الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. المقالات

لا تمنح ثقتك لأحد حتى تستبين أربعًا

٢٧ محرم ١٤٤٨ هـ١٢ يوليو ٢٠٢٦
المقالاتالعقيدة والتوحيدالمنهج والدعوة السلفيةالرقائق والآداب
مقال الأسبوع: (لا تمنح ثقتك لأحد حتى تستبين أربعًا)

الحمد لله الذي جعل الصدق سبيلَ النجاة، والأمانةَ عنوانَ الولايات، وأمر عباده بلزوم الحق والثبات، وحذَّرهم من اتباع الأهواء والشبهات. أحمده سبحانه حمدًا يملأ الأرض والسماوات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً تُورث صاحبها الأمن يوم الفزعات، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، المبعوثَ بأكمل الشرائع وأوضح البيِّنات، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه، ومن سار على نهجهم واقتفى آثارهم إلى يوم الممات.

أما بعد:
فإن من أعظم البلايا التي ابتُلي بها الناس في هذا الزمان أن الثقة أصبحت تُمنح بالعاطفة قبل المعرفة، وبالمظاهر قبل المخابر، وبحلاوة المنطق قبل صدق العقيدة، وبكثرة الأتباع قبل صحة الاتباع. فكم من رجلٍ حسُن لسانه، وساءت سريرته! وكم من متصدرٍ راقت عباراته، ثم كشفت الأيام خبيئة منهجه وخطل مسلكه! وصدق من قال: ليس كل لامعٍ ذهبًا، ولا كل ناطقٍ مصيبًا، ولا كل متصدرٍ مؤتمنًا.

ولذلك كانت الشريعة المطهرة تدعو إلى التثبت، وتأمر بالتبيُّن، وتنهى عن الاغترار بالظواهر، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾. فليس من الحكمة أن يفتح المرء قلبه لكل أحد، ولا أن يجعل ثقته بضاعةً رخيصةً يتداولها الناس بلا ميزان ولا برهان.

ولهذا قالت العرب كلمةً جليلةً تدل على فقهٍ بالتجارب، وإن كان الوحي هو الميزان الأكمل، فقالوا: (لا تمنح ثقتك لأحد حتى تستبين أربعًا: حياءه، وحسن ظنه، وثبات وده، وتقديمه الحق على نفسه).

وهذه الخصال الأربع، وإن كانت من محاسن الأخلاق، فإنها في ميزان أهل السُّنَّة لا تنفك عن أصلٍ أعظم، وهو سلامة العقيدة، وصحة المنهج، وصدق الديانة، وتعظيم الوحي، وتقديم النص على الرأي، والحق على الأشخاص.
فمن فقد هذا الأصل، لم تنفعه زخارف الأخلاق إذا خالفتها أصول الاعتقاد، ومن حققه زادته تلك الخصال رفعةً وكمالًا.

وفي هذه المقالة نقف مع هذه الوصية وقفاتٍ على ضوء الكتاب والسُّنَّة، وفهم السلف الصالح، لننظر كيف يكون الرجل أهلًا للثقة، ومتى تُصان القلوب من الاغترار، ولماذا كان أهل السُّنَّة يعرفون الرجال بالحق، ولا يعرفون الحق بالرجال.

أولًا: الحياء... زينة الإيمان، وعلامة الأمان:
ابتدأت العرب بالحياء؛ لأنه أصلٌ جامع، وخلقٌ مانع، به تُصان المروءات، وتُحفظ الحقوق والحرمات. وليس الحياء في ميزان الشريعة خجلًا مذمومًا يمنع صاحبه من قول الحق، ولا ضعفًا يورث المهانة، وإنما هو خلقٌ يبعث على فعل الجميل، ويمنع من القبيح.

وقال النبي ﷺ: «الحياء من الإيمان»، وقال ﷺ: «إذا لم تستح فاصنع ما شئت»؛ أي: إذا فارق الحياء القلب لم يبق فيه وازع يردعه عن القبائح.

ولهذا كان السلف يعدون الحياء من أعظم دلائل صلاح السريرة؛ لأن من استحيا من الله راقب أمره ونهيه، ومن استحيا من الناس كف أذاه عنهم، ومن استحيا من نفسه لم يرض لها الدنايا.

أما من تجرأ على أعراض المسلمين، أو استهان بحرمة العلماء، أو أطلق لسانه في الطعن والوقيعة والمكر والكذب والتلبيس، فلا يغتر أحد ببلاغته، ولا بفصاحته، ولا بكثرة أتباعه؛ فإن الحياء إذا نُزع من القلب انفتح باب كل شر.

ولهذا قال الإمام ابن القيم رحمه الله: والحياء من الحياة، ومنه «الحيا» للمطر، لكن هو مقصور. وعلى حسب حياة القلب يكون فيه قوَّةُ خُلُق الحياء، وقلَّةُ الحياء من موت القلب والرُّوح، فكلَّما كان القلب أحيى كان الحياء أتمَّ) انتهى من مدارج السالكين [2/612].
فإذا رأيت الرجل قليل الحياء في ألفاظه، أو خصوماته، أو تعامله مع العلماء وإخوانه، فاعلم أن ذلك نذير خلل في قلبه، وإن تزين بشيء من العلم أو البيان.

ثانيًا: حسن الظن... وليس الغفلة عن أهل الأهواء:
ثم ذكرت العرب (حسن الظن)، وهو من محاسن الأخلاق إذا كان في موضعه.
وأهل السُّنَّة هم أبعد الناس عن سوء الظن بالمؤمنين، وتتبع عوراتهم، وحمل كلامهم على أسوأ المحامل، بل يلتمسون لإخوانهم الأعذار ما وجدوا إليها سبيلًا، ويحفظون ألسنتهم عن الظنون الفاسدة.

لكنهم في الوقت نفسه لا يجعلون حسن الظن ذريعة لإهمال الأصول، ولا وسيلة لتعطيل النصيحة، ولا سببًا لترك التحذير من أهل البدع والأهواء.

وقد كان السلف الصالح يُحسنون الظن بالمؤمن المستور، ويحملون كلامه على أحسن المحامل ما وجدوا إلى ذلك سبيلًا، امتثالًا لأمر الشرع في حفظ أعراض المسلمين، واجتناب الظنون الفاسدة، غير أن ذلك لم يكن يومًا سذاجةً تُعمي الأبصار، ولا غفلةً تُسقط الاعتبار، ولا بابًا يُتسلل منه أهل الأهواء إلى قلوب أهل السُّنَّة.

فإذا ظهرت بدعة الرجل، أو بان انحرافه، أو عُرف عنه التلبيس على الناس، أو تكرر منه نقض الأصول، لم يبق مجال للتعلق بالأوهام، ولا للتذرع بحسن الظن؛ إذ الأحكام تُبنى على الظواهر، والسرائر إلى الله تعالى. ولهذا كان السلف يحذرون من أهل البدع، ويكشفون شبههم، ويبينون أخطاءهم، صيانةً للدين، ورحمةً بالمسلمين.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «وأما أهل الأهواء والخصومات: فهم مذمومون في مناقضاتهم؛ لأنهم يتكلمون بغير علم ولا حسن قصد لما يجب قصده» انتهى من مجموع الفتاوى [29/42].
ولهذا كان من الخطأ البين أن تُطلق الدعوة إلى (إحسان الظن بكل أحد)؛ فإن هذا الإطلاق ليس من هدي السلف، بل المشروع هو إحسان الظن بالمؤمن المعروف بالاستقامة، مع التثبت، والفطنة، وعدم الاغترار بالمظاهر، ولا سيما إذا تعلق الأمر بأهل البدع، أو أصحاب المناهج المنحرفة، أو من عُرفوا بالتلون والتلبيس؛ فإن الشرع لم يأمرنا أن نُحسن الظن بمن قامت الأدلة على انحرافه، وإنما أمرنا بالعدل والإنصاف، وأن ننزل الناس منازلهم، فلا نظلم مستقيمًا بسوء الظن، ولا نغتر بمن أظهر الانحراف بحجة حسن الظن.

ومن هنا جمع أهل السنة بين سلامة الصدر، وقوة البصيرة؛ فلا يسيئون الظن بالمؤمنين بغير بينة، ولا يُسلِّمون عقولهم لكل متكلم، ولا يجعلون حسن الظن سببًا لتعطيل النصيحة، أو إسقاط الجرح المفسر، أو تمييع التحذير من أهل الأهواء. فالمؤمن كَيِّسٌ فطن، يجمع بين رحمة القلب، ويقظة العقل، واتباع الدليل، فلا يخدعه بريق العبارات، ولا زخرف الشعارات، وإنما يزن الرجال بميزان السُّنَّة والآثار.

ثالثًا: ثبات الود... لا تقلبه الأهواء ولا المصالح:
ومن أعظم ما يُعرف به الرجال ثبات المودة، فكم من صاحبٍ أظهر المحبة ما دامت المصالح قائمة، فلما خالفته في رأي، أو نصحته في خطأ، أو لم توافق هواه، انقلب عليك، وأظهر ما كان يخفيه من الضغائن.
أما صاحب السُّنَّة، فإن مودته مبنية على الدين، لا على الدنيا، وعلى الحق، لا على الهوى.
قال تعالى: ﴿الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين﴾. فكل محبة لم تُبن على التقوى فإنها تنقلب يومًا إلى عداوة، وكل مودة قامت على المصالح فإنها تزول بزوالها.
ومن هنا كان السلف يفرحون بمن ينصحهم، ويعدون الناصح محسنًا إليهم، ولا يجعلون النصيحة سببًا للقطيعة، ولا الخلاف في المسائل الاجتهادية بابًا لإسقاط الحقوق.
أما أهل الأهواء، فإن روابطهم كثيرًا ما تقوم على الأشخاص، فإذا اختلفت النفوس تفرقت الصفوف، وانكشفت المستورات.

رابعًا: تقديم الحق على النفس... شعار أهل السُّنَّة، وفارقهم عن أهل البدعة:
وهذه هي الخصلة الجامعة، بل هي ميزان الخصال كلها.
فليس الشأن أن يعرف الإنسان الحق، وإنما الشأن أن يذعن له إذا خالف هواه، أو رأيه، أو شيخه، أو حزبه، أو أصحابه.
ولهذا كان أهل السُّنَّة يقولون: (نعرف الرجال بالحق، ولا نعرف الحق بالرجال).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كما في (مجموع الفتاوى) [20/164]: «وليس لأحد أن ينصب للأمة شخصا يدعو إلى طريقته ويوالي ويعادي عليها غير النبي صلى الله عليه وسلم ولا ينصب لهم كلاما يوالي عليه ويعادي غير كلام الله ورسوله وما اجتمعت عليه الأمة بل هذا من فعل أهل البدع الذين ينصبون لهم شخصا أو كلاما يفرقون به بين الأمة يوالون به على ذلك الكلام أو تلك النسبة ويعادون.» اهـ.
وعن مُجَاهِدٍ قَالَ: «لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ إِلَّا وَهُوَ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إِلَّا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم»
وهذا الأصل هو الذي حفظ الله به أهل السُّنَّة من التعصب للأشخاص، فلا إمام عندهم معصوم، ولا شيخ فوق النقد، ولا عالم يُتابع على خطئه.
وكان الإمام ابن القيم رحمه الله يقول: «فَعَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَتَّبِعَ هَدْيَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي قَبُولِ الْحَقِّ مِمَّنْ جَاءَ بِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَعَدُوٍّ وَحَبِيبٍ وَبَغِيضٍ وَبَرٍّ وَفَاجِرٍ، وَيَرُدُّ الْبَاطِلَ عَلَى مَنْ قَالَهُ كَائِنًا مَنْ كَانَ» انتهى من (إعلام الموقعين) [1/82].
وهذا هو الامتحان الحقيقي؛ فكم من إنسان يزعم أنه يطلب الحق، فإذا جاءه على لسان من يخالفه أعرض عنه، أو أولَّه، أو ردَّه، لا لضعف الدليل، ولكن لأن نفسه لم تطب بقبوله.

وقد قرر شيخنا الإمام ربيع بن هادي المدخلي رحمه الله هذا الأصل في مواضع كثيرة، وبين أن السلفيين إنما يجتمعون على الدليل، لا على الأشخاص، وأن العالم مهما بلغ فضله فإنه يُحب ويُوقر، لكن لا يُتابع على خطئه، ولا يُجعل قوله ميزانًا للحق والباطل، وإنما الميزان هو كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ بفهم السلف الصالح.

ومن هنا كان الرجوع إلى الحق عند السلف فضيلة، لا منقصة، وشرفًا، لا مذمة، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل."

وإن الناس لا يُعرفون بطول ألسنتهم، ولا بحسن هيئاتهم، ولا بكثرة أتباعهم، وإنما يعرفون عند الفتن، وعند الخصومات، وعند ظهور الحق.

فإذا رأيت الرجل يستحيي من الله، ويحسن الظن بإخوانه في موضعه، ويثبت على مودته، ويؤثر الحق على هواه، فاعلم أنك أمام رجلٍ رُجيت خيرُ صحبته.

أما إذا رأيته يتلون مع المصالح، ويتعصب للأشخاص، ويغضب لنفسه أكثر من غضبه للحق، ويعرف الحق بالرجال، لا الرجال بالحق؛ فإياك أن تمنحه ثقتك قبل أن تمتحنه الأيام، فإن الأيام تُظهر خبايا النفوس، وتميز الصادق من المدعي، كما قال تعالى: ﴿ وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ ۚ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ ﴾ [محمد: 30] وهذه الآية أصلٌ عظيم في أن ما في القلوب لا يلبث أن يظهر على اللسان، وأن المرء يُعرف من منطقه، وأسلوبه، وتعريضه، وإشاراته، وإن أخفى حقيقة ما في نفسه.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهل الصدق والإخلاص، وأن يرزقنا الإنصاف والعدل، وأن يحيينا على السُّنَّة، ويميتنا عليها، ويحشرنا في زمرة النبي ﷺ وأصحابه، غير مبدلين ولا مغيرين، والحمد لله رب العالمين.

وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه
الثغر السكندري - من الديار المصرية - حرسه الله وسائر بلاد المسلمين
ليلة الأحد 27 شهر الله المحرم 1448هـ

مواد ذات صلة