بعض الناس إذا قيل لهم العالم فلان حذر من الشيخ فلان لأجل كذا وكذا من الأسباب والمخالفات القائمة على حجج دامغة أنه فعلا وقع فيها يقول:…
السؤال: مئتان وثمانية وسبعون:
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته شيخي الجليل
بعض الناس إذا قيل لهم العالم فلان حذر من الشيخ فلان لأجل كذا وكذا من الأسباب والمخالفات القائمة على حجج دامغة أنه فعلا وقع فيها يقول: نعم، العالم الفلاني حذر منه صحيح، لكن هذا لا يعني أن لا نجلس إليه ولا يؤخذ العلم عنه نهاية
وكأنه لا يفرق بين:
(١) التحذير العام من شخص لأسباب معنية و
(٢) التحذير من بعض مع وقع فيه شخص دون التحذير من ذاته
ويجعل الأول كالثاني ويجوّز من خلال ذلك الأخذ ممن حذر منه أحد المشايخ تحذيرا عاما لأسباب معينة
فما هو الصواب في هذا وهل الأصل في قول عالم "احذروا من فلان لأجل كذا وكذا وكذا" أنه يريد عدم الأخذ عنه وعدم الجلوس إليه أو أنه يريد أنه لا مانعَ في الأخذ عنه والجلوس إليه إلا فيما ذكر من أسباب التحذير؟
الحمد لله:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الجواب في هذه المسألة يحتاج إلى تفصيل:
لأن هذه المسألة من المسائل التي وقع فيها الخلط عند كثير من الناس؛ بسبب عدم التفريق بين التحذير من الخطأ، والتحذير من المخطئ، مع أن أئمة السُّنَّة فرقوا بينهما أعظم تفريق.
فليس كل من قال فيه العالم: "أخطأ"، أو "لا يُتابع في هذه المسألة"، أو "هذا القول باطل"، يكون قد أسقطه ومنع من الأخذ عنه؛ لأن المقصود هنا بيان بطلان القول، لا الحكم على الشخص في باب التلقي.
أما إذا قال العالم الناصح البصير: "احذروا فلانًا"، أو "لا تجلسوا إليه"، أو "لا يؤخذ عنه"، أو "فلان يُحذَّر منه"، وذكر أسبابًا توجب هذا التحذير؛ فإن الأصل في هذا اللفظ -عند أهل السُّنَّة- أنه تحذير من الشخص نفسه في باب التلقي والانتفاع بعلمه، لا مجرد التحذير من مسألة بعينها.
وبيان ذلك أن التحذير من الشخص حكم عملي، وليس مجرد حكم علمي في مسألة أو مسائل.
فلو كان مراد العالم أن يحذر من خطأ معين فقط، لقال: "أخطأ في كذا"، أو "قوله في كذا باطل"، أو "لا يُتابع على هذا القول"، كما هي عادة الأئمة في حق الأئمة الثقات الذين زلوا في بعض المسائل.
أما إذا انتقل من بيان الخطأ إلى قوله: "احذروا فلانًا"، فقد انتقل من نقد المقالة إلى التحذير من صاحبها، وهذا له مقتضاه وآثاره.
ولهذا انظر إلى صنيع أئمة الجرح والتعديل؛ فإنهم كانوا يقولون في الإمام الثقة: "وهم في كذا"، و"أخطأ في هذا الحديث"، و"له أفراد أو له مناكير"، ومع ذلك يوثقونه ويحتجون به؛ لأن الجرح لم يتوجه إلى شخصه، وإنما إلى بعض رواياته أو أقواله.
أما إذا قالوا: "متروك"، أو "لا يكتب حديثه"، أو "ليس بثقة"، أو "احذروا منه"، فإن أحدًا من أهل الحديث لم يفهم من ذلك: خذوا عنه، ولكن اتركوا بعض أخطائه! بل فهموا أن هذا جرح في باب التلقي، ولذلك تركوا الرواية عنه أصلًا.
ولهذا كان الإمام أحمد، ويحيى بن معين، والبخاري، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وغيرهم، إذا جرحوا رجلًا جرحًا مفسرًا، لم يكن أحد من أصحابهم يقول: نعم، الإمام حذر منه، ولكن لا مانع أن نجلس إليه ونأخذ عنه! لأن هذا إبطال لمقصود الجرح.
ولو كان هذا الفهم صحيحًا، لما بقي للتحذير معنى؛ إذ يصبح قول العالم: "احذروا فلانًا" مساويًا لقوله: "أخطأ في كذا"، وهذا خلاف اصطلاح الأئمة، وخلاف صنيعهم، وخلاف ما فهمه تلامذتهم.
ولهذا فإن من أعظم الخطأ أن تُسوَّي بين عبارتين مختلفتين:
الأولى: "فلان أخطأ في كذا." فهذه موجهة إلى القول.
الثانية: "احذروا فلانًا." فهذه موجهة إلى الشخص.
والفرق بينهما كالفرق بين من يقول: احذر هذا الطعام لأنه فاسد، وبين من يقول: احذر هذا الإناء فإن كل ما فيه ملوث.
ولهذا قرر أهل السُّنَّة أن التحذير من الأشخاص إنما شرع لحماية الدين وأهله، وصيانة العامة وطلاب العلم من الاغترار بمن قامت أسباب التحذير منه، وليس المقصود مجرد تسجيل موقف علمي لا يترتب عليه أثر.
فإذا صدر التحذير العام من عالم سلفي بصير، عارف بأسباب الجرح، وذكر موجباته، فإن الأصل حمل كلامه على ظاهره، وهو أن الرجل لا يُتلقى عنه العلم، ولا يُجلس إليه، ولا يُمكَّن من التأثير في الناس، حتى تظهر توبته ورجوعه، ويشهد له بذلك أهل العلم.
أما صرف كلام العلماء عن ظاهره، والقول: "هو حذر منه، لكن لا بأس بالأخذ عنه والجلوس إليه"، فهذا في الحقيقة إفراغ للتحذير من مضمونه، وإبطال للغاية التي من أجلها تكلم العلماء.
قال الإمام أحمد رحمه الله: "إذا سكت العالم تقية، وسكت الجاهل بجهله، فمتى يتبين الحق؟". وكان السلف يعدون التحذير من أهل البدع والباطل من النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم.
فالواجب أن تُفهم ألفاظ العلماء على اصطلاحهم، لا على الأفهام الحادثة؛ فإن من لم يفرق بين التحذير من المقالة والتحذير من صاحبها، فقد خلط بين بابين متغايرين، وأفسد دلالة كلام الأئمة، وفتح بابًا لإهدار التحذيرات الشرعية، حتى تصبح ألفاظهم لا يترتب عليها أثر، وهذا خلاف منهج السلف رحمهم الله. والله أعلم.
من ضمن سلسلة (الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص)
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته شيخي الجليل
بعض الناس إذا قيل لهم العالم فلان حذر من الشيخ فلان لأجل كذا وكذا من الأسباب والمخالفات القائمة على حجج دامغة أنه فعلا وقع فيها يقول: نعم، العالم الفلاني حذر منه صحيح، لكن هذا لا يعني أن لا نجلس إليه ولا يؤخذ العلم عنه نهاية
وكأنه لا يفرق بين:
(١) التحذير العام من شخص لأسباب معنية و
(٢) التحذير من بعض مع وقع فيه شخص دون التحذير من ذاته
ويجعل الأول كالثاني ويجوّز من خلال ذلك الأخذ ممن حذر منه أحد المشايخ تحذيرا عاما لأسباب معينة
فما هو الصواب في هذا وهل الأصل في قول عالم "احذروا من فلان لأجل كذا وكذا وكذا" أنه يريد عدم الأخذ عنه وعدم الجلوس إليه أو أنه يريد أنه لا مانعَ في الأخذ عنه والجلوس إليه إلا فيما ذكر من أسباب التحذير؟
الحمد لله:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الجواب في هذه المسألة يحتاج إلى تفصيل:
لأن هذه المسألة من المسائل التي وقع فيها الخلط عند كثير من الناس؛ بسبب عدم التفريق بين التحذير من الخطأ، والتحذير من المخطئ، مع أن أئمة السُّنَّة فرقوا بينهما أعظم تفريق.
فليس كل من قال فيه العالم: "أخطأ"، أو "لا يُتابع في هذه المسألة"، أو "هذا القول باطل"، يكون قد أسقطه ومنع من الأخذ عنه؛ لأن المقصود هنا بيان بطلان القول، لا الحكم على الشخص في باب التلقي.
أما إذا قال العالم الناصح البصير: "احذروا فلانًا"، أو "لا تجلسوا إليه"، أو "لا يؤخذ عنه"، أو "فلان يُحذَّر منه"، وذكر أسبابًا توجب هذا التحذير؛ فإن الأصل في هذا اللفظ -عند أهل السُّنَّة- أنه تحذير من الشخص نفسه في باب التلقي والانتفاع بعلمه، لا مجرد التحذير من مسألة بعينها.
وبيان ذلك أن التحذير من الشخص حكم عملي، وليس مجرد حكم علمي في مسألة أو مسائل.
فلو كان مراد العالم أن يحذر من خطأ معين فقط، لقال: "أخطأ في كذا"، أو "قوله في كذا باطل"، أو "لا يُتابع على هذا القول"، كما هي عادة الأئمة في حق الأئمة الثقات الذين زلوا في بعض المسائل.
أما إذا انتقل من بيان الخطأ إلى قوله: "احذروا فلانًا"، فقد انتقل من نقد المقالة إلى التحذير من صاحبها، وهذا له مقتضاه وآثاره.
ولهذا انظر إلى صنيع أئمة الجرح والتعديل؛ فإنهم كانوا يقولون في الإمام الثقة: "وهم في كذا"، و"أخطأ في هذا الحديث"، و"له أفراد أو له مناكير"، ومع ذلك يوثقونه ويحتجون به؛ لأن الجرح لم يتوجه إلى شخصه، وإنما إلى بعض رواياته أو أقواله.
أما إذا قالوا: "متروك"، أو "لا يكتب حديثه"، أو "ليس بثقة"، أو "احذروا منه"، فإن أحدًا من أهل الحديث لم يفهم من ذلك: خذوا عنه، ولكن اتركوا بعض أخطائه! بل فهموا أن هذا جرح في باب التلقي، ولذلك تركوا الرواية عنه أصلًا.
ولهذا كان الإمام أحمد، ويحيى بن معين، والبخاري، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وغيرهم، إذا جرحوا رجلًا جرحًا مفسرًا، لم يكن أحد من أصحابهم يقول: نعم، الإمام حذر منه، ولكن لا مانع أن نجلس إليه ونأخذ عنه! لأن هذا إبطال لمقصود الجرح.
ولو كان هذا الفهم صحيحًا، لما بقي للتحذير معنى؛ إذ يصبح قول العالم: "احذروا فلانًا" مساويًا لقوله: "أخطأ في كذا"، وهذا خلاف اصطلاح الأئمة، وخلاف صنيعهم، وخلاف ما فهمه تلامذتهم.
ولهذا فإن من أعظم الخطأ أن تُسوَّي بين عبارتين مختلفتين:
الأولى: "فلان أخطأ في كذا." فهذه موجهة إلى القول.
الثانية: "احذروا فلانًا." فهذه موجهة إلى الشخص.
والفرق بينهما كالفرق بين من يقول: احذر هذا الطعام لأنه فاسد، وبين من يقول: احذر هذا الإناء فإن كل ما فيه ملوث.
ولهذا قرر أهل السُّنَّة أن التحذير من الأشخاص إنما شرع لحماية الدين وأهله، وصيانة العامة وطلاب العلم من الاغترار بمن قامت أسباب التحذير منه، وليس المقصود مجرد تسجيل موقف علمي لا يترتب عليه أثر.
فإذا صدر التحذير العام من عالم سلفي بصير، عارف بأسباب الجرح، وذكر موجباته، فإن الأصل حمل كلامه على ظاهره، وهو أن الرجل لا يُتلقى عنه العلم، ولا يُجلس إليه، ولا يُمكَّن من التأثير في الناس، حتى تظهر توبته ورجوعه، ويشهد له بذلك أهل العلم.
أما صرف كلام العلماء عن ظاهره، والقول: "هو حذر منه، لكن لا بأس بالأخذ عنه والجلوس إليه"، فهذا في الحقيقة إفراغ للتحذير من مضمونه، وإبطال للغاية التي من أجلها تكلم العلماء.
قال الإمام أحمد رحمه الله: "إذا سكت العالم تقية، وسكت الجاهل بجهله، فمتى يتبين الحق؟". وكان السلف يعدون التحذير من أهل البدع والباطل من النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم.
فالواجب أن تُفهم ألفاظ العلماء على اصطلاحهم، لا على الأفهام الحادثة؛ فإن من لم يفرق بين التحذير من المقالة والتحذير من صاحبها، فقد خلط بين بابين متغايرين، وأفسد دلالة كلام الأئمة، وفتح بابًا لإهدار التحذيرات الشرعية، حتى تصبح ألفاظهم لا يترتب عليها أثر، وهذا خلاف منهج السلف رحمهم الله. والله أعلم.
من ضمن سلسلة (الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص)