السلام عليك ورحمه الله وبركاته، حياك الله
السؤال مئة وستة وثلاثون:
السلام عليك ورحمه الله وبركاته، حياك الله
(كان عامر بن عبد القيس يصلي ألف ركعة، ثم يجلس وقد انتفخت ساقاه، فيقول: يوشك أن يزول هذا التعب). وإذا كانَتِ النّفُوسُ كِباراً ** تَعِبَت في مُرادِها الأَجسامُ، - موافق المرافق لـ ابن الجوزي ، هل هذا الأثر صحيح؟
الحمد لله:
عامر بن عبد الله، وهو الذي يقال له ابن عبد قيس؛ يكنى أبا عمرو. وقيل أبا عبد الله، من بني تميم. قاله ابن الجوزي في (صفة الصفوة) [2/119].
قلت: هذا الأثر له عدة روايات (يصحح بمجموعها):
أولها:
أخرجها ابن أبي الدنيا في (محاسبة النفس) [1/118 رقم: 99] وفي (التهجد وقيام الليل) [ص227-228] ومن طريقه البيهقي في (شعب الإيمان) (ج4/ص515) ومن طريقه ابن عساكر في (تاريخ دمشق) [26: 18] وابن الجوزي في (المنتظم) [6: 98] من طريق سَلَمَةَ بْنِ شَبِيبٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَالِبٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ يَسَافٍ، سَمِعْتُ الْمُعَلَّى بْنِ زِيَادٍ، يَقُولُ:
كَانَ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَدْ فَرَضَ عَلَى نَفْسِهِ كُلَّ يَوْمٍ أَلْفَ رَكْعَةٍ وَكَانَ إِذَا صَلَّى الْعَصْرَ جَلَسَ وَقَدِ انْتَفَخَتْ سَاقَاهُ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ فَيَقُولُ: «يَا نَفْسِي بِهَذَا أُمِرْتِ وَلِهَذَا خُلِقْتِ يُوشِكُ أَنْ تَذْهَبَ الْغَيَابِقُ» وَكَانَ يَقُولُ لِنَفْسِهِ: «قَوْمِي يَا مَأْوَى كُلِّ سُوءٍ فَوَعِزَّةِ رَبِّي لَأَزْحَفَنَّ بِكِ زَحَفَ الْبَعِيرِ وَإِنِ اسْتَطَعْتُ أَنْ لَا يَمَسَّ الْأَرْضَ مِنْ رُهْمِكِ لَأَفْعَلَنَّ» ثُمَّ يَتَلَوَّى كَمَا يَتَلَوَّى الْحَبُّ عَلَى الْمِقْلَى ثُمَّ يَقُومُ فَيُنَادِي: «اللَّهُمَّ إِنَّ النَّارَ قَدْ مَنَعْتَنِي مِنَ النَّوْمِ فَاغْفِرْ لِي»
قلت: (إسناده ضعيف)
(الْمُعَلَّى بْنِ زِيادٍ) هو: القُرْدوسيّ، أبو الحسن البصريّ، صدوقٌ، قليل الحديث، زاهدٌ، اختَلَف قول ابن معين فيه من رجال مسلم والأربعة وروى له البخاري في التاريخ.
وعامر بن يساف هو عامر بن عبد الله بن يساف ينسب إلى جده.
قال ابن عدي في (الكامل) [6/158 رقم الترجمة: 1262]: (منكر الحديث عن الثقات ومع ضعفه يكتب حديثه) وقال العجلي : يكتب حديثه وفيه ضعف وقال الدوري عن ابن معين: ثقة، كما في (اللسان) [3/ 234] وقال ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) [6/ 1833]: عامر بن يساف من أهل اليمامة سألت أبي عنه فقال: هو صالح. قال الحافظ في (التهذيب): قال أبو داود: ليس به بأس، رجل صالح، وقال العجلي: يكتب حديثه، وفيه ضعف، وقال الدوري، عن ابن معين: ليس بشيء؛ وقال البرقي، عن ابن معين: ثقة، وقال ابن عدي: منكر الحديث عن الثقات، ومع ضعْفِهِ يُكْتَبُ حديثُهُ كما في تهذيب التهذيب، ولخصه الحافظ في (التقريب) [288/ رقم الترجمة: 3101]: فقال: (شيخ لين الحديث) اهـ.
قلت: فحديثه حسن في الشواهد، وخاصة في مثل هذا الأثر.
ثانيها:
وأخرجه أبو بكر الدينوري في (المجالسة وجواهر العلم) [4/365 رقم: ١٥٤٧]، ومن طريقه ابن عساكر في (تاريخ دمشق) [26/17] قال: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، نَا يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحُلْوَانِيُّ، نَا عثمان بن الهيثم أو مُسْلِمِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ؛ قَالَ: كَانَ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَدْ فَرَضَ عَلَى نَفْسِهِ كُلَّ يَوْمٍ أَلْفَ رَكْعَةٍ، ... بنحوه.
(إسناده ضعيف)
قلت: الحسن بن أبي جعفر هو: الجفري بضم الجيم وسكون الفاء البصري، قال عمرو بن علي: صدوق منكر الحديث، كان يحيى بن سعيد لا يحدث عنه.
وقال إسحاق بن منصور: ضعفه أحمد. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال الترمذي: ضعفه يحيى بن سعيد وغيره. وقال النسائي: ضعيف. وقال في موضع آخر: متروك. وقال أبو بكر بن أبي الأسود: ترك ابن مهدي حديثه ثم حدث عنه، وقال: ما كان لي حجة عند ربي. وقال ابن عدي: وللحسن بن أبي جعفر أحاديث صالحة، وهو يروي الغرائب وخاصة عن محمد بن جحادة، له عنه نسخة يرويها المنذر بن الوليد الجارودي عن أبيه عنه، وله عن محمد بن جحادة غير ما ذكرت أحاديث مستقيمة صالحة، وهو عندي ممن لا يتعمد الكذب وهو صدوق، ولخص القول فيه الحافظ في التقريب: ضعيف الحديث مع عبادته وفضله.
قلت: فحديثه حسن في الشواهد، وخاصة في مثل هذا الأثر.
ثالثها:
أخرجها ابن أبي الدنيا في (الأولياء) [1/41 رقم: 101] ومن طريقه ابن عساكر في (تاريخ دمشق) [26/25]، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي حَاتِمٍ الْأَزْدِيُّ، ذَكَرَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ السَّائِحِ، أنا ابْنُ وَهْبٍ، وَغَيْرُهُ يَزِيدَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْحَدِيثِ: " أَنَّ عَامِرَ بْنَ عَبْدِ قَيْسٍ كَانَ مِنْ أَفْضَلِ الْعَابِدِينَ، فَفَرَضَ عَلَى نَفْسِهِ كُلَّ يَوْمٍ أَلْفَ رَكْعَةٍ، يَقُومُ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَلَا يَزَالُ قَائِمًا إِلَى الْعَصْرِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ وَقَدِ انْتَفَخَتْ سَاقَاهُ وَقَدَمَاهُ، فَيَقُولُ: «يَا نَفْسِي، إِنَّمَا خُلِقْتِ لِلْعِبَادَةِ يَا أَمَّارَةً بِالسُّوءِ، فَوَاللَّهِ لَأَعْمَلَنَّ لَكَ عَمَلًا لَا يَأْخُذُ الْفِرَاشُ مِنْكِ نَصِيبًا» ، قَالَ: وَهَبَطَ وَادِيًا يُقَالُ لَهُ وَادِي السِّبَاعِ، وَفِي الْوَادِي عَابِدٌ حَبَشِيٌّ يُقَالُ لَهُ حُمَمَةُ، فَانْفَرَدَ عَامِرٌ فِي نَاحِيَةٍ وَحُمَمَةُ فِي نَاحِيَةٍ يُصَلِّيَانِ، لَا هَذَا يَنْصَرِفُ إِلَى هَذَا، وَلَا هَذَا يَنْصَرِفُ إِلَى هَذَا، أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، إِذَا جَاءَتِ الْفَرِيضَةُ صَلَّيَا ثُمَّ أَقْبَلَا يَتَطَوَّعَانِ، ثُمَّ انْصَرَفَ عَامِرٌ بَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَجَاءَ إِلَى حُمَمَةَ فَقَالَ: «مَنْ أَنْتَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ» ، قَالَ: دَعْنِي وَهَمِّي، قَالَ: «أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ» ، قَالَ: أَنَا حُمَمَةُ قَالَ عَامِرٌ: «لَئِنْ كُنْتَ أَنْتَ حُمَمَةُ الَّذِي ذُكِرَ لِي لَأَنْتَ أَعْبَدُ مَنْ فِي الْأَرْضِ، فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَفْضَلِ خَصْلَةٍ» ، قَالَ: إِنِّي لَمُقَصِّرٌ، وَلَوْلَا مَوَاقِيتُ الصَّلَاةِ تَقْطَعُ عَلَيَّ الْقِيَامَ وَالسُّجُودَ لَأَحْبَبْتُ أَنْ أَجْعَلَ عُمُرِي رَاكِعًا، وَوَجْهِي مَفْرَشًا حَتَّى أَلْقَاهُ، وَلَكِنَّ الْفَرَائِضَ لَا تَدَعُنِي أَفْعَلُ ذَلِكَ، فَمَنْ أَنْتَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ؟ قَالَ: " أَنَا عَامِرُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ قَالَ: إِنْ كُنْتَ عَامِرَ بْنَ عَبْدِ قَيْسٍ الَّذِي ذُكِرَ لِي فَأَنْتُ أَعْبَدُ النَّاسِ، فَأَخْبِرْنِي بِأَفْضَلِ خَصْلَةٍ، قَالَ: إِنِّي لَمُقَصِّرٌ، وَلَكِنْ وَاحِدَةٌ عَظَّمْتُ هَيْبَةَ اللَّهِ فِي صَدْرِي حَتَّى مَا أَهَابُ شَيْئًا غَيْرَهُ "، فَاكْتَنَفَتْهُ السِّبَاعُ، فَأَتَاهُ سَبُعٌ مِنْهَا فَوَثَبَ عَلَيْهِ مِنْ خَلْفِهِ فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْهِ وَعَامِرٌ يَتْلُو هَذِهِ الْآيَةَ {ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ} [هود: 103] فَلَمَّا رَأَى السَّبُعُ أَنَّهُ لَا يَكْتَرِثُ لَهُ ذَهَبَ، فَقَالَ حُمَمَةُ: بِاللَّهِ يَا عَامِرُ أَمَا هَالَكَ مَا رَأَيْتَ؟ قَالَ: «إِنِّي لَأَسْتَحْيِي مِنَ اللَّهِ أَنْ أَهَابَ شَيْئًا غَيْرَهُ» ، قَالَ حُمَمَةُ: لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ ابْتَلَى بِالْبَطْنِ فَإِذَا أَكَلْنَا لَا بُدَّ لَنَا مِنَ الْحَدَثِ مَا رَآنِي رَبِّي إِلَّا رَاكِعًا وَسَاجِدًا، وَكَانَ يُصَلِّي فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ ثَمَانِمِائَةِ رَكْعَةٍ، وَكَانَ يَقُولُ: إِنِّي لَمُقَصِّرٌ فِي الْعِبَادَةِ، وَكَانَ يُعَاقِبُ نَفْسَهُ "
قلت: (إسناده معضل)
عبد الله بن وهب بينه وبين عامر بن عبد الله (عبد قيس) مفاوز.
وجعفر بن أبي جعفر الأشجعي هو جعفر بن ميسرة، قال البخاري: ضعيف منكر الحديث، وقال أبو حاتم: منكر الحديث جداً، وقال ابن عدي: يكنى أبا الوفاء ... وقال أبو زرعة: ليس بقوي، وقال الساجي: ضعيف، وذكره العقيلي في الضعفاء. كما في (لسان الميزان) [2/129].
رابعها:
أخرجها أحمد بن حنبل في الزهد) [1/182 رقم: ١٢٤٤]، وأبو عبيد الهروي في (فضائل القرآن) [1/374] قال: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: كَانَ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ يُصَلِّي الصُّبْحَ فِي الْمَسْجِدِ، يَقُومُ فِي نَاحِيَةٍ مِنْهُ فَيَقُولُ: مَنْ أُقْرِئُ؟ فَيَأْتِيهِ نَاسٌ فَيُقْرِئُهُمُ الْقُرْآنَ حَتَّى تَطْلُعُ الشَّمْسَ، وَتُمْكِنُ الصَّلَاةُ، فَيَقُومُ فَيُصَلِّي حَتَّى يُصَلِّي الظُّهْرَ، ثُمَّ يُصَلِّي حَتَّى تُصَلَّى الْعَصْرُ، ثُمَّ يَقُومُ إِلَى مَجْلِسِهِ مِنَ الْمَسْجِدِ فَيَقُولُ: مَنْ أُقْرِئُ؟ فَيَأْتِيهِ نَاسٌ فَيُقْرِئُهُمُ الْقُرْآنَ حَتَّى يَقُومَ لِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ، ثُمَّ يُصَلِّي حَتَّى تُصَلَّى الْعِشَاءُ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَيَأْخُذُ أَحَدَ رَغِيفَيْهِ مِنْ سَلَّتِهِ، فَيَأْكُلُهُ، وَيَشْرَبُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَضَعُ رَأْسَهُ، فَيَنَامُ نَوْمَةً خَفِيفَةً، ثُمَّ يَقُومُ لِصَلَاتِهِ، فَإِذَا كَانَ مِنَ السَّحَرِ أَخَذَ رَغِيفَهُ الْآخَرَ فَأَكَلَ وَشَرِبَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ.
( إسناده صحيح)
قلت: رجاله ثقات متصل إلى الحسن البصري وقد أدرك عامر بن عبد الله، غير أن هذا الأثر فيه كثرة الصلاة بدون تقييد بعدد (ألف ركعة).
هذا... ولي في ختام تحقيق هذا الأثر تنبيهان مهمان:
الأول: أن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، فما جاء به من السنن هو الكمال الذي لا مزيد عليه، ومن تمسك به نال أعظم القرب.
الثاني: أن من أعانه الله فلا تسأل عن حاله! فهذه أبواب من الفضل يفتحها الله لمن شاء من عباده، كما أعان أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فكانت تصوم الدهر إلا يومي العيدين، وأعان عثمان بن عفان رضي الله عنه فكان يقيم الليل بالقرآن كاملاً كل ليلة. فلا يُستبعد أن يعين الله عامر بن عبد الله (عبد قيس) على ألف ركعة في يومه؟! فلقد صَدَقَ اللَّهَ فَأَعَانَهُ.
فليكن في ذلك بعثٌ للقلوب على الجد والاجتهاد، وتذكير أن من صدق مع الله صدقه الله، ومن استكثر من الطاعات أعانه ربه، فلا تقف دون معالي الأمور، وأحسن الظن بربك، واسعَ بقلب موقن أن الله لا يضيع سعيك، والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله.
من ضمن (سلسلة الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص)
السلام عليك ورحمه الله وبركاته، حياك الله
(كان عامر بن عبد القيس يصلي ألف ركعة، ثم يجلس وقد انتفخت ساقاه، فيقول: يوشك أن يزول هذا التعب). وإذا كانَتِ النّفُوسُ كِباراً ** تَعِبَت في مُرادِها الأَجسامُ، - موافق المرافق لـ ابن الجوزي ، هل هذا الأثر صحيح؟
الحمد لله:
عامر بن عبد الله، وهو الذي يقال له ابن عبد قيس؛ يكنى أبا عمرو. وقيل أبا عبد الله، من بني تميم. قاله ابن الجوزي في (صفة الصفوة) [2/119].
قلت: هذا الأثر له عدة روايات (يصحح بمجموعها):
أولها:
أخرجها ابن أبي الدنيا في (محاسبة النفس) [1/118 رقم: 99] وفي (التهجد وقيام الليل) [ص227-228] ومن طريقه البيهقي في (شعب الإيمان) (ج4/ص515) ومن طريقه ابن عساكر في (تاريخ دمشق) [26: 18] وابن الجوزي في (المنتظم) [6: 98] من طريق سَلَمَةَ بْنِ شَبِيبٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَالِبٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ يَسَافٍ، سَمِعْتُ الْمُعَلَّى بْنِ زِيَادٍ، يَقُولُ:
كَانَ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَدْ فَرَضَ عَلَى نَفْسِهِ كُلَّ يَوْمٍ أَلْفَ رَكْعَةٍ وَكَانَ إِذَا صَلَّى الْعَصْرَ جَلَسَ وَقَدِ انْتَفَخَتْ سَاقَاهُ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ فَيَقُولُ: «يَا نَفْسِي بِهَذَا أُمِرْتِ وَلِهَذَا خُلِقْتِ يُوشِكُ أَنْ تَذْهَبَ الْغَيَابِقُ» وَكَانَ يَقُولُ لِنَفْسِهِ: «قَوْمِي يَا مَأْوَى كُلِّ سُوءٍ فَوَعِزَّةِ رَبِّي لَأَزْحَفَنَّ بِكِ زَحَفَ الْبَعِيرِ وَإِنِ اسْتَطَعْتُ أَنْ لَا يَمَسَّ الْأَرْضَ مِنْ رُهْمِكِ لَأَفْعَلَنَّ» ثُمَّ يَتَلَوَّى كَمَا يَتَلَوَّى الْحَبُّ عَلَى الْمِقْلَى ثُمَّ يَقُومُ فَيُنَادِي: «اللَّهُمَّ إِنَّ النَّارَ قَدْ مَنَعْتَنِي مِنَ النَّوْمِ فَاغْفِرْ لِي»
قلت: (إسناده ضعيف)
(الْمُعَلَّى بْنِ زِيادٍ) هو: القُرْدوسيّ، أبو الحسن البصريّ، صدوقٌ، قليل الحديث، زاهدٌ، اختَلَف قول ابن معين فيه من رجال مسلم والأربعة وروى له البخاري في التاريخ.
وعامر بن يساف هو عامر بن عبد الله بن يساف ينسب إلى جده.
قال ابن عدي في (الكامل) [6/158 رقم الترجمة: 1262]: (منكر الحديث عن الثقات ومع ضعفه يكتب حديثه) وقال العجلي : يكتب حديثه وفيه ضعف وقال الدوري عن ابن معين: ثقة، كما في (اللسان) [3/ 234] وقال ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) [6/ 1833]: عامر بن يساف من أهل اليمامة سألت أبي عنه فقال: هو صالح. قال الحافظ في (التهذيب): قال أبو داود: ليس به بأس، رجل صالح، وقال العجلي: يكتب حديثه، وفيه ضعف، وقال الدوري، عن ابن معين: ليس بشيء؛ وقال البرقي، عن ابن معين: ثقة، وقال ابن عدي: منكر الحديث عن الثقات، ومع ضعْفِهِ يُكْتَبُ حديثُهُ كما في تهذيب التهذيب، ولخصه الحافظ في (التقريب) [288/ رقم الترجمة: 3101]: فقال: (شيخ لين الحديث) اهـ.
قلت: فحديثه حسن في الشواهد، وخاصة في مثل هذا الأثر.
ثانيها:
وأخرجه أبو بكر الدينوري في (المجالسة وجواهر العلم) [4/365 رقم: ١٥٤٧]، ومن طريقه ابن عساكر في (تاريخ دمشق) [26/17] قال: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، نَا يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحُلْوَانِيُّ، نَا عثمان بن الهيثم أو مُسْلِمِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ؛ قَالَ: كَانَ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَدْ فَرَضَ عَلَى نَفْسِهِ كُلَّ يَوْمٍ أَلْفَ رَكْعَةٍ، ... بنحوه.
(إسناده ضعيف)
قلت: الحسن بن أبي جعفر هو: الجفري بضم الجيم وسكون الفاء البصري، قال عمرو بن علي: صدوق منكر الحديث، كان يحيى بن سعيد لا يحدث عنه.
وقال إسحاق بن منصور: ضعفه أحمد. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال الترمذي: ضعفه يحيى بن سعيد وغيره. وقال النسائي: ضعيف. وقال في موضع آخر: متروك. وقال أبو بكر بن أبي الأسود: ترك ابن مهدي حديثه ثم حدث عنه، وقال: ما كان لي حجة عند ربي. وقال ابن عدي: وللحسن بن أبي جعفر أحاديث صالحة، وهو يروي الغرائب وخاصة عن محمد بن جحادة، له عنه نسخة يرويها المنذر بن الوليد الجارودي عن أبيه عنه، وله عن محمد بن جحادة غير ما ذكرت أحاديث مستقيمة صالحة، وهو عندي ممن لا يتعمد الكذب وهو صدوق، ولخص القول فيه الحافظ في التقريب: ضعيف الحديث مع عبادته وفضله.
قلت: فحديثه حسن في الشواهد، وخاصة في مثل هذا الأثر.
ثالثها:
أخرجها ابن أبي الدنيا في (الأولياء) [1/41 رقم: 101] ومن طريقه ابن عساكر في (تاريخ دمشق) [26/25]، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي حَاتِمٍ الْأَزْدِيُّ، ذَكَرَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ السَّائِحِ، أنا ابْنُ وَهْبٍ، وَغَيْرُهُ يَزِيدَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْحَدِيثِ: " أَنَّ عَامِرَ بْنَ عَبْدِ قَيْسٍ كَانَ مِنْ أَفْضَلِ الْعَابِدِينَ، فَفَرَضَ عَلَى نَفْسِهِ كُلَّ يَوْمٍ أَلْفَ رَكْعَةٍ، يَقُومُ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَلَا يَزَالُ قَائِمًا إِلَى الْعَصْرِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ وَقَدِ انْتَفَخَتْ سَاقَاهُ وَقَدَمَاهُ، فَيَقُولُ: «يَا نَفْسِي، إِنَّمَا خُلِقْتِ لِلْعِبَادَةِ يَا أَمَّارَةً بِالسُّوءِ، فَوَاللَّهِ لَأَعْمَلَنَّ لَكَ عَمَلًا لَا يَأْخُذُ الْفِرَاشُ مِنْكِ نَصِيبًا» ، قَالَ: وَهَبَطَ وَادِيًا يُقَالُ لَهُ وَادِي السِّبَاعِ، وَفِي الْوَادِي عَابِدٌ حَبَشِيٌّ يُقَالُ لَهُ حُمَمَةُ، فَانْفَرَدَ عَامِرٌ فِي نَاحِيَةٍ وَحُمَمَةُ فِي نَاحِيَةٍ يُصَلِّيَانِ، لَا هَذَا يَنْصَرِفُ إِلَى هَذَا، وَلَا هَذَا يَنْصَرِفُ إِلَى هَذَا، أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، إِذَا جَاءَتِ الْفَرِيضَةُ صَلَّيَا ثُمَّ أَقْبَلَا يَتَطَوَّعَانِ، ثُمَّ انْصَرَفَ عَامِرٌ بَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَجَاءَ إِلَى حُمَمَةَ فَقَالَ: «مَنْ أَنْتَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ» ، قَالَ: دَعْنِي وَهَمِّي، قَالَ: «أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ» ، قَالَ: أَنَا حُمَمَةُ قَالَ عَامِرٌ: «لَئِنْ كُنْتَ أَنْتَ حُمَمَةُ الَّذِي ذُكِرَ لِي لَأَنْتَ أَعْبَدُ مَنْ فِي الْأَرْضِ، فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَفْضَلِ خَصْلَةٍ» ، قَالَ: إِنِّي لَمُقَصِّرٌ، وَلَوْلَا مَوَاقِيتُ الصَّلَاةِ تَقْطَعُ عَلَيَّ الْقِيَامَ وَالسُّجُودَ لَأَحْبَبْتُ أَنْ أَجْعَلَ عُمُرِي رَاكِعًا، وَوَجْهِي مَفْرَشًا حَتَّى أَلْقَاهُ، وَلَكِنَّ الْفَرَائِضَ لَا تَدَعُنِي أَفْعَلُ ذَلِكَ، فَمَنْ أَنْتَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ؟ قَالَ: " أَنَا عَامِرُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ قَالَ: إِنْ كُنْتَ عَامِرَ بْنَ عَبْدِ قَيْسٍ الَّذِي ذُكِرَ لِي فَأَنْتُ أَعْبَدُ النَّاسِ، فَأَخْبِرْنِي بِأَفْضَلِ خَصْلَةٍ، قَالَ: إِنِّي لَمُقَصِّرٌ، وَلَكِنْ وَاحِدَةٌ عَظَّمْتُ هَيْبَةَ اللَّهِ فِي صَدْرِي حَتَّى مَا أَهَابُ شَيْئًا غَيْرَهُ "، فَاكْتَنَفَتْهُ السِّبَاعُ، فَأَتَاهُ سَبُعٌ مِنْهَا فَوَثَبَ عَلَيْهِ مِنْ خَلْفِهِ فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْهِ وَعَامِرٌ يَتْلُو هَذِهِ الْآيَةَ {ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ} [هود: 103] فَلَمَّا رَأَى السَّبُعُ أَنَّهُ لَا يَكْتَرِثُ لَهُ ذَهَبَ، فَقَالَ حُمَمَةُ: بِاللَّهِ يَا عَامِرُ أَمَا هَالَكَ مَا رَأَيْتَ؟ قَالَ: «إِنِّي لَأَسْتَحْيِي مِنَ اللَّهِ أَنْ أَهَابَ شَيْئًا غَيْرَهُ» ، قَالَ حُمَمَةُ: لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ ابْتَلَى بِالْبَطْنِ فَإِذَا أَكَلْنَا لَا بُدَّ لَنَا مِنَ الْحَدَثِ مَا رَآنِي رَبِّي إِلَّا رَاكِعًا وَسَاجِدًا، وَكَانَ يُصَلِّي فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ ثَمَانِمِائَةِ رَكْعَةٍ، وَكَانَ يَقُولُ: إِنِّي لَمُقَصِّرٌ فِي الْعِبَادَةِ، وَكَانَ يُعَاقِبُ نَفْسَهُ "
قلت: (إسناده معضل)
عبد الله بن وهب بينه وبين عامر بن عبد الله (عبد قيس) مفاوز.
وجعفر بن أبي جعفر الأشجعي هو جعفر بن ميسرة، قال البخاري: ضعيف منكر الحديث، وقال أبو حاتم: منكر الحديث جداً، وقال ابن عدي: يكنى أبا الوفاء ... وقال أبو زرعة: ليس بقوي، وقال الساجي: ضعيف، وذكره العقيلي في الضعفاء. كما في (لسان الميزان) [2/129].
رابعها:
أخرجها أحمد بن حنبل في الزهد) [1/182 رقم: ١٢٤٤]، وأبو عبيد الهروي في (فضائل القرآن) [1/374] قال: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: كَانَ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ يُصَلِّي الصُّبْحَ فِي الْمَسْجِدِ، يَقُومُ فِي نَاحِيَةٍ مِنْهُ فَيَقُولُ: مَنْ أُقْرِئُ؟ فَيَأْتِيهِ نَاسٌ فَيُقْرِئُهُمُ الْقُرْآنَ حَتَّى تَطْلُعُ الشَّمْسَ، وَتُمْكِنُ الصَّلَاةُ، فَيَقُومُ فَيُصَلِّي حَتَّى يُصَلِّي الظُّهْرَ، ثُمَّ يُصَلِّي حَتَّى تُصَلَّى الْعَصْرُ، ثُمَّ يَقُومُ إِلَى مَجْلِسِهِ مِنَ الْمَسْجِدِ فَيَقُولُ: مَنْ أُقْرِئُ؟ فَيَأْتِيهِ نَاسٌ فَيُقْرِئُهُمُ الْقُرْآنَ حَتَّى يَقُومَ لِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ، ثُمَّ يُصَلِّي حَتَّى تُصَلَّى الْعِشَاءُ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَيَأْخُذُ أَحَدَ رَغِيفَيْهِ مِنْ سَلَّتِهِ، فَيَأْكُلُهُ، وَيَشْرَبُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَضَعُ رَأْسَهُ، فَيَنَامُ نَوْمَةً خَفِيفَةً، ثُمَّ يَقُومُ لِصَلَاتِهِ، فَإِذَا كَانَ مِنَ السَّحَرِ أَخَذَ رَغِيفَهُ الْآخَرَ فَأَكَلَ وَشَرِبَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ.
( إسناده صحيح)
قلت: رجاله ثقات متصل إلى الحسن البصري وقد أدرك عامر بن عبد الله، غير أن هذا الأثر فيه كثرة الصلاة بدون تقييد بعدد (ألف ركعة).
هذا... ولي في ختام تحقيق هذا الأثر تنبيهان مهمان:
الأول: أن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، فما جاء به من السنن هو الكمال الذي لا مزيد عليه، ومن تمسك به نال أعظم القرب.
الثاني: أن من أعانه الله فلا تسأل عن حاله! فهذه أبواب من الفضل يفتحها الله لمن شاء من عباده، كما أعان أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فكانت تصوم الدهر إلا يومي العيدين، وأعان عثمان بن عفان رضي الله عنه فكان يقيم الليل بالقرآن كاملاً كل ليلة. فلا يُستبعد أن يعين الله عامر بن عبد الله (عبد قيس) على ألف ركعة في يومه؟! فلقد صَدَقَ اللَّهَ فَأَعَانَهُ.
فليكن في ذلك بعثٌ للقلوب على الجد والاجتهاد، وتذكير أن من صدق مع الله صدقه الله، ومن استكثر من الطاعات أعانه ربه، فلا تقف دون معالي الأمور، وأحسن الظن بربك، واسعَ بقلب موقن أن الله لا يضيع سعيك، والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله.
من ضمن (سلسلة الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص)