الإجابة أيام الشباب شيء ثاني - اللهم ارحم ضعفنا
الإجابة أيام الشباب شيء ثاني - اللهم ارحم ضعفنا -
السؤال مئة وواحد وثلاثون:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته --أرجو منكم --أن تفيدوني أفادكم الله عن تربية الطيور --والبيع والشراء فيها أي التجارة أما السؤال الثاني عن إمكانية شراء قطط --أعرف أنها لاتباع لكن هل من الممكن شرائها أفادكم الله
الجواب بعون الملك الوهاب:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
الحمد لله:
سؤالك الأول: عن تربية الطيور، والبيع والشراء فيها أي التجارة؟
أقول وبالله أستعين:
باب أحكام بيع الطيور مفرداته كثيرة؛ ولكن هناك بعض الأحكام العامة التي تفيدك في هذا الباب نص عليها الفقهاء ومنها:
1- جواز بيع ما يؤكل لحمه من الطيور كالحمام والعصافير وغيرهما، لأنه ينتفع به فيجوز بيعه كالإبل والبقر والغنم.
2- كما يجوز بيع ما يصاد به من الطيور، كالصقر والبازي والشاهين والعقاب ونحوها إذا كان معلماً أو يقبل التعليم، لأنه حيوان أبيح اقتناؤه وفيه نفع مباح، فأبيح بيعه، أما إذا كان غير قابل للتعليم فلا يجوز بيعه.
3- ويجوز أيضاً بيع ما ينتفع بلونه كالطاووس، أو ينتفع بصوته كالبلبل والهزار والببغاء والزرزور والعندليب ونحوها.
4- أما بيع الطيور التي لا تؤكل ولا يصطاد بها، كالرخمة والحدأة والغراب الذي لا يؤكل فلا يجوز بيعها، لأن ما لا منفعة فيه لا قيمة له، فأخذ العوض عنه من أكل المال بالباطل، وبذل العوض فيه من السفه. وقال الحنفية: يجوز بيع كل ذي مخلب من الطير، معلما كان أو غير معلم، والراجح ما قدمناه) انتهي من الموسوعة الفقهية [29/148].
أما سؤالك الثاني: (عن إمكانية شراء قطط) وقولك: (أعرف أنها لاتباع لكن هل من الممكن شرائها)؟
أقول وبالله أستعين:
بيع وشراء القطط على قولين لأهل العلم:
القول الأول: الجواز وقال به: الجمهور؛ كابن عباس والحسن وابن سيرين والحكم وحماد والثوري ومالك والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي.
أولاً: أدلتهم:
1- حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ « دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ مِنْ جَرَّاءِ هِرَّةٍ لَهَا - أَوْ هِرٍّ - رَبَطَتْهَا فَلاَ هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَلاَ هِيَ أَرْسَلَتْهَا تُرَمِّمُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ حَتَّى مَاتَتْ هَزْلاً » متفق عليه واللفظ لمسلم.
قالوا: قوله صلى الله عليه وسلم: (هِرَّةٍ لَهَا) الأصل في اللام: للملك ، والقاعدة تقول: كل مملوك أبيح الانتفاع به يجوز بيعه إلا ما استثناه الشرع، والهرة غير مستثناة.
ثانياً: ذكر بعض أقوال أصحاب هذا القول:
1- قال بدر الدين العيني في (عمدة القاري شرح صحيح البخاري) [23/105]: (قال النووي وفيه وجوب نفقة الحيوان على مالكه قال بعضهم فيه نظر لأنه ليس في الخبر أنها ملكتها قلت: في قوله (هِرَّةٍ لَهَا) يدل على ما قاله النووي ويدل أيضاً على أن الهرة تُملك خلافاً لهذا القائل، فإنه قال: الهرة لا تملك؛ لأن اللام في (هِرَّةٍ لَهَا) تدل على التمليك ويرد على هذا القائل) اهـ
2- وقال ابن قدامة في (المغني) [4/327]: (مسألة : قال : وبيع الفهد والصقر المعلم جائز وكذلك بيع الهر وكل ما فيه المنفعة، وجملة ذلك أن كل مملوك أبيح الانتفاع به يجوز بيعه لا ما استثناه الشرع من الكلب وأم الولد والوقف وفي المدبر والمكاتب والزيت النجس اختلاف نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى ولأن الملك سبب الإطلاق التصرف والمنفعة المباحة يباح له استيفاؤها فجاز له أخذ عوضها وأبيح لغيره بذل ماله فيها توصلا إليها ودفعا لحاجته بها كسائر ما أبيح بيعه وسواء في هذا ما كان طاهرا كالثياب والعقار وبهيمة الأنعام الخيل والصيود أو مختلفا في نجاسته كالبغل والحمار وسباع البهائم وجوارح الطير التي تصلح للصيد كالفهد الصقر والبازي والشاهين والعقاب والطير المقصود صوته كالهزار والبلبل والببغا وأشباه ذلك فكله يجوز بيعه) اهـ
3- قال سحنون في (المدونة) [4/115]: قلت لعبد الرحمن بن القاسم: أَفَيُجِيزُ مَالِكٌ بيع الهر؟ قال: نعم. اهـ
4- وفي (الفتاوى الهندية) [3/114]: (وكذلك بيع السنور وسباع الوحش والطير جائز عندنا معلماً كان أو لم يكن) اهـ.
5- وقال شيخنا العلامة ابن عثيمين رحمه الله في (التعليق على الكافي لابن قدامة) [4/128]: (قوله (يجوز بيع الهر) هذا إحدى الروايتين عن أحمد والرواية الثانية أنه لا يجوز بيع الهر لأنه ورد فيه حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه (نهى عن بيع السنور) والسنور هو الهر وعلله ابن رجب رحمه الله وغيره من أهل العلم بأن الهر ليس له ثمن في الواقع لأنه من الأشياء الدارجة بين الناس فهو يشبه الحطب ويشبه الماء يبتذل عادة فلا يجوز بيعه نعم لو أن الهر أنفرد بشيء معين واشتُريَ من أجله بأن كان هذا الهر يصيد الفأر لأن بعض الهرر يصيد الفأر وكذلك أيضاً يقتل العقرب ويقتل الوزغ ويقتل الصراصر فإذا اتُخذَ لهذا فقد يقال بأنه جائز لأن فيه منفعة مباحة) اهـ.
6- وقال رحمه الله في (الشرح الممتع) [8/114]: (ولهذا اختلف العلماء في ذلك؛ فمنهم من أجازه، وحمل الحديث الذي فيه النهي على هرٍّ لا فائدة منه؛ لأن أكثر الهررة معتدٍ، لكن إذا وجدنا هرًّا مربى ينتفع به فالقول بجواز بيعه ظاهر؛ لأن فيه نفعاً) اهـ.
القول الثاني: التحريم وقال به: الظاهرية ورواية عن الإمام أحمد رحمه الله ، وحكاه ابن المنذر عن أبي هريرة رضي الله عنه وطاووس و مجاهد و جابر بن زيد.
أولاً: أدلتهم:
1- ما رواه مسلم في (الصحيح) [5/35 رقم: 4098] من حديث أَبِى الزُّبَيْرِ قَالَ سَأَلْتُ جَابِرًا عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ قَالَ زَجَرَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ ذَلِكَ.
2- ولفظ أبي داود في (السنن) [3/296 رقم: 3481] والترمذي في (الجامع) [2/568 رقم: 1279] عَنْ جَابِرٍ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ. وصححه العلامة الألباني رحمه الله في (الصحيحة) [6/470 رقم: 2971].
ثانياً: ذكر بعض أقوال أصحاب هذا القول:
1- قال الإمام ابن حزم رحمه الله في (المحلى) [9/13]: (ولا يحل بيع الهر فمن اضطر إليه لأذى الفأر فواجب وعلى من عنده منها فضل عن حاجته أن يعطيه منها ما يدفع به الله تعالى عنه الضرر) اهـ
2- وقال ابن القيم رحمه الله في (زاد المعاد) [5/685]: (تحريم بيع السنور كما دل عليه الحديث الصحيح الصريح الذي رواه جابر وأفتى بموجبه كما رواه قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن وضاح حدثنا محمد بن آدم حدثنا عبد الله بن المبارك حدثنا حماد بن سلمة عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله أنه كره ثمن الكلب والسنور قال أبو محمد : فهذه فتيا جابر بن عبد الله أنه كره بما رواه ولا يعرف له مخالف من الصحابة وكذلك أفتى أبو هريرة رضي الله عنه وهو مذهب طاووس ومجاهد وجابر بن زيد وجميع أهل الظاهر وإحدى الروايتين عن أحمد وهي اختيار أبي بكر عبد العزيز وهو الصواب لصحة الحديث بذلك وعدم ما يعارضه فوجب القول به) اهـ.
أما جواب الجمهور على دليل أصحاب القول الثاني:
1- قالوا: الحديث ضعيف، وممن قال بضعفه:
أ- الترمذي كما في (الجامع) [3/577 رقم: 1279]: (قال أبو عيسى هذا حديث في إسناده اضطراب ولا يصح في ثمن السنور وقد روي هذا الحديث عن الأعمش عن بعض أصحابه عن جابر واضطربوا على الأعمش في رواية هذا الحديث وقد كره قوم من أهل العلم ثمن الهر ورخص فيه بعضهم وهو قول أحمد و إسحق وروى ابن فضيل عن الأعمش عن أبي حازم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم من غير هذا الوجه) اهـ.
ب- والبغوي كما في (شرح السنة) [8/24 رقم: 2039] قال: (هذا حديث في إسناده اضطراب) اهـ.
ت- وأبو عوانة في (المستخرج) [6/38] قال: (في الأخبار التي فيها نهي عن ثمن السنور فيها نظر في صحتها وتوهينها) اهـ.
ث- وابن عبد البر كما في (التمهيد) [8/403] قال: (وحديث أبي سفيان عن جابر لا يصح لأنها صحيفة ورواية الأعمش في ذلك عندهم ضعيفة..... وليس في السنور شيء صحيح) اهـ.
2- وقالوا: على فرض صحة الحديث فالجواب من وجهين:
(أحدهما) جواب أبى العباس بن العاص وأبي سليمان الخطابي والقفال وغيرهم أن المراد الهرة الوحشية فلا يصح بيعها لعدم الانتفاع بها إلا على الوجه الضعيف القائل بجواز أكلها.
(والثاني) أن المراد نهى تنزيه والمراد النهى على العادة بتسامح الناس فيه ويتعاوزونه في العادة فهذان الجوابان هما المعتمدان. قاله النووي رحمه الله في (المجموع) [9/230]اهـ.
3- وقال النووي أيضاً في (شرح صحيح مسلم) [5/420]: (وأما النهي عن ثمن السنور فهو محمول على أنه لا ينفع أو على أنه نهي تنزيه حتى يعتاد الناس هبته وإعارته والسماحة به كما هو الغالب) اهـ.
4- وقال القرطبي في (المفهم) [6/217]: (وأحسن من هذا أن بيعه [أي: الهر] ، وبيع الكلب ليس من مكارم الأخلاق ، ولا من عادة أهل الفضل. والشرع ينهى عما يناقض ذلك ، أو يباعده ، كما قلنا في طرق الفحل) اهـ.
وردوا على رد الجمهور فقالوا:
1- قال النووي في (المجموع) [9/269]: (وأما ما ذكره الخطابي وابن المنذر أن الحديث ضعيف فغلط منهما ، لأن الحديث في صحيح مسلم بإسناد صحيح ) اهـ.
2- وقال البيهقي في (السنن) [6/18]: (وقد حمله بعض أهل العلم على الهر إذا توحش فلم يقدر على تسليمه ، ومنهم من زعم أن ذلك كان في ابتداء الإسلام حين كان محكوماً بنجاسته ، ثم حين صار محكوماً بطهارة سؤره حل ثمنه ، وليس على واحد من هذين القولين دلالة بينة) اهـ.
3- وقال الشوكاني في (نيل الأوطار) [6/227] رداً على حمل الجمهور النهي في الحديث على كراهة التنزيه ، وأن بيع الهر ليس من مكارم الأخلاق والمروءات، فقال: (ولا يخفى أن هذا إخراج للنهي عن معناه الحقيقي بلا مقتضٍ) اهـ.
4- قال الزركشي في (شرحه على) [3/678]: (وكلها محامل ودعوى لا دليل عليها) اهـ.
5- وقال ابن القيم في (زاد المعاد) [5/773-774]: (لا يخفى ما في هذه المحامل من الوهن) اهـ.
الترجيح:
قال أبو العباس السالمي عفا الله عنه:
إن الناظر إلى أقوال الفريقين يجد مدار الحكم في هذه المسألة هو الوقوف على حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما صحة وضعفاً، فإذا كان ضعيفاً فالقول قول الجمهور ولا ريب، وإن كان صحيحاً فلا يسعنا إلا أن نقول به، وإن خالفنا الدنيا بأسرها.
فإن كان ذلك كذلك؛ وجب تحرير الحديث وبسطه، مع تحري الإنصاف من غير ميل أو إجحاف، فدونك البسط، والله من وراء القصد:
عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ قَالَ سَأَلْتُ جَابِرًا عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ قَالَ زَجَرَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ ذَلِكَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحديث أخرجه مسلم في (صحيحه) [5/35 رقم: 4098]، وابن حيان في (صحيحه) [11/314 رقم: 4940]، والبيهقي في (الكبرى) [6/10 رقم:10819]، وفي (الصغرى) [2/277 رقم: 1539، 5/212 رقم: 1977] وفي (المعرفة) [4/398 رقم: 3552 ، 8/176 رقم: 3619] من طرقٍ عن معقل بن عبيد الله الجزري عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه به.
قلت: معقل بن عبيد الله الجزري، قال الحافظ في التقريب: صدوق يخطئ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: كان يخطئ، ولم يَفْحُش خطؤه، وقال أحمد بن حنبل: صالح الحديث، وقال النسائي: لا بأس به، واختلف قول يحيى بن معين فيه.
وأنصفه الإمام الذهبي رحمه الله في السير فقال: (وما عرفت له شيئاً منكراً فأذكره؛ وحديثه لا ينزل عن رتبة الحسن والله الموفق) اهـ.
قلت: وهو المعتمد - عندي- فالحديث (حسن لذاته صحيح بمجموع طرقه)، فدونك بيان ذلك:
فقد توبع معقل بن عبيد الله تابعه جماعة منهم:
1- عبد الله بن لهيعة، واختلف عنه:
فرواه حسن والوليد بن مسلم وعمرو بن خالد عنه قال حدثنا أبو الزبير قال : سألت جابرا عن ثمن الكلب والسنور ..... الحديث.
أخرجه أحمد في (المسند) [3/386 رقم: 15187]، وابن ماجة في (السنن) [2/731 رقم: 2161] مختصراً بدون ذكر الكلب، والطحاوي في (شرح معاني الآثار) [4/53 رقم: 5265].
وخالفهم: عبد الله بن يوسف وعثمان بن صالح وعبد الله بن الحكم فرووه عنه عن خير بن نعيم عن عطاء بن أبي رباح عن جابر قال: حَرَّمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَمَنَ السِّنَّوْرِ.
أخرجه الطبراني في (الأوسط) [9/33 رقم: 9054].
قلت: الحمل فيه على ابن لهيعة للكلام المعروف فيه
وقد توبع على الوجه الأخير تابعه حيوة بن شريح؛ فرواه عن خير بن نعيم عن أبي الزبير عن جابر أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ ، وَنَهَى عَنْ ثَمَنِ السِّنَّوْرِ.
أخرجه الطبراني في (الأوسط) [2/56 رقم: 1237]، والدارقطني في (السنن) [4/41 رقم: 3063].
قلت: الراوي عن حيوة بن شريح هو: أبو زرعة وهب الله بن راشد، قال أبو حاتم: محله الصدق وفضَّل ابن وارة عليه، وقال أبو سعيد بن يونس: لم يكن أحمد بن شعيب النسائي يرضى وهب الله بن راشد، وقال ابن حبان: يخطئ.
قلت: يعتبر به على أقل أحواله.
2- عمر بن زيد الصنعاني:
أخرجه أحمد في (المسند) [3/297 رقم: 14199]، وعنه أبو داود في (السنن) [3/419 رقم: 3809]، والترمذي في (الجامع) [2/569 رقم: 1280]، وابن ماجه في (السنن) [2/1082 رقم: 3250] بلفظ: ( نهى عن أكل الهرة وثمنها) والحاكم في المستدرك) [2/34 رقم: 2246]، والبيهقي في (الكبرى) [6/10 رقم: 10820].
جميعاً عن عبد الرزاق وهو في (مصنفه) [4/530]، عنه أنه سمع أبا الزبير المكي عن جابر : أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْهِرِّ.
قلت: عمر بن زيد الصنعاني ؛ قال عنه الحافظ في التقريب: ضعيف وهو غير ذلك فهو ضعيف جداً، بل منكر الحديث.
قال الترمذي عقب إخراجه لهذا الحديث: (حديث غريب، و عمر بن زيد، لا نعرف كبير أحد روى عنه غير عبد الرزاق) اهـ
قلت: سكت عنه الحاكم، وتعقبه الذهبي في التلخيص بقوله : (عمر واه) اهـ. و قال البخاري في (التاريخ الكبير): (فيه نظر) وأخرج هذا الحديث اهـ.
وقال ابن حبان في (الضعفاء) [ 2 / 82 ]: (ينفرد بالمناكير عن المشاهير على قلة روايته ، حتى خرج بها عن حد الاحتجاج به فيما لم يوافق الثقات) اهـ ثم أسند له حديثين منكرين حديثنا أحدهما.
قلت: وعليه؛ فلا يفرح به.
3- الحسن بن أبي الجعفر:
أخرجه أحمد في (المسند) [3/317 رقم: 14451، 22/ 302 رقم: 14411]، وأبو يعلى في (المسند) [3/427-428]، والدارقطني في (السنن) [4/42 رقم: 3065].
قلت: الحسن بن أبي جعفر هو ابن عجلان الجُفري، قال الفلاس: صدوق منكر الحديث وقال النسائي: ضعيف، وقال البخاري: هو الحسن بن عجلان وهو منكر الحديث، وقال ابن معين ليس بشيء.
قلت: وعليه؛ فلا يفرح به أيضاً.
4- شرحبيل بن سعد الخَطمي:
أخرجه أحمد في (المسند) [23/111 رقم: 14802]، قَالَ حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَبُو أُوَيْسٍ حَدَّثَنَا شُرَحْبِيلُ عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَقَالَ: (طُعْمَةٌ جَاهِلِيَّةٌ).
قلت: شرحبيل بن سعد ، هو أبو سعد الخطمي المدني، ضعفه الدارقطني وقال الحافظ: صدوق اختلط بأخرة.
وأبو أويس هو: عبد الله بن عبد الله الأصبحي المدني. قال الحافظ في (التهذيب): (قال أحمد: ليس به بأس، وقال ابن معين: ليس بقوي، وقال مرةً: ضعيف، وقال ابن المديني: كان عند أصحابنا ضعيفاً، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال أبو داود: صالح الحديث، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به وليس بالقوي)، وقال في (التقريب): (صدوق يهم) اهـ.
5- محمد بن زياد الألهاني:
أخرجه الطبراني في (الأوسط) [4/340 رقم: 1237]، قال حدثنا عبد الله بن وهيب الغزي قال نا محمد بن أبي السري العسقلاني قال نا بقية بن الوليد قال حدثني محمد بن زياد الألهاني عن جابر قال: نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَكْلِ الهِرِّ وَأَكْلِ ثَمَنِهَا.
قلت: بقية بن الوليد يدلس ويسوي، ولم يصرح بالسماع بين الألهاني وجابر، وكما قال أبو مسهر الغساني: أحاديث بقية ليست نقية ، فكن منها على تقية.
وفيه: محمد بن أبي السري وهو: بن المتوكل العسقلاني وثقه ابن معين. وقال أبو حاتم: لين الحديث. وقال ابن عدي: كثير الغلط، وقال الذهبي في (الميزان): (حافظ ، وثق ، و لينه أبو حاتم)اهـ. وقال الحافظ في (التقريب) : (صدوق عارف له أوهام كثيرة) اهـ
قلت: وعليه؛ فلا يعتبر به.
6- حماد بن سلمة:
أخرجه النسائي في (المجتبى) [7/190 رقم: 4295]، وفي (الكبرى) [3/151 رقم: 4806، 4/53 رقم: 6264]، وعنه الطحاوي في (المشكل) [12/83 رقم: 2663]، والدارقطني في (السنن) [4/43 رقم: 3068]، ومن طريقه ابن الجوزي في (التحقيق) [2/190 رقم: 1487]، من طرقٍ عنه عن أبي الزبير عن جابر قال: نُهِيَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ إِلاَّ كَلْبَ صَيْدٍ.
قال النسائي عقبه: قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: «هَذَا مُنْكَرٌ» اهـ
قلت: ووجه النكارة أجاب عنها البيهقي رحمه الله فقال عقب إخراجه للحديث: «وَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ غَيْرُ مَحْفُوظٍ فِي الْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّهْيِ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّهْيِ عَنِ اقْتِنَاءِ الْكَلْبِ، وَلَعَلَّهُ شَبُهَ عَلَى مَنْ ذَكَرَهُ فِي حَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ ثَمَنِهِ، مِنْ هَؤُلَاءِ الرُّوَاةِ الَّذِينَ هُمْ دُونَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ
قلت: رواه عن حماد بهذا اللفظ على الرفع جماعة منهم:
1- حجاج بن محمد.
2- الهيثم بن جميل.
وخالفهما عبيد الله بن موسى، فرواه عنه عن أبي الزبير عن جابر (على الشك) فقال: لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ «نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ»
أخرجه الدارقطني في (السنن) [4/43 رقم: 3067]
وخالف الجميع؛ عبد الواحد بن غياث وسويد بن عمرو وأبو نعيم؛ ثلاثتهم رووه عنه عن أبي الزبير عن جابر موقوفاً به.
أخرجه ابن المنذر في (الأوسط) [11/204 رقم:6598]، والدارقطني في (السنن) [4/44 رقم: 3069]، والبيهقي في (الكبرى) [6/10 ر قم: 11012].
قلت: وصحح الدارقطني الوقف فقال عقبه: «هَذَا أَصَحُّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ» اهـ
هذا... وله وجه آخر عن جابر؛ رواه أبو سفيان عنه:
ورواه عن أبي سفيان الأعمش واختلف عنه:
فرواه عيسى بن يونس عنه عن أبي سفيان عن جابر قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ.
أخرجه أبو داود في (السنن) [2/300 رقم: 3479]، والترمذي في (الجامع) [2/568 رقم: 1279]، ومن طريقه ابن الجوزي في (العلل المتناهية) [2/596 رقم: 981]، وابن الجارود في (المنتقى) [1/149 رقم: 580]، والطحاوي في (بيان المشكل) [7/80 رقم: 2657]، والطبراني في (الأوسط) [3/295 رقم: 3201]، والدارقطني في (السنن) [4/41 رقم: 3062]، وأبو عوانه في (المستخرج) [6/37 رقم: 4286]، والحاكم في (المستدرك) [2/34 رقم: 2244]، وعنه البيهقي في (الكبرى) [6/11 رقم: 11360].
وخولف عيسى بن يونس؛ خالفه:
1- وكيع:
فرواه عنه أي الْأَعْمَشَ (على الشك) ، قَالَ: أَرَى - أَظُنُّ - أَبَا سُفْيَانَ، ذَكَرَهُ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ».
أخرجه ابن أبي شيبة في (المصنف) [7/296 رقم: 36232]، وأبو يعلى في (المسند) [4/187 رقم: 2275].
2- حفص بن غياث:
فرواه عنه أي الْأَعْمَشَ (على الشك), حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ , عَنْ جَابِرٍ أَثْبَتَهُ مَرَّةً، وَمَرَّةً شَكَّ فِي أَبِي سُفْيَانَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ " نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ "
أخرجه الطحاوي في (بيان المشكل) [12/73 رقم: 4651]، وفي (شرح المعاني) [4/52 رقم: 5256]، وأخرجه - أيضاً - الحاكم في (المستدرك) [2/34 رقم: 2244] ولكن (بدون شك).
قلت: أبو سفيان هو: طلحة بن نافع، صدوق غير أن روايته عن جابر صحيفة، وقال أبو خيثمة عن ابن عيينة حديث أبي سفيان عن جابر إنما هي صحيفة وكذا قال وكيع عن شعبة،... وفي العلل الكبير لعلي بن المديني أبو سفيان لم يسمع من جابر إلا أربعة أحاديث وقال فيها: أبو سفيان يكتب حديثه وليس بالقوي؛ وقال أبو حاتم عن شعبة: لم يسمع أبو سفيان من جابر إلا أربعة أحاديث، قلت لم يخرج البخاري له سوى أربعة أحاديث عن جابر وأظنها التي عناها شيخه علي بن المديني منها حديثان في الأشربة قرنه بأبي صالح وفي الفضائل حديث اهتز العرش كذلك والرابع في تفسير سورة الجمعة قرنه بسالم بن أبي الجعد. كما في (تهذيب التهذيب) [18/27].
قلت: وحديثنا ليس منها!!
قال ابن عبد البر في (التمهيد) [8/403]: (وحديث أبي سفيان عن جابر لا يصح لأنها صحيفة ورواية الأعمش في ذلك عندهم ضعيفة) اهـ
وأعلَّ أيضاً بالاضطراب:
قال الترمذي عقب إخراجه للحديث: (هَذَا حَدِيثٌ فِي إِسْنَادِهِ اضْطِرَابٌ وَلاَ يَصِحُّ فِي ثَمَنِ السِّنَّوْرِ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ ، عَنِ الأَعْمَشِ ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ ، عَنْ جَابِرٍ ، وَاضْطَرَبُوا عَلَى الأَعْمَشِ فِي رِوَايَةِ هَذَا الحَدِيثِ) اهـ
وقال البيهقي عقب إخراجه للحديث: (فَالْأَعْمَشُ كَانَ يَشُكُّ فِي وَصْلِ الْحَدِيثِ، فَصَارَتْ رِوَايَةُ أَبِي سُفْيَانَ بِذَلِكَ ضَعِيفَةً) اهـ
الخلاصة:
سبق وقد قلتُ: إن الفيصل في هذه القضية تحرير حديث الباب، وقد تم بفضل الله وكرمه، وعليه؛ فقد خلصت إلى عدة أمور منها:
1- صحة حديث الباب، وقد أصاب الإمام مسلم رحمه الله في تخريجه له في صحيحه.
2- وتوهين قول من ضعفه.
3- وتوهين رأي الجمهور في تجويزهم بيع الكلب والسنور.
4- وأن الراجح هو تحريم بيعهما.
5- مع جواز شرائهما للضرورة كدفع صائل.
6- وإذا تحققت منفعة اتخاذهما فجائز –أعني جائز الاتخاذ- وعلى من عنده منهما فضل عن حاجته فليعط منهما من ليس عنده ومضطر إليهما؛ ليدفع بهما الله تعالى عنه الضرر، كما قرره ابن حزم رحمه الله.
7- أما بيعهما على الإطلاق فحرام وباطل – كما تقدم- ورحم الله الإمام الشوكاني إذ يقول – وما أجمل كلامه- في (السيل الجرار) [1/492]: (وإذا عرفت هذا فبيع تلك الأعيان المنصوص عليها في الأحاديث حرام باطل ومن جادل في ذلك وألزم بإلزامات مذهبية فهو منتصب للرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وما لنا ولكون فلان لم يعمل بكذا أو ترك العمل بكذا فلزمه كذا فإن هذه المباحثة بالجهل أشبه منها بالعلم واستعمال القواعد الجدلية عند الكلام على الأدلة الشرعية من التلاعب الذى لا يرضاه متدين وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل ولم يضع أهل العلم تلك القواعد الجدلية المذكورة في علم المناظرة إلا لتدريب أذهان المتنازعين في علم الرأي ورياضة أفهامهم ولا يستجيز مسلم أن يثبت بها أحكام الشرع أو يبطلها ومن زعم خلاف هذا فمن قصوره أتي ومن تفريطه أصيب)اهـ.
والله تعالى أعلم.
وصلِّ اللهم وبارك على عبدك ورسولك محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً
وكتب :
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي الأثري
القصيم – عنيزة
23/1/1436هـ
السؤال مئة وواحد وثلاثون:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته --أرجو منكم --أن تفيدوني أفادكم الله عن تربية الطيور --والبيع والشراء فيها أي التجارة أما السؤال الثاني عن إمكانية شراء قطط --أعرف أنها لاتباع لكن هل من الممكن شرائها أفادكم الله
الجواب بعون الملك الوهاب:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
الحمد لله:
سؤالك الأول: عن تربية الطيور، والبيع والشراء فيها أي التجارة؟
أقول وبالله أستعين:
باب أحكام بيع الطيور مفرداته كثيرة؛ ولكن هناك بعض الأحكام العامة التي تفيدك في هذا الباب نص عليها الفقهاء ومنها:
1- جواز بيع ما يؤكل لحمه من الطيور كالحمام والعصافير وغيرهما، لأنه ينتفع به فيجوز بيعه كالإبل والبقر والغنم.
2- كما يجوز بيع ما يصاد به من الطيور، كالصقر والبازي والشاهين والعقاب ونحوها إذا كان معلماً أو يقبل التعليم، لأنه حيوان أبيح اقتناؤه وفيه نفع مباح، فأبيح بيعه، أما إذا كان غير قابل للتعليم فلا يجوز بيعه.
3- ويجوز أيضاً بيع ما ينتفع بلونه كالطاووس، أو ينتفع بصوته كالبلبل والهزار والببغاء والزرزور والعندليب ونحوها.
4- أما بيع الطيور التي لا تؤكل ولا يصطاد بها، كالرخمة والحدأة والغراب الذي لا يؤكل فلا يجوز بيعها، لأن ما لا منفعة فيه لا قيمة له، فأخذ العوض عنه من أكل المال بالباطل، وبذل العوض فيه من السفه. وقال الحنفية: يجوز بيع كل ذي مخلب من الطير، معلما كان أو غير معلم، والراجح ما قدمناه) انتهي من الموسوعة الفقهية [29/148].
أما سؤالك الثاني: (عن إمكانية شراء قطط) وقولك: (أعرف أنها لاتباع لكن هل من الممكن شرائها)؟
أقول وبالله أستعين:
بيع وشراء القطط على قولين لأهل العلم:
القول الأول: الجواز وقال به: الجمهور؛ كابن عباس والحسن وابن سيرين والحكم وحماد والثوري ومالك والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي.
أولاً: أدلتهم:
1- حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ « دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ مِنْ جَرَّاءِ هِرَّةٍ لَهَا - أَوْ هِرٍّ - رَبَطَتْهَا فَلاَ هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَلاَ هِيَ أَرْسَلَتْهَا تُرَمِّمُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ حَتَّى مَاتَتْ هَزْلاً » متفق عليه واللفظ لمسلم.
قالوا: قوله صلى الله عليه وسلم: (هِرَّةٍ لَهَا) الأصل في اللام: للملك ، والقاعدة تقول: كل مملوك أبيح الانتفاع به يجوز بيعه إلا ما استثناه الشرع، والهرة غير مستثناة.
ثانياً: ذكر بعض أقوال أصحاب هذا القول:
1- قال بدر الدين العيني في (عمدة القاري شرح صحيح البخاري) [23/105]: (قال النووي وفيه وجوب نفقة الحيوان على مالكه قال بعضهم فيه نظر لأنه ليس في الخبر أنها ملكتها قلت: في قوله (هِرَّةٍ لَهَا) يدل على ما قاله النووي ويدل أيضاً على أن الهرة تُملك خلافاً لهذا القائل، فإنه قال: الهرة لا تملك؛ لأن اللام في (هِرَّةٍ لَهَا) تدل على التمليك ويرد على هذا القائل) اهـ
2- وقال ابن قدامة في (المغني) [4/327]: (مسألة : قال : وبيع الفهد والصقر المعلم جائز وكذلك بيع الهر وكل ما فيه المنفعة، وجملة ذلك أن كل مملوك أبيح الانتفاع به يجوز بيعه لا ما استثناه الشرع من الكلب وأم الولد والوقف وفي المدبر والمكاتب والزيت النجس اختلاف نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى ولأن الملك سبب الإطلاق التصرف والمنفعة المباحة يباح له استيفاؤها فجاز له أخذ عوضها وأبيح لغيره بذل ماله فيها توصلا إليها ودفعا لحاجته بها كسائر ما أبيح بيعه وسواء في هذا ما كان طاهرا كالثياب والعقار وبهيمة الأنعام الخيل والصيود أو مختلفا في نجاسته كالبغل والحمار وسباع البهائم وجوارح الطير التي تصلح للصيد كالفهد الصقر والبازي والشاهين والعقاب والطير المقصود صوته كالهزار والبلبل والببغا وأشباه ذلك فكله يجوز بيعه) اهـ
3- قال سحنون في (المدونة) [4/115]: قلت لعبد الرحمن بن القاسم: أَفَيُجِيزُ مَالِكٌ بيع الهر؟ قال: نعم. اهـ
4- وفي (الفتاوى الهندية) [3/114]: (وكذلك بيع السنور وسباع الوحش والطير جائز عندنا معلماً كان أو لم يكن) اهـ.
5- وقال شيخنا العلامة ابن عثيمين رحمه الله في (التعليق على الكافي لابن قدامة) [4/128]: (قوله (يجوز بيع الهر) هذا إحدى الروايتين عن أحمد والرواية الثانية أنه لا يجوز بيع الهر لأنه ورد فيه حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه (نهى عن بيع السنور) والسنور هو الهر وعلله ابن رجب رحمه الله وغيره من أهل العلم بأن الهر ليس له ثمن في الواقع لأنه من الأشياء الدارجة بين الناس فهو يشبه الحطب ويشبه الماء يبتذل عادة فلا يجوز بيعه نعم لو أن الهر أنفرد بشيء معين واشتُريَ من أجله بأن كان هذا الهر يصيد الفأر لأن بعض الهرر يصيد الفأر وكذلك أيضاً يقتل العقرب ويقتل الوزغ ويقتل الصراصر فإذا اتُخذَ لهذا فقد يقال بأنه جائز لأن فيه منفعة مباحة) اهـ.
6- وقال رحمه الله في (الشرح الممتع) [8/114]: (ولهذا اختلف العلماء في ذلك؛ فمنهم من أجازه، وحمل الحديث الذي فيه النهي على هرٍّ لا فائدة منه؛ لأن أكثر الهررة معتدٍ، لكن إذا وجدنا هرًّا مربى ينتفع به فالقول بجواز بيعه ظاهر؛ لأن فيه نفعاً) اهـ.
القول الثاني: التحريم وقال به: الظاهرية ورواية عن الإمام أحمد رحمه الله ، وحكاه ابن المنذر عن أبي هريرة رضي الله عنه وطاووس و مجاهد و جابر بن زيد.
أولاً: أدلتهم:
1- ما رواه مسلم في (الصحيح) [5/35 رقم: 4098] من حديث أَبِى الزُّبَيْرِ قَالَ سَأَلْتُ جَابِرًا عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ قَالَ زَجَرَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ ذَلِكَ.
2- ولفظ أبي داود في (السنن) [3/296 رقم: 3481] والترمذي في (الجامع) [2/568 رقم: 1279] عَنْ جَابِرٍ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ. وصححه العلامة الألباني رحمه الله في (الصحيحة) [6/470 رقم: 2971].
ثانياً: ذكر بعض أقوال أصحاب هذا القول:
1- قال الإمام ابن حزم رحمه الله في (المحلى) [9/13]: (ولا يحل بيع الهر فمن اضطر إليه لأذى الفأر فواجب وعلى من عنده منها فضل عن حاجته أن يعطيه منها ما يدفع به الله تعالى عنه الضرر) اهـ
2- وقال ابن القيم رحمه الله في (زاد المعاد) [5/685]: (تحريم بيع السنور كما دل عليه الحديث الصحيح الصريح الذي رواه جابر وأفتى بموجبه كما رواه قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن وضاح حدثنا محمد بن آدم حدثنا عبد الله بن المبارك حدثنا حماد بن سلمة عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله أنه كره ثمن الكلب والسنور قال أبو محمد : فهذه فتيا جابر بن عبد الله أنه كره بما رواه ولا يعرف له مخالف من الصحابة وكذلك أفتى أبو هريرة رضي الله عنه وهو مذهب طاووس ومجاهد وجابر بن زيد وجميع أهل الظاهر وإحدى الروايتين عن أحمد وهي اختيار أبي بكر عبد العزيز وهو الصواب لصحة الحديث بذلك وعدم ما يعارضه فوجب القول به) اهـ.
أما جواب الجمهور على دليل أصحاب القول الثاني:
1- قالوا: الحديث ضعيف، وممن قال بضعفه:
أ- الترمذي كما في (الجامع) [3/577 رقم: 1279]: (قال أبو عيسى هذا حديث في إسناده اضطراب ولا يصح في ثمن السنور وقد روي هذا الحديث عن الأعمش عن بعض أصحابه عن جابر واضطربوا على الأعمش في رواية هذا الحديث وقد كره قوم من أهل العلم ثمن الهر ورخص فيه بعضهم وهو قول أحمد و إسحق وروى ابن فضيل عن الأعمش عن أبي حازم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم من غير هذا الوجه) اهـ.
ب- والبغوي كما في (شرح السنة) [8/24 رقم: 2039] قال: (هذا حديث في إسناده اضطراب) اهـ.
ت- وأبو عوانة في (المستخرج) [6/38] قال: (في الأخبار التي فيها نهي عن ثمن السنور فيها نظر في صحتها وتوهينها) اهـ.
ث- وابن عبد البر كما في (التمهيد) [8/403] قال: (وحديث أبي سفيان عن جابر لا يصح لأنها صحيفة ورواية الأعمش في ذلك عندهم ضعيفة..... وليس في السنور شيء صحيح) اهـ.
2- وقالوا: على فرض صحة الحديث فالجواب من وجهين:
(أحدهما) جواب أبى العباس بن العاص وأبي سليمان الخطابي والقفال وغيرهم أن المراد الهرة الوحشية فلا يصح بيعها لعدم الانتفاع بها إلا على الوجه الضعيف القائل بجواز أكلها.
(والثاني) أن المراد نهى تنزيه والمراد النهى على العادة بتسامح الناس فيه ويتعاوزونه في العادة فهذان الجوابان هما المعتمدان. قاله النووي رحمه الله في (المجموع) [9/230]اهـ.
3- وقال النووي أيضاً في (شرح صحيح مسلم) [5/420]: (وأما النهي عن ثمن السنور فهو محمول على أنه لا ينفع أو على أنه نهي تنزيه حتى يعتاد الناس هبته وإعارته والسماحة به كما هو الغالب) اهـ.
4- وقال القرطبي في (المفهم) [6/217]: (وأحسن من هذا أن بيعه [أي: الهر] ، وبيع الكلب ليس من مكارم الأخلاق ، ولا من عادة أهل الفضل. والشرع ينهى عما يناقض ذلك ، أو يباعده ، كما قلنا في طرق الفحل) اهـ.
وردوا على رد الجمهور فقالوا:
1- قال النووي في (المجموع) [9/269]: (وأما ما ذكره الخطابي وابن المنذر أن الحديث ضعيف فغلط منهما ، لأن الحديث في صحيح مسلم بإسناد صحيح ) اهـ.
2- وقال البيهقي في (السنن) [6/18]: (وقد حمله بعض أهل العلم على الهر إذا توحش فلم يقدر على تسليمه ، ومنهم من زعم أن ذلك كان في ابتداء الإسلام حين كان محكوماً بنجاسته ، ثم حين صار محكوماً بطهارة سؤره حل ثمنه ، وليس على واحد من هذين القولين دلالة بينة) اهـ.
3- وقال الشوكاني في (نيل الأوطار) [6/227] رداً على حمل الجمهور النهي في الحديث على كراهة التنزيه ، وأن بيع الهر ليس من مكارم الأخلاق والمروءات، فقال: (ولا يخفى أن هذا إخراج للنهي عن معناه الحقيقي بلا مقتضٍ) اهـ.
4- قال الزركشي في (شرحه على) [3/678]: (وكلها محامل ودعوى لا دليل عليها) اهـ.
5- وقال ابن القيم في (زاد المعاد) [5/773-774]: (لا يخفى ما في هذه المحامل من الوهن) اهـ.
الترجيح:
قال أبو العباس السالمي عفا الله عنه:
إن الناظر إلى أقوال الفريقين يجد مدار الحكم في هذه المسألة هو الوقوف على حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما صحة وضعفاً، فإذا كان ضعيفاً فالقول قول الجمهور ولا ريب، وإن كان صحيحاً فلا يسعنا إلا أن نقول به، وإن خالفنا الدنيا بأسرها.
فإن كان ذلك كذلك؛ وجب تحرير الحديث وبسطه، مع تحري الإنصاف من غير ميل أو إجحاف، فدونك البسط، والله من وراء القصد:
عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ قَالَ سَأَلْتُ جَابِرًا عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ قَالَ زَجَرَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ ذَلِكَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحديث أخرجه مسلم في (صحيحه) [5/35 رقم: 4098]، وابن حيان في (صحيحه) [11/314 رقم: 4940]، والبيهقي في (الكبرى) [6/10 رقم:10819]، وفي (الصغرى) [2/277 رقم: 1539، 5/212 رقم: 1977] وفي (المعرفة) [4/398 رقم: 3552 ، 8/176 رقم: 3619] من طرقٍ عن معقل بن عبيد الله الجزري عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه به.
قلت: معقل بن عبيد الله الجزري، قال الحافظ في التقريب: صدوق يخطئ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: كان يخطئ، ولم يَفْحُش خطؤه، وقال أحمد بن حنبل: صالح الحديث، وقال النسائي: لا بأس به، واختلف قول يحيى بن معين فيه.
وأنصفه الإمام الذهبي رحمه الله في السير فقال: (وما عرفت له شيئاً منكراً فأذكره؛ وحديثه لا ينزل عن رتبة الحسن والله الموفق) اهـ.
قلت: وهو المعتمد - عندي- فالحديث (حسن لذاته صحيح بمجموع طرقه)، فدونك بيان ذلك:
فقد توبع معقل بن عبيد الله تابعه جماعة منهم:
1- عبد الله بن لهيعة، واختلف عنه:
فرواه حسن والوليد بن مسلم وعمرو بن خالد عنه قال حدثنا أبو الزبير قال : سألت جابرا عن ثمن الكلب والسنور ..... الحديث.
أخرجه أحمد في (المسند) [3/386 رقم: 15187]، وابن ماجة في (السنن) [2/731 رقم: 2161] مختصراً بدون ذكر الكلب، والطحاوي في (شرح معاني الآثار) [4/53 رقم: 5265].
وخالفهم: عبد الله بن يوسف وعثمان بن صالح وعبد الله بن الحكم فرووه عنه عن خير بن نعيم عن عطاء بن أبي رباح عن جابر قال: حَرَّمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَمَنَ السِّنَّوْرِ.
أخرجه الطبراني في (الأوسط) [9/33 رقم: 9054].
قلت: الحمل فيه على ابن لهيعة للكلام المعروف فيه
وقد توبع على الوجه الأخير تابعه حيوة بن شريح؛ فرواه عن خير بن نعيم عن أبي الزبير عن جابر أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ ، وَنَهَى عَنْ ثَمَنِ السِّنَّوْرِ.
أخرجه الطبراني في (الأوسط) [2/56 رقم: 1237]، والدارقطني في (السنن) [4/41 رقم: 3063].
قلت: الراوي عن حيوة بن شريح هو: أبو زرعة وهب الله بن راشد، قال أبو حاتم: محله الصدق وفضَّل ابن وارة عليه، وقال أبو سعيد بن يونس: لم يكن أحمد بن شعيب النسائي يرضى وهب الله بن راشد، وقال ابن حبان: يخطئ.
قلت: يعتبر به على أقل أحواله.
2- عمر بن زيد الصنعاني:
أخرجه أحمد في (المسند) [3/297 رقم: 14199]، وعنه أبو داود في (السنن) [3/419 رقم: 3809]، والترمذي في (الجامع) [2/569 رقم: 1280]، وابن ماجه في (السنن) [2/1082 رقم: 3250] بلفظ: ( نهى عن أكل الهرة وثمنها) والحاكم في المستدرك) [2/34 رقم: 2246]، والبيهقي في (الكبرى) [6/10 رقم: 10820].
جميعاً عن عبد الرزاق وهو في (مصنفه) [4/530]، عنه أنه سمع أبا الزبير المكي عن جابر : أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْهِرِّ.
قلت: عمر بن زيد الصنعاني ؛ قال عنه الحافظ في التقريب: ضعيف وهو غير ذلك فهو ضعيف جداً، بل منكر الحديث.
قال الترمذي عقب إخراجه لهذا الحديث: (حديث غريب، و عمر بن زيد، لا نعرف كبير أحد روى عنه غير عبد الرزاق) اهـ
قلت: سكت عنه الحاكم، وتعقبه الذهبي في التلخيص بقوله : (عمر واه) اهـ. و قال البخاري في (التاريخ الكبير): (فيه نظر) وأخرج هذا الحديث اهـ.
وقال ابن حبان في (الضعفاء) [ 2 / 82 ]: (ينفرد بالمناكير عن المشاهير على قلة روايته ، حتى خرج بها عن حد الاحتجاج به فيما لم يوافق الثقات) اهـ ثم أسند له حديثين منكرين حديثنا أحدهما.
قلت: وعليه؛ فلا يفرح به.
3- الحسن بن أبي الجعفر:
أخرجه أحمد في (المسند) [3/317 رقم: 14451، 22/ 302 رقم: 14411]، وأبو يعلى في (المسند) [3/427-428]، والدارقطني في (السنن) [4/42 رقم: 3065].
قلت: الحسن بن أبي جعفر هو ابن عجلان الجُفري، قال الفلاس: صدوق منكر الحديث وقال النسائي: ضعيف، وقال البخاري: هو الحسن بن عجلان وهو منكر الحديث، وقال ابن معين ليس بشيء.
قلت: وعليه؛ فلا يفرح به أيضاً.
4- شرحبيل بن سعد الخَطمي:
أخرجه أحمد في (المسند) [23/111 رقم: 14802]، قَالَ حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَبُو أُوَيْسٍ حَدَّثَنَا شُرَحْبِيلُ عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَقَالَ: (طُعْمَةٌ جَاهِلِيَّةٌ).
قلت: شرحبيل بن سعد ، هو أبو سعد الخطمي المدني، ضعفه الدارقطني وقال الحافظ: صدوق اختلط بأخرة.
وأبو أويس هو: عبد الله بن عبد الله الأصبحي المدني. قال الحافظ في (التهذيب): (قال أحمد: ليس به بأس، وقال ابن معين: ليس بقوي، وقال مرةً: ضعيف، وقال ابن المديني: كان عند أصحابنا ضعيفاً، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال أبو داود: صالح الحديث، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به وليس بالقوي)، وقال في (التقريب): (صدوق يهم) اهـ.
5- محمد بن زياد الألهاني:
أخرجه الطبراني في (الأوسط) [4/340 رقم: 1237]، قال حدثنا عبد الله بن وهيب الغزي قال نا محمد بن أبي السري العسقلاني قال نا بقية بن الوليد قال حدثني محمد بن زياد الألهاني عن جابر قال: نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَكْلِ الهِرِّ وَأَكْلِ ثَمَنِهَا.
قلت: بقية بن الوليد يدلس ويسوي، ولم يصرح بالسماع بين الألهاني وجابر، وكما قال أبو مسهر الغساني: أحاديث بقية ليست نقية ، فكن منها على تقية.
وفيه: محمد بن أبي السري وهو: بن المتوكل العسقلاني وثقه ابن معين. وقال أبو حاتم: لين الحديث. وقال ابن عدي: كثير الغلط، وقال الذهبي في (الميزان): (حافظ ، وثق ، و لينه أبو حاتم)اهـ. وقال الحافظ في (التقريب) : (صدوق عارف له أوهام كثيرة) اهـ
قلت: وعليه؛ فلا يعتبر به.
6- حماد بن سلمة:
أخرجه النسائي في (المجتبى) [7/190 رقم: 4295]، وفي (الكبرى) [3/151 رقم: 4806، 4/53 رقم: 6264]، وعنه الطحاوي في (المشكل) [12/83 رقم: 2663]، والدارقطني في (السنن) [4/43 رقم: 3068]، ومن طريقه ابن الجوزي في (التحقيق) [2/190 رقم: 1487]، من طرقٍ عنه عن أبي الزبير عن جابر قال: نُهِيَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ إِلاَّ كَلْبَ صَيْدٍ.
قال النسائي عقبه: قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: «هَذَا مُنْكَرٌ» اهـ
قلت: ووجه النكارة أجاب عنها البيهقي رحمه الله فقال عقب إخراجه للحديث: «وَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ غَيْرُ مَحْفُوظٍ فِي الْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّهْيِ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّهْيِ عَنِ اقْتِنَاءِ الْكَلْبِ، وَلَعَلَّهُ شَبُهَ عَلَى مَنْ ذَكَرَهُ فِي حَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ ثَمَنِهِ، مِنْ هَؤُلَاءِ الرُّوَاةِ الَّذِينَ هُمْ دُونَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ
قلت: رواه عن حماد بهذا اللفظ على الرفع جماعة منهم:
1- حجاج بن محمد.
2- الهيثم بن جميل.
وخالفهما عبيد الله بن موسى، فرواه عنه عن أبي الزبير عن جابر (على الشك) فقال: لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ «نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ»
أخرجه الدارقطني في (السنن) [4/43 رقم: 3067]
وخالف الجميع؛ عبد الواحد بن غياث وسويد بن عمرو وأبو نعيم؛ ثلاثتهم رووه عنه عن أبي الزبير عن جابر موقوفاً به.
أخرجه ابن المنذر في (الأوسط) [11/204 رقم:6598]، والدارقطني في (السنن) [4/44 رقم: 3069]، والبيهقي في (الكبرى) [6/10 ر قم: 11012].
قلت: وصحح الدارقطني الوقف فقال عقبه: «هَذَا أَصَحُّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ» اهـ
هذا... وله وجه آخر عن جابر؛ رواه أبو سفيان عنه:
ورواه عن أبي سفيان الأعمش واختلف عنه:
فرواه عيسى بن يونس عنه عن أبي سفيان عن جابر قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ.
أخرجه أبو داود في (السنن) [2/300 رقم: 3479]، والترمذي في (الجامع) [2/568 رقم: 1279]، ومن طريقه ابن الجوزي في (العلل المتناهية) [2/596 رقم: 981]، وابن الجارود في (المنتقى) [1/149 رقم: 580]، والطحاوي في (بيان المشكل) [7/80 رقم: 2657]، والطبراني في (الأوسط) [3/295 رقم: 3201]، والدارقطني في (السنن) [4/41 رقم: 3062]، وأبو عوانه في (المستخرج) [6/37 رقم: 4286]، والحاكم في (المستدرك) [2/34 رقم: 2244]، وعنه البيهقي في (الكبرى) [6/11 رقم: 11360].
وخولف عيسى بن يونس؛ خالفه:
1- وكيع:
فرواه عنه أي الْأَعْمَشَ (على الشك) ، قَالَ: أَرَى - أَظُنُّ - أَبَا سُفْيَانَ، ذَكَرَهُ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ».
أخرجه ابن أبي شيبة في (المصنف) [7/296 رقم: 36232]، وأبو يعلى في (المسند) [4/187 رقم: 2275].
2- حفص بن غياث:
فرواه عنه أي الْأَعْمَشَ (على الشك), حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ , عَنْ جَابِرٍ أَثْبَتَهُ مَرَّةً، وَمَرَّةً شَكَّ فِي أَبِي سُفْيَانَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ " نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ "
أخرجه الطحاوي في (بيان المشكل) [12/73 رقم: 4651]، وفي (شرح المعاني) [4/52 رقم: 5256]، وأخرجه - أيضاً - الحاكم في (المستدرك) [2/34 رقم: 2244] ولكن (بدون شك).
قلت: أبو سفيان هو: طلحة بن نافع، صدوق غير أن روايته عن جابر صحيفة، وقال أبو خيثمة عن ابن عيينة حديث أبي سفيان عن جابر إنما هي صحيفة وكذا قال وكيع عن شعبة،... وفي العلل الكبير لعلي بن المديني أبو سفيان لم يسمع من جابر إلا أربعة أحاديث وقال فيها: أبو سفيان يكتب حديثه وليس بالقوي؛ وقال أبو حاتم عن شعبة: لم يسمع أبو سفيان من جابر إلا أربعة أحاديث، قلت لم يخرج البخاري له سوى أربعة أحاديث عن جابر وأظنها التي عناها شيخه علي بن المديني منها حديثان في الأشربة قرنه بأبي صالح وفي الفضائل حديث اهتز العرش كذلك والرابع في تفسير سورة الجمعة قرنه بسالم بن أبي الجعد. كما في (تهذيب التهذيب) [18/27].
قلت: وحديثنا ليس منها!!
قال ابن عبد البر في (التمهيد) [8/403]: (وحديث أبي سفيان عن جابر لا يصح لأنها صحيفة ورواية الأعمش في ذلك عندهم ضعيفة) اهـ
وأعلَّ أيضاً بالاضطراب:
قال الترمذي عقب إخراجه للحديث: (هَذَا حَدِيثٌ فِي إِسْنَادِهِ اضْطِرَابٌ وَلاَ يَصِحُّ فِي ثَمَنِ السِّنَّوْرِ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ ، عَنِ الأَعْمَشِ ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ ، عَنْ جَابِرٍ ، وَاضْطَرَبُوا عَلَى الأَعْمَشِ فِي رِوَايَةِ هَذَا الحَدِيثِ) اهـ
وقال البيهقي عقب إخراجه للحديث: (فَالْأَعْمَشُ كَانَ يَشُكُّ فِي وَصْلِ الْحَدِيثِ، فَصَارَتْ رِوَايَةُ أَبِي سُفْيَانَ بِذَلِكَ ضَعِيفَةً) اهـ
الخلاصة:
سبق وقد قلتُ: إن الفيصل في هذه القضية تحرير حديث الباب، وقد تم بفضل الله وكرمه، وعليه؛ فقد خلصت إلى عدة أمور منها:
1- صحة حديث الباب، وقد أصاب الإمام مسلم رحمه الله في تخريجه له في صحيحه.
2- وتوهين قول من ضعفه.
3- وتوهين رأي الجمهور في تجويزهم بيع الكلب والسنور.
4- وأن الراجح هو تحريم بيعهما.
5- مع جواز شرائهما للضرورة كدفع صائل.
6- وإذا تحققت منفعة اتخاذهما فجائز –أعني جائز الاتخاذ- وعلى من عنده منهما فضل عن حاجته فليعط منهما من ليس عنده ومضطر إليهما؛ ليدفع بهما الله تعالى عنه الضرر، كما قرره ابن حزم رحمه الله.
7- أما بيعهما على الإطلاق فحرام وباطل – كما تقدم- ورحم الله الإمام الشوكاني إذ يقول – وما أجمل كلامه- في (السيل الجرار) [1/492]: (وإذا عرفت هذا فبيع تلك الأعيان المنصوص عليها في الأحاديث حرام باطل ومن جادل في ذلك وألزم بإلزامات مذهبية فهو منتصب للرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وما لنا ولكون فلان لم يعمل بكذا أو ترك العمل بكذا فلزمه كذا فإن هذه المباحثة بالجهل أشبه منها بالعلم واستعمال القواعد الجدلية عند الكلام على الأدلة الشرعية من التلاعب الذى لا يرضاه متدين وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل ولم يضع أهل العلم تلك القواعد الجدلية المذكورة في علم المناظرة إلا لتدريب أذهان المتنازعين في علم الرأي ورياضة أفهامهم ولا يستجيز مسلم أن يثبت بها أحكام الشرع أو يبطلها ومن زعم خلاف هذا فمن قصوره أتي ومن تفريطه أصيب)اهـ.
والله تعالى أعلم.
وصلِّ اللهم وبارك على عبدك ورسولك محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً
وكتب :
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي الأثري
القصيم – عنيزة
23/1/1436هـ