذين يسعون جاهدين لطمس ذكر باطلهم، ليجدوا المجال مفتوحًا لنشر شبهاتهم والتشويش على الدعوة.
ولهذا أنصح أخي الكريم – نصح المحب المشفق – أن يراجع موقفه، وألا يتعجل في إطلاق مثل هذه الكلمات، بل يعكف على كتب الردود وأقوال الأئمة، ليتضح له خطر الفتن، وليدرك عظيم صنيع علمائنا الذين وأدوها في مهدها صيانةً للتوحيد وحمايةً للسنة ورحمةً بالخلق. فهذا هو الطريق الآمن، ومن لزمه سلم ونجا، ومن أعرض عنه ضل وغوى. والله الموفق.

من ضمن (سلسلة الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص)

مواد ذات صلة