الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. المقالات

مَعاقِدُ العِزَّةِ ومَزالِقُ الذُّلِّ: تأمُّلات في تزكيةِ النُّفوسِ وبناءِ الرِّجال

٨ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ٢٥ أبريل ٢٠٢٦
المقالاتالعقيدة والتوحيدالرقائق والآداب
مقال بعنوان: (مَعاقِدُ العِزَّةِ ومَزالِقُ الذُّلِّ: تأمُّلات في تزكيةِ النُّفوسِ وبناءِ الرِّجال)

الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، له الحمدُ أولًا وآخرًا، ظاهرًا وباطنًا، حمدًا يملأ الأركان، ويبلغ الرضوان، والصلاةُ والسلامُ على نبينا محمدٍ أفصحِ من نطق بالبيان، وأصدقِ من دعا إلى الإيمان، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان، أما بعد:

فإن هذه الكلمةَ البليغة، والحكمةَ الأثيرة من الإمام عبد الحميد بن باديس رحمه الله:
(الجاهلُ يمكنُ تعليمُه، والجافي يمكنُ تهذيبُه، لكنَّ الذليلَ الذي نشأ على الذلِّ، يتعذَّرُ أن تُغرسَ في نفسه عِزّةٌ وإباء)
لَتَنْفُذُ إلى سويداءِ القلوب، وتغوصُ إلى قرارِ العيوب، فتكشفُ خبيءَ الداءِ، وتُجلِّي أصلَ البلاءِ، إذ تُشير إلى معقِدٍ دقيقٍ من معاقِدِ التربية، ومَفصلٍ خطيرٍ من مفاصلِ السلوك والعقيدة؛ وهو: تحقيقُ العزَّةِ لله وحده، والتنصُّلُ من ربقةِ الذلِّ لغيره.

فالجهلُ عارضٌ يُدافَع، وضبابٌ يُرتفَع، ليس قدرًا مُبرمًا، ولا حكمًا مُحكَمًا؛
فتح الله له أبوابَ البيان، وأجرى له ينابيعَ العرفان، فقال سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
فالعلمُ شمسٌ لا يأفل ضياؤها، ونورٌ لا يخبو سناه، يُحيي القلوب بعد موتها، ويُقيم العقول بعد عثارها، ومن صدق في الطلب، سُقي من معين الحب، فترقَّى من حضيض الجهل إلى ذُرى الفهم، ومن دَرَكِ الغفلة إلى شرفِ اليقين والعلم.

والجفاءُ قسوةُ طبعٍ، وجفوةُ قلبٍ، وخشونةُ خُلق، غير أنه داءٌ تُرجى عافيته، وسقمٌ تُرتجى سلامته؛ فالأخلاقُ تُكتسب، والطباعُ تُهذَّب، والنفوسُ تُروَّض،
ومن لازم رياض الأدب، وجالس أهل السمت والهدى، لانَ بعد شِدَّة، ورقَّ بعد قسوة، فصار بعد الجفوة أُنسًا، وبعد الغلظة لِينًا، وبعد النفورِ قبولًا وحُسنَ عشرة.

وأما الذلُّ - وما أدراك ما الذلُّ - فهو الداءُ العضال، والوباءُ المستطال، ودركٌ سافلٌ تنحطُّ فيه الهمم، وتخورُ عنده العزائم، ليس خللًا في فرعٍ من فروع الخصال، بل هو فسادٌ في أصل الحال، وانكسارٌ في صميم القلب، واختلالٌ في ميزان العبودية والانقياد.

فالذليلُ الذي رُبِّي على الهوان، ونشأ في مهادِ الاستكانة والامتهان، قد أَلِفَ الضَّعفَ حتى استمرأه، واستعذبَ الدُّونَ حتى لم يفارقه، فأضحى يرى العزَّةَ كِبرًا، والجرأةَ طيشًا، والحقَّ مغنمًا يُتَّقى لا مقصدًا يُرتجى، فإذا دُعي إلى العلوِّ انكفأ، وإذا نُودي إلى الحقِّ توانى واستخفى.

ومن هنا جاء النداءُ الربانيُّ عاليًا، يُحيي القلوبَ بعد مواتها، ويُقيم النفوسَ بعد انكسارها: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، فالعزّةُ قرينةُ الإيمان، والرفعةُ ثمرةُ الإيقان، والذلُّ قرينُ الخذلان، وعلامةُ ضعفِ الجَنان.

وليس كلُّ ذلٍّ مذمومًا، بل منه ما هو رفعةٌ وسموٌّ، وشرفٌ وعلوٌّ؛ فذلُّ العبد لربه عزٌّ في حقيقته، وانكسارُه بين يديه رفعةٌ في درجته، به تُمحى الزلات، وتُرفع الدرجات، وتُفتح أبواب القربات.

وأما الذلُّ للخلق، والخضوعُ لغير الحق، رهبةً أو رغبة، فهو هوانٌ يُسقِطُ المروءة، ويُطفئُ جذوةَ العزيمة، ويُورثُ خمولًا في نصرة الحق، وجرأةً في مقارفة الباطل،
فيغدو صاحبه أسيرَ خوفٍ أو طمع، لا ينهض لحق، ولا ينكفُّ عن باطل.

والعزّةُ - عباد الله - ليست لفظًا يُتلى، ولا شعارًا يُعلى، بل هي ثمرةُ توحيدٍ صافٍ، ويقينٍ وافٍ؛ فمتى امتلأ القلبُ بتعظيم الرب، صغُر في عينه كلُّ أرب،
ومتى تعلَّق بالخلق، تفرَّق بين أيديهم، وذاق مرارةَ الذلِّ بعد عزٍّ، والهوان بعد رفعةٍ.

فالعزّةُ منبعُها السماء، ومعدنُها الولاء لله وحده، لا تُنالُ بدنيا، ولا تُشترى بسلطان، ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾. وليس في هذا إغلاقٌ لباب الرجاء، ولا إياسٌ من روح الله، فقلوبُ العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن، يقلِّبها كيف يشاء، وقد يُخرج الله من الذلِّ عزًّا، ومن الانكسار قوة، ومن الضعف بأسًا، ولكن الحزمَ كلَّ الحزم، في سدِّ ذرائع الهوان، قبل رسوخ أركانه،
والحذرَ كلَّ الحذر، من تربية النفوس على الدعة والمهانة، فإنها تُنبت جذورًا عميقة، وأغلالًا وثيقة، يعسر فَكُّها، ويثقل حِملُها.

فاللبيبُ من ربَّى نفسَه على ثلاثٍ لا انفصام لها:
علمٌ يرفع الجهل ويُجليه، وأدبٌ يُهذّب الطبع ويُزكّيه، وتوحيدٌ يُورث العزّة ويُعليه.
فالشجاعةُ كلُّ الشجاعةِ في صدعٍ بالحق لا يُدارى، والضعفُ كلُّ الضعفِ في خضوعٍ للباطل لا يُوارى، ومن اعتصم بالله اعتزَّ، ومن ركن إلى غيره انخذل واهتزَّ، ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾، فمن خشي الله علا، ومن خشي الناس سفل، ومن لازم باب الحق ارتفع، ومن لاذ بالباطل انخفض واندفع.
نسأل الله أن يكسونا حللَ العزَّة بطاعته، وأن يجنِّبنا دركاتِ الذلِّ بمعصيته،
وأن يجعلنا من أهل الحق الذين لا تزلزلهم الفتن، ولا تُثنيهم المحن، يقومون بالحق، ويثبتون عليه، لا تأخذهم في الله لومة لائم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمدٍ، وعلى آله وصحبه، صلاةً دائمةً نامية، تُزكّي القلوب، وتُطهِّر الذنوب، وتبلغنا بها أعلى الدرجات وأشرفَ القُرُبات، وسلِّم تسليمًا كثيرًا.

وكتبَه راجي عفو ربِّه، ومؤمِّل ستره وقُربه:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي
غفر الله له ولوالديه
وللمسلمين
أجمعين.

الإسكندرية - ليلةُ السبت: 8 ذو القعدة 1447 هـ
في ساعةٍ يُرجى فيها القبول، وتُرتقب فيها نفحاتُ الوصول
.

مواد ذات صلة